منتدى الجزيرة التاسع: نتائج المسابقة البحثية

banner.jpg

فازت في المسابقة البحثية الأولى التي أطلقتها دورة منتدى الجزيرة التاسع الذي ينظم في الفترة ما بين 4-6 مايو / آيار 2015 بالدوحة، وتخص فئة الشباب، خمس أوراق بحثية في موضوع "الصّراع والتغيير في العالم العربي".

وتفاعل مع المسابقة عدد  كبير من الشباب في العالم العربي. حيث استقبلت لجنة التحكيم الخاصة بالمسابقة 204 ورقة بحثية باللغتين العربية والإنجليزية، من دول مختلفة مثل: المغرب، السودان، الأردن، تونس، سوريا، الجزائر، فلسطين، موريتانيا، اليمن، مصر، الصومال، ليبيا، العراق، لبنان، روسيا، البحرين، السعودية، عمان، تركيا، أميركا.

وقد خضغت الأوراق المشاركة للتحكيم على مرحلتين من قبل لجنة من خارج شبكة الجزيرة تتكون من الأسماء التالية:

  • الدكتور فتحي الجراي الأستاذ بجامعة تونس
  • الدكتور عبد الله ولد عبد الرحمن أحمد الأستاذ في جامعة قطر
  • الدكتور سيف الدين عبد الفتاح الأستاذ في جامعة القاهرة
  • الدكتور هبة رؤوف عزت الأستاذة في جامعة القاهرة
  • الدكتور سعيد الصديقي الأستاذ في جامعة العين بالإمارات العربية المتحدة

وقد أعلنت اللجنة التحكيمية فوز 5 ورقات بحثية ليحل أصحابها ضيوفا على منتدى الجزيرة التاسع.

وهم:
 

الإسم

الدولة

عنوان البحث

عياد أحمد البطنيجي

فلسطين

التغيير والصراع في العالم العربي: منظور جيو- استراتيجي ما بعد استعماري

نور الدين جوادي

الجزائر

قراءة في المرجعية الاقتصادية للربيع العربي

 كأرضية لفهم السبل والآفاق

كريم حميدوش

المغرب

التغيير في العالم العربي

دروس و عبر

الحسن حما

المغرب

التغيير والنهوض في العالم العربي..أسئلة في أدوار المثقف وإسهاماته في ديناميكية الثورات العربية

طلحة عبد الرازق

بريطانيا

Change in the Arab World: Approaches and Possibilities

 

تحول النموذج في الفكر السياسي الفلسطيني

ساسة بوست

ثمة جملة تراكمات بطيئة تحدث في الإطار المفهومي أو النموذج الإدراكي للفكر السياسي الفلسطيني. تجد مصدرها فيما بات يُعرف في الأوساط المعنية بنهاية حل الدولتين. فبعد أن قطع الفلسطينيون طريقهم من تحرير كامل التراب الفلسطيني، والعودة إلى الاعتراف بإسرائيل والقبول بدولة فلسطينية على 20%، صُدموا بعد عقدين من التفاوض المباشر مع الحكومات الصهيونية المتعاقبة أن حل الدولتين وصل إلى نهايته قبل أن يتحول إلى واقع، بالرغم من بقائه كافتراض نظري، أما إمكانية تحوله إلى واقع فقد أصبح بحكم المستحيل.

والمفارقة أن لا نموذج حل الدولتين، ولا نهايته يعكسان الإرادة الفلسطينية. فحل الدولتين تبلور في الإطار الدبلوماسي الدولي لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي في إطار التوافق العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة. وفي سياق هذا التحول، أصبح المجتمع الدولي هو من يحدد شروط المقاومة الشرعية، وأسلوب مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

هكذا انتقل الفلسطينيون، أو إن شئنا الدقة بعضهم؛ من المقاومة المطلوبة إلى المقاومة الشرعية، من مقاومة تتسق مع طبيعة الصراع وأُسُسه الكلّيّة الثابتة، إلى مقاومة يتقبلها المجتمع الدولي بصرف النظر عن مدى اتساقها مع حقائق الأمور، من خلال تمثلها “الفعل الناعم” وهو ما تعبر عنه السياسة الرسمية “بالمقاومة الدبلوماسية والقانونية”، وبالتالي استيهام شروط التقدم الكوني. في هذا السياق جاء حل الدولتين كحل مطروح ومتبلور من قبل المجتمع الدولي يُفرض على الإرادة الفلسطينية التي ينبغي تطويعها أو استدخالها داخل هذا المفهوم الجديد للصراع، وأن تتحرك داخل أفق الشرعية الدولية. “وعلى الفلسطينيين أن يقبلوا شاكرين ما يُمنح لهم”.

أما نهاية حل الدولتين جيء على يد ما يسمى “باليمين الصهيوني” الذي اكتشف، وعلى خلاف اليسار الصهيوني، أن جذور الصراع تمتد إلى 1948 وليس إلى 1967. والنتيجة لا يمكن تسوية الصراع مع الفلسطينيين، والمطلوب هو التحول من حل الصراع أو تسويته إلى إدارته.

يعود اليمين الصهيوني إلى جوهر الصراع الذي يحاول الكثيرون طمسه تحت شعارات وهمية كالشراكة والسلام والتسوية وغير ذلك. إذ تحولت إسرائيل من عدو استعماري استيطاني إحلالي إلى شريك وجار وأخ. عادت الصهيونية إلى جذور الصراع – إلى حقائقه الأولى – وعليه أعلنت عن نهاية حل الدولتين، ورفض العودة إلى حدود 67، واللاشريك الفلسطيني، ويهودية الدولة، مع تمسكها بالتسوية كخطاب ممجوج يتسم بعمومية وبضبابية تُوظف في إطار إدارة الصراع ولاحتواء الضغوط الخارجية.

في إطار حل الدولتين ونهايته لم يكن الفلسطينيون سوى طرف مفتعل به، لم يكونوا أصحاب إرادة حقيقة لا في هذا (حل الدولتين)، ولا في ذاك (نهاية حل الدولتين). وعلى الرغم من أن الوقائع على الأرض لا تشير إلى نهاية حل الدولتين فحسب، بل وتشير إلى أن أفق هذا الحل بات شبه منعدم إن لم يكن معدومًا بالكامل. ومع ذلك ما زال البعض يتمسك به ويلجأ إلى المجتمع الدولي؛ لوضعه أمام مسؤولياته متوهمًا أن المجتمع الدولي سوف يصطدم بالإرادة الصهيونية بدلاً منهم. إلا أن ذلك ليس تعبيرًا أيضًا عن إرادة حقيقية بقدر وعيهم أن مشروع الدولتين هو مشروع أوروبي، فمن باب أولى أن تدافع أوروبا عن مشروعها، وبالتالي تحميلها المسؤولية الدولية في إنهاء الاحتلال إدراكا منهم صعوبة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي من خلال فعل فلسطيني.

منذ البداية ثمة من رفض نموذج حل الدولتين انطلاقا من الحقائق التالية:

1. إن نموذج حل الدولتين لا يستجيب للسؤال الفلسطيني الجوهري ألا وهو سؤال النكبة الجرح الفلسطيني الذي لم يندمل قط.

2. إن نموذج حل الدولتين لا يستجيب لأي من المشكلات الجوهرية: مسألة اللجوء والعودة، ولا لمشكلة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ولا لمسألة الأرض، ولا حتى للموارد الطبيعية لفلسطين، الأنهار، والمياه الجوفية، وغيرها من الموارد الطبيعية التي استولت عليها عصابة بني صهيون.

3. إن نموذج حل الدولتين لا يستجيب للمسألة الأخلاقية، أو هو غير مرتكز على جوانب أخلاقية، بل يتموقع داخل بُعد علاقات القوة غير المتكافئة التي تعمل لصالح إسرائيل.

نعم إن حل الدولتين يشكل المخرج الوحيد كي تفلت إسرائيل من ورطتها البنيوية. هذا فضلاً عن كونه حلاً مانعًا لديمومة الصراع. ولكن لهذا السبب يجب علينا كفلسطينيين أن نرفض حل الدولتين لا أن نسعى إليه. نعم هو حلٌ يحل الورطة الصهيونية لكن لا يحل الورطة الفلسطينية. بمعنى أن نموذج حل الدولتين يحل المُشكل اليهودي ولا يحل المُشكل الفلسطيني.

ومن المستهجن معرفة ذلك والتمسك بحل الدولتين؛ فهل المطلوب أن نحافظ على إسرائيل بتحويلها إلى كيان ثابت ومستقر ومندمج في المنطقة؟! فالموقف الوطني هو مقاومة ذلك، لذا فالموقف المستقيم هو رفض حل الدولتين. والغريب أن إسرائيل هي من ترفضه بينما ما تزال فئة من الفلسطينيين تتمسك به لا بسبب إمكانية تحققه بعد أن تأكد لها أنه من غير الممكن إنفاذه، وإنما يستخدم نموذج حل الدولتين من قبل النخبة الرسمية؛ كي تعيد إنتاج نفسها حيث ارتبطت به ارتباطًا عضويًا لكي تبرر وجودها من خلاله.

وحين نضع النموذج المعرفي لمنظمة التحرير داخل دائرة السؤال النقدي، ومعالجته نقديًا عبر مواجهته بأسئلة مشتقة من السياق الفكري للنظام المعرفي للمنظمة، يظهر لنا بشكل جلي عجزه عن تقديم أجوبة حقيقة مقبولة عن الأسئلة المثارة. وهذا بالطبع يساهم في خلخلته والتي نحاول أن نبثها في قلب الخطاب السياسي للمنظمة الذي تشكلت بواكيره منذ أواسط السبعينات، مما يمهد إلى تشكيل نموذج معرفي يوجه الوعي السياسي الفلسطيني ويرسم له أطره وحدوده التي لا ينبغي تجاوزها طالما بقيت حقائق الصراع جاثمة.

إذ تستدعي الضرورة تغيير هذا النظام العرفي للمنظمة المتحكم بالسلوك السياسي الفلسطيني، والانفصال عنه، ولن يكون ذلك إلا بعد التشبع بالشبكة الداخلية للمفاهيم والمقولات الخاصة بالنظام المعرفي للمنظمة التي تنظم الإطار العام للممارسة السياسية.

يقوم هذا النظام المعرفي على ثلاثة مرتكزات متداخلة تعمل كنظام موحد متشابك: المرحلية، العقلانية السياسية وما ينبثق عنها من مفاهيم تركز على الطابع العملي (البرجماتي)، الواقعية السياسية. كما نلاحظ هنا أن هذه المرتكزات أدت في النهاية إلى انزلاق المنظمة وفرعها السلطة الفلسطينية إلى مواقع خطأ منذ البداية، ومن غير الممكن معالجة هذا الخطأ بقرارات جزئية كما تفعل المنظمة قبل معالجة موقعها ودورها داخل المنظومة ككل، أقصد المنظومة الاستعمارية. وذلك بالهرب إلى موقع بديل من خلال المجاهدة لخلق مسار جديد يشكل قطعية جذرية مع هذا الموقع الراهن، لأنه منذ البداية كان موقع السلطة عبئًا على الشعب والكفاح الوطني الفلسطيني.

ويتضح من هذه المرتكزات أنها تتأسس على فكرة الميتافيزيقيا الغربية التي هز قواعدها مفكرو ما بعد الحداثة إذ أطلقوا عليها “ميتافيزيقيا الحضور”، ووجهوا لها ضربات خلخلت بنيانها واتساقها الذاتي والهوية الموحدة المتوهمة التي تدعيها لنفسها. وبالتالي هي مرتكزات لا تتأسس على خصوصية السياق الفلسطيني.

وهذا ما جعل منطق الممارسة السياسية في السياق الاستعماري يعاني من حالة انفصام ذاتي. وبخاصة أنه منطق أدى في نهاية المطاف إلى وضعية متناقضة جذريًا مع غاياته المتمثلة في تحرير كامل التراب الفلسطيني. فهذه المرتكزات أدت في النهاية إلى المصالحة مع الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني. وباتت العقلانية السياسية الفلسطينية تتعارض مع المرحلية التي أمست نهاية في الفكر السياسي الفلسطيني. وباتت البرجماتية السياسية الفلسطينية الرسمية تتعارض مع قوى أخرى تستخدمها لتحقيق غايات أخرى.

وعلى سبيل المثال، فإذا كانت دولة على حدود الرابع من حزيران 1967، هي تجسيد للعقلانية السياسية التي ترى أن التحرير الكامل غير ممكن، وأن الممكن والعملي والعقلاني هو دولة على حدود 1967، فماذا لو تبين – وقد تبين بالفعل – أن هذا الحل غير ممكن وبات مثاليًا يوازي تحرير فلسطين كاملة، وبات ما هو ممكن في هذه الغضون هو الدولة المؤقتة التي ترفضها المنظمة والسلطة، أو دولة في قطاع غزة، فما الفرق بين ذلك وبين المنطق الفكري الذي يرتكز عليه تبرير الدولة في حدود 1967؟! لماذا دولة تشمل الضفة والقطاع هي “أفضل” من دولة في قطاع غزة فقط؟ ألا ترى أيها القارئ الكريم أن مبرر دولة في قطاع غزة يستند إلى نفس مبرر الدولة في حدود 67؟ ما الفرق بين دولة على 7% من فلسطين، ودولة على 20%؟ لماذا هذه وطنية وتلك خيانة وطنية؟!

وهذا ما يؤكد أن خطاب منظمة التحرير عاجزٌ عن تقديم أجوبة عن أسئلة مشتقة من داخل نظامه المعرفي الذي انقلب ضده أو إلى نقيضه، وبات هذا النظام متعارضًا مع فكرة التطابق الذاتي والهوية الموحدة. وهذا يؤكد أن مقاصد ومقولات وأبعاد وغايات النموذج المعرفي للمنظمة وشبكة مفاهيمها الخاصة متعارضة وخادعة؛ بسبب قصورها الذاتي والمنطقي في تبرير منهجها ومسلكها السياسي، ومتعارض بنيويًا مع السياق الفلسطيني الاستعماري.

والمعنى أن الفكر السياسي الفلسطيني لم يبق متمسكًا بمنطلقاته الأولى التي تجسدت في الميثاق الوطني 1967، وتراجع عن تعريفة للصهيونية إذ أخضعه للمساومة، فما يفترض أن يكون ثابتًا في الفكر والممارسة تحول إلى فعل رجراج ومتأرجح يمكن المساومة عليه.

وتحول التناقض الرئيس بين الفلسطيني والصهيوني من تناقض غير قابل للحسم إلا بانتصار أحد الطرفين، إلى تناقض ثانوي يمكن معالجته والتفاهم معه.

فالثابت أن لا مجال للتعايش بين تصورين ومنطقين للجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، مما يعني أن الصراع قد تتبدل أشكاله وأدواته، يمكن لهدنات أن تحصل، ووقف إطلاق النار أن يجري بحذر وبتفهم من قبل الفلسطيني ولكن لا يمكن لسلام موهوم أن يعيش ويبقى مستمرًا لأنه متعارض بنيويًا مع منطق الأشياء.

المعنى أنه لابد من إصلاح المنظمة، ولكن من خلال إجراء مراجعة نقدية لمسارها الذي دخلت فيه. ولا ينبغي أن تكون هذه المراجعة من داخل الوعي السائد، بل لابد أن تشكل قطيعة جذرية مع هذا الوعي، ومع النموذج المعرفي الذي هيمن على المنظمة منذ أواسط السبعينات الذي يوجه هذا الوعي، ويرسم له أطره وحدوده، وعلى ذلك يتم اتخاذ القرارات المصيرية.

أما اتخاذ قرارات مصيرية إن أمكن ذلك، قبل المراجعة النقدية هو كمثل من يضع العربة أمام الحصان، أي غبار من دون أثر على حد قول البعض. وبالتالي من غير الممكن إعادة النظر بطبيعة السلطة وشكلها ووظائفها والتزاماتها، دون نقد المسار المنحرف للمنظمة. ولأن ثمة تناقضات داخلية لا تتسق مع ذات الفكر الراسخ حول التصورات الفلسطينية للصراع، التي تريد تثبيت أوضاع قارة، وبدلاً من ذلك لابد من فتح الأفق أمام المزيد من الاحتمالات، وتوسيع فضاء الفهم والتفسير والوصول إلى مناطق لم تستكشف بعد في مسيرة نضال المنظمة التي أفضت إلى نتائج تتعارض مع غاياتها المفترضة، مثل ما حاولنا استكشافه كقبول دولة على شبر من فلسطين يوازي منطق قبول دولة على حدود 1967 لا فرق بين الاثنين .

لقد بدأ بالفعل عقد ورش عمل ومحاضرات ومؤتمرات، فضلاً عن أبحاث وكتابات فلسطينية معمقة؛ لنقد حل الدولتين وطرح أفق جديد للممارسة السياسية الفلسطينية تستقيم مع طبيعة الصراع والسياق الاستعماري في فلسطين. إذ بدأت بواكير مدرسة فلسطينية جديدة تطرح مفاهيمَ ونماذجَ مختلفة للمشكل الفلسطيني. تعيد استدخال الحقل الفلسطيني في أفقه الصحيح. لأن الإطار المفهومي الذي ساد الحقبة الماضية وبفعل من ظواهر مستجدة غير قادر على فهم أو تقديم تفسير لها، بحيث باتت الضرورة العلمية تستدعي تقديم إطار مفهومي تفسيري جديد؛ كي يمكن فهم المستجدات إذ أصبح البرادايم القديم غير قادر على فهمه، فدخل في أزمة تفتح الطريق للتفكير في البحث عن إطار مفهومي جديد تتحرك الممارسة السياسية الفلسطينية في إطاره.

النظام العالمي ونمط الانتاج الراسمالي:

للماركسيين موقف سديد بخصوص توصيف تحولات السياسة والثقافة والاقتصاد في عالمنا المعاصر، حِقبة العولمة أو الحداثة العالية. يتمثل في أنه مهما حصل من تغيير في الاتصالات والتبادل على المستوى العالمي فإن الرأسمالية مستمرة. فإن كان هناك أفولٌ للدولة القومية- وأنا اختلف مع هذا الرأي- وثمة تقارب في الأذواق الثقافية والاجتماعية، وعالمية الانتاج والاستهلاك إلخ. فإن كل ذلك يحصل داخل نمط الانتاج الرأسمالي، مما يعني أن كل ما يحصل هو صورة جديدة للاستغلال عن طريق تراكم فائض القيمة وربما شكل جديد من تقسيم العمل وما يصاحبه من تمركز أعظم الانتاج في الشركات والمؤسسات العملاقة. وهو استمرار الاغتراب (التشيؤ)، والاستغلال، والسيطرة العالمية والمحلية، والصراعات على النفوذ والمال والسلطة. 

وهذه رأي موافق للصواب، فلو ألقينا نظرة سريعة على القوى التي سيطرت عالميا: السيطرة الهولندية والاسبانية والبرتغالية وبعدها الفرنسية والبريطانية وامريكا اليوم، نجد رغم تبدل القوة المسيطرة إلى أن منطق الممارسة بقي هو ذاته. مما يعني أنه حتى لو تبدلت القوى الراهنة وانزاحت من امريكا الى غيرها أو حتى ظهرت عدة قوى، وانتقل العالم من نظام أحادي الى متعدد، فإن منطق الممارسة سوف يبقى هو ذاته: نظام عالمي بدون عدالة يقوم على القهر والسيطرة والظلم والاستغلال ونهب ثروات الشعوب. لماذا؛ لأن الإزاحة تتم داخل نمط الانتاج نفسه: الرأسمالية.

مساهمة “تيموثي ميتشل” في تقديم درس العلوم السياسية

ساسة بوست

يعتبر ثيموتي ميتشل من أشهر علماء السياسة المعاصرين، وهو غزير الإنتاج تغطي أعماله مجموعة متنوعة من الموضوعات في النظرية السياسية، والاقتصاد السياسي المعاصر للشرق الأوسط، ونظرية الدولة الحديثة، وموضوعات أخرى بخصوص منطق الممارسة السياسية مثل التحول الزراعي، والإصلاح الاقتصادي، وسياسات التنمية، واختراع الفلاح، وتشكيل الدولة المعاصرة، والعلاقة بين القانون والملكية الخاصة والعنف. ويكتب في مشكلات السياسة المعاصرة من جهة العولمة وتطور الرأسمالية، وعلاقة النفط بالديمقراطية وبالسياسة عمومًا.

أهم ما قام به مؤلف كتاب “استعمار مصر” هو سبر غور مفهوم السلطة الحديثة من منظور مغاير، حيث قام بحركة تصحيح وتجديد في نظرية الدولة الحديثة بعد تلميحاته الاحتجاجية على مناهج دراسة السلطة الحديثة. إذ قدم مساهمات نظرية سياسية ومعرفية جديدة تساهم في تعميق الفهم في الكثير من الإشكاليات التي تواجه التنظير حول الدولة القومية، فضلًا عن بناء نظرة متكاملة حول آليات عمل السلطة الحديثة.

يتميز ميتشل في طرائق معالجته للموضوعات التي يشتغل عليها، فصحاب كتاب “حكم الخبراء”، لا يطبق النظريات المهيمنة في حقل اختصاصه على موضوعات اشتغاله الخاص، بل يقوم بتأمل تلك النظريات مضيفًا إليها، معدلًا عليها، متجاوزًا إياها في كثير من الأحيان، وصولًا إلى وضع نظريات تساهم في فهم منطق السلطة والقانون والاقتصاد الحديث. وذاك ليس عبر الكتب والمراجع النظرية فحسب، بل عبر إقامته وسط القرى (المصرية خاصة) التي اشتغل عليها.

وبالتالي فهو لا يتعاطى مع تلك النظريات من منطلق التلقي السلبي، بل يحاكمها ويخضعها للنقد والتمحيص. لذا فهو دائمًا متشكك يثير العديد من الإشكاليات التي تتغافل عنها النظرية الاجتماعية الحديثة، وتحجبها خلف حجاج يبدو منطقيًّا وعقلانيًّا.

لذا فإن ميتشل يفضح هذا التغافل، ويدخل في عمق البنية الكامنة للنظريات والمفاهيم السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية ليحاكمها؛ ليكشف عما تتستر عليه، وصولًا إلى تبيان عجزها وتهافت مرتكزاتها وأسانيدها العلمية المزعومة. لذا فهو باحث من طراز مختلف يحق نعته بالباحث الإشكالي المتمرد.

تأتي أعمال “تيموتي ميتشل” متزامنة مع اللحظة التي يمر بها الحقل المعرفي المعاصر خاصة الحقل العلمي الذي يشهد حالة انتقالية قد تشكل توطئة للحظة تأسيس جديدة، قد تساهم في تحول البراديغم العلمي السائد حسب مصطلحات “توماس كون”، تحول يتجاوز النظم المعرفية للعلم الحديث الذي جيء به محمولًا على أكتاف الحداثة ورؤيتها للعالم.

يمكن موضعة ميتشل في سياق ما تتكشف عنه الحداثة من إشكاليات نظرية تتجلى بوضوح في التنظيرات النقدية المعاصرة التي تتغذى على مثالب الحداثة ذاتها. حيث موضعة كتابات ميتشل على المستوى النظري في سياق ما تثيره ما بعد الحداثة من إشكاليات بخصوص نظم الحداثة ومناهجها وبالكيفية التي تتناول فيها الواقع الاجتماعي.

لذا فهو (أي ميتشل) مفكر مشاكس لا يقبل بما يطرحه خطاب الحداثة من مقولات نظرية مسلمة تبدو كأنها نهائية. مقابل ذلك فهو يعمل على نقل هذا الخطاب المعرفي الحداثوي من حالة اليقين إلى حالة الظن أو ما بات يعرف بـ” نزعة الارتياب” مما يجعل الإبداع ممكنًا.

لا يني صاحب “الديمقراطية والدولة في العالم الثالث” ملتزمًا بمقدماته النظرية يقرأ بحسبها الاقتصاد والسياسية والتاريخ والدولة والسلطة والقانون في الشرق الأوسط، وبخاصة مصر الذي يتردد عليها بشكل دوري مراقبًا وباحثًا ومحاضرًا. وغالبًا ما نقرأ له المقولات النظرية ذاتها مطبقًا إياها على حقول معرفية مختلفة. وتكشف هذه الملاحظة عن تماسك منهجي في ما يتم اجتراحه من مقاربات.

فما دامت المقولات ذاتها تطبق على حقول معرفية متباينة فهذا يعني أن هذه الحقول تشهد حالة تداخل لا قطيعة. وهذا يعني أيضًا أن ثمة وحدة إبستمولوجية للعلوم الاجتماعية، مما يناقض خطاب الحداثة ونظمها المعرفية المستندة إلى مقولة الانفصال إذ ترى الحقول الاجتماعية نظم مقفلة مكتفية بذاتها تأسس نفسها بنفسها.

وبالتالي يمكن قراءة مظاهر تحولات الاقتصاد من خلال مقولات سياسية أو ثقافية، وقراءة تحولات سياسية معينة في ضوء مقولات اقتصادية أو ثقافية، وهكذا نرى التداخل بين القانون والعنف، السياسة والاقتصاد، الخاص والعام. وعليه لا تظهر هنا الحقول بصورة نقية خالصة، فقلما نرى الاقتصاد، مثلًا، يوجد بصورته النقية الخالصة، بل يوجد مغطاة بالعلاقات السياسية والقانونية والأيديولوجية التي تتجسد فيه.

وعليه فطالما أن الحدود بين الحقول مائعة وملتبسة وغير ثابتة فإن النتيجة المترتبة على ذلك هي التداخل وليس الانفصال المزعوم من قبل الحداثة ذاتها. هنا تكمن أهمية ميتشل حيث يجاري التحولات المعرفية التي تدعو إلى وحدة العلوم.
وهو ما يتزامن مع ظهور تيار واسع في الغرب ينادي بالوحدة الإبستيمولوجية للعلوم الطبيعية والاجتماعية، وهذا بالطبع سوف يعيد بناء طبيعة الأسئلة التأسيسية التي تمحورت حولها المرجعية المعرفية الحداثية، تلك الأسئلة المتعلقة عما هو كائن وما يجب أن يكون، ومضمون ما هو كائن ومحتواه وجوهره، أي الواقع الذي يتوجب البدء بتعريفه ومن ثم تحديد ما يناسبه من مفاهيم ومرجعيات، أي على المستوى الإبستيمولوجي.

وهكذا فإن قراءة أعمال صاحب “ديمقراطية الكربون” تساهم في تعميق فهم الباحث في العلوم السياسية بخصوص التحولات السياسية للعالم المعاصر، وتزيد من كُنه النظرية السياسية من خلال استكشاف مواطن الاختلاف بينه، وغيره من المنظرين السياسيين المعاصرين، بهدف معرفة مدى مساهمته في تطوير تقاليد التحليل السياسي المعاصرة. حيث يتصور أنها تشكل أبرز محاولة في التنظير السياسي المعاصر حول الدولة. إن أية مساهمة جديدة للدرس السياسي لا يمكن لها أن تتجاهل مؤلفات الرجل، ولا أريد القول إن أي تطوير في نظرية الدولة لا بد له أن ينطلق من حيث ما انتهى إليه ميتشل، حيث تكمن جوهر مساهمته في انكشاف حقيقة الدولة الحديثة ومنطق عملها كخطاطة.

ومع ذلك فإن كل عمل إنساني يبقى غير مكتملٍ. والمعنى أن هناك مؤاخذاتٍ على طروحات ميتشل. ولأن أعماله قريبة أكثر للمنطق ما بعد الحداثي الذي يتنكر لمسألة الأصول. وعلى سبيل المثال إن ميتشل يبالغ في تصوير العلاقة بين الدولة والمجتمع الذي يصورهما كأنهما كيانان متساويان في القوة والمقدار، كل منهما يعيد تشكيل الآخر بحسبه لما يتمتع به من مقدرة على فرض نفسه على الآخر بصورة متكافئة في إطار كلي يشملهما.

فهذا تصور، وعلى ما ينطوي عليه من جوانب صحيحة، بيد أنه في نهاية الأمر يمثل شيئًا ثانويًّا أو عرضيًّا غير أصيل لا يمت إلى الأصل التأسيسي لمسألة الدولة. فالتركيز على العمليات اليومية وعلى الاستقرار والرتابة كما يفعل ميتشل لا يعطي صورةً حقيقيةً عن أصل الدولة. لماذا يتجاهل ميتشل حالة الاستثناء على سبيل المثال أو أدوات العنف المادي التي تنطوي على دلالات كبرى.
إن الدولة تتأسس على معيار السيادة المحدد لنموذج الدولة القومية الحديثة، ويعني حاكمية السياسة بمفهومها الشامل المهيمن على كل دوائر النشاط الإنساني. لما يتضمنه من مبدأ تحكم إطلاقي. إذ يعتمد نظام الدولة الحديثة على التفكيك، من أجل تمركز الولاء السياسي، ما يعني تفكيك الاجتماعي الذي لا يدين لنظام الدولة مثل العشيرة والقبيلة والطائفة وغيرها من البنيات الاجتماعية التقليدية، حتى تتأقلم مع بناء الدولة الحديثة المتمركزة حول ذاتها كقيمة سيادية مطلقة.

فهي أقوى المؤسسات والمحتكرة للسيادة التي تبسط سقفها على المؤسسات الاجتماعية كافة، لأنها أكبر حائز على رأس المال الاجتماعي والسياسي والرمزي والاقتصادي، وحقها في التدخل في بقية الحقول الاجتماعية، واختراق لكل المساحات الاجتماعية والهيمنة على الأفراد واحتكارها للرشد والحديث باسم الأخلاق، ما يعطيها الفعالية في تشكيل كل المجالات على صورتها.

إن ميتشل قد تغافل عن الأصول التأسيسية للدولة الحديثة، التي تعني في نهاية المطاف أن الفردية هي من إنتاج الدولة الحديثة لتؤمن من خلالها صيرورتها فتحدد بذلك الممارسات الاجتماعية اللاحقة، التي ينبغي أن تنضوي تحت الصفات الأساسية للدولة. أما ظهور الروابط الهوياتية في إطار أبرز إشكاليات الدولة الحديثة تشكل تحديًا جوهريًّا لمنطق التحليل السياسي لدى تيموتي ميتشل إذ قد يصبح المحتوى، في هذه الحالة، لا يتناسب مع الشكل (أي الدولة الحديثة).

يتجاهل ميتشل حقيقة أن الدولة لا يمكن فصل طبيعة وجودها عما تستحوذ عليه من أدوات العنف المادي التي تساهم في أن تعيد تشكيل المضمون الاجتماعي في نهاية الأمر. ويظهر هذا خصوصًا في حالة الاستثناء لا في الحالات العادية التي يركز عليها ميتشل. ويجادل كارل شمث بأن سلطة الدولة في إعلان حالة طوارئ، وأن جوهر الدولة يتكشف في أوقات المحن، وليس من خلال عملياتها اليومية. ويكتب شمث أن قرار السيادة هو البداية المطلقة؛ هذه البداية المطلقة “ليست سوى اتخاذ قرار السيادة” أي دولة تخلق قانونًا ونظامًا.

إن مشكلة نهج ميتشل لا تكمن في تركيزه على “العمليات السياسية التفصيلية” أو العمليات اليومية فحسب، التي يجرى من خلالها إنتاج التمايز، بل الأهم هو أنه يستثني اللحظات التأسيسية (أو الأصول) التي تبدو العمليات اليومية التي يركز عليها تمثيلًا لها. فالدولة كظاهرة تاريخية نشأت كأنموذج لترتيب العلاقات الاجتماعية، وهي فعلت ذلك لا بسبب الشرعية الناعمة (القبول) التي تحوزها، بل أيضًا من خلال ما تحوزه من أبعاد سلطوية تعمل إلى جانب سياسات القبول، وهو ما يفسر ثباتها النسبي.
بيد أن ذلك لا يعني سوى التركيز على ما يتغافل عنه ميتشل وهي الإشكاليات المعقد المتعلقة بالسلطة التأسيسية، أي اللحظة الاجتماعية والسياسية السابقة على الشرعية القانونية، والسياسات الناعمة التي تولد القبول والرضا والطاعة.

هذه السلطة المكوِّنة وهي لحظة سياسية استثنائية تعمل كأصل لما بعدها، فالترتيبات الاجتماعية اللاحقة تتمثل السلطة المكوِّنة باعتبارها فرعًا لهذا الأصل التأسيسي. وبذلك فأهمية ميتشل تأتي فيما بعد، أي في ما يحصل بعلاقة الدولة بالمجتمع بعد تحديد الأصول التأسيسية، والتي لا يمكن أن تتولد بدون قهر أو عنف مما يجعل فكرة الكلي، التي تنبني عليها الدولة، تنبني على العرضي كأصل تأسيسي.

وبعد عملية التأسيس المتصوَّر كنِسابة (أي كأصل) تمسي الدولة الحديثة مجموعة آليات وتقنيات تدبيرية وأمرية محددة قائمة على المعرفة بالواقع مستبطنة الزمن في لحظة تأسيسها كأصل. ومن هنا لا أهمية للأشخاص أو المحتوى مقارنة بالإطار (أو الدولة) التي أسست الكل الاجتماعي الذي تشتغل بداخلة العمليات الاجتماعية اليومية طالما أنها لا تمس مسألة الأصول التأسيسية.

فالحياة الاجتماعية تبقى محكومة بهذا الأصل التأسيسي. الذي تغطيه الدولة من خلال الواجهة الأيديولوجية التي تستخدمها الدولة لتبرير احتكارها لاستخدام القوة في المجتمع ولسيطرتها على العلميات الاقتصادية والفكرية فيه. إن هذا الاحتكار يشكل أصلًا مؤسِسًا للدولة الحديثة لا تسمح بأن يشاركها فيه أحد.

لا يعني “الأصل التأسيسي” الفترة التاريخية لنشأة الدولة بقدر ما يعني هيئتها المخصوصة، أو “صفاتها الأساسية” التي اكتسبتها بصورة تدريجية، حيث تظهر الصفات المميزة التي تبين الملامح الجوهرية لمنظومة الدولة الحديثة وتجعلها واضحة غير مبهمة في علاقتها بالفرد، بحيث لا تتبدل وإن تبدلت فإن تبدلها سيبدل طبيعة الشيء ذاته وسيجعل منه شيئًا مختلفًا. ولهذا ينبغي أن يقصر مفهوم “الأصل التأسيسي”، على تطور الملامح العامة لنظام الدولة الحديثة.

أما التفاصيل أو ما يمكن تسميته بـ”الصفات العرضية” فهي تفاصيل تظهر فيما بعد وتتشكل بحسب الملامح العامة لنظام الدولة كـ”أصل تأسيسي” بعدما اكتسبت كينونتها ومعناها وهويتها التي من خلالها تضبط “الصفات العرضية” أو الحياة اليومية، أو “العمليات السياسية التفصيلية” التي ركز عليها ميتشل وتغافل عن “الصفات الأساسية”، أي أصل الدولة التأسيسي الذي من خلاله تحتوي العلاقات الاجتماعية التي تظهر كلاحقة لهذا الأصل المؤسِس الذي ينبغي أن تنضوي تحته، وإلا يتم مواجهتها بحالة الاستثناء، وموضعتها كعلاقات غير قانونية.

هكذا ترسم الدولة الحديثة، على أرض الواقع، الحدود الاجتماعية، كتشكيلة اجتماعية اقتصادية، وكنظام سياسي يشكل نطاق ولايتها العامة من خلال أنظمة وإجراءات وانضباطات خاصة بها تجعلها تتمظهر بشكل منفصل عن المجتمع، كفرد.

أما عملية التفاعل أو الترابط بين الدولة والمجتمع لا يعني أنهما طرفان متساويان، كما يفعل ميتشل، بينما تجرى عمليات التفاعل، في حقيقة الأمر، على مسرح الأصل التأسيسي للدولة أي تحت مظلة ملامحها العامة وصفاتها الكلية التي تشكل هويتها كفرد. وهي ترسم الاجتماعي تحت زعم أنها تحقق بذلك الحياة الأخلاقية كما يقول هيجل أو يتوهم. بحيث تبدو كل المجالات الاجتماعية الجزئية ليست شيئًا مستقلًا قائمًا بذاته، بل هي من حيث الأصل، تتحدد غاياتها النهائية بغاية الدولة التي تتوهم الكل.

أما بعد ذلك تبقى تفاصيل طالما أن العلميات الاجتماعية تجري بما لا يمس أو يضرب الأصل التأسيسي للدولة كظهور روابط هوياتية أو جماعية تكافلية، على سبيل المثال، عوض الروابط الفردانية كأصل وكمركز للدولة الحديثة، أو تحول في نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نمط آخر.

"داعش" بين عقوبتي الجلد والسجن

 

الناشر: عرب 21

صدَّر تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" نظامه للعقوبة، تحت مسمى "قانون العقوبات". وبالنظر إلى هذا القانون يتبين أن العقوبات كافة التي سنها تتراوح بين: الرجم، الجلد، النفي، قطع اليد، القتل، الإلقاء من فوق بيتٍ عالٍ، والصلب.

وجدير بالتنويه عدم وجود عقوبة السجن وعقوبة الغرامة من بين العقوبات المدرجة في هذا النظام الداعشي. علماً بأن العقوبة في المجتمعات قبل الحديثة كانت تقوم على البتر، والنفي، والجلد، والوشم، وخرق الجسم. مثلها مثل عقوبات "داعش" في عصر التقنية والصورة وشبكات التواصل الاجتماعي. 

أما السجن والغرامة فهما عقوبتان لم تظهرا إلى الوجود إلا في العصر الحديث، حين انتقلت المجتمعات في الغرب من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة. إن السجن ارتبط بظهور الدولة الحديثة، والاقتصاد الرأسمالي. فأصبح السجن وسيلة للإنتاج المادي الرأسمالي، ووسيلة للضبط من خلال وضع المجرم تحت المراقبة المتواصلة عوضاً عن نفيه إذ إن النفي خارج المدينة قد يؤدي إلى استئناف الجريمة مرة أخرى.

وفي حالة عدم الاستقرار  التي ما تزال تمر بها الدولة الاسلامية "داعش" فإنه من غير الممكن أن يلجأ التنظيم إلى أن يدرج عقوبة السجن ضمن نظامه للعقوبة؛ لأن عقوبة السجن  بحاجة إلى سياقات مستقرة نسبياً، وإلى منظومة دولانية مكتملة، لا شبه دولة ما تني تشتغل بمنطوق حروب العصابات. فنظام السجن بحاجة الى إشراف وإدارة وتنظيم وبنية تحتية مستقرة وتكاليف مادية، واقتصاد انتاجي، واستقرار في بنية الدولة عموماً.  

يمكن القول إن التحول من العقوبات غير الحداثية (الجلد، البتر، الخرق، الوشم، إلخ)  إلى العقوبات الحداثية (السجن، الغرامة) يعتبر مؤشراً على تحول تنظيم الدولة الإسلامية من حالة "شبه دولة" غير مستقرة، إلى حالة الدولة المكتملة المستقرة في أوضاعها. وجدير بالتنويه أن الغرب الحديث تمحور حول فكرة التمركز ( التمركز حول العقل، التمركز حول الذات، التمركز حول القضيب، التمركز حول الصوت، إلخ)، وأن صيرورة الحداثة تنقل المجتمع من التعدد في العقوبات (البتر، الجلد، الوشم، النفي، الخرق) إلى التمركز  داخل النظام العقابي، حيث أصبح السجن هو مدار العقوبة الحديثة، بمعنى أن المجتمعات الحديثة تعرفت إلى ظاهرة التمركز حول السجن. 

 إن البعض يرى أن "داعش" يحمل بذور فنائيه، هذا على الصعيد الأخلاقي، ولكن هل عالم السياسة والحرب والرأسمالية محكوم بقواعد أخلاقية؟! وبخاصة في ظل هيمنة الفلسفة البرجماتية والعقل الأداتي الذي لا يسأل عن الغايات ويتغافل عن الأصول والمعنى والمضمون. وماذا إذا كان داعش يفتح فرصة جديدة في مكنة الاقتصاد السياسي، وما إذا كان تنظيم الدولة موجوداً في إطار جغرافي وسياسي غير مستقر بسبب اختلال موازن القوى بعد سقوط الدولة العراقية التي كانت توازي دولة إيران.

والمعنى أنه من غير المعقول في ظل هيمنة منطق الحساب المصلحي على المبدأي الأخلاقي، اسقاط احتمال امكانية إيجاد صيغة -من خلال داعش- تعبر عن توازن قوى مستقر، على سبيل المثال قوة سياسية سنية(داعش) مقابل قوة سياسية شيعية (إيران). أو احتمال السيطرة على الجماعات السلفية الجهادية وبخاصة أن داعش يفتح فرصة كبيرة لهذا الاستثمار، وبالتالي إمكانية التحكم والسيطرة، كما بينا سابقاً في مقال على موقع "عرب21".

 ما يعزز كل ذلك هو أن القوة المسيطرة على النظام العالمي أي الولايات المتحدة الأمريكية لم تحل الصراعات في العالم، ولم تقض على أي من الجماعات الإرهابية، بل على العكس فهي تستثمر في الصراعات، وتستخدم هذه الجماعات كأدوات. وكما يبين عالم السياسية البريطاني الشهير "تيموثي ميتشل" بخصوص مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية في تصعيد الصراعات في الشرق الأوسط. إذ يقول ما معناه: ما يميز سياسة الولايات المتحدة الأمريكية اعتمادها المتزايد على حروب الاستنزاف لمنع حل الصراعات وإطالة أمد العنف. تجلى ذلك في حروب إيران/العراق، أفغانستان/ السوفييت، إسرائيل/فلسطين. فضلاً عن مساعداتها في تفاقم النزاعات وتحويلها إلى حروب ممتدة. فقد شجعت الرئيس العراقي في حربه ضد إيران ودعمت الأخيرة بالسلاح عبر إسرائيل، وساهمت في توريط الاتحاد السوفيتي في المستنقع الأفغاني ومنعته من الانسحاب، من خلال مخطط جذب السوفييت إلى شرك حرب في أفغانستان، وتشجيع الجهاد الإسلامي في أفغانستان ضد الغزو السوفيتي الكافر، ولم يكن هدف واشنطن مواجهة الغزو، بل استدعاؤه. وهي ساهمت في تطويل الصراع الإسرائيلي- العربي، وفي كثير من مراحل الصراع كانت عقبة أمام أي تسوية.

والمعنى، تعتمد واشنطن على الصراع الطويل كأداة طبيعية للسياسة ساهمت في جعل الربع الأخير من القرن العشرين الأكثر عنفاً. أمام هذه الحقيقة هل يمكن الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية لتقويض تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"؟ أليست هذه الحقيقة تجعلنا نشكك في دور واشنطن وتورطها في مشكلة داعش؟

نعم لم تدشن الولايات المتحدة أيا من هذه الصراعات التي عُرضت أعلاه، ففي كل حالة كان ثمة صراع قائم متورطة فيه أطراف محلية، ولكنها ساعدت على إدامة الصراع عَرضا للضعف النسبي للولايات المتحدة في ضوء طموحاتها الإمبراطورية. فلعدم قدرتها على إقامة هيمنتها على أجزاء عديدة في المنطقة، أو حتى السيطرة عليها بالقوة، اضطرت للجوء إلى حروب ممتدة باعتبارها الوسيلة المناسبة البديلة لإضعاف هذه القوى المحلية التي رفضت قبول سلطتها.

"داعش" سبب أم عرض؟

فضلاً عن ذلك، لا تنحصر المشكلة في "داعش" فقط، بقدر ما هي في البيئة المحرضة والحاضنة (المحلية والدولية) التي أنتجت "داعش"، ولولاها لما ظهر هذا التنظيم ولا تمَّكن من الاستمرار حتى الآن. وبالتالي نحن نقع في اختزال شديد إن اختزلنا ظاهرة "داعش" إلى عوامل ثقافية فقط من خلال ردها الى الثقافة الإسلامية سلفية متطرفة ودينية وأصولية وجهادية، إلخ. وبالتالي خلع ظاهرة "داعش" من سياقاتها المحلية والعالمية والاقتصادية والسياسية والطبقية. 

يبدو لي أن أجهزة السيطرة العالمية من دول وشركات ومنظمات عسكرية ومدنية وأمنية، تفكر في كيفية الاستثمار في جهاز "داعش" أكثر من التفكير في انهائها. وهو ما تبدى بالإضافة إلى كل ما أسلفنا قوله، من خلال ظهور بوادر انشقاقات في التحالف الدولي حول التعامل مع تنظيم الدولة "داعش". وعلى سبيل المثال، أطق قادة عسكريون وسياسيون أردنيون مقرّبون من مركز صناعة القرار، تصريحات مفادها " الأردن لن يخوض حرباً برية ضد "داعش"... حتى الآن" . وثمة خشية لدى البعض بخصوص تراجع الموقف الامريكي وبخاصة ما يتضح حول مشروع القانون الأمريكي حول استخدام القوة ضد تنظيم الدولة الإسلامية " داعش" حيث انتقد جمهوريو الكونغرس المشروع، لأنّه، بحسبهم، يتراجع عن هدف "تدمير داعش إلى "إلحاق الهزيمة بالتنظيم"، من خلال السعي "إلى تقليص قدرات تنظيم داعش". علماً أن أوباما تعهد  في "استراتيجية الأمن القومي" التي صدرت عن الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة، بتدمير "داعش"، دون أن يتم تحديد استراتيجية لتحقيق هذا الهدف.

نعم "داعش تنظيم" مجرم وإرهابي ولا داعي في كل مرة أن نكرر ذلك، ولكن إرهاب "داعش" هو إرهاب ظاهر ومكشوف يستخدم العنف كوسيلة. ولكن في المقابل ينبغي عدم تجاهل أن هناك أجهزةً وجماعاتٍ ودولاً أكثر إرهاباً من "داعش"، ولكنها استطاعت أن تخفي إرهابها بغطاء أخلاقي وشرعي وقانوني، لتقدمه كإرهاب مرن أو عنف رمزي أو عنف بنيوي غير مكشوف مضمر، ويحكم مسار حياة الفرد منذ لحظة الميلاد حتى الموت، إذ لا يظهر إلا في لحظات يصطدم فيه الفرد بواقعه حين يكتشف أن الحرية التي يتنسمها هي وهم وحرية مزيفة ليست سوى غطاء يقبع خلفها مصالح أنانية متخفيه وانتهازية غير أخلاقية وغير إنسانية، وقوى تسعى إلى تأبيد هيمنتها. حينها يقرر هذا الفرد المغبون أن ينقلب على هذا الوضع من خلال السعي إلى تغييره حينئذ يصطدم بواقع بنيوي مكين ويكتشف عنفاً مادياً غير معهود، ساعتها يعرف إرهاباً مكشوفاً يوازي إرهاب "داعش"، ويعرف أن الحرية التي تنسمها في السابق ليست سوى ستار بنيوي مطمور تقبع خلفه قوى عنيدة. ألم تكتشف حفريات الفيلسوف ميشيل فوكو أن أصل تكوين الذات الحديثة لم يكن على الإطلاق خارج علاقات السلطة. فالإكراه هو من صاغ الذوات الاجتماعية الحديثة، الأمر الذي ينافي خطاب الحداثة الذي يتوهم حرية تكوين الذات لنفسها وإمكانية التحقق الذاتي خارج علاقات الإخضاع، والتي تدعي أنها مكنت الإنسان من ممارسة تحققه الذاتي وحريته في توظيفه المستقل للعقل، فضلاً عن حفرياته حول السلطة الحيوية والحاكمية والآليات الانضباطية واكتشافاته حول السلطة التي تحيل إلى مجرد علاقة قوة، مما ينفي حقيقة القانون المستقلة عن العنف. والمعنى هذه الاكتشافات تبين أن مجال الحرية في حقبة الحداثة لم تكن صيرورة نحو الحرية وإنما صيرورة نحو مراقبة الفرد وتطبيعه.

ويروي لنا زيجمونت باومان في كتابه" الحداثة و الهولوكوست" سردية الحداثة لمنظور مغاير، إذ يقدم أطروحة جديدة مؤداها: أن الحداثة مكنة لتصنيع الإبادة. فمسألة الهولوكوست لا تتعلق كونها جريمة تخص اليهود، وإنما جريمة إبادة من إنتاج الحداثة لأنها تتعامل بمنظومة الرشادة الكاملة ولا تستند إلى منظومات أخلاقية، وبالتالي تفصل الصيرورة عن القيم.

وعليه ليس بمستغرب أن العالم يصمت عن إرهابٍ مكشوفٍ يُمارس على مرأى ومسمعٍ من العالم، ما رأيكم في الحرب العدوانية الصهيونية على الشعب الفلسطيني ويكفي للتذكر بالحرب الأخيرة في تموز- يوليو 2014. وما رأيكم بإجرام الولايات المتحدة الأمريكية في العراق الذي استبان بوضوح في سجونها غوانتانامو وأبو غريب. وماذا عن صمت العالم عن جرائم النظام الأسدي في سورية بما يفعله بشعبه، لماذا يصمت العالم عن كل هذا الإرهاب. فالصامت عن  الإرهاب وهو قادر على محاربته كالمساهم والشريك فيه. لا فرق بين مقترف الجريمة والقادر على منعها كلاهما مجرم يستحق العقاب. أليس هذا كله يجعلنا ألا نثق كثيراً بالقوى المسيطرة على العالم، ونراهن عليها في القضاء على "داعش".

إن ما له دلالة واضحة أن اهتمام  العالم منصب على البيئة المحلية المحرضة على الإرهاب كإحالته إلى عوامل ثقافية، ويتم تجاهل طبيعة النظام الدولي المحرض الأكبر على ظهور جماعات إرهابية. إن بنية النظام الدولي هي بنية محرضة على الإرهاب، بنية منتجة له، وهي تساهم بشكل رئيس في ظهور جماعات العنف المكشوف. إن النظام الدولي، وبخاصة القوى المسيطرة عليه، هي جزء من المشكلة وليست جزءً من الحل. واهم من يظن أن النظام الدولي المهيمن يمكن أن يقضي على الإرهاب، كيف يقضي عليه وهو سبب رئيس في صناعته واستثماره كأداة للسيطرة واستخدامه في مشاريع الهيمنة على العالم.  إن القضاء على "داعش" لن يقضي على الإرهاب، وعلى أكثر تقدير نكون قد قضينا على مظهر من مظاهرة، وعلى عرض من اعراضه، وعلى سبب من أسبابه، ولكن يبقى مُنتج العرض كما هو لم يزل موجوداً، ما يعنى ظهور "داعش" مرة ثانية وثالثة ورابعة. 

تعلمنا العلوم الاجتماعية الدرس التالي: إذا كان هناك سببان وراء ظهور حدث أو ظاهرة ما فإن القضاء على أحداهما لا يعني القضاء على الظاهرة. فالقضاء على "داعش" لا يعني القضاء على الإرهاب. وعلى الأغلب نكون قد تخلصنا من مظهر أو قل إن شئت من سبب من أسباب الارهاب، طالما بقيت الأسباب الأخرى المحرضة على الإرهاب كما هي.

غسان كنفاني- العذاب إذ يتحول إلى ثورة

غسان كنفاني- العذاب إذ يتحول إلى ثورة

(1)

 يعلمنا غسان كنفاني درسا بليغا في أدب المقاومة: تحويل العذاب، الألم، الاضطهاد إلى فعل سياسي تحرري، إلى حافز ثوري. هكذا يتخلص الفرد، الجماعة، من العذاب ومن علاقات الاضطهاد، إذ تتحول إلى حرية.

 لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟

جاءت هذه العبارة على لسان أبو خيزران قائد الشاحنة التي أودت بحياة الرجال الثلاثة إذ وضعهم أبو الخيزران في داخل الخزان الحديدي المقفل حتى يتسنى تهريبهم من البصرة إلى الكويت.  يمثل  قائد الشاحنة (أبو الخيزران) في رواية "رجال في الشمس" ، القيادة العربية التي قادت شعوبها إلى هزيمة عام 1948م وحملت المسؤولية للشعوب بعدم قرع الخزان. ويجسد الرجال الثلاثة الشعوب العربية، وقد ماتوا داخل الخزان  الحديدي المقفل الملتهب بسبب الشمس الحارقة، وقد ماتوا بداخله، وحين فتح قائد الشاحنة أبو الخيزران وجد الرجال الثلاثة إذ ماتوا. وفجأة قذفت فكرة في رأس أبو الخيزران "لماذا لم تدقوا الجدران؟" .

  دق الجدران هنا دلالة على الفعل الثوري، فالرجال ماتوا من عذاب حرقة الشمس داخل الخزان الحديدي في طريقهم إلى الكويت، لم يحولوا عذابهم إلى فعل ثوري: دق الخزان حتى ينتبه من هم خارجه: قائد الشاحنة، لعله ينتبه لهم . ماتوا بعذابهم، استمرأوا العذاب والعبودية على الثورة والحرية.

(2)

يمكن أن نفترض على سبيل المثال، لماذا لم ينتبه أبو الخيزران للرجال داخل الخزان، علما أن بينه وبينهم تعاقدا مضمونه ألا يتأخر عليهم أكثر من سبع دقائق، وإلا سيكون الموت مآلهم الحتمي، كما تأكد لهم ذلك حسب تجربتهم السابقة عند أول نقطة تفتيش، حينها قالوا له لو تأخرت عنا دقيقة واحدة- عن الست دقائق- لكان الموت مصيرنا المحتوم. نعم كان يمكن لقائد الشاحنة (أبو الخيزران) أن ينتبه لهم دون أن يدقوا الخزان، حين بدأ موظفو التفتيش بالتسويف والمماطلة والإرجاء في ما يخص معاملته، مما أدى إلى تأخره عنهم أكثر من سبع دقائق، وهو يعلم أنهم لن يستطيعوا أن يتحملوا وضعهم في الخزان، ومع ذلك لم ينتبه لهم!. فقد اختار غسان هذه النهاية، في دلالة واضحة على الانفصال بين القيادة والشعوب. وهي علاقة مختلة لا يمكن أن تصحح إلا بثورة، بفعل سياسي نضالي.

-------

 رجال في الشمس والثورة السورية

(3)

هل تضع الثورة السورية رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس" أمام طريق مسدود؟ فها هو الشعب السوري دق الجدران ولم يتنبه له أبو الخيزران ( الأسد الابن) ؟ فهل هذا يعني أن تكثيف الوجود السياسي العربي في مجاز "رجال في الشمس" غير كافٍ في زمننا الحاضر؟. فالمشهد أعقد من تمثيله في مجاز ثنائي، فهناك متغيرات جديدة، إذ لم يعد حصر العلاقة بين أبو الخيزران والرجال الثلاثة، كعلاقة مجازية بين الشعب والسلطة في المجتمع العربي، في علاقة ثنائية فحسب! هل هذه التشبيهات أمست في اللحظة الراهنة غير كافية؟

 

بعبارة أخرى، ماذا لو كان العذاب- الذي يفترض أن يتحول إلى فعل ثوري لتحصيل الحرية- أمسى نفسه هو العذاب؟ بات الاستمرار في الثورة له عواقب وخيمة. ما هو الحل إذاً؟: يجيب كنفاني : الاستمرار في الثورة حتى تحقيق أهدفها وإما الموت. ولكن أليس هذا يضعنا أمام المعادلة المقلوبة: ليس الثورة هي الحرية بل في الموت تكمن الحرية. حريتي هي أن أموت. هذه هي خلاصة الطريق المسدود أمام التغيير الذي تكشف عنه ما يسمى بالربع العربي من أجل العيش في أفق الحرية.

النرجسية الإسرائيلية وقرار المحكمة الجنائية الدولية

شاط غضب إسرائيل بعد قرار المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية، واستنفرت استعدادا لمواجهة القضاء الدولي؛ بسبب "فتح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية دراسة أولية للحالة في فلسطين". وإسرائيل في هذه الأثناء تشن حملة دولية ضد قرار المدعية العامة. 
طيب المسألة ما تزال في بدايتها، إذ ليس هناك سوى "دراسة أولية للحالة في فلسطين" كما أعلنت المدعية العامة. وهناك فرق كبير بين البدء بالدراسة وإعلان نتائجها. وليس بالضرورة أن تكون النتائج لصالح الفلسطينيين، وإدانة للطرف الإسرائيلي. هذا من ناحية فنية بحتة بصرف النظر عن القناعة الشخصية كفلسطينيين. 
إذاً، لماذا إسرائيل مستفزة من قرار المحكمة: هل مصدر هذا الاستفزاز يعود لإحساسها بأنها ارتكبت جرائم حرب لا يمكن التستر عليها، وأن أي تحقيق سوف يفضي إلى نتائج تدينها حتما، وبالتالي تؤكد اقترافها لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة؟ 
ربما، ولكن أغلب الظن أنه ليس هذا ما يقلق إسرائيل بشكل أساسي، إذ يكمن مصدر غضبها في أمرين وهما: 
أولهما: أنها لا تريد لطرف ثالث أن يتدخل بينها والفلسطينيين. وهذا هو المبدأ الأساسي الذي تعودت عليه إسرائيل في تعاملها مع المشكلة الفلسطينية. حيث كانت إسرائيل منذ البدء تعمل على تحييد واستبعاد الطرف الثالث باستثناء حليفها المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية. من وجهة نظر إسرائيلية، فالصراع ينبغي أن يبقى ثنائيا في الأساس. لذلك جاء رد إسرائيل على المدعية العامة على لسان الإدارة الأمريكية: "أن طريق المفاوضات هي السبيل الوحيد لحل الخلافات بين الطرفين وليس عبر خطوات أحادية الجانب يقوم بها أي طرف". 
كما يأتي ذلك في سياق الحرب النفسية التي تمارسها إسرائيل على المحكمة الجنائية الدولية، في إطار ممارسة الضغط عليها للتأثير على مجريات وقرارات ومسيرة المحكمة في ما بعد تجاه كل ما يخص إسرائيل، وهي رسالة تريد إسرائيل إيصالها: أنها ليست لقمة سهلة، وليست كغيرها من الدول الضعيفة تتقبل لطمها على خدها، بل إن لحمها مرا، لا تسكت على من تسوس له نفسه في التأثير على السمعة الأخلاقية لدولة إسرائيل. 
ثانيهما: إن إسرائيل تجيد فن تشكيل وصياغة ما يمكن تسميته بـ"رؤية العالم" ، مضمونها أن إسرائيل تعمل على تحقيق نوع من الصلاحية الكونية العامة لسلوكها ومنظورها لذاتها وللآخر. وحين ترى المحكمة الجنائية الدولية أن إسرائيل قد تكون متهمة بجرائم حرب، فإن ذلك وحده كافٍ كي يستفز إسرائيل التي تعتقد في قريرتها بصدق ما تقول، وينبغي للعالم التسليم به دون تشكيك. فإسرائيل لا يجوز تكذيبها، وهذا جرح كبير لنرجسيتها، ولذاتها المتضخمة.

مساهمة ليلى أبو لغد في تقديم الدرس النسوي

الكاتب: عياد البطنيجي 

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- الدوحة

تاريخ النشر:  

جورجيو أغامبن ومفارقة السيادة

 

 

 

في كتابه الموسوم بـ"الإنسان المستباح والمضحى به.. السلطة السيادية والحياة العارية" يتحدث جورجيو أغامبن في الفصل الأول المعنون بـ"منطق السيادة" (The Logic of Sovereignty) يتحدث عن مفارقة السيادة (ص 15)

يرصد أغامبن مفارقة السيادة (The paradox of sovereignty ) حيث يقول: تتمثل مفارقة السيادة في حقيقة أن صاحب السيادة، في نفس الوقت، يكون خارج وداخل النظام الحقوقي. فإذا كان صحيحاً أن رجل السيادة يملك حق إعلان حالة الاستثناء، وبالتالي، تعليق شرعية النظام الحقوقي، فإن ذلك يتيح له الوقوف خارج النظام الحقوقي وعدم الرجوع إليه مطلقاً بوصفه من يملك سلطة التقرير إذا ما كان يستدعي التعليق، وليقرر صاحب السيادة ما إذا كان الدستور يستدعي أن يعلق جملة وتفصيلا. مما يكشف هذا التوصيف أن رجل السيادة هو في نفس الوقت داخل وخارج النظام الحقوقي.

وهكذا في مفارقة السيادة التي لا تخلو من دلالة: في "وجود السلطة القانونية لوقف سريان القانون"، وفي أن "القانون يضع نفسه خارج القانون". هذا يعني أن المفارقة يمكن أيضاً أن تصاغ بهذه الطريقة: "القانون هو خارج نفسه " أو أن صاحب السيادة الذي يملك السلطة القانونية لتعليق شرعية القانون يضع نفسه قانوناً خارج القانون. وهذا يعني أن مفارقة السيادة تتمثل على النحو الأتي: القانون خارج نفسه أو أنا رجل السيادة الذي أقف خارج القانون أعلن أن لا شيء خارج القانون".

مفارقة تستحق التأمل.

وفي ضوء هذه المفارقة فإن الاستثناء هو الذي لا يمكن إدراجه؛ أنه يتحدى التدوين عامة، ويكشف في نفس الوقت عن العنصر القانوني الرسمي والذي يتمثل على وجه التحديد بقرار في الطهارة المطلقة. يظهر الاستثناء في شكله المطلق عندما يكون مسألة خلق وضعا يمكن أن تكون فيه القواعد القانونية صالحة. كل قاعدة عامة تتطلب الإطار اليومية العادية من الحياة التي يمكن تطبيقها من الناحية الواقعية والذي يقدم لأنظمتها. فالقاعدة يتطلب وسيلة متجانسة. هذا الانتظام حالة واقعية وليس حالة مجرد " افتراض الخارجية " إن الفقيه يمكن تجاهل ؛ انه ينتمي ، بدلا من ذلك، لصحة القاعدة الجوهرية. إذ لا توجد قاعدة التي تنطبق على الفوضى. يجب وضع ترتيب لأمر قضائي لمعنى. يجب إنشاء وضع نظامي، وذات سيادة هو الذي يقرر ما إذا كان هذا الوضع بالتأكيد هو في الواقع الفعلي.

كل القانون هو " قانون الظرفية ". و صاحب السيادة يخلق ويضمن الوضع ككل في مجمله. لديه احتكار القرار النهائي. هذا هو جوهر سيادة الدولة، والتي بالتالي لا بد من تعريف صحيح من الناحية القانونية وليس كما تعرف الدولة في احتكارها المعاقبة فقط أو في الحكم، ولكن الأكثر جوهرية هو احتكار اتخاذ قرار[ أي من يتخذ قرار الاستثناء] . يكشف القرار عن جوهر سلطة الدولة الأكثر وضوحا.

 

الاستثناء هو أكثر إثارة للاهتمام من الحالة العادية. وهذا الأخير لا يثبت شيئا؛ الاستثناء يثبت كل شيء. الاستثناء يؤكد القاعدة يثبتها.

عتبة السلطة عند ميشيل فوكو

 

 



يتمثل درس السلطة  الفكر السياسي الحديث (ميكيافلي، هوبز، لوك، روسو، هيجل) بسمات واضحة يمكن رصدها ومتابعتها ودراستها: متمركزة، منفصلة/متعالية، غير شخصية، لا مرئية، جوهرية، تمارس من قبل ذات واعية، ومتمحورة حول نمطين: الإكراه- الإقناع.

بينما درس السلطة الذي يقدمه ميشيل فوكو فقد قلب هذه السمات إلى نقائضها على النحو الأتي : محايثة وليست متمركز، علاقة وليست جوهرية، واعية ولكن بدون ذات، ليست مفردة بل من سماتها الجوهرية أنها ترتبط بقوى أخرى. إنها ليست محصورة في نمطي الإكراه- الإقناع فقط بل مفتوحة على أفق غير متناهي من الأنماط والعمليات والإزاحات والتسويات والمفارقات والقطيعات. ليست ذات أو مؤسسة بل هي إستراتيجية، إنها علاقة قوى تتعدى العنف ولا تنحصر فيه أو تتحد به. 

يقول جيل دولوز في قراءته لفوكو: بالإمكان إذن تصور قائمة مفتوحة بطبيعة الأمر، بمتغيرات تعبر عن علاقة قوى أو سلطة كالتحريض، الإثارة، الحث، التوسيع، التصنيف، الزيادة، النقصان في الاحتمال. تلك هي مقولات السلطة. حيث تظهر الأخيرة كعلاقة بين قوتين، وهي علاقة سجال وصراع وتدافع أو تأثير وتأثر، ما دامت القوة تتحدد هي نفسها بقوتها على التأثير في قوى أخرى، وبقابليتها للتأثير بقوى أخرى. فالتحريض والإثارة والحث والضرورة الإنتاج ولإنتاج الأثر النافع فهي مؤثرات استجابية ولكن ليس هذا الوصف هو مجرد رد فعل أو " الضد المنفعل" أو "الوجه السلبي" للمؤثرات الفاعلية بل على الأصح "المقابل الذي لا سبيل إلى اختزاله" خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن القوة المتأثرة لا تفقد كلية القدرة على المقاومة. 

إن القدرة على التأثر، هي بمثابة مادة القوة، بينما القدرة على التأثير، هي بمثابة دالة القوة. لكنها دالة تظل مجردة لا تتقمص أي شكل ولا تتجسم في هيئة، تدرك بمعزل عن الأشكال الواقعية التي تتقمصها، وبمعزل عن الأهداف التي تسعى إليها والوسائل التي تستعملها. 

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية