السياسي والمعرفي

علي بن ابي طالب: 

إذا رأيت العلماء عند باب الملوك
فقل بئس الملوك وبئس العلماء
واذا رأيت الملوك عند باب العلماء
فقل نعم الملوك ونعم العلماء

حكمة عظيمة تبين طبيعة العلاقة بين السياسي والمعرفي، إذ يعطي علي رضي الله عنه، أولوية للمعرفي على السياسي. وبالمقارنة مع ميشل فوكو، في مفارقة واضحة، حيث يبين أن السلطة هي من تؤسس المعرفة، وذلك عندما سيطرت السلطة على الاجساد وفي ظل صعوبة استمرار السيطرة على الجسد اكتشفت الطريقة التي تؤمن بها سيطرتها وهي السيطرة على الذهن. وكأن السلطة "أصل"، وعاء، كل القيم، ليس ثمة شيء خارج السلطة، السلطة في ذاتها.

من "اليعازر بعيري" إلى "محمد حسنين هيكل" حكم الجيش ضرورة تاريخية

كتبنا في مقالة سابقة حول كتاب اليعازر بعيري  الموسوم "ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي" الذي يرى أن حكم الجيوش في المجتمع العربي يعتبر ضرورة تاريخية.  والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل يصل إلى نفس النتيجة. ففي مقابلته الأخيرة على صحيفة الأهرام ( 4 ابريل 2014)، يقول الأستاذ هيكل عن السيسي: هو مرشح الضرورة، وهو قادم من الجيش، المؤسسة الوحيدة الباقية والقادرة علي مواجهة الإخوان المسلمين، والشخص القادم من القوات المسلحة قد يكون الأنسب في هذه الظروف إزاء التحديات الراهنة، فالخلفية العسكرية في بعض لحظات الأمم قد تكون الأنسب والأكثر قدرة. وأن المرحلة القادمة تحتاج اعتمادا كبيرا علي القوات المسلحة. وأن السيسي لا يحتاج إلي حملة انتخابية أو برنامج انتخابي، فالبرنامج هو الأزمة، والرجل قادر علي المواجهة. ولذلك فحملته الانتخابية هي الأزمة. فالأمن هو القضية الرئيسية، الأمن داخليا وعلي الحدود، ثم الطاقة وغلاء الأسعار. يقول هيكل: إنني قلت للسيسي إنك قد تضطر للاستجابة لمطالب الناس ولابد أن تكون جاهزا نفسيا علي الأقل، ولابد أن يكون حولك من القريبين لك ومن هم في مثل سنك وليس سني أو جيلي لكي يبقوا معك زمنا أطول.

 

في مقالتنا السابقة "ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي"، يتبين بشكل واضح أنه لا فرق بين تشخيص اليعازر وتشخيص هيكل حول ما يجري في مصر في هذه الغضون: عودة المسار الطبيعي المتمثل في حكم ضباط الجيش، لأن ثمة أزمة تستدعي حكمهم دائما بوصفهم المخرج الوحيد لهذه الأزمة إذ لا وجود لبديل آخر، ليس هناك أية قوة سياسية قادرة على التدخل لفرض الأمن سوى الجيش. مما يضع تطور المجتمع في حلقة مفرغة: فأي تحول مجتمعي ثورة أو حركات احتجاجية، يؤدي إلى أزمة والأخيرة تستدعي تدخل الجيش لفرض الأمن.

ليلى أبو لغد والخطاب النسوي

 

 

بروفسور ليلى أبو لغد هي أحدى الأسماء اللامعة في العلوم الاجتماعية وتعمل حاليا أستاذة للعلوم الاجتماعية في جامعة كولومبيا. وهي ابنة المفكر الفلسطيني البارز إبراهيم أبو لغد وعالمة الاجتماع الأمريكية جانيت ليپمان. متزوجة من تيموثي ميتشل، أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشؤون المصرية في جامعة كلومبيا.

تتركز دراسة أبو لغد في ثلاث قضايا رئيسية: العلاقة بين البُنى الثقافية والقوة؛ سياسيات المعرفة والتمثيل؛ وديناميكية الجندر وموضوع حقوق المرأة في الشرق الأوسط. في كتاباتها تواصل أبو لغد طرق هذه المواضيع والتعمق فيها في سعيها لدراسة أسئلة الجندر والحداثة في النظرية الما بعد – استعمارية، الأنثروبولوجيا والإعلام العالمي، والعنف في الذاكرة القومية/الثقافية. اشتغلت على النساء البدويات في مصر في دراساتها الانثروبولوجية. يمكن النظر إليها من خلال المقولات التالية:

1. تنتقد الادعاءات الأممية حول الليبرالية وحول المعضلات الأخلاقية والسياسية المفترضة في الانتشار العالمي لخطاب حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق النساء المسلمات بشكل خاص.

3. الأطر الحقوقية، وحتى النسوية الإسلامية، ولغة الأمم المتحدة كلها غير ملائمة للنساء المسلمات. وأن هذا النوع من الخطابات يموّه الخطابات النسوية، وتنتقد الإصلاحات المستندة لهذه الخطابات التي تستند إلى استعمال الإطار القانوني والاعتماد عليه. تقدم وجهة انتثروبولوجية حول حدود الخطاب العالمي المهيمن حول الحقوق.

4. عدم التلاؤم بين التصور الاجتماعي للحقوق وبين الحياة اليومية للفرد .

5. ثمة فروق بين "كونية" خطاب النسويات المسلمات وظروف حياة النساء البدويات في القرية (المصرية)، بصفتهن يشكلن مجموعة "المنتفعات المتخيَّلات" لهذا النوع من الخطاب. في حين يمثل هذا الخطاب النساء من ناحية لغة الحقوق، إلا أنه يغالي في اختزال السياقات المركبة لحياة النساء، ويلقي بالمسؤولية عن العنف وعدم المساواة على المباني الأبوية، متجاهلا الميراث الكولونيالي والإفقار كمسببات لتلك الوضعية.

6. إن التحليل الذي يتجاوز التحليل الأبوي أكثر ملاءمة لفهم حياة تلك النساء وسياقاتها المختلفة.

7. إن خطاب النسويات المسلمات الجديد لا يتوافق وتجربة النساء البدويات في القرى المصرية. لذلك فإن أبو لغد تدعو إلى مراجعة الإفراط في استعمال لغة حقوق الإنسان وحقوق النساء، وتقترح إعادة النظر في فوائد الخطاب الحقوقي ومردوده، وذلك لان الطريقة التي نأطر فيها قضايا تتعلق بحقوق النساء تحدد بالضرورة طريقة تدخلنا لحلها.

8. بدل تناول قضايا النساء من منطلق تحليل ثقافوي، علينا التفكير في قضايا النساء وتحليلها من خلال التعمق في الظروف الحالية والتاريخية للنساء. ومن تجربتها كأنثروبولجية وبالاعتماد على معرفتها الوثيقة بالنساء البدويات في مصر، اللاتي يفترض أنهن المنتفعات من خطاب النسويات المسلمات، وجدت عدم ملاءمة هذا الخطاب، بل أنه يتسبب أحيانا بالضرر، كما في حالة أفغانستان، حيث تم استغلال انعدام حقوق النساء كحجة للتدخل العسكري"، قالت أبو لغد.

9. ورغم نقدها لخطاب حقوق الإنسان ورغم محدوديته، فثمة أهمية لعدم إلغائه نهائيا، وضرورة الترابط معه بشكل أو بآخر، لما يحمله، رغم كل شيء، من منفعة في قضايا عينية تهم النساء.

10. وتلحظ أبو لغد أن هناك خطابا انتقاليا قويا لدى الداعين إلى المساواة بين الجنسين بشأن التنافر بين الثقافة والحقوق الذي يحجز الثقافة ، ويتجاهل التاريخ والسياسية، ويسهم في "إفراد" جماعات العالم الثالث.

 

 

 

ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي

 

عياد البطنيجي

باحث فلسطيني

 

كتاب اليعازر بعيري المعنون بـ" ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي" صدرت طبعته الأولى بالعبرية في عام 1966. وقد ترجمة بدر الرفاعي وقدمه للقاري العربي في عام 1990 عن دار سيناء للنشر. يقع الكتاب ضمن حقل سوسيولوجية التاريخ، إذ يقدم تحليلا سوسيولوجيا لدور ضباط الجيوش في المجتمع العربي. ورغم ما فيه من تصور سلبي للمجتمع العربي، بيد أن هذا لا يقلل من أهمية الكتاب وقدرته التحليلية المتميزة حيث يفسر الصعود التاريخي للضباط في المجتمع العربي من خلال عوامل اجتماعية متكاملة سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية وثقافية. يساعد الكتاب على فهم الكثير من الأحداث الجارية في العالم العربي وبخاصة الصراع السياسي في مصر .

ينطلق المؤلف من "نظرية المسلك الطبيعي"، التي تستند إلى مقولة الضرورية التاريخية لحكم الجيش في العالم العربي. وهي تقوم على ثلاثة افتراضات:

1. يعيش العالم العربي حالة شديدة من التخلف وأزمة انتقال لا يمكن تخطيها إلا عن طريق التغيير الثوري للبناء الاجتماعي والنظام السياسي.

2. ليست هناك قوة قادرة على إحداث التغيير المطلوب، باستثناء ضباط الجيش.

3. الضباط لديهم القدرة على التأثير في هذا التغيير.

يعالج الكتاب مسألة الانقلابات العسكرية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر من خلال "نظرية المسلك الطبيعي" وفكرتها بسيطة للغاية، وهي أن عند كل فوضى أو أزمة تمر بها البلاد وتمس تطوره، يصبح تدخل الجيش وإقامة دكتاتورية عسكرية ضرورة تاريخية محتمة، وينبغي النظر إليه باعتباره المسار الطبيعي في التطور السياسي للبلدان العربي.

ويلاحظ بعد كل انقلاب عسكري يتلى البيان رقم (1) يقول: "ونتيجة لذلك ومن المسلك الطبيعي أن ينهض جيش البلاد ورجال الأمن لإيقاف هذه الفوضى، ووضع حد نهائي لها". وبالتالي فالجيش يبرر تدخله لان القوى المدنية فشلت في حل مشكلات السياسية بشكل مدني.

والسؤال كيف جاءت فكرة الضرورة التاريخية لحكم الجيش في العالم العربي وليس غيرهم؟

1. منذ البدء فإن الجيوش العربية قدمت نفسها باعتبارها طليعة ثورية للعالم العربي. والمؤشرات على هذه الفكرة:

أ‌- كل عمليات التحديث التي بدأ في العالم العربي افتتحتها الجيوش. فالقطاع العسكري في ظل الدولة العثمانية، أو ل قطاع اتصل بالمدنية الأوروبية. وأول من بدأ بالإصلاح داخل العالم الإسلامي في ظل الخلافة العثمانية هم الجيوش، وأول بعثات إلى أوروبا كانت بعثات الضباط لتلقي الدراسات المتقدمة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا. فضلا عن أن الضباط هم حملة مبادئ الإصلاح والتحديث والقومية وكان ضباط الجيوش على رأس الحركات الوطنية التقدمية التي جابهت الاستعمار. ويلاحظ أن أول تمرد حدث في مصر الحديثة قاده الأميرلاي (عميد) أحمد عرابي في عام 1881 . مما جعل الجيش هو مصدر التحديث والتنمية باعتباره يستند إلى قاعدة تقنية وعلمية واقتصادية تجعل الجيش قادرا على المساهمة في تطوير البلاد.

ب‌- ليس هناك قوى طليعية مدنية قادرة على دفع البلاد إلى التطور وتخليصها من براثن التخلف والاستعمار سوى الجيوش .

ت‌- صراع الطبقات وتحديدا في مصر، مع غياب قوى سياسية قادرة على توفير إطار جامع شامل يضم جميع أفراد المجتمع في إطار واحد.

ث‌- تاريخا الجيش هو من قام بالدفاع عن الشعب. بالإضافة الى أن تصور الناس للجيوش ككعب أخيل في حماية المجتمع من الاضطرابات الداخلية. وكذلك هو الحصن المدافع عن الشعب ضد الأخطار والتهديدات الخارجية. مما أكسب الجيش شرعية ثورية ما تزال قائمة.

ج‌- إن منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم عرضة للغزو العسكري عبر التاريخ وكان للأعمال العسكرية دور كبير في معظم الأحداث التي طرأت على نظم البلاد العربية.

ح‌- إن العنصر المناط به تحرير البلاد من التخلف والتبعية ومجابه الفساد السياسي هم الضباط لما عرف عنهم الالتزام والانضباط وأخلاق الشهامة.

خ‌- الجيش هو الذي قضى على الإقطاع وحكم كبار الملاك والملَّكية التي تمثلهم، وأعاد توزيع الأرض على صغار الملاك والفلاحين. وقد تجسد ذلك في مصر والعراق واليمن.

2. الطبقة الحاكمة التقليدية التي مثلت كبار الملاك لم تكن قادرة على الاحتفاظ بالسلطة الحاكمة فتم القطاع عليها من خلال الجيش. والطبقي الوسطى ضعيفة وفقيرة ماليا وينقصها قيادة مسلحة بأيديولوجية واضحة شاملة. والطبقة العاملة في معظمها ذات أصول فلاحية ريفية، قليليه الخبرة، قليلة العدد وغير موحدة، تفتقد إلى الوعي الطبقي ومتخلفة فنيا. كما يعوق نضال العمال جيش من الفلاحين المتعطلين المتأهبين في أي وقت للحلول محل العمال المضربين. والملايين من الفلاحين فقراء يستعبدهم مستغلوهم سياسيا وروحيا. وبالتالي فالطبقات الشعبية لا تستطيع إقامة نظام يضمن الاستقرار والتنمية. كما أن الطبقي الوسطى التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية التي تتكون من الموظفين والإداريين والفنيين والمهنيين والتي تعمل بأجر، لا طموح لها في امتلاك المؤسسات التي تعمل بها، ولا مصلحة لها فيها، وبالتالي من مصلحتها أن تؤول هذه المؤسسات للدولة. هذا يجعل الضباط هم المؤهلون على إحداث تحولات ضرورية وثورية في العالم العربي. والشريحة الأكثر تنظيما وطموحا وتطورا في الطبقة الوسطى هم الضباط، والفرص متاحة لهم في ظل غياب أي منافس. كل ذلك يجعل كل أزمة تواجه الدولة العربية يمكن أن تهز أسس الدولة من جذورها.

ومقابل ضعف المجتمع المدني وتفسخه، يقدم الجيش نفسه باعتباره كيانا وطنيا جامعا يمثل كل الشعب بعيدا عن الاعتبارات الطائفية أو الأيديولوجية التي تقسم المجتمع. وهو أكثر القوى تنظيما وكفاءة في البلاد، فهو كيان منضبط، يحتكر القوة الجسدية، ولا يتردد في استخدامها.

يبدو أن هناك شيئا آخر يمكن أضافته هنا، وهو في حالة ضعف المجتمع المدني وتناحر الطبقات الاجتماعية وتفسخ الجسد الاجتماعي وعجزه عن توليد أيديولوجية جامعة وقوى سياسية ممثلة تخوض النضال المدني في إطار برنامج سياسي واضح، كل ذلك يخلق نوعا من ورطة بنيوية تحول دون القدرة على التقدم.

في ظل الوضعية المنقسمة هذه يصبح التفكر السياسي التقني كنمط تفكير يفتقر لأية أيديولوجية في غاية الأهمية . وفي هذا الإطار يمكن تقدم القوى التي لا برنامج أيديولوجي لها ، والجيش كقوة مادية مناسب في مثل هكذا وضعية باعتباره يقدم نفسه لكل المجتمع وليس لفئة منه، بالإضافة إلى قوته المادية. فالجيش يمتلك قدرة متميزة وتنظيما هرما عالي التطور، ولا يحمل أية أيديولوجية سوى  فكرة الوطنية، ويمتلك القدرة على التحرك السريع، وليس بحاجة إلى إجماع لتغيير النظام.

كل هذه العوامل تجعل النظر إلى دور الضباط باعتباره جوهريا ولا يصح النظر لهذا الدور البارز والحاسم للجيوش في أوضاع المنطقة باعتباره أمرا عارضا مخالفا لوضع دستوري طبيعي، بل إنه وضع تاريخي وطبيعي. بل بالعكس، فحسب المؤلف، فإن الحكومات الدستورية المدنية السلمية هي التي ينبغي اعتبارها وضعا استثنائيا. حيث كل الحكومات المدنية لم تحكم إلا فترات قصيرة. وما جرى في مصر مع الدكتور محمد مرسي كأول حاكم مدني يدلل على رأي المؤلف.

باختصار يقول المؤلف إن الدور التاريخي الذي حددته تعاليم ماركس وانجلز للطبقة العاملة منوط في العالم العربي بضباط الجيش بحيث تكون تنظيمات كالضباط الأحرار بمثابة الطليعة القائدة، وتحل " فلسفة الثورة"( كتاب الرئيس جمال عبد الناصر) محل "البيان الشيوعي لكارل ماركس.

مأزق حكم الضباط

أي حكم حتى لو كان نظاما إرهابيا لا يمكن الاحتفاظ بسلطته ما لم يكن له أنصار وشركاء في كل وحدة اجتماعية وكل مجموعة مهنية وكل قرية وأسرة من أجل كسب التأييد الايجابي للجماهير.

أي دكتاتورية عسكرية تتحسب لـ:

- انقلاب عسكري.

- حركات سرية.

- المعارضة.

ولحل هذه المعضلة يسعى الحكم العسكري لإقامة حكم يرتكز على تنظيم ذي قاعدة شعبية عريضة. فيسعى لتأسيس حزب رغم كراهيته للأحزاب السياسية، بهدف تنظيم الجماهير وتعبئتهم من أجل إحداث تغييرات في حال قامت القيادة بتغيرات عميقة في مجالات الملكية والإنتاج وعلاقات العمل والحياة الروحية.

ومعضلة حكم الضباط تتمثل في كيف يمكن استثمار همة الجماهير، وفي نفس الوقت إسكاتها؟ كيف يمكن الحصول على دعم الجماهير وفي نفس الوقت إضاعفها ؟ . كيف يوفق بين الدكتاتورية والديمقراطي؟ هذه هي المعضلة المتأصلة في نظام الضباط.

ما الذي يجر الآن في مصر؟

يمكن استنباط رأي المؤلف في ما يجري الآن  في مصر. وفق المؤلف، ما يحدث في مصر في هذه الأثناء هو إعادة الوضع إلى مجراه الطبيعي، أي حكم الضباط، فمصر لم تحكم تاريخيا إلا من قبل  الجيش، أما الحكم المدني الذي مثله الدكتور محمد مرسي لأول مرة في تاريخ مصر  فهو مسار غير طبيعي في الصيرورة التاريخية للمجتمع السياسي المصري توجب إعادته إلى حالته الطبيعية: حكم الجيش.

 

ولكن في حقيقة الأمر إن ما يجري الآن في مصر هو أن الجيش المصري واجه تحديا لأول مرة في تاريخية يتمثل في ثورة شعبية جاءت بحاكم مدني، شخص من خارج المؤسسة العسكرية. لأن الجيش كان يحكم وفق فرضية ضعف القوى المدنية وعدم قدرتها على توليد إطار جامع من خلال الاتفاق على شخص يمثلها. ولكن ثورة 25 يناير اتفقت على شخص يمثله الأمر الذي شكل تحديا عميقا للافتراض الذي استند إليها الجيش تاريخا في تثبيت، حتى ولو كانت نسبة هذا الشخص الذي مثل القوى المدنية هي 51%  وهي النسبة التي حصل عليها في انتخابات ديمقراطية. ولكن ليس المهم هو الوصول إلى الحكم بل إن الأهم هو المحافظة عليه. وهو ما فشلت فيه جماعة الإخوان المسلمين.

تيموتي ميتشل بين عالمين أحدهما يمكن حسابه وآخر لا يمكن حسابه

عياد البطنيجي 

في كتابه "استعمار مصر" يبين ميتشل أن حقل السلطة الحديثة جعل العالم تحت السيطرة، والأهداف محسوبة، والأشخاص موجهين بالكامل، في دلالة على فعالية السيطرة والتحكم في العالم. إن ما يجعل للسلطة حضور دائم بما يحقق السيطرة الصامتة هو فكرة التمثيل، التي جعلت العالم كأنه معرضاً أو صورة معروضة أمام الذات أو كبنية تمثيل. هكذا تحضر السلطة من خلال التجريد. إذ تكون الصورة أو البنية مقياس للأفعال، كشيء شبيه بالقانون من حيث المظهر . الانضباط والتمثيل هما وجهان لنفس العملية فالسلطة الانضباطية ليست شيئا متعارضا بصورة مطلقة مع مفهوم سيادة الدولة كا جادل ميشيل فوكو. وبالعكس يعتبر ميتشل ان الانضباط والتمثيل وجهان لنفس استراتيجية السلطة الحديثة يربطها مفهوم التاطير. تكتسب السلطة الانضباطية قبضتها غير المسبوقة على الجسم بمناهج التوزيع والتقسيم التي تخلق نظاما أو بنية يكون فيها الأفراد محصورين، ومعزولين، ومجتمعين معا وموضوعين تحت المراقبة. هذا النظام هو بالفعل إطار الذي يبدو شيئا سابق الوجود، ولا مادي ولا فراغي، يبدو كانه يؤسس مجالا منفصلا وميتافيزيقيا، هو مجال المعنوي. 

إن تعبير البرمجة أفضل ما يمثل رؤية ميتشل حول الطريقة التي تعمل من خلالها فعالية السلطة والانضباط في المجتمع الحديث. فالممارسات الجديدة، خلافاً للقديمة "تهتم على نحو سافر بالبرمجة". يقدم ميتشل أمثلة على برمجة الحياة الحديثة، فالتعليم الحديث يضع نفسه في مقابل الحياة، إذ يقدم نوعاً من "شفرة تشغيل" أو "تعليمات من أجل الاستعمال" يتعين استيعابها قبل أن يتعامل المرء مع الشيء نفسه، والأيديولوجية الحزبية تفرد نفسها بأشكال مماثلة، كبرامج للتحكم. 

يستلهم ميتشل لغة البرمجة من علم الحاسوب، محاولاً تمثلها على صعيد الحياة السياسية الحديثة. فالبرمجة هي مجموعة تعليمات تخبر الحاسوب ماذا يفعل. وهي لغة تتكون من مجموعة من الرموز والقواعد- كأي لغة أخرى- لتوجيه العمليات في الحاسوب حيث يتم تصميم لغات للبرمجة تتناسب كل منها مع نوع خاص من المشكلات أو القطاعات الحياتية المراد التحكم بها وتنظيمها من خلال الحاسوب. ويمكن النظر للدولة باعتبارها صورة أو بنية أو مجموعة من القواعد والرموز -كلغة الحاسوب- تنطوي على مجموعة تعليمات تخبر الأفراد عما يتوجب عليهم فعله وعما يتوجب عليهم الامتناع عن فعله. وهي تعليمات يستبطنها الفرد أي يحولها من الخارج إلى الداخل بما يحقق الرغبة في الطاعة داخل الذات- الفرد" إن السلطة الخارجية، إنما تُخلى السبيل أمام سلطة داخلية، منتجة". فمن منظور ميتشل يمكن القول إن الدولة مجموعة قواعد ورموز ترمي إلى توجيه العمليات الاجتماعية داخل مجتمع الدولة. 

هكذا فإن عالم ميتشل في كتاب "استعمار مصر" يبدو تحت السيطرة الكاملة. 

أما "حكم الخبراء" يقدم ميتشل صورة مختلفة مناقضة للصورة التي رسمها في "استعمار مصر" . في "حكم الخبراء" يبدو العالم غير قابل للحساب، مليء بالاستثناءات، بدون خط مستقيم، بدون نظام، يوضح عجز القدرة المتنامية للعقل البشري في ترتيب وقياس العالم، عالم في حالة سيولة، أصبح عالم "حكم الخبراء" مهجن ومختلط، متعدد ومفتوح، بحيث لا يمكن اختزاله أو رده إلى العقل فقط أو إلى السلوك، إلى الروح أو إلى المادة. من يفعل ذلك يفوته إدراك التعقيد. 

يوضح هذا العالم المتداخل والمهجين والمتمفصل، الطبيعة المستحيلة للحساب. فكل محاولة لوضح حدود للعمليات الاجتماعية المتداخلة يجب أن تؤسس أولا على هذه الحدود، الأمر الذي يفتح مشكلة الحساب على صعوبة بلا حدود، هي الحاجة إلى معرفة كل تلك الممارسات الاجتماعية وكل تعقيدات وتراكيب الحياة من سياسية واقتصادية وقانونية وثقافية التي تشكَّل منها الموضوع المطلوب رسم خريطته حتى يمكن حسابه. هذه فاعلية مستحيلة.

تيموتي ميتشل: "استعمار مصر" و"حكم الخبراء"

عياد البطنيجي

في كتابه "استعمار مصر"، يقدم لنا تيموتي ميتشل، الشكل السياسي الحديث الذي جاء به الاستعمار إلى مصر، وهو شكل يفترض فيه ميتشل وجود ذات واحدة فقط هي ذات المشاهد، الذي يبدو العالم أمامه كلوحة في معرض. تتجسد الذات هذه في السلطة الحديثة، في الخطة التي يبدو العالم بالنسبة لها كلوحة في معرض. وهو ما يحقق اليقين السياسي أو المعنى السياسي. إذ كان تعميم السيطرة يقتضي آليات محسوبة وليست متفرقة لكي تعمل من أجل التحكم والمراقبة والسيطرة. حيث شملت هذه الآليات التعليم والجيش والتمدين والإشراف على الصحة وبناء قرى نموذجية وانشاء شبكات للتصريف والتحكم في حركة السلع، ومياه النيل، والسياحة، ومراقبة العمال في مشروعات الري، والسكك الحديدية والمصانع، وفتح البلدان والمدن للتفتيش الدائم بالطرق الواسعة، وإضاءة الشوارع وقوات البوليس، وتنظيم نسق من المحاكم الجنائية، والسجون، ومستشفيات المجانين. وهو ما اتاح لاستراتيجيات السلطة إحكاماً غير مسبوق للقبضة على أجسام الأفراد. وفي نفس الوقت التي تتسع فيه هذه الاستراتيجيات كان عليها ان تصير غير ملحوظة وغير محسوسة بصورة متزايدة. فكان تكريس تلك الآليات الانضباطية في المدرسة والثكنات العسكرية والمستشفيات والمصانع والشوارع لكي ينتج الطاعة الضمنية للجسم والأخلاق الجيدة التشكيل أي سيطرة على الجسد والذهن.

بينما كتابة "حكم الخبراء"، فالعالم الذي يقدمه لنا ميتشل هو عالم بدون ذات بدون فاعل قصدي، بدون ذكاء مشكل مسبقا. حيث إن ما يحدث ليس تعبيرا عن قصد بشري واعي. فما نسميه بالقصد البشري، وفق ميتشل، هو نتيجة تفاعلات مركبة، وما أن يكشف الإنسان عن القوى المتداخلة في الحدث، فإن الفعل البشري قليلا ما يظهر كذكاء حاسب يوجه النتائج الاجتماعية وكثيرا ما يظهر كنتاج لسلسلة من التآزرات، لا يسيطر فيها العنصر البشري سيطرة كاملة. هكذا لا يظهر الفعل البشري كتجسيد للعقل لكي يراقب ويحاسب ويعيد تنظيم العالم الموجود أمام (وهذا نفي لكل نسق الميتافيزيقي الغربي، والفلسفة الحديثة). ما يحدث هو عمليات إزاحة وإعادة صياغة فقط. وهذا يعنى نفي الذات بحيث تبدو الصيرورة بدون ذات واعية، لأنها تصوغ نفسها أثناء ما يسميه ميتشل "عمليات إزاحة وإعادة صياغة"، والمحصلة في النهاية هي للديناميات المتشكلة أثناء الإزاحة وإعادة الصياغة، أثناء عملية التفاعل اللاوعي، لأن الأمور لا تجري حسب التحرك من موقع تاريخي أو من منطلقات قصدية واعية بل هي نتاج للتفاعلات الاجتماعية، للصيرورات، وهي محصلة للتوازنات المتفاعلة. فالمحصلة ليست تعبيرا عن صياغة مطابقة للبرمجة الأولى، أي الوعي السابق على التفاعل . في دلالة واضحة بأن "التاريخ هو تَكَشُف منطق لا موقع له" وعن تسلسلية تعددية لانهائية.

تيموتي ميتشل: "استعمار مصر" و"حكم الخبراء"


عياد البطنيجي 

في كتابه "استعمار مصر"، يقدم لنا تيموتي ميتشل، الشكل السياسي الحديث الذي جاء به الاستعمار إلى مصر، وهو شكل يفترض فيه ميتشل وجود ذات واحدة فقط هي ذات المشاهد، الذي يبدو العالم أمامه كلوحة في معرض. تتجسد الذات هذه في السلطة الحديثة، في الخطة التي يبدو العالم بالنسبة لها كلوحة في معرض. وهو ما يحقق اليقين السياسي أو المعنى السياسي. 


بينما كتابة "حكم الخبراء"، فالعالم الذي يقدمه لنا ميتشل هو عالم بدون ذات بدون فاعل قصدي، بدون ذكاء مشكل مسبقا. حيث إن ما يحدث ليس تعبيرا عن قصد بشري واعي. فما نسميه بالقصد البشري، وفق ميتشل، هو نتيجة تفاعلات مركبة، وما أن يكشف الإنسان عن القوى المتداخلة في الحدث، فإن الفعل البشري قليلا ما يظهر كذكاء حاسب يوجه النتائج الاجتماعية وكثيرا ما يظهر كنتاج لسلسلة من التآزرات، لا يسيطر فيها العنصر البشري سيطرة كاملة. هكذا لا يظهر الفعل البشري كتجسيد للعقل لكي يراقب ويحاسب ويعيد تنظيم العالم الموجود أمام (وهذا نفي لكل نسق الميتافيزيقي الغربي، والفلسفة الحديثة). ما يحدث هو عمليات إزاحة وإعادة صياغة فقط. وهذا يعنى نفي الذات بحيث تبدو الصيرورة بدون ذات واعية، لأنها تصوغ نفسها أثناء ما يسميه ميتشل "عمليات إزاحة وإعادة صياغة"، والمحصلة في النهاية هي للديناميات المتشكلة أثناء الإزاحة وإعادة الصياغة، أثناء عملية التفاعل اللاوعي، لأن الأمور لا تجري حسب التحرك من موقع تاريخي أو من منطلقات قصدية واعية بل هي نتاج للتفاعلات الاجتماعية، للصيرورات، وهي محصلة للتوازنات المتفاعلة. فالمحصلة ليست تعبيرا عن صياغة مطابقة للبرمجة الأولى، أي الوعي السابق على التفاعل بين القطاعين، في إشارة واضحة بأن "التاريخ هو تَكَشُف منطق لا موقع له" وعن تسلسلية تعددية لانهائية.

تيموتي ميتشل

عياد البطنيجي 

كتابات تيموتي ميتشل رائعة، ولكن "حكم الخبراء" لا يقدم لنا أية رؤية متماسكة تحكم مسألة التفسير في العلم الاجتماعي: نص بدون ضوابط يدخلنا في حالة هي أقرب إلى فوضى لا حدود لها.
 

ليلى أبو لغد

عياد البطنيجي

ترصد ليلي أبو لغد الملاحظة المهمة التالية: الاعتماد على الخطاب الحقوقي وخطاب حقوق المرأة قد يضر النساء. وهي ترصد تطورا مهما في الخطاب النسوي، حيث تقول: هناك خطاب انتقالي قوي لدى الداعين إلى المساواة بين الجنسين بشأن التنافر بين الثقافة والحقوق الذي يحجز الثقافة، ويتجاهل التاريخ والسياسية، ويسهم في "إفراد" جماعات العالم الثالث.

كيف يمكن تقوية موقف الرئيس عباس؟

بقلم: عياد البطنيجي

11- 3- 2014

ستكون الأيام والأشهر القادمة عصيبة على الشعب الفلسطيني، بسبب ما يواجه الرئيس عباس من ضغوط شديدة الوطأة ضمن التفاوض على "اتفاق الإطار" من أجل انتزاع موافقة فلسطينية على الاملاءات الإسرائيلية لتقديم تنازلات متعلقة بالثوابت الفلسطينية. وبدأت التساؤلات حول كيف يمكن تقوية موقف الرئيس عباس في الصمود أمام أكراه "إطار كيري" الذي يمثل خطوة جديدة- قديمة ترمي إلى ديمومة التفاوض حتى زمن آخر، في إطار الرؤية الإسرائيلية نفسها للكيان الفلسطيني: حكم ذاتي منزوع السيادة يعمل وفق إطار السيادة الإسرائيلية. وهذا ما يستدعي ضرورة خلق حالة شعبية ضاغطة من أجل تقوية ودعم موقف الرئيس عباس بهدف التمسك بالثوابت الفلسطينية وعدم التنازل بما يمس الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.

أولاً: نؤكد على موقف الرئيس عباس في عرض أي اتفاق في استفتاء عام على الشعب الفلسطيني، وهو ما يحرر الرئيس من أي ضغوطات تمارس عليه، ويقوي من موقفه التفاوضي، كما يحرره من أي عبء أخلاقي قد يضعه في مواجهه أمام الشعب الفلسطيني.

ثانياً: وقف المناكفات السياسية والإعلامية التي تضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ولإظهار موقف فلسطيني موحد أمام العالم. وتثبيت الوحدة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الضغوط التي تمارس على الرئيس عباس.

ثالثاً: تنظيم مؤتمرات ومهرجانات شعبية في الداخل والخارج لدعم الثوابت الفلسطينية. واستصدار بيانات يوضح الموقف الفلسطيني من مخرجات "إطار كيري".

رابعاً: أن تقوم نقابة الموظفين باستصدار بيان توضح فيه موقفها من الضغوط المالية موضحة أنها لن تمارس أي ضغوط علي الرئيس عباسفي حال توقف الدعم المالي بسبب رفضه إطار المفاوضات. وهو ما يحرر الرئيس عباس من الضغوط الداخلية التي قد تمارس عليه بما يقوى موقفة التفاوضي في مواجه الضغوط المالية وبالتالي ينتزع ورقة ضغط تمارس عليه من قبل الأمريكان وإسرائيل، وبما يحصن الجبهة الداخلية.          

 

 

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية