إيران: إيران وأمريكا اللاتينية.. دوافع التقارب


 

 

تاريخ النشر يوليو 2010.

الناضر: مجلة السياسة الدولية

رقم العدد: العدد 181 .

 


اهتمت النخبة الإيرانية الحاكمة بـ "مؤسسة السياسة الخارجية"، حيث تم تعزيز موقع هذه المؤسسة، وإجراء تغييرات بنيوية فى استراتيجيتها منذ الأسابيع الأولى التى تلت فوز محمود أحمدى نجاد واعتلاءه الحكم فى 2005.
أصدر مرشد الثورة الإسلامية فى إيران، على خامنئى، توجيها فى ذلك الوقت بمنح الرئيس الأسبق، هاشمى رفسنجانى، دور الإشراف الواسع على السياسة الخارجية العامة.
واستبدال بعشرات الدبلوماسيين القدماء وجوها جديدة وشابة، وإنشاء مركز جديد للتخطيط الاستراتيجى فى وزارة الخارجية، لتحسين آلية اتخاذ القرارات، وجمع المعلومات، فضلا عن إنشاء مجلس المدراء العامين، ولجنة الدبلوماسية النووية.
يعكس هذا التغيير البنيوى اهتمام إيران بتنشيط سياستها الخارجية، بحثا عن دور أكبر على المستويين الإقليمى والدولى. ومن هنا، سعت إيران إلى تنمية علاقاتها مع جميع الدول التى تتفق مع توجهات السياسة الخارجية الإيرانية، وكان على رأسها دول أمريكا اللاتينية، حيث شهدت العلاقات مع منظومة الدول اللاتينية - فى مقدمتها فنزويلا وبوليفيا والبرازيل - تحسنا ملحوظا، وتوسعا وزخما غير مسبوقين خلال رئاسة الرئيس نجاد.
تنطلق هذه الدراسة من افتراض رئيسى مفاده:
إن سياسة إيران الخارجية تجاه منظومة الدول اللاتينية ارتبطت بتأثير العامل الخارجى عليها أكثر من استجابتها لاعتبارات داخلية أو اعتبارات تتعلق بديناميكيات العلاقات الثنائية تاريخيا. وفى هذا الصدد، فإن السلوك السياسى الأمريكى هو "المتغير المستقل" الذى يفسر السلوك السياسى الإيرانى تجاه منظومة الدول اللاتينية، والذى يعتبر فى هذه الحالة "متغيرا تابعا".
أثر العامل الخارجى فى السياسة الخارجية.. إطار نظرى:
يُعرف مفهوم العامل الخارجى فى قضايا العلاقات الدولية بأنه تلك المتغيرات الناشئة من البيئة الخارجية للوحدة الدولية، أى الآتية من خارج نطاق ممارستها لسلطتها، أو تلك التى تنشأ نتيجة تفاعل مع وحدة دولية أخرى(1).
وعودة إلى المدارس والاتجاهات النظرية حول أثر العامل الخارجى على السياسة الخارجية، تتأثر الدولة فى سلوكها الخارجى بالنسق الدولى الذى يتضمن كل الوحدات السياسية القائمة، التى تتفاعل مع بعضها بعضا، وفقا لنمط معين منتظم وواضح من العلاقات.
فالدولة تستقبل "مثيرات" أو "حوافز" عديدة من الوحدات السياسية الدولية الأخرى الفاعلة فى النسق الدولى. وبغض النظر عن كون هذه الحوافز ذات طابع صراعى أو تعاونى، فإنها تدفع الدولة المتلقية للتصرف بطريقة معينة، وذلك حسب فهما لطبيعة الحوافز.
وتركز هذه الدراسة على قضية تأثير "طرف ثالث" على وحدتين دوليتين، حيث تستطيع وحدة سياسية ما أن تؤثر إيجابيا أو سلبيا فى نمط السياسات الخارجية، والعلاقات الثنائية بين دولتين أخريين(2).
وعلى سبيل المثال، فإن السياسة الخارجية المصرية تجاه إسرائيل تتأثر بالعديد من العوامل، من بينها نمط تدخلات الولايات المتحدة وتأثيرها على طرفى الصراع.
ولقد ميز شارلز هيرمان أربعة أشكال من التغير فى السياسة الخارجية فى إطار استجابتها للسياسات الخارجية للدول الأخرى، وهى(3):
1- التغير التكيفى: تغير فى مستوى الاهتمام الموجه إلى قضية معينة مع استمرار بقاء السياسة فى أهدافها وأدواتها كما هى.
2- التغير البرنامجى: حدوث تغير فى أدوات السياسة الخارجية مع استمرار الأهداف كما هى.
3- التغير فى أهداف السياسة الخارجية وليس مجرد تغير الأدوات.
4- التغير فى توجهات السياسة الخارجية، وهو أكثر أشكال التغير تطرفا، ويؤدى إلى تغير فى التوجه العام للسلوك الخارجى، بحيث يشمل تغيرا فى الأدوات والأهداف والاستراتيجيات.
وفى هذا السياق، يكون تأثر الدولة كبيرا، وتتبع سلوكا يتماشى مع سلوك وأهداف الطرف المؤثر. وعادة ما تكون الدول التى تتأثر سياستها الخارجية بهذا الشكل الكبير متسمة بعدة خصائص، من بينها(4):
ألا يكون لها مصدر بديل للمساعدات، ولا تستطيع دفع أموال ضخمة للحصول على الأسلحة، أو القدرة على إنتاج نماذج متقدمة من السلاح، والقيام بمهمات التدريب المتفوق، وأن يكون أمنها الداخلى والقومى معرضا للتهديد المستمر.
وفى مثل هذه الأحوال، ترى الدولة (ب) فى تجاوبها لنفوذ وتأثير الدولة (أ) فرصة لا تفوت، وامتثالها سيجلب لها نفعا، وإن كانت فى واقع الأمر مصالح الدولتين غير متطابقة، ولا يوجد بالضرورة إجماع بشأنها دائما(5).
والجدير بالذكر أن الصفة المميزة لهذا الاتجاه فى تحليل السياسة الخارجية، يقلل - إلى أدنى حد - من أهمية العوامل الداخلية فى تفسير مسلك الدول مثل:
الأيديولوجيا أو النظام الاقتصادى، أو التركيب الطبقى. لأن النسق الدولى - من وجهة نظر من يتبنون هذا الاتجاه - يفرض درجة عالية من التماثل فى السلوك على الدول، بغض النظر عن طبيعة نظامها فى الداخل".
ويرى الباحث أن هذا المنظور يسهم فى تفسير السياسية الخارجية الإيرانية تجاه منظومة الدول اللاتينية، مع الأخذ فى الاعتبار بعض العوامل الأخرى، مثل المتغير الأيديولوجى.
إن النسق الدولى والتدخلات الأمريكية لإسقاط نظام طالبان فى أفغانستان ونظام صدام حسين فى العراق، بالإضافة إلى الأزمة المالية العالمية، شكلت كلها حوافز تدفع إيران نحو التعاون مع منظومة الدول اللاتينية.
وستركز الدراسة على المتغير الأمريكى كأحد المتغيرات الخارجية فى توجيه السياسة الخارجية الإيرانية تجاه أمريكا اللاتينية.
فالملاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل مصدر الضغط الأكبر على إيران تجاه بعض القضايا من قبيل الإرهاب، والصراع العربى - الإسرائيلى، والموقف من احتلال العراق، والملف النووى.
السياسة الأمريكية تجاه إيران:
تشكل إيران تحديا للنسق الدولى، من وجهة النظر الأمريكية، التى ترى فيها خطرا على مصالحها، خاصة أن إيران نشيطة وفاعلة فى دعم قوى مناوئة لواشنطن. وتشير متابعة السياسة الإيرانية، خلال فترة ما بعد حرب الخليج، إلى أن هذه السياسة تشهد حالة من الذعر والتوجس من احتمالات تعرض إيران لضربات عسكرية أمريكية أو أمريكية - إسرائيلية.
ومنذ تولى الرئيس جورج بوش الابن مقاليد الحكم، وسيطرة المحافظين الجدد على مؤسسات صنع القرار الأمريكى، شهدت السياسة الخارجية الأمريكية تحولات دراماتيكية تجاه الشرق الأوسط، تواكبت مع زيادة فى الضغط الأمريكى على إيران، خاصة بعد سعى إيران إلى تطوير برنامج نووى.
تخشى واشنطن من أن يسبب دخول إيران النادى النووى العسكرى تحولا استراتيجيا مهما فى الشرق الأوسط، يخل بالتوازنات والترتيبات التى نجحت فى بنائها لضمان تدفق النفط وحماية منابعه من جهة، ولحماية إسرائيل من جهة أخرى، مما جعلها تسعى إلى اتخاذ إجراءات وقائية تمنع مثل هذا التحول.
لذا، تعتبر واشنطن أن كل الخيارات مفتوحة فى التعامل مع إيران، بما فى ذلك الخيار العسكرى.
هذا البرنامج النووى ما انفك يؤرق واشنطن، حيث يتجلى المأزق بالنسبة لها فى أن ترك إيران دون ضربها يمكن أن يجعل منها أكبر قوة إقليمية، وبخاصة بعد تدمير أفغانستان والعراق، مما سيجعل المساومة معها أو إخضاعها وترويضها مهمة فى غاية الصعوبة.
ولذلك، تعتبر إيران التهديد الأمريكى المصدر الأكبر للضغط عليها، وبمثابة تهديد استراتيجى للجمهورية الإيرانية.
وقد تعاملت إيران مع هذا الضغط ببرجماتية عالية، فإن شدت واشنطن رخت طهران(6).
والحاصل أن علاقات الدولتين محكومة - ضمن اعتبارات عديدة - بوجود طرف ثالث لا يمكن التغاضى عنه أو تجاهل وجوده، ألا وهو إسرائيل، فهذه الأخيرة تلعب دورا محوريا فى تسيير دفة العلاقة بين واشنطن وطهران.
ومن الواضح أن إيران والولايات المتحدة الأمريكية قد اتخذتا من إسرائيل محطة لتبادل الرسائل والتنبيهات. فانشغال واشنطن فى أفغانستان والعراق دفعها إلى السماح لتل أبيب بتولى زمام تصعيد الموقف مع طهران، تحريا لاستمرار الضغوط على الجمهورية الإسلامية، وتجنبا لرد فعل إيرانى مباشر فى وقت تعانى فيه واشنطن مشكلات متعددة يمكن لإيران أن تزيدها أو تخففها إذا أرادت(7). وبينما لا تزال سياسة واشنطن منذ الثورة الإيرانية 1979 وإلى الآن تتسم بالهجومية، فلا يزال "المشروع الإيرانى حتى اليوم هو مشروعا دفاعيا فى جوهره"(8).
السياسة الخارجية الإيرانية إزاء أمريكا اللاتينية:
شهدت العلاقات الإيرانية - اللاتينية تقدما ملحوظا، خلال فترة حكم نجاد، حيث تعمل إيران على تعزيز التعاون المشترك على أصعدة متعددة مع عدد من الدول اللاتينية، فى طليعتها فنزويلا، وبوليفيا، ونيكاراجوا، والإكوادور، والبرازيل، وأمسى هذا التعاون من أولويات السياسة الخارجية الإيرانية.
تعزز هذا التحالف مع بروز اليسار الجديد المناهض للعولمة، وسياسات الليبرالية الجديدة بين دول أمريكا اللاتينية، مما أثار ردود أفعال مضادة من قبل واشنطن وتل أبيب.
فإسرائيل أعلنت اعتزامها توطيد علاقاتها مع منظومة دول أمريكا اللاتينية، بغية التصدى لنفوذ طهران وحزب الله، خوفا من تمدد نفوذهما داخل هذه الدول، وبخاصة نفوذ حزب الله، وإنشاء هذا الأخير خلايا "إرهابية" حسب ادعاءات إسرائيلية.
وحذرت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلارى كلينتون، من "توسع مقلق للنفوذ الإيرانى والصينى فى أمريكا الوسطى والجنوبية، وضرورة تبنى تدابير مناوئة لمجابهة تنامى هذا النفوذ"(9).
وقد أشار تقرير، تم عرضه أمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكى (مارس 2009)، إلى أن هذه العلاقات آخذة بالتوثق والتوطد يوما بعد يوم.
ولو أضيف إليها الفساد الشائع فى فنزويلا، فهذا من شأنه أن يوجد بيئة مريحة لا يستبعد أن يستغلها حزب الله لأغراضه هو(10).
تأتى العلاقات الوثيقة بين إيران ودول أمريكا اللاتينية على خلفية البيئة الأمنية المضطربة التى خلقتها واشنطن لكل منهما، وإشعارهما بالاستهداف.
فإيران تعيش وضعا إقليميا جد مضطرب ومعقد. والمعضلة الكبرى بالنسبة لطهران تتمثل فى أن معظم جيرانها منخرطون فى تحالفات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويصعب على هذه الدول الخروج على الهيمنة الأمريكية، وتفعيل علاقاتها مع إيران.
كما أن واشنطن تمكنت من خلال نفوذها السياسى والعسكرى، فى كل من أفغانستان، والمحيط الهندى، وجمهوريات آسيا الوسطى، والخليج وتركيا، وأخيرا العراق، من إحكام طوق أمريكى حولها، بغية عزلها وإبعادها عن أية ترتيبات فى محيطها الإقليمى.
ومن هنا، فصعوبة اختراق إيران لدول الجوار دفعتها لتنمية علاقاتها مع دول بعيدة عنها جغرافيا يمكن أن تشكل سندا لها فى مواجهة الضغوط الأمريكية.
وفى ضوء ذلك، توجهت إيران إلى توطيد علاقاتها مع الدول اللاتينية للخروج من إسار الهيمنة الأمريكية على النسق الدولى، وتمهيدا لتشكيل تحالف استراتيجى موازن يتصدى للهيمنة الأمريكية(11).
شكل حصول إيران على الدعم الدبلوماسى من هذه الزعامات السياسية اليسارية، التى وصلت إلى سدة الحكم فى أمريكا اللاتينية، خلال السنوات القليلة الماضية، رافعة سياسية ودبلوماسية لطهران فيما يخص المسألة النووية، وكسرا لمساعى العزلة الدولية التى ترمى الولايات المتحدة الأمريكية من ورائها إلى إجبار إيران على وقف تخصيب اليورانيوم.
ولكن هذا التطور الجديد فى العلاقات جعل واشنطن وتل أبيب تدقان ناقوس الخطر، ولا تترددان فى التحذير العلنى مما يعتبره الجانبان "الغزو الإيرانى لأمريكا اللاتينية". لذا، قررت إسرائيل زيادة حملتها الدبلوماسية للتصدى لتنامى نفوذ إيران، من خلال حرب دبلوماسية ضد طهران تشعلها فى أمريكا اللاتينية، لتنضم إلى الجهود الأمريكية والأوروبية(12)، وخوفا من تزايد النشاطات "الإرهابية" لحزب الله، واستغلال هذا الأخير البيئة الفقيرة التى تقبع فيها الدول اللاتينية فى تجنيد عناصر تعمل لحسابه.
وتبدو التحفظات والمخاوف الأمريكية مفهومة بحكم ضغوط الجغرافيا السياسية، لاسيما وأن التمدد الإيرانى يقع فى الحديقة الخلفية والمجال الحيوى التاريخى لواشنطن، وبالنظر إلى حالة الغضب الذى يسود دول أمريكا اللاتينية، جراء سياسات واشنطن إزاء هذه البلدان التى ما فتئت واشنطن تتعامل معها باستعلائية.
وتريد إيران أن تقول لواشنطن، من خلال تحركاتها فى أمريكا اللاتينية، إنها قادرة على تحدى الهيمنة الأمريكية، وعلى أن تصل إلى العمق الأمريكى، وأنها تقف على قدم المساواة والندية مع واشنطن، مما يعكس نظرة إيران المعتزة بذاتها وقيمتها الحضارية.
أهداف السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول أمريكا اللاتينية:
تسعى إيران إلى استغلال الثغرات فى النسق الدولى لخدمة استراتيجيتها الشاملة، مستغلة فى ذلك الحنكة التى تتمتع بها القيادة الإيرانية التى استفادت من أخطاء واشنطن، وما فتئت تبحث عن كل ثغرة تسمح لها بأن تواجه الحصار الأمريكى.
فقد دعا على أكبر هاشمى رفسنجانى الصين والهند للعمل معا، إذ قال لهما:
"إذا عملنا معا، فسيكون لنا القول الفصل فى القضايا الدولية"(13).
وما محاولة إيران فى منافسة واشنطن على النفوذ فى أمريكا اللاتينية إلا بغية تحدى واشنطن ورفض الاعتراف بانفرادها على النسق الدولى، وتشكيل تحالف موازن ومضاد للهيمنة الأمريكية.
ومن هنا، أمسى الصراع الأمريكى - الإيرانى على مناطق النفوذ اللاتينية لعبة صفرية، أى أن أى مكاسب إيرانية فى هذه المنطقة القريبة من البوابات الجنوبية للولايات المتحدة، تعد بمثابة خسارة فادحة لها.
وعلى الصعيد السياسى، تهدف إيران إلى كسب تأييد دول أمريكا اللاتينية للمواقف الإيرانية فى المحافل الدولية، وبخاصة أحقيتها فى امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية. فكوبا وفنزويلا كانتا من طليعة الدول التى صوتت بالرفض على قرار مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذى كان يهدف إلى تحويل الملف النووى الإيرانى إلى مجلس الأمن الدولى، مؤخرا.
وهذا ما يعطى إيران مساندة وسط المعركة التى تختمر داخل الوكالة بشأن مصير مشروعاتها النووية، بالإضافة إلى خلق بنى تحتية من شأنها أن تؤدى إلى المساس السياسى بالعلاقات القائمة بين إسرائيل ودول أمريكا اللاتينية.
وعلى الصعيد الاقتصادى، تهدف إيران إلى الحفاظ على علاقاتها بدول لاتينية فاعلة فى منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) كفنزويلا التى تكاد تكون مواقفها متطابقة مع مواقف طهران فى كثير من الأمور، وتكريس التعاون بصدد سياسات أسعار النفط وتوزيع الحصص ورفع الإنتاج أو تخفيضه، فضلا عن تفعيل منظمة أوبك لتعبر قراراتها عن الدول المنتجة وليس المستهلكة للنفط. كما ترغب طهران فى الانفتاح الاقتصادى، وجذب الاستثمارات اللاتينية إليها، وتعزيز التبادل التجارى، والاتفاق على التنسيق فى استكشاف الموارد الاقتصادية.
فضلا عن ذلك، فإن دول أمريكا اللاتينية تعتبر سوقا مواتية لتسويق المنتجات الإيرانية، وبالتالى تقويض نظام العقوبات المفروض على إيران عن طريق الانفتاح إلى أسواق جديدة.
البرازيل وإيران.. الدور والمحددات:
تسعى البرازيل وإيران إلى بناء علاقات مؤثرة خارجيا، فى ظل تحولات النظام الدولى، لجهة تحقيق نوع من الاستقلالية لكلا البلدين، والحصول على موقع فى المشهد الدولى، ومنافع اقتصادية وسياسية وتكنولوجية.
وتنطلق البرازيل فى سياستها تجاه إيران من موقع يتجه نحو إقامة علاقات متوازنة، بحيث لا تثير غضب الدول الأخرى.
لذا، فالبرازيل ترفض تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية، إرضاء لواشنطن، وفى الوقت نفسه تؤيد امتلاك إيران تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية إرضاء لإيران. فقد دخلت البرازيل على خط الأزمة النووية الإيرانية، من بوابة رفض العقوبات على إيران، بحجة أن ثمة فرصة للحلول الدبلوماسية، وإقناع إيران بالتعاون وفقا للاقتراحات الصادرة عن اللجنة السداسية والدول المنخرطة فى الملف النووى الإيرانى.
وفى زيارته إلى إيران فى مايو 2010، قال الرئيس البرازيلى، لويس ايناسيو لولا دا سيلفا، إن بلاده على استعداد لاستضافة عملية تبادل الوقود بين إيران والغرب، إذا طلب منها ذلك.
إن زيارة لولا لإيران تعكس طموح البرازيل فى أن تصبح من الدول القائدة فى الشئون العالمية، بما يتناسب مع مساحتها وتعداد سكانها واقتصادها الذى يعد من أكبر عشرة اقتصادات فى العالم.
لذا، تلتقى الدوافع الإيرانية والبرازيلية فى عدد من النقاط، هى:
1- الدفع بخطوات متسارعة نحو تشكيل تكتل دولى، بالتعاون مع تركيا والصين وروسيا، والتواصل مع الدول النامية وعدم الانحياز، لتأكيد استقلاليتهما وقدرتهما على اتخاذ المواقف التى قد تحمل شيئا من التحدى للولايات المتحدة، دون الوصول بهذه المواقف إلى مرحلة الصدام.
2- الدعم النووى بين الطرفين، وبخاصة أن البرازيل تسعى إلى بناء مفاعلات نووية، لتحقيق الاستقلال الكامل لها على جميع المستويات.
3- استغلال إيران الوجود البرازيلى فى العديد من المحافل الدولية، فهى عضو غير دائم فى مجلس الأمن، ولها نفوذ واسع فى مجموعة عدم الانحياز، فضلا عن علاقاتها الدولية الواسعة.
4- تشير التحليلات إلى أن حجم التبادل التجارى بين البلدين يمكن أن يرتفع لنحو خمسة أمثاله إلى نحو عشرة مليارات دولار فى غضون السنوات الخمس القادمة.
5- تسعى البرازيل لأن تكون دولة كبيرة ومؤثرة فى قضايا أمريكا اللاتينية والقضايا الدولية، وهى بذلك تشترك مع إيران فى محاولة استغلال التحولات فى النظام العالمى، وبدء التوجه نحو نظام تعددى، للحصول على مكانة دولية تليق بهما كدول ذات مساحة وتعدد سكانى كبيرين، وتمتلكان قدرات اقتصادية، وموارد طبيعية مهولة، تؤهلهما للحصول على مكانة مرموقة فى النظام الدولى البازغ.
ومن ناحيتها، تخشى الولايات المتحدة من أن يؤدى الانفتاح البرازيلى على إيران - معطوفا على مواقف الصين وروسيا وباقى دول أمريكا اللاتينية - إلى إفشال التحالف الضاغط على إيران، وإفشال نسق العقوبات على إيران.
عراقيل وتحديات:
ثمة جملة من العراقيل تقف فى وجه نمو العلاقات الإيرانية - اللاتينية لتحقيق كامل إمكاناتها.
فبالرغم من أن المساعى الإيرانية للتغلغل وتفعيل وجودها فى العديد من مناطق العالم ليست أمرا جديدا، فإنها باتت أكثر حساسية ليس فقط بالنسبة لأعداء إيران التقليديين (إسرائيل والولايات المتحدة)، ولكن أيضا بالنسبة للعديد من القوى الدولية والإقليمية التى أمست تخشى على مصالحها، جراء تمدد النفوذ الإيرانى، مثل الصين والهند والعديد من الدول العربية والأوروبية.
هذه الدول باتت تتوجس من جراء النشاط المتزايد للسياسة الخارجة الإيرانية، وهذا يعنى أنها لن تترك الساحة الدولية لإيران فارغة، لكى تصول وتجول بها، لأن لهذه الدول مصالحها السياسية والاقتصادية وارتباطاتها الدولية.
والأهم أن واشنطن، بالنشاط المتزايد لإيران ضمن مجالها الحيوى، سوف تحول دون ذلك، من خلال أساليبها المتعددة، وهو ما يعنى أن تصاعد حدة التنافس سوف يتزايد فى أمريكا اللاتينية.
من ناحية أخرى، فإن هدف إيران المتمثل فى إيجاد نسق دولى متعدد الأقطاب، تكون إيران قطبا دوليا فاعلا فى إطاره، يتجاوز إمكانياتها، وبخاصة إذا أدركنا أن الاقتصاد الإيرانى يعانى نقاط ضعف كثيرة، بالإضافة إلى التأثير السلبى لتدهور أسعار النفط فى الآونة الأخيرة على الاقتصاد الإيرانى.
كما أن مساعى إيران لتعميق تحالفاتها مع الصين والهند، مثلا، ليست أمرا سهلا، حيث لا يمكن للصين والهند أن تضحيا بعلاقاتهما مع واشنطن من أجل إيران.
فالهند والصين تقدران السوق الأمريكية الضخمة بالنسبة لصادراتهما وأهمية رأس المال، والتقنية الأمريكية لنموهما الاقتصادى، لذلك فهما غير مستعدتين للتضحية بهذه المزايا التى لا تستطيع إيران أن تنافسها، وقس على ذلك باقى الدول.
الخلاصة:
إن السياسة الخارجية الإيرانية تحاول فى الآونة الأخيرة فتح المزيد من دوائر التعاون مع دول وتكتلات عديدة، وهذا النشاط يسير بالتوازى مع الضغوط الأمريكية.
وبرغم أن التعاون الاقتصادى والتجارى واضح فى العلاقات الإيرانية - اللاتينية، فإن هذا العامل الاقتصادى ليس هو العامل الأهم، فهذه الدول، سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية التقنية، ليست بذات فائدة قصوى لإيران.
فهذه العلاقة بدأت أولا لأسباب سياسية وأيديولوجية، على قاعدة عدو عدوى صديقى، وبعدها انتقلت إلى التعاون الاقتصادى وفى شتى المجالات.
بمعنى آخر، فإن النسق الدولى والتحولات العالمية، وبخاصة الضغوط الأمريكية، تشكل فى مجملها مقدمة المتغيرات التى لعبت الدور الرئيسى فى توجيه ودفع إيران نحو أمريكا اللاتينية.
الهوامش:
1- محمد السيد سليم (1998)، تحليل السياسية الخارجية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، ص 138.
2- محمد السيد سليم، مرجع سابق، ص 339 - 343.
3- Hermann C., (1990): Changing Course: When Government Choose to redirect Foreign Policy. International Studies quarterly, Vol., 34, PP:5-.7
4- فتحية النبراوى، ومحمد نصر مهنا (1985)، أصول العلاقات السياسية الدولية، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص 409 -410.
5- كاظم نعمة (1979)، العلاقات الدولية، كلية السياسة والقانون، بغداد، ص 170 - 176.
6- أحمد إبراهيم محمود (1998)، البرنامج النووى الإيرانى.. التطور والدوافع والدلالات الاستراتيجية، السياسة الدولية، العدد 131.
7- عياد البطنيجى (2009)، جريدة المتوسط، الانفتاح الأمريكى على إيران، العدد 4، لندن.
8- طلال عتريسى (2009)، "المشروع الإيرانى" بين استراتيجى الهجوم والدفاع، المستقبل العربى، العدد 363، ص 154.
9- د. السيد عوض عثمان، دلالات وحصاد جولة أحمدى نجاد اللاتينية، مختارات إيرانية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، الأهرام: p://acpss.ahram.org.eg/ahram/1/1/2001/CIRN.41HTM
10- انظر تحذير وزيرة الخارجية الأمريكية (هيلارى كلينتون):
http://arabic.cnn.com/2009/world/2/5/clinton.warns/index.html
11- إيران ترسخ وجودها السياسى والاقتصادى فى أمريكا اللاتينية: http://all4syria.info/content/view/81/9284
12- انظر:
http://www.alraynews.com/ErrorPage.aspx?aspxerrorpath=/News.aspx.

الصعوبات التي تواجه عملية وضع الدستور الفلسطيني

 

 

 

 

بقلم: عياد البطنيجي

 

الناشر: المجلة العربية للعلوم السياسية، مجلّة دوريّة محكّمة تصدر عن الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية.

 

العدد: 27 صيف 2010

 

 

 

 

 

 

 

alt

 

 

 

 

 

يحتوى العدد على:
-افتتاحية العدد للدكتور عدنان السيد حسين: المسؤولية الإنسانية لوسائل الإعلام.

 

وملف بعنوان: حالات مغاربية، يتضمن أربعة بحوث:
-الدولة وأحزاب المعارضة القانونية… أية علاقة؟ حالة تونس: سالم لبيض.
-المسار السياسي المغربي في ضوء تجارب الدمقرطة الإسبانية: نظرة موجزة: كمال مجاهدي.
-الحكم الذاتي المغربي بين الفعالية والمحدودية: حكيم التوزاني.
-النموذج التشريعي في ظل الثنائية المجلسية في المغرب: زكرياء أقنوش.

 

أما الدراسات فهي:
– المسؤولية الإنسانية لوسائل الإعلام في الحروب: قراءة تفكيكية في مهنية الأداء والضمان القانوني: فاضل محمد البدراني.
– كينيث والتز: خمسون عاماً من العلاقات الدولية (1959-2009): دراسة استكشافية: أحمد محمد أبو زيد.
- الصعوبات التي تواجه عملية وضع الدستور الفلسطيني: عياد البطنيجي.
- الوطن العربي في عصر تتعدل فيه موازين القوة والنفوذ ومعايير التقدم: عاطف الغمري.
- الحقوق والحريات العامة في عالم متغير: محمد إبراهيم درويش.

 

وفي باب آراء:
–الحركات الاجتماعية والفرصة السياسية: محمود صلاح عبد الحفيظ المهر.

 

وفي باب كتب، مراجعات للكتب الآتية:
- الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربياً (حسن نافعة): أعد المراجعة يوسف مكي.
- سمات النخبة السياسية الفلسطينية قبل وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية (سمر جودت البرغوثي): أعد المراجعة فيصل درّاج.

بالإضافة إلى يوميّات عربية ودولية مختارة، وببليوغرافيا مختارة.

الدور الإيراني: الفرص والعوائق البنيوية

 

 

 

بقلم: عياد البطنيجي

الناشر: موقع الألوكة.ميدل ايست اونلاين . مركز الخليج . مجلة كلية الملك خالد العسكرية.

تاريخ النشر: 9/11/2010

  

 

 تتحدد أهداف الدول الساعية لحماية مصالحها القومية، من خلال سياستها الخارجية، وتتأثر بالبيئة العالمية التي تتعامل معها وتتحرك فيها، وبالقوة أو القوى التي تتحكم وتوجه هذه البيئة. ويصاغ الدور والسياسة الخارجية الإيرانية في إطار الوحدة الدولية، بغية تحقيق أهدافها إزاء وحدات خارجية. ففي عصر التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال لم تعد النظم والجماعات قادرة على الانحسار داخل بوتقة خاصة أو الانغلاق على الذات.

فالنظام السياسي المتشكل إثر الثورة الإيرانية 1979، كثورة إيديولوجية دينية إسلامية، شكل قطيعة مع نظام الشاه، وأحداث تغييرات سياسية كبرى في النظام الإيراني. أما اليوم فقد حدثت تغييرات هيكلية في الظروف التاريخية والبنية الجيوسياسية التي كانت تعمل من خلالها إيران ما بعد أسرة بهلوي.

وهكذا، وجدت إيران نفسها في بيئة مغايرة تماما لبيئة السبعينات، فقد اختلفت البيئة العالمية في تسعينيات القرن الماضي عنها في القرن الحادي والعشرين، بما تتيحه من فرص وخيارات أمام إيران، بدأت تتضح معالمها منذ تسعينات القرن الماضي.

أولاً : فرص الفعل السياسي

ساهمت الحرب الأميركية على الإرهاب في تعزيز مكانة إيران كدولة إقليمية ذات نفوذ قوي. ووفرت واشنطن لإيران فرصة مناسبة للحصول على مكانة إقليمية ودولية. فبعد الإطاحة بنظامين (العراق، أفغانستان) كانا يشكلان تهديدا مباشرة لطهران، تمت مكافأة إيران بإطلاق يدها في العراق ولبنان، وأصبح لها نفوذ في مناطق أخرى مهمة، مثل غزة، وأسيا الوسطى، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. فقد استغلت إيران انهيار النظام العراقي وانشغال أميركا في حربها في العراق، لتتحول إلى القوة الإقليمية الأبرز، والى فاعل سياسي رئيسي في المنطقة. وهكذا، تصبح إيران- والحالة هذه- طرفا مهمة في تشكيل النظام العراقي الجديد، وتسعى إلى أن يكون النظام العراقي الجديد غير معادٍ لها أو أن يكون مؤيدا أو متعاطفا معها. فبعد أن كان النظام العراقي القديم يشكل تحديا أمام حرية الفعل الإيراني لتحقيق دور إقليمي، بات اليوم أمام إيران الفرص متاحة بشكل كبير.

والأهم هو، أن هذه البيئة الدولية والإقليمية، فتحت فرصا كبرى أمام إيران للتحرك باتجاه تطوير برنامج نووي. كما أن هذا البرنامج النووي قد يُكسب الطبقة الدينية القابضة على الحكم، شرعية تساعدها على الاستمرار وبسط سيطرتها على الداخل بالطريقة التي تنسجم وتتماشى مع تصوراتها، بالإضافة إلى تثبيت نظام الحكم ومبادئ الثورة. كما أن هذا التعنت الإيراني أمام الأميركان اكسبها شرعية إقليمية عند البعض، مما اكسبها سيطرة على بعض الدول وقوى الممانعة، لتتماشى مع تصورات الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمنطقة، وتدور في فلكها.

أضف إلى ذلك، إن حرب واشنطن على الإرهاب، وتحطيم النظامين العراقي والأفغاني، جعل إيران طرفا في أي حوار أميركي يخص العراق وأفغانستان. وبالفعل لقد أجرى (2001-2002) دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون، مع مسئولين من دول أعضاء في الأمم المتحدة، في بون العاصمة السابقة لألمانيا، لقاءات في إطار محادثات متعددة الأطراف حول تشكيل حكومة جديدة ووضع دستور جديد لأفغانستان. وناقش (2007-2008) كل من السفير الأميركي لدى العراق براين كروكر مع نظيره الإيراني حسن كاظمي قمي، ناقشا أعمال العنف في العراق. وأجريت ثلاث جلسات أخرى من تلك المحادثات منذ عام 2008، براعية وزارة الخارجية العراقية. وفي آذار/مارس 2009، أجرى ريتشارد هولبروك المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان وباكستان، "حديثا موجزا ووديا" مع ممثل إيران خلال مؤتمر دولي حول أفغانستان وغيرها من اللقاءات والمشاورات التي تجري بين الأميركيين والإيرانيين لتقرير مستقبل العراق وأفغانستان.

وقد كتبت قبل ذلك عن مستقبل العلاقات بين إيران وأميركا، وقلت إن الخيار الأفضل لكلا الطرفين، في ظل هذه الظروف، هو الحوار. لذا أتوقع أن مستقبل العلاقة سوف يتجه نحو التحسن والحوار لا الحرب، على الأقل في المستقبل المنظور؛ لأن الرصيد التاريخي يقول إن كلا الطرفين استطاعا الحفاظ وبشكل كبير على عدم وصول التناقضات التي تكتنف العلاقات بينهما إلى حالة صراع عنيف أو مسلح برغم اللهجة البلاغية والمثيرة للشقاق من جانب الطرفين، وعلى الرغم من حالة العداء المستحكم التي تسيطر على مواقفهما إلا أن الحوار بين الدولتين ظل موجودا حتى في أشد الفترات بين الدوليتين توترا. لذا فقد أثبتت التطورات أن كلا الطرفين لم يدفع الطرف الآخر نحو حافة الهاوية، فإن شدت واشنطن رخت طهران. كما أن إيران لا ترغب بخسارة جهود سنوات طويلة من العمل المضنِ فيما يخص المسألة النووية.

وهكذا استطاعت إيران بسط نفوذها الإقليمي، وأمست طرفا في تشكيل مستقبل العراق وأفغانستان، ومؤثرةً في الوضع السياسي في لبنان وفلسطين. وهو ما ينبئ بأن إيران قد تكون لاعبا أساسيا في تشكيل الشرق الأوسط الجديد.

وعموما، إن الحرب الأميركية على الإرهاب، والمأزق الأميركي في العراق وأفغانستان، واستنزاف القدرات الأميركية، وعدم قدرتها على ضرب أي بلد آخر، ناهيك عن مناطق التوتر الأخرى، والأزمة المالية العالمية، كل ذلك ترك فراغا، وفتح فرصا كبرى أمام حرية الحركة والفعل السياسي الإيرانيين، مما يجعلها طرفا في تشكيل سياسة المنطقة، وقوة رئيسية على المستوى الإقليمي ترمي إلى إحداث تغيرات جذرية قد تؤدي إلى إضعاف الدور الخليجي والعربي.

ثانيا: المعوقات البنائية الجيوسياسية

إن البنية الجيوسياسية لا تتكون فقط من معاني الفاعلين السياسيين، أو من خلال الإرادة الذاتية للفاعل، وإنما هناك عوامل بنائية (أو موضوعية) تمارس تأثيرا طاغيا على الفاعل وتصوراته، وتمارس قهرا على دوره. فالفعل السياسي، يتأثر إلى حد كبير، بل ويتشكل ويصاغ بواسطة العوامل البنائية (السياسية والجيوستراتيجية). ليست العلاقة أحادية ولا يمكن التعبير عنها في ضوء تعميمات لها سمة القانون وعموميته. ودون الخوض في النقاش العويص حول العلاقة بين الفعل والبناء، أو بين الذات والموضوع، نقول فيما يخص موضعنا، إن الفعل السياسي الإيراني، والإرادة الذاتية لإيران، لا يمكنهما أن يتحررا تماما من تأثير ظروف البناء الجيوسياسي، والعوامل البيئية سواء أكانت المحلية أو العالمية. فأشكال السيطرة، والقوة والايدولوجيا، والأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسبة السكان، والهيمنة الأحادية الأميركية على العالم، ناهيك عن علاقة إيران بدول الجيران، والدول التي لها مصالح في المنطقة، كل هذه العوامل تحد من حرية الحركة، وتفرض على إيران السير وفق هذه العوامل البنائية، وأن تعمل وفق ما هو مناسب ومتاح، آخذة باعتبارها كل هذه العوامل وفق حسابات دقيقة.

نعم إن سقوط النظامين العراقي والأفغاني، جعل إيران أمام فرص متعددة، ولكنه في نفس الوقت فرض عليها تحديات ومعوقات. فقد أصبحت إيران أكثر من أي وقت مضى عرضة للضغوط الأميركية، وبمختلف الوسائل لمنعها من البروز كقوة إقليمية؛ لأن واشنطن لن تسمح ببساطة ببروز قوة إقليمية معادية لها. كما جعلها في موضع الخطر المباشر، وبخاصة أن واشنطن أصبحت على حدود إيران الشرقية في أفغانستان، وشمالا في جوار بحر قزوين في أكثر من دولة من دول الاتحاد السوفيتي السابق، كما أن جارتها باكستان دولة نووية ولها علاقة جيدة مع واشنطن، وهي تسير باتجاه علاقات مماثلة مع إسرائيل. كذلك الأمر مع تركيا. أما في جنوبها، وبفعل مصالح واشنطن الإستراتيجية في الشرق الأوسط، وحماية أمن إسرائيل وتدفق النفط، كل ذلك جعل تواجد واشنطن العسكري أكبر وأضخم من أي منطقة أخرى، ناهيك عن العلاقات العربية- الإيرانية المتوترة أصلا. ولعل أبرز ما يوضح القلق الإيراني من التواجد العسكري الأميركي في جوارها هو ما عبرت عنه الرسالة التي أرسلت من قِبل (153) نائبا إلى البرلمان الإيراني حيث أشارت إلى" أنه في أعقاب وضع القوات الأميركية في أفغانستان واحتلال العراق فقد وصل التهديد إلى حدودنا".

كل هذه العوامل تشكل معوقات بنيوية أمام إيران، يجعلها أكثر عرضة للمخاطر، تدفع طهران قسرا باتجاه إقامة علاقات مع واشنطن كما سبق الإشارة، أهميتها ترجع إلى تخفيف حدة التوتر بينها وبين واشنطن، بالإضافة إلى أن هذه المشاورات المباشرة تسمح لواشنطن الاطلاع مباشرة على وجهة النظر الإيرانية وبخاصة عندما تتوتر العلاقة بينهما. أضف إلى ذلك أن هذه المشاورات واللقاءات السرية التي تجرى من "الأبواب الخلفية"، تساعد إيران في إيصال رأيها إلى إسرائيل، ففي هذه الحالة تلعب واشنطن دور الوسيط بين إيران وإسرائيل. كما أن هذه اللقاءات تقوي من الآمل في تحسين العلاقات الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية. وهي بالفعل لعبت دورا في استمرارية النظام الإيراني المتشكل إثر الثورة الإيرانية 1979. فمشاورات إسرائيل وإيران في عقد الثمانينات بخصوص صفة الأسلحة، والمشاورات الأميركية - الإيرانية بخصوص الرهائن، عززتا الأمل في إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، وبخاصة أن إسرائيل استمرت بالعمل على إعادة علاقاتها مع النظام الإيراني الجديد وحاولت عبر وسطاء لإعادة هذه العلاقة.خلاصة ذلك أن هذه المعوقات البنائية تدفع طهران قسرا إلى التحاور من "الأبواب الخلفية"، حتى تحافظ على وجودها.

لم تشكل إيران الثورة (1979) خطرا أيديولوجيا على النظام الدولي آنذاك وتصوراته الفلسفية. ولم تكن بديلا إيديولوجيا أمام الصراع الإيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية. فقد رأت واشنطن أنه ربما تشكل الأيديولوجية الإسلامية الإيرانية، التي تتعارض مع الماركسية أو الاشتراكية، فرصة لتحسين العلاقات مع أميركا، أو قد تندفع إيران إلى التحالف الغربي بسبب الخطر الشيوعي المتربص على حدودها الشمالية. وحتى عندما تأكدت واشنطن من خطأ هذه التصورات، لم تستطع فعل أي شيء ضد إيران لإعادتها إلى التحالف الغربي؛ والسبب في ذلك أن النظام الدولي آنذاك، جعل الخيارات أمام واشنطن محدود أو معدومة، وبخاصة أن إيران تقبع جنوب الاتحاد السوفيتي. كما أن أي إجراء أميركي ضدها قد يدفعها إلى التحالف مع الاتحاد السوفيتي. أما الآن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن الماضي، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم بل ربما أكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية على الإطلاق في تاريخ البشرية، وأصبحت الإيديولوجية الإسلامية موصومة بالإرهاب، ووصفت السياسة الأميركية إيران بالدولة التي تساند الإرهاب وتضعها ضمن دول محور الشر. فالإيديولوجية الإسلامية التي لعبت دورا في الحفاظ على إيران الثورة، أصبحت الآن تشكل أحد المخاطر على إيران في ظل الحرب على الإسلام، أصبحت أية دولة ترفع شعارات إسلامية توصم بالإرهاب. كما أن هذا البعد الإيديولوجي حاضر في المسألة النووية الإيرانية. فالولايات المتحدة الأميركية تتصور أن امتلاك إيران للرادع النووي سوف يجعلها تشعر بأنها لم تعد معرضة للخطر المباشر من أي انتقام عسكري تقليدي، فهي تستطيع أن تعود إلى السياسات العدوانية والسياسة الخارجية المقاومة للوضع الراهن التي اتبعتها إبان الثورة الإيرانية. وعلى هذا النحو قد تتصرف إيران على ضوء تحقيق تصوراتها الإيديولوجية للشرق الأوسط الإسلامي، وفي دعمها للجماعات الأصولية، إضافة إلى أنها قد تعطي هذه الأسلحة "للإرهابيين". وكما يقول هنري كسنجر في إحدى كتاباته: "إن الدول ذات الدوافع الإيديولوجية تميل إلى تطبيق سياسة خارجية نشطة ذات مخططات كبرى، من العسير تحقيقها، كما تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام العالمي القائم".

وإذا كان الفراغ في المنطقة لعب دورا في صعود إيران كقوة إقليمية، فقد لعب أيضا في صعود قوى إقليمية أخرى كتركيا، التي لها مصالح لا تقل أهمية عن مصالح إيران، وقد تتعارض مصالحهما مستقبلا، وهو ما يشكل معوقا بنائيا أمام تمدد النفوذ الإيراني.

إن السلوك الأميركي تجاه إيران، يجعل الأخيرة تبحث عن علاقات خارجية موسعة بغية الموازنة حفاظا على مصالحها القومية، مما يدفع نحو الانخراط التام في السياسات الدولية والإقليمية. هذا الانخراط الإيراني التام له تكاليفه الباهظة. وهنا تثار التساؤلات: ما التكاليف والفوائد المحتملة لهذا الانخراط؟ وما هي المعيقات البنائية التي يفرضها هذا الانخراط؟ الموقف العقلاني هو ما يجلب أكبر درجة من الإشباع والمنفعة، وأكفأ وسيلة للوصول إلى الأهداف المرجوة في مواقف معينة وفي زمان ومكان مناسبين. فتزايد الأعباء الأمنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية لإيران في الخارج مع مرور الوقت يأتي بتكاليف قد يختل التوازن بين أعباء الأمن وانخراط في السياسة الإقليمية والدولية المتزايد، وقدرتها على الحفاظ على قاعدة تقنية واقتصادية تلبى الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها. وبالفعل فإيران تواجه وضعا داخليا مأزوما تمظهر مع المعارضة الإيرانية والمتجسدة في الحركة الخضراء وهي تمثل نقطة ضعف في النظام الإيراني. كما أن إيران بلد نام، ويعاني من معضلات اقتصادية وبيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد. فضلا عن ذلك، تأخذ المعارضة على النظام أنه مفرط في سياسته الخارجية، وهذا الإفراط هو الذي يجلب المواجع داخليا؛ لأنها تبدد أموال الشعب.

وبينما تفتح العولمة بدورها فرصة أمام الدول، فهي تشكل أيضا تحديات غير مسبوقة أمام النظم السياسية في الشرق الأوسط، وهي ظاهرة لا يقتصر تأثيرها على السياسة الخارجية لهذه الدول، بل تشمل كل السياسات العالمية. وبالإشارة إلى إيران، فهي تفتح فرصا وخياراتٍ أمام الفرد والمجتمع لتفلت من قبضة النظام الديني، التي بدأت تتضح معالمها منذ تسعينات القرن الماضي. فقد شاعت الظاهرة المعروفة إيرانيا بـ"الحجاب السيئ"، أي عدم التزام النساء بمقاييس الشادور، والإقبال على الحجاب المزركش الذي يظهر رأس المرأة. وانتشار الزى الغربي بين الشباب الإيراني، وإطالة شعر الرأس، وثقب الأذن، وتعليق الجماجم فوق الصدور (نيفين مسعد، الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحدي العولمة الثقافية، المستقبل العربي، العدد 249، السنة 1999، ص 17). فبعد أن استطاعت الطغمة الحاكمة أن تفرض سورا واقيا أمام الخارج للعبور إلى الفرد والمجتمع الإيراني، بات اليوم الخارج- في اختزال للزمن والمكان- حاضرا في غرف نوم الإيرانيين. فقد بات البلاد هي الطرف المتلقي أو المستقبل لكل منتجات الحضارة الغربية. وبالتالي فقد فرض الآخر المختلف ثقافته وحضارته على الفرد والمجتمع الإيراني. فالعولمة الثقافية باتت تشكل هاجسا يؤرق النظام الإيديولوجي. فثمة حراك اجتماعي دائب تشهده إيران في هذه الغضون يضغط من أجل التغيير الثقافي والسياسي بفعل الثورة الاتصالية والعولمة الثقافية والسياسية، التي تقلل من قدرة النظام على الضبط والتحكم. كما أن الأوضاع الاقتصادية تؤثر بدورها على الدور الإيراني، حيث الديون الخارجية، وارتفاع نسبة السكان، وضرورة توفير فرص عمل للشباب، والحظر التجاري الذي تفرضه واشنطن، وعدم الاستقرار الاقتصادي لاعتماده بصفة رئيسية على البترول، كل ذلك يساهم بشكل كبير في عرقلة الدور الإيراني.

هذه ظروف تختلف تماما عن ظروف لحظة تأسيس الجمهورية وواقع الحال اليوم. ورغم أن هذه العملية التي ترمي إلى التغيير وتحريك المياه الراكدة في المجتمع الإيراني، تُقابل بمقاومة شديدة من القوى المضادة والمحافظة، إلا أن هذا الصراع سوف يتصاعد في المستقبل، ما لم يتغير البناء المؤسساتي والدستوري في إيران، واجتراح الوسائل الملائمة للتعامل معها، حتى يستطيع النظام الاستمرارية والتكيف مع هذه التحديات. دون ذلك سوف يواجه النظام الإيرانية مأزقا وجوديا.

إن هذه التغيرات البنيوية، التي تواجه النظام السياسي الإيراني، فرضت على الأخير مواجهة إشكاليات جديدة وغير مسبوقة، تختلف كليا عن مرحلة تأسيس الجمهورية، وهي تتطلب أطرا ومؤسسات متطورة ومختلفة تكون قادرة على التعامل مع هذه التحديات الموضوعية والمستجدات التي أفرزتها، حتى تكون الدولة تمثيلا أمينا لموازين القوى في المجتمع. وبقدر ما تثبت إيران قدرتها على مجابهة هذه التحديات، وكلما كانت السلطة في إيران قادرة على التعبير عن حركية المجتمع الإيراني، كانت سلطة شرعية.

وعليه فقد أصبحت إيران أكثر تأثيرا بالبيئة الدولية، وهو الطابع الذي سيظل يلازمها بعد التغيير الجذري الذي حدث في النظام الدولي، وبروز عالم القطب الواحد، وتبلور ظاهرة العولمة. وهذا كله يشكل معيقات بنائية أمام الدور والسياسة الخارجية الإيرانية، وسلوكها السياسي. فالسياسة الخارجية الإيرانية تتأثر بشكل كبير بالواقع الدولي ومعطياته.

وهكذا، إن إيران تواجه تحديات بنائية تتمثل في طبيعة النظام العالمي الراهن، وحالة الإقليم وبيئته والأوضاع المعقدة والمهددة التي تسوده، من احتلال العراق وأفغانستان، والتوترات في المنطقة، وترسخ الوجود الأميركي في الجوار الإيراني، وبروز ادوار جديدة لدول إقليمية، والعولمة وتأثيراتها، والتحولات الاجتماعية. كل هذه المعضلات، تكشف تناقضات الواقع ومحدوديته، فضلا عن تزاحم المصالح بين إيران والدول الأخرى، مما تفرض نفسها كمعوقات بنائية أمام الدور الإيراني، ويجعله يتحرك وفق حدود وقواعد تتطلب حنكة وقدرة على الموازنة بين المثال والواقع أو القدرات الذاتية، وفق حسابات دقيقة، وإدارة السياسة الخارجية بشكل يتلاءم وهذه المعوقات البنائية. وبالفعل فقد استطاعت إيران في كثير من المواقف أن تدمج بين الفعل السياسي والمعوقات البنائية وفق صياغة أو مركب حققت من خلالها مصالحها القومية. على سبيل المثال، التزامها بالقرارات الدولية التي فرضت على العراق إبان غزو الكويت فيما يتعلق بالعقوبات، وقبلت بوجود قوات أجنبية في الخليج، وحصلت مقابل ذلك على قرض من البنك الدولي. كما أنها استغلت الاحتلال الأميركي على العراق، وإجبار الأخير على النزول عن جميع شروطه في النزاع القائم بين البلدين والرجوع إلى اتفاقية الجزائر التي رفضها العراق. وعندما أحست إيران أن الحرب ضد العراق تبدو حتمية، سعت إلى تقديم طمأنات لتخفيف حدة الشكوك التي تساور العالم بشأن برنامجها النووي، دعت إيران المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، لزيارة منشأة نتانز، ووعدت بإخضاع منشأة نتانز لعمليات تفتيش تجريها الوكالة. وفي أعقاب غزو العراق في آذار/مارس 2003، أحست إيران بوضعها الهش أمام الضغوط الأميركية، وخشيت أن تحول واشنطن اهتمامها إلى تغيير النظام في طهران. ومن هنا، بعثت إيران رسالة إلى واشنطن عبر الحكومة السويسرية ألمحت فيها إلى استعدادها للبحث في عقد"صفقة كبرى" مع واشنطن. يتبين من ذلك أن إيران عندما تشعر بخطر وبكثافة الضغوط، وعندما تكون العوامل الموضوعية ضاغطة عليها، فإنها تنحني أمامها وتتنازل حفاظا على النظام وما حققته إيران من مكاسب. ووفق هذه النتيجة فإنني استبعد، بل لا يخالجني أي شك، أن إيران ستدفع باتجاه إيصال التناقض بينها وبين واشنطن إلى الذروة. بعبارة أخرى عندما تشعر إيران بأنه بالفعل هناك حرب ضدها فإنها سوف تنحني أمام رياح الحرب حتى لا تتحطم على صخور الواقع. وهكذا فإن صانع السياسة الإيرانية يعطي اهتماما بالاعتبارات الإستراتيجية والسياسية أكثر من الاعتبارات المبدئية. وعندما تتعارض الأولى مع الثانية فإن الأولى تكون للاعتبارات الإستراتيجية بدلا من المبادئ.

خلاصة ما تقدم، أن الفعل السياسي لإيران يتأثر بالأبنية والعمليات السياسية وموقع القوى العالمية والإقليمية. وهذا يعني أنه مشروط بالبنية الجيوسياسية. فإيران لا تعمل ضمن فراغ. ولو أخذنا بالاعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى تولي اهتماما كبيرا بإيران، وأن الأخيرة تحاول أن تقابل السياسات الأميركية في المنطقة بسياسات أخرى بغية فرض معادلة التوازن الإقليمي، من خلال تعزيز قواتها العسكرية تحسبا لأي نزاع، وتنمية علاقاتها مع دول المنطقة وبخاصة دول الخليج، وتأكيد دورها الإقليمي.كل ذلك يدفعنا إلى القول: إن الحوار بين طهران وواشنطن للوصول إلى صفقة أتي بلا ريب، وما تقوم به طهران هو التجهيز والإعداد والتمهيد للمسرح الإقليمي للقاء المنتظر لفرض ضرورة احتسابها في المعادلة السياسية الإقليمية.

لا تراهنوا كثيراً على الدور التركي

 

 

 

بقلم : عيّاد البطنيجي 

الناشر: مجلة  مدارات إستراتيجية- دورية تصدر كل شهرين عن مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية.

 

تاريخ النشر: السنة الأولى، العددان الرابع والخامس، يوليو/أكتوبر 2010 

تجدر الملاحظة أن عنوان المقال من وضع مركز سبأ وليس من وضع الكاتب.

 

 

alt

 

 

أمسى السجال العربي تجاه الدور التركي مادة دسمة للتداول في عالمنا العربي، إذ لا تكاد تخلو صحيفة أو موقع الكتروني من خبر أو مقال عن تركيا. فارتفع سقف توقعات العرب وازداد آمالهم، وهي توقعات أسيرة أوهام أكثر مما هي تعبير عن الواقع  الفعلي لقدرات تركيا. ونحن لا ندعي ذلك افتراءً، فيكفي إلقاء الضوء على التعبيرات المستخدمة في وصفهم للدور التركي حتى يتبن  ذلك (يمكن مراجعة مقالنا: خطاب المثقفين العرب تجاه الصعود التركي، منبر الحرية،  7 يونيو /حزيران 2010 ).

 

 صناعة الوهم

أمتلك الدور التركي بالفعل بعض النجاحات الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، ومع ذلك يرتكب المراقبون أخطاءً في فهم  هذا الدور،  ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب، أبرزها:

أولاً: تعمل تركيا، كما هي إيران، على استمالة بعض الكتاب العرب؛ للترويج لدورها، وتسويقه إلى الجمهور العربي، عن طريق المال أو بدعوتهم إلى تركيا والاحتفاء بهم. وهكذا، يصبح المطلوب من العرب القبول المطلق بتركيا، وتسهيل مهمتها، هكذا بدون شروط.  وأكثر من ذلك، يدعو البعض إلى الاستثمار العربي في الدور التركي؛ لأننا كعرب ضعفاء غير قادرين على حماية أنفسنا من إسرائيل وإيران، فليس لنا إلا تركيا المخلّص النهائي لجميع أزماتنا؛ إذ ستدفع إسرائيل إلى قبول عملية السلام مع العرب، وستروّض التمدد الإيراني وتحتويه.  أمام هذا التصور، ما هي نتيجة الوساطة التركية بين إسرائيل وسورية ؟ هل حققت شيئا ؟ لماذا لم تستطع تركيا أن تضغط على إسرائيل، ودفعها إلى القبول بعملية السلام، ليس مع العرب جميعاً كما يذهب صاحبنا، وإنما يكفي مع سورية فقط ؟! ولماذا افترض صاحبنا المبهور بالدور التركي أن الأخيرة ستعمل على احتواء التمدد الإيراني؟ ما هو المُضمر هنا ؟ أليس من المحتمل أن تتفق تركيا وإيران على تقسيم النفوذ بينهما في ظل غياب الدور العربي ؟! أليس احتواء تركيا للتمدد الإيراني يؤدي إلى توتير العلاقة التركية – الإيرانية، وهذا يخالف مبدأ الموازنة وتصفير المشكلات، التي يراهن عليها صاحبنا كثيرا في تقويمه للدور التركي ! لماذا تم السكوت عن هذه الخيارات ؟ وقبل ذلك، هل يقبل حزب العدالة والتنمية [الحاكم في تركيا] أن يلعب دورا في سياساته من هذا النوع؟ فتركيا لن تكون جزءا من موقف عربي له طابع مذهبي ضد النفوذ الإيراني. هكذا تقتضي مصلحة تركيا.

ثانياً:  يتحكم منظور عقدي أو أيديولوجي عند المحللين للدور التركي، فلا يقرؤونه إلا من خلال إيديولوجياتهم الخاصة. هذا النوع من المحللين لا يرون حتى أنفسهم إلا كاللون الذي وضعوه علي أعينهم، فينظرون إلى الدور التركي  باللون الذي يحب أن يروه به. وهكذا ينعزل هؤلاء في مغارة شخصية، وأحكامهم المتسرعة. ومن هنا، يصبح الدور التركي يرمي إلى" الدفاع عن أهل السنة ضد الأحلام الصفوية الشيعية"، ويردون السبب في التغيير الذي لحق السياسة الخارجية إلى "صحوة ضمير المسئولين الأتراك". وهكذا، يُثبِت الشعب التركي بأنه "شعبٌ من أفضل شعوب المسلمين"؛ لأنه " شعب يتميز بحميَّة إسلامية عالية، وبرُوح إيمانية رائعة"،  وبعودة تركيا "تعود الخلافة". لا نريد أن نفند هذا الأسطورة التي تصور تركيا كـ" قبضاي إقليمي"،  وكدور صلاح الدين الأيوبي في التاريخ الإسلامي، وباعثة الروح الإسلامية من جديد، وأمل للخلافة الضائعة؛  لأن الخطل واضح بشكل جلي للقارئ النبيه.

  ورغم أن ملامح السياسة التركية ما زالت قيد التشكل، وقسمات المشروع التركي لم تتبلور بعد، بيد أن هؤلاء أصدروا أحكاما قطعية ويقينية، في الوقت التي تبين القراءة الهادئة لسياسة تركيا الخارجية، أنها كانت دائما حذرة نسبيا، ومترددة، وممزقة بين الشرق والغرب، وبين العزلة والاندماج. وعليه يصبح مشروعا، والحالة هذه، أن نتشكك في استمرارية وثبات سياستها تجاه المنطقة العربية .

ثالثاً: يقرأ البعض الدور التركي بأثر رجعي، إن جاز القول. فبمجرد أن طرحت تركيا نفسها على الساحة الإقليمية، بدأوا بقراءة القدرات التركية الاقتصادية، والجيوسياسية…إلخ، وتكييفها بما يتناسب مع طرح مشروعها، وبما ينسجم مع توجهاتهم الخاصّة. بعبارة أخرى، فبدلا من قياس حقيقي لقوة تركيا؛ لمعرفة هل تتناسب هذه القوة مع المشروع التركي أم لا ؟ نقول بدلا من ذلك، يذهب المنبهرون بالمشروع التركي، إلى تكييف قدراتها وقوتها مع رغباتهم وأهوائهم. وهكذا، تصبح تركيا تملك من القدرات ما يؤهلها لإنفاذ مشروعها. هكذا بكل بساطة، دون أن يتحدث أحد عن الكيفية التي تؤثر فيها هذه المحددات على الدور التركي؟  فمثلا، كيف يؤثر المحدد الجغرافي أو السكاني على الدور التركي؟ وأين هي العلاقة بين الجغرافيا  أو السكان والدور التركي ؟ وكيف تؤثر الكتلة السكانية  أو الموقع الجغرافي على سياسة تركيا الخارجية ؟  وهكذا مع باقي المحددات .

   فضلا عن ذلك، فإن وجه الخطأ في تحليل القوة التركية يتجلى في أمرين: الأول، أن القوة، كظاهرة إنسانية وسياسية بشكل خاص، تخص الكيف وليس الكم فحسب. ومن هنا، ما هو نوع القوة التي تملكها تركيا ؟ خُذ على سبيل المثال لا الحصر  نوعية القوة التي تحوزها إسرائيل، فهي تتمتع بقدرات نوعية في مجال المعلومات، والتكنولوجيا، والتقنية العسكرية، والصناعة والزراعة، وتقدم في هذه المجالات للعالم ما لا تستطيع تركيا من تقديم جزء منه، وحتى تركيا تعتمد على إسرائيل في بعض المجالات. فضلا عن قوة اللوبي اليهودي في العالم، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الدعم المادي والمعنوي الغربي لإسرائيلي وتعاطفه معها، وقارن ذلك بتركيا، لندرك أن القوة هي في النوع وليس في الكم فقط.

 

  الأمر الثاني،  أن القوة هي ظاهرة نسبية، وبالتالي فنحن لا نستطيع معرفة حقيقة قوة دولة ما إلا من خلال مقارنتها بدولة أخرى، فمن خلال المقارنة نقيم ونفهم الأشياء، ونعرف حقيقة قوة كل دولة أو اللاعب السياسي، فقوة أو ضعف أي لاعب دولي مرتبط بقوة أو ضعف لاعب دولي آخر. وهكذا نقول: إن القوة ظاهرة نسبية، فقوة أي لاعب هي ضعف للاعب الآخر، وبخاصة إذا كانت العلاقة بينهما صراعية. وعليه فتركيا قوية بالنسبة لمن؟ من المؤكد أن تنامي الدور التركي لن يكن على حساب الدول القوية في المنطقة، بل على حساب الدول الضعيفة، ونقصد هنا الدول العربية

رابعاً: عدم الربط والتمييز بين الشكل والمضمون. فمنذ أن أعلنت تركيا عن مرتكزات سياستها الخارجية، انبرى المحللون في تحليل الدور التركي من خلال هذا المبادئ، دون نقد أو تمحيص علمي لها، ومدى جديّة هذه الشعارات الصاخبة، ودون التساؤل عن أصول هذه المبادئ، ومدى قدرة تركيا على الاستمرار بها. وهكذا شكلت هذه الكليشيهات سلطة استطاعت أن تؤسِر البعض وتقحمهم في تصورات غير واقعية . فضلا عن ذلك، فبمجرد تحـّسن العلاقة التجارية بين تركيا وسورية، ذهب البعض إلى وصف هذه العلاقة  بالعلاقة الإستراتيجية والتحالفية، رغم أن البلدين لم يحلا أيا من المعضلات البنيوية بينهما مثل الحدود والمياه.

سادساً: يغلب التحليل المجتزأ والانتقائي للظاهرة التركية، دون تأمل ترابط الأشياء جميعا، فالشيء يتلو الشيء في نظام مترابط.  وهكذا، فإن التحول التركي ما هو إلا "صحوة ضمير المسئولين الأتراك"، أو بسبب التوجه الإسلامي لحزب العدالة والتنمية، أو بسبب فشل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، دون أن يتم الربط بين تأثير المتغيرات الداخلية والخارجية على هذا التحول. فضلا عن ذلك، ثمة افتقار إلى المعرفة الكاملة للنظام السياسي التركي ومراحل تطوره. فمثلا يشاع خطأ أن مبدأي "الموازنة" و"المسالك المتعددة" هما من اجتراح [وزير الخارجية الحالي] أحمد داود أوغلو، هكذا دون سابق إنذار، رغم أن هذه المبادئ هي امتداد طبيعي، وتأكيد لدور من قبله من السياسيين الأتراك أمثال سليمان ديميريل مثلا، الرئيس التاسع لتركيا، الذي أعلن في العام 1976 أن " بلاده تفضل إتباع سياسة متعددة الجوانب بدلا من أن تكون معتمدة على العلاقات مع دولة واحدة"، إضافة إلى بروتوكول 1982، إذ نص على أن تركيا " لن تنتهج سياسة ذات حد واحد أبدا" . ويكرر اليوم أوغلو  مرة أخرى هذه المبادئ. وهذا ما يلفت بشكل واضح إلى أنه ليس من السهل تحقيق هذه المبادئ، إذ بقيت السياسة الخارجية التركية "وحيدة البعد" أو "وحيدة الاتجاه" ومنحازة نحو الغرب. ولكن من الملاحظ أن في الفترة الأخيرة حدث تغيير على ذلك، بيد أن تركيا تواجه تعقيدات تجاه إنفاذها. فهل ينجح أوغلو ؟! وهذا يشي بأن ثمة عوائق موضوعية تقف حجر عثرة أمام إنفاذها .

الدور التركي المكبل

إنفاذ الدور التركي منوط بامتلاك مقومات القيام به، والقبول به داخليا وخارجيا.  يثار جدل حول أسباب "التحول الاستراتيجي" لتركيا. المشكلة هنا أن الباحثين يذكرون متغيرات عديدة، أو يركزون على متغير وحيد يفسرون من خلاله هذا "التحول"، دون ترتيب أهمية المتغيرات حسب وزنها النسبي، حتى يمكن تحديد المؤثرات والأسباب للوصول إلى فهم واضح، ونتيجة تعي تلك المتغيرات المختلفة وراء هذا "التحول" .

هناك العديد من العوامل التي كانت وراء "التحول" التركي، وكلها مهمة ولابد أن تأخذ حقها في البحث والدراسة، ولكن لاحظنا أن ثمة عاملا حاسما وراء هذا التحول، وهو ثمرة للأحوال المكانية، أي تحت ضغط الجغرافيا السياسية لتركيا، معطوفاً على اعتراف دولي بهذا التحول. ولاحظنا أيضا أن هذا العامل الحاسم يشكل في بعض الأحيان عامل إعاقة للدور التركي. ويعتبر البناء الجغرافي لتركيا ملتبسا، فجزء منه واقع في أوروبا والثاني في أسيا، وبالتالي فهو غير محدد  بطريقة نهائية، وإن شئنا الدقة  فهو بناءٌ تائهٌ بين أسيا وأورويا. وتحيط بها مجموعة من الدول العلاقة معها تتراوح بين التعاون والصراع. ويتميز البناء الاجتماعي التركي بتكوين عرقي وديني ولغوي متعدد، تلعب العوامل الإقليمية في كثير من الأحيان بإثارة مشكلات تجاه التكوين الاجتماعي المتنوع. ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تبدلت الجغرافيا السياسية لتركيا، فترك الأثر الكبير على تبدل سياستها الخارجية، بغية تكيفيها مع المتغيرات الجيوسياسية الجديدة. وهكذا فعقد التسعينات يعتبر المقدمات الضرورية لهذا "التحول الاستراتيجي".

وكان من نتائج هذه التحولات، أن فقدت تركيا أهميتها الإستراتيجية، كقلة أطلسية، في مواجهة التهديد السوفيتي. وبالتالي يظهر مجددا هاجس الخوف من تهميش الدور التركي. إضافة إلى بروز خمس جمهوريات سوفيتية مسلمة استقلت، هي ذات أصول عرقية تركية، وضعت تحديات كبرى أمام السياسة التركية تجاه أسيا الوسطى التي تمثل مركزا أسيويا ذا تأثير متوقع في السياسة العالمية للدول الكبرى، فضلا عن تنافس دول عديدة على النفوذ في طليعتها إيران وروسيا وإسرائيل وأمريكا وباكستان، بالإضافة إلى الأطراف البعيدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وهكذا أصبحت أسيا الوسطى، دائرة جيوبوليتكية في غاية الأهمية، وساحة مفتوحة للتجاذب الإقليمي والدولي. فالإمكانيات المتفوقة التي تملكها هذه الدول قد تكون عامل إعاقة أمام السياسة التركية للاكتساب النفوذ، إذ قد تعجز فالإمكانيات الذاتية لتركيا على منافسة هذه الدول. وبالتالي فإن نجاح سياستها في هذه المنطقة مرهون بعدم استفزاز الدول التي لها مصالح هناك.

وعليه، يتبين لنا أن الموقع الجغرافي المتميز لتركيا، والذي يتغنى به المراقبون، رغم أنه يشكل رافعة لتركيا ما يجعل لها مكانة جيوستراتيجية، بيد أنه في الوقت ذاته  فرض عليها قيوداً. والأهم من كل ذلك، هو بزوغ الروح الروسية من جديد، وعودتها كقوة دولية  ذات نفوذ، ما يُعرّض سياسة تركيا الخارجية تجاه أسيا الوسطى والقوقاز للعرقلة والتحدي الروسي، وهذا يذكر الأتراك حقبة الخطر السوفيتي، ويحول دون تفرد سياسة تركيا تجاه دائرة أسيا الوسطى والقوقاز. فروسيا قادرة على كبح التوسع التركي في حال امتلكت إيديولوجيا توسعية أو إذا تعاطت بمنظور إيديولوجي إسلامي أو قوموي، أو عرضت مصالح روسيا لتحدي ما.  وبالتالي، فإن تحقيق مصالح تركيا وتلبية احتياجاتها من الطاقة قد تتعرض لتحديات، وبخاصة أن تركيا إحدى الدول المستوردة للنفط والغاز، وهي لا تملك إلا القليل من الوسائل الخاصة اللازمة لتحقيق مصالحها تجاه أسيا الوسطى وبحر قزوين؛ فنجاح سياستها هنا يتوقف في المقام الأول على الدعم السياسي من قبل واشنطن، وعدم استفزاز السياسة الروسية، الحفاظ على سياسة متوازنة.  يفرض هذا النمط المعقد والمتشابك من علاقات الطاقة عملية موازنة بالغة الدقة من جانب تركيا، وأن لا تأخذ صفة الثنائية، بل صفة التعددية على الأنماط السياسية والاقتصادية في تفاعلاتها مع الدول ذات الصلة بعلاقات الطاقة، ومتسقة مع المصالح السياسية والاقتصادية لحلفائها الأمريكيين، والأوروبيين. وهذا يتطلب القدرة على الالتزام بمبادئ "الموازنة" و"المسالك المتعددة".

 وهكذا نفهم كيف اجترح اوغلو مقاربته تحت تأثير الدور الحاسم للجغرافيا السياسية. فتركيا في موقع  جيوبوليتكي غير مريح، ومثقل بالتناقضات؛ وتحت ضغط جيرانها، لذا تتعدد اتجاهاتها. وعليه، يتضح أن الجوار الإقليمي يلعب دورا بالغا تجاه آمال الأتراك التنموية، مما يتطلب الانفتاح السياسي والاقتصادي على هذا الجوار الضاغط، الذي يمثل مجالاً حيوياً لنمو علاقاتها الاقتصادية، وبخاصة تجاه المنطقة العربية وإيران وأسيا الوسطى.

 ومن هنا  يتبين مدى صعوبة وضع الأتراك الجغرافي، فتركيا واقعة بين سندان أسيا الوسطى ومطرقة الشرق الأوسط، والرغبة في الاندماج بالغرب، مما يخلق شعوراً بوجود قدر كبير من المخاطر لديها يفاقم الإحساس العام بالضيق وعدم الاطمئنان، يدفعها إلى الاستمرار بالروابط الدفاعية مع واشنطن وحلفائها الغربيين من خلال حلف الناتو؛ لأنه كلما تعرضت تركيا لتحديات أمنية زاد من ارتباطها بواشنطن والاستمرار في التحالف الغربي والعكس صحيح. وبالتالي، فإن العلاقات التركية- الأمريكية "كانت تتوسع كلما وجد الطرفان ضرورة لتوسع مفهوم الأمن ليشمل قضايا السياسة والاقتصاد والثقافة". فأسيا الوسطى والشرق الأوسط يُشكلان مناطق جيوسياسية، لا يسمح عمالقة القوة بالعبث بها. يدرك الأتراك أن معالجة المشكلات الاقتصادية تتطلب مساعدة الدول الكبرى، وبخاصة أمريكا، ومن خلال المؤسسات المالية الدولية.

وبخصوص الدائرة الجغرافية الأخرى والمهمة لتركيا، أي الشرق الأوسط، فالأخير يتميز بالاستقرار، ويعد منطقة مهمة استراتيجيا واقتصاديا، وجاذبة للدول الكبرى التي ترتبط مصالحها الحيوية بهذه المنطقة وتتعدد مصالحها، والدور التركي هنا مرتبط بعدم استفزاز مصالح هذه الدول. فمن الملاحظ مثلا  أن تركيا تؤكد في كل تحركاتها على أن دورها لن يكون على حساب أحد، بمعنى أن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وتكالب مصالح الدول الكبرى على المنطقة، فضلا عن وجود إسرائيل القلعة الغربية واللاعب الرئيس؛ كل ذلك يُكبُِل من حرية الحركة التركية، ويكبح من  الذهاب بعيدا عن سياسة الدول الكبرى وبالتحديد واشنطن. فمن الملاحظ مثلاً أن تركيا ظلت حريصة على ألا تمس تداعيات أزمة أسطول الحرية جوهر العلاقات الإسرائيلية –التركية.  فضلا عن الاحتلال الأمريكي للعراق الذي دفع الأتراك بالاهتمام بالشأن العراق لما يتصل ذلك بوضع الأكراد، وأزمة الملف النووي الإيراني. وهكذا يتبين لنا كيف لعبت الجغرافيا السياسية لتركيا دورا في اجتراح المبادئ التي يسير عليها أوغلو في تسيير دفة السياسة الخارجية لبلاده.

  وعليه فإن جيوبوليتك الشرق الأوسط يجعل من إمكانية أن تكون تركيا " رأس حربة" في سياسات الشرق أوسطية هو موضع شك، ويحد من قدرتها على أن تلعب دوراً كبيراً في جهود السلام والتوفيق بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو بين سوريا وإسرائيل؛ لأن ذلك يعتمد بالأساس على قبول هذه الدول لدور تركيا أكثر من القدرات الذاتية للأخيرة، وستظل قاصرة عن تغيير مسار الجيوبوليتيك سواء على صعيد الشرق الأوسط أو أسيا الوسطى. ومع ذلك تبقى تركيا مهمة لأنها الوسيط الوحيد الذي يمتلك علاقات جيدة مع الجميع.

إيران وتركيا: مزيج حرج من التنافس والتعاون

 

بقلم: عياد البطنيجي

 

2009-4-21 |

مجلة العصر


تعتبر إيران وتركيا قطبين رئيسيين في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، وكلا القطبين يقبعان على موقعٍ استراتيجي في غاية الأهمية، ويغص بالثروات الطبيعية. علاوة على ذلك، فإن التغيرات الإقليمية والدولية تجعلهما قوتين مفصليتين في منطقة مستهدفة من قبل قوى خارجية.

فإيران تمتاز بموقع استراتيجي حساس،، فهي متاخمة لشبه القارة الهندية، وتتمتع بموقع حساس آخر على بوابات الخليج العربي، ولديها من الموارد الاقتصادية الكبيرة ومتنوعة: الفحم، الغاز الطبيعي، خام الحديد، الرصاص، النحاس، المنجنيز، الزنك، الكبريت، وقابعة على احتياطات نفطية ضخمة، وتبلغ مساحتها 1.648 مليون كم2، منها 1.636 مليون كم2 يابسة، و12000 كم2 مياه، ويبلغ تعداد سكانها 70 مليون نسمة تقريباً. لذا، فإيران تمتلك من المقومات ما يؤهلها بأن تصبح قطبًا إقليمًا فاعلاً.

وتركيا ترقد في جنوب غرب قارة آسيا (ويتبع الجزء الغربي لمضيق البسفور، قارة أوروبا جغرافيا)، على البحر الأسود بين بلغاريا وجورجيا، وهي تمتد على قارتي آسيا وأوروبا. وتبلغ مساحتها 780.580 كم2، منها 770.760 كم2 يابسة، و 9820 كم2 مياه. وهي تزخر بموارد عديدة للثروات الطبيعية، وتتمتع بموقع إستراتيجي، يتحكم في المضايق التركية (البسفور، بحر مرمرة، الدردنيل)، التي تربط البحر الأسود ببحر ايجة. ويبلغ تعداد سكانها حوالي 72 مليون نسمة، حسب إحصاءات عام 2008م، وهي بموقعها هذا تعتبر وصلةً جغرافيةً بين الشرق والغرب.

وإذا أضفنا "العرب"، القطب الرئيس في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، وهو القطب المغيب بكل أسف، تصبح هذه الأقطاب الثلاثة مجتمعين (إيران، تركيا، العرب) قوة لا يستهان بها، لأنها تسيطر على جميع الممرات المائية التي تصل الشرق بالغرب، وهي تتحكم في المجال البري والجوي، كما أنهم يمتلكون من الثروات بجميع أصنافها، ما يجعلهم مجتمعين قادرين على أداء دور في السياسة الدولية يُحسب لها الحساب، ويمتلكون سوقًا واسعًا تتدافع الدول الغربية على اكتسابه ليكون مأوى صادراتها، وإذا أردوا امتلاك القوة العسكرية فلديهم مقوماتها. لكن هل يمكن أن تتوحد هذه الأقطاب أو أن يكون هناك تنسيق في سياساتهما على الأقل، وبالتالي تغدو طرفًا قويًا وفاعلاً في النسق الدولي يحسب له الحساب؟

ما نبغي إليه في هذا السياق هو رصد نقاط التعاون والتنافس في العلاقات الإيرانية- التركية، وذلك من خلال طرح التساؤلات التالية: ما هي نقاط التعاون والتنافس في العلاقات الإيرانية – التركية؟ وهل سيشهد المستقبل تعاونًا أم صراعًا بينهما؟ وهل يمكن إبقاء حقائق الاختلاف في حالة كمون والتركيز على حقائق التعاون؟

* تحول السياسة التركية نحو الشرق:

بعد عقود من الإهمال والسلبية تجاه الشرق الأوسط، عادت تركيا لتكون مجددًا لاعبًا مهمًا في هذه المنطقة، وذلك في تطور لافت سجل قطيعة مع سياستها السابقة القاضية بتجنب الانغماس في شؤون المنطقة.

وعلى سبيل المثال، تبنت أنقرة خلال السنوات الأخيرة، مقاربة أكثر فعالية ونشاطًا إزاء المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية، وأرسلت جنودًا إلى أفغانستان للمشاركة في مهمة تابعة للناتو، وأسهمت مع الأمم المتحدة إزاء القضية اللبنانية، وتبوأت موقعًا قياديًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وحضرت مؤتمرات جامعة الدول العربية، وبنت أنقرة علاقات مع إيران والعراق وسورية، وتدخلت بوساطة بين سورية وإسرائيل، وعرضت وساطتها على طهران وواشنطن، وبين حماس وإسرائيل.

وتتحرك تركيا بحذر وبدقة في ملفات المنطقة المتشابكة والمعقدة. ويبدو أن التوجه التركي الجديد يحوي المزيد من المرونة والتكيف؛ وذلك من خلال إتباع سياسة متوازنة تقوم على جمع الشيء ونقيضه: فهي إسلامية وعلمانية في آن، وتسعى لإقامة تحالفات متناقضة، كسعيها مثلاً إلى إقامة علاقات مع الغرب وأمريكا وإسرائيل من جهة ومع إيران من جهة ثانية، مع حماس وفتح، مع مصر والسعودية وسورية وقطر، وهي تقدم نفسها كجسر بين الشرق والغرب.

ويفسر عمر تشينار، أستاذ دائرة إستراتيجية الأمن القومي في كلية الحرب القومية الأمريكية ومدير برنامج تركيا في مؤسسة بروكينغر، هذا التحول أو الحيوية التركية الجديدة في المنطقة من خلال متغيرين رئيسيين: العثمانية الجديدة والتحدي الكردي.

فالعثمانية الجديدة، تعبير يدل على الانخراط التركي الفعال نحو الشرق، من خلال تعزيز القوة اللينة لتركيا بوصفها دولة محورية متصالحة مع إرثها الإسلامي ومع تعدد الهويات فيها، وتبني رؤيا جغرافية إستراتيجية كبرى تضطلع بموجبها تركيا بدور الطرف الإقليمي الفعال والمؤثر، الذي يعمل على حل المشاكل الإقليمية من خلال استعراض القوة اللينة لتركيا كجسر بين الشرق والغرب، وكأمة إسلامية، ودولة علمانية، ونظام سياسي ديمقراطي، وكقوة اقتصادية رأسمالية، وتحقيق التأثير والنفوذ التركيين في السياسة الخارجية التركية، والمتصالحة بسلام مع ماضيها متعدد الثقافات والإسلامي، وتصحيح بعض التجاوزات المفرطة التي قام بها غلاة الكماليين، وهي واثقة من نفسها، تطل من خلالها تركيا بوصفها قوة كبرى إقليمية مقابل النهج الكمالي الذي يهدف إلى بناء أمة علمانية وقوية تركية من خلال مشروع سياسي قومي وعلماني يهدف إلى بناء أمة وتحديثها وتغريبها والرافض للتعددية الثقافية.

أما بخصوص التحدي الكردي، فهو متغيرٌ أو محددٌ رئيس في السياسة الخارجية التركية، لما يشكله هذا المتغير من خطر أمني وسياسي واستراتيجي على تركيا. والقضية الكردية مرتبطة بدول محورية في المنطقة: سورية وإيران والعراق، حتى إن إيران تستغل هذا المتغير بهدف استدراج تركيا بعيدًا عن توجهها التقليدي إلى الغرب، فهي تتخذ من هوس تركيا بالمسألة الكردية حجة مفيدة تضمن لها عدم انضمام تركيا إلى أي من حظر اقتصادي ضدها وإلى أي تحالف مع الغرب في حال حدوث مواجهة عسكرية بين واشنطن وإيران. "وغالبا ما شدد المسئولون الإيرانيون خلال زيارتهم إلى أنقرة على المتاعب التي يتسبب بها حزب العمال الكردستاني في كلا البلدين"، باختصار، هذان المتغيران يفسران هذا التحول التركي، وتمدده في كافة المجالات نحو المنطقة.

ومن الطبيعي أن يصطدم هذا التمدد التركي نحو الشرق العربي مع قوة بارزة تسعى هي الأخرى لتمدد نفوذها في المنطقة، وتسعى لأن تصبح قطبًا إقليمياً فاعلاً ونشطًا في المنطقة، ألا وهي إيران. ومن هذا المنظور، ستكون المكاسب التركية هي بمثابة خسارة لإيران. فتركيا تنطلق من إرث تاريخي متعلق بإمبراطوريتها العثمانية، وهي فخورة بهذا الإرث، وتسعى لإحياء عهد العثمانيين، وأن تصبح قطبًا إقليمًا فاعلاً.

وإيران هي الأخرى صاحبة إمبراطورية عريقة وتضرب بجذورها في أعماق التاريخ؟. يقول المؤرخ الشهير هيرودوتس، الملقب بأبو التاريخ، بخصوص الفرس: "كانوا دائما ينظرون إلى أنفسهم على أنهم متفوقون كثيرًا بكل شيء عن بقية البشرية. ويعتبرون أن الآخرين يقتربون من الكمال بدرجة اقترابهم هم منه".

لذا، فإيران دولة طموحة وواثقة من نفسها وتتحرك ببطء وبحذر، لتمرير مشروعها الطموح في أن تصبح قطبًا مركزيًا يحسب له ألف حساب، مستغلة الفراغ العربي، والإحباط الشعبي العربي من سياسات واشنطن ودعمها غير المحدود لإسرائيل، وما رتبت له سياسات إدارة بوش إلى حد كبير من تحول إيران إلى لاعب أساسي في العديد من الساحات (أفغانستان، العراق، وقضايا الحد من التسلح، والطاقة والإرهاب، والسلام العربي الإسرائيلي). كل ذلك هيأ لإيران بأن تصبح قوةً فاعلةً في الإقليم. والتساؤل هو هل سيصطدم المشروعان، التركي والإيراني، أم سيتعاونان، أم أنه ستكون سياساتهما مزيجًا من التنافس والتعاون؟

في ضوء الاهتمام التركي نحو الغرب والإيراني نحو الشرق، وضعت كل من تركيا وإيران تنافسهما بخلفيته الدينية والتوسعية جانبًا، لافتراق طريق كل منهما، ولكن مع الثورة الإيرانية 1979، رفضت أنقرة الانجرار وحافظت على سياسة كمالية تقليدية تقضي بعدم المواجهة وعدم التدخل في الشرق الأوسط. ولكن ذلك لم يمنع التخوف التركي من تأثير الثورة الإيرانية على تركيا. لذا، عاود التنافس التاريخي زمن الدولة العثمانية السنية، ومحاربتها الدولة الصفوية الشيعية مرة أخرى إلى الظهور. بيد أن هذه المرة في إطار مواجهة تركيا العلمانية وإيران الإسلامية.

ومع توجه أنقرة نحو الشرق الأوسط، وبخاصة بعد فشلها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتبوء التيار الإسلامي الحكم في تركيا، يُثار التساؤل التالي: ما هو شكل ومستقبل العلاقات التركية-الإيرانية في المرحلة المقبلة؟

أولا، في حقائق التعاون

في ضوء ذلك، تبرز عدة حقائق. الحقيقة الأولى، وهي اشتراك إيران وتركيا بعلاقات أو نقاط مشتركة تعزز التعاون وتدفع العلاقات فيما بينهما قدمًا. فتركيا تسعى بشكل حثيث لتشكيل تحالف مناهض للأكراد مع إيران بالإضافة إلى سورية. ومن هنا، قد شهدت علاقات أنقرة بطهران تحسنًا ملحوظًا منذ غزو العراق، بهدف تشكيل تحالف مشترك لاحتواء الحركة القومية الكردية والحؤول دون قيام دولة كردية مستقلة على حدودها. لذا، فتركيا وإيران ترفضان وبشدة أي حكم ذاتي كردي في شمال العراق.

وفي هذا السياق، لم يكن مفاجئًا أن يتعاون الطرفان على المستوى الأمني في إطار لجنة الأمن العليا التركية-الإيرانية التي تأسست عام 1998. إلا أن هذه الهيئة لم تصبح فعالةً أكثر إلا في السنوات القليلة الماضية، وبخاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق.

بالإضافة إلى بروز حزب الحرية الكردستاني كمنظمة إرهابية شقيقة لحزب العمال الكردستاني في إيران. ومن هنا، زاد التعاون الاستخباراتي بخصوص المسألة الكردية.

والحقيقة الثانية، وهي تتعلق بالتعاون الاقتصادي، فقد وقعت أنقرة أبان حكم اربكان اتفاقية بقيمة 23 مليار دولار لنقل الغاز الطبيعي من إيران. وبخصوص مجال الطاقة يشكل حافزًا آخراً مهمًا في إضفاء الدفء على العلاقات الإيرانية – التركية.

فإيران تأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا في إمداد تركيا بالغاز الطبيعي. وفي فبراير 2007، وافقت تركيا وإيران إبرام اتفاقيتي طاقة جديدتين، يسمح بموجب إحداهما لشركة "بتروليوم كوربوريشن" التركية بالتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في إيران، فيما الثانية بنقل الغاز من تركمنستان إلى تركيا وأوروبا عبر أنابيب نفط تمر بإيران.

واضح من ذلك، أن هناك توسعًا في العلاقات الاقتصادية الإيرانية التركية. فضلا عن ذلك، وهي الحقيقة الرابعة، فقد بلغ التعاون التجاري في العام 2006 بين البلدين 6.7 مليار دولار، وكشفت بيانات اقتصادية تركية أن قيمة التبادل التجاري بين إيران وتركيا بلغت 7.2 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية من العام 2008 مسجلة زيادة بنسبة 42% مقارنة بنفس الفترة من العام 2007م.

فضلا عن ذلك، فإن الطرفين يسعيان إلى زيادة نسبة التبادل التجاري بينهما في المرحلة المقبلة. وقد وقع الطرفان في 20/11/2007 اتفاقًا يقضي بإنشاء خمس محطات لتوليد الكهرباء، وتقوية خطوط شبكات مشتركة بين البلدين. ويبدو أن تحسين العلاقات التجارية والاقتصادية بين تركيا وإيران هو جزء من إستراتيجية حزب العدالة والتنمية لمحاولة تعزيز العلاقات مع العالم الإسلامي. والحقيقة الخامسة أن السياح الإيرانيين والمنتجات التركية المصدَّرة إلى إيران تشكلان من المصادر المهمة لإيرادات الحكومة التركية.

ثانيا، في حقائق التنافس:

يشكل طموح إيران النووي أحد مصادر القلق التركي إزاء إيران. فالحقيقة الأولى، أن تركيا تعتبر حيازة طهران برنامجًا نوويًا قد يشكل عامل عدم استقرار في المنطقة وبخاصة في منطقة الخليج، مما قد يجبر أنقرة على اتخاذ تدابير مضادة لضمان أمنها. لذا، يمكن القول إن استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي قد يضر بالتقارب التركي- الإيراني، إلا أن هذا التهديد في التصور التركي ما يزال افتراضيًا ويعتبر محدودًا مقابل واقع النزعة الانفصالية الكردية، هذه المسألة التي تعتبر بحق الهاجس التركي الحقيقي ولها الأولوية القصوى في السياسية الخارجية التركية.

والحقيقة الثانية تتعلق بالعلاقات التركية-الإسرائيلية. فتركيا كانت السبَّاقة في الاعتراف بإسرائيل، وهي أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل سنة 1949، وانعكاس ذلك على رؤية كلا الطرفين ـ إيران وتركيا ـ ونهجهما إزاء إسرائيل بين معاهدة سلام ونهج دبلوماسي(تركيا) وبين تحرير وجهاد دائم لا ينتهي عبر المقاومة المسلحة(إيران). فتركيا تطرح حلولاً دبلوماسية لمشاكل المنطقة فهي تتدخل للوساطة بين سورية وإسرائيل، وإيران ترى بذلك خطرًا عليها لأنه سيعزل سورية عنها، كما تطرح تركيا وساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لإرجاع الحقوق الفلسطينية، وهذا يخالف النهج الإيراني الذي يرى بالمقاومة خيارًا وحيدًا لإرجاع الحقوق الفلسطينية.

والحقيقة الثالثة، ثمة قلقٌ إيراني من الإثنية الأذرية التي تشكل 25% من عدد السكان في إيران، على اعتبار أن هذه الإثنيَّة تربطها بالأتراك الجذور العرقيَّة نفسها، ومصدر القلق ينبع من خلال تغذية النزعة الانفصاليَّة لديها، إذا ما شابت العلاقات التركية-الإيرانية التوتر والقلق، أو في حال غضت إيران النظر عن نشاط حزب العمال الكردستاني في إيران، أو إذا دعمت إيران حزب الله التركي، الذي أنشأته الاستخبارات التركيَّة أصلاً لمواجهة المدِّ الكردي، لكنه انقلب على الأتراك مطلع التسعينات.

وقد شابت العلاقات بين أنقرة وتركيا توترًا وتبادل الطرفان الاتهامات في هذا الصدد. ومن هنا ، بدأت العلاقات بينهما في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني تشهد أزمةً، على خلفية اغتيالات طاولت بعض الصحافيين الأتراك العلمانيين والمنتقدين للسياسات الدينية، فاتهمت أنقرة طهران بالتورط في تلك الاغتيالات، وبدعم الحزب الكردستاني وحزب الله التركي، وكانت طهران تردُّ بالنفي، واتهام أنقرة بأنها تدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحركة مجاهدي خلق. وبعد انتخاب محمد خاتمي رئيساً لإيران، سعى الجانبان إلى القيام بخطوات ملموسة لتمتين هذه العلاقات وإزالة التشنُّج والفتور الذي كان يكتنفها، فعقد البلدان اتفاقيات أمنيَّة للحدِّ من نشاطات المنظمات المناوئة لهما. إلا أنه تبقى هذه الحقيقة ماثلة لكلا الطرفين في حال توتر العلاقات فيما بينهما.

والحقيقة الرابعة، تتعلق بعلاقة تركيا بالغرب وعضويتها في حلف الناتو، ذلك فإن التقارب التركي- الإيراني يحرج تركيا أمام الغرب، وبخاصة واشنطن ويضعها في مواجهة مع الغرب الذي يشدد حصاره على طهران، لعدم امتثالها للإرادة الدوليَّة، التي تطالبها بوقف برنامجها النووي، لذا تحاول تركيا أن تقدم نفسها باعتبارها دولة معتدلة وتشكل نموذجًا إسلاميًا وسطيًا، وهي بالتالي تزاحم التمدد الإيراني الأصولي أمام عجز العرب عن فعل ذلك، وأن أنقرة تستطيع ترجمة نفوذها الإقليمي في المنطقة إلى نفوذ إضافي للإتحاد الأوروبي وواشنطن ويغازل طموحاتهما ومصالحهما في المنطقة.

وبالرغم من عمق العلاقة التي تربط تركيا بأمريكا وإسرائيل ومتانتها، لم تسعَ إيران بعد الثورة الإسلاميَّة إلى التعاطي مع تركيا، بمثل ما تعاطت مع الشرق الأوسط عبر تصدير الثورة ودعم الحركات الإسلامية. وبرغم من ذلك، إلا أن إيران تعتبر تركيا بمثابة شعرة معاوية يمكن لها أن تنقل وجهة النظر الإيرانية إلى كل من إسرائيل وأمريكا، كلما ساءت علاقة إيران بإسرائيل وأمريكا لمنع وصولها إلى حافة الهاوية.

والحقيقة الخامسة، تتعلق باختلاف طبيعة نظام الحكم والتركيبة الحاكمة في البلدين: فإيران إسلامية-شيعية المذهب نظامًا وحكمًا، وتركيا علمانية نظامًا، وإسلامية-سنية المذهب، ومن هنا ثمة تصادم في منظومة القيم لكليهما، وبالتالي فأيهما أفضل كنموذج للعالم الإسلامي؟. فضلا عن ذلك، إن إيران عدوة لأمريكا وإسرائيل، عكس تركيا التي تربطها تحالفات إستراتيجية مع كليهما. علاوة على ذلك، إن إيران تثير الشكوك والتوجس لدى العرب على عكس تركيا.

والحقيقة السادسة، أن هناك تنافسا إيرانيا وتركيا في أسيا الوسطي التي تشكل امتدادا جغرافيا وثقافيا لكلا البلدين، فأسيا الوسطى ترقد على ثروات نفطية وغازية هائلة، يعتقد المختصون أنها سوف تؤثر في معادلات التوازن بسوق الطاقة العالمية، وما يعنيه ذلك من توزيع جديد لأوراق اللعب الإستراتيجية إقليمياً وعالمياً.

والحقيقة السابعة، أنَّ البلدين كانا وما يزالا يفتقرا إلى إطارٍ مؤسساتي يكون قادرًا على صوغ وتكريس علاقات التعاون وتطويرها والتنسيق فيما بين البلدين، وهذا يعكس حقيقة هشاشة العلاقات التركية-الإيرانية في الوقت الراهن. فمن المعروف أن تدفق العلاقات وتكريسها بين الجماعات والدول يحتاجا إلى إطارٍ مؤسساتي يعكس ذلك التدفق والتعاون، ويحوّل دون تحول التوترات التي تنتاب العلاقات إلى صراع. وفي ضوء ذلك، يبقى الحكم والفيصل في النهاية على تطور العلاقات التركية-الإيرانية في المستقبل هي مدى قدرة الطرفان على تأسيس تلك المؤسسات وبلورتها في الواقع العملي، فالحال يقول إن تركيا ترتبط بتحالفات وإطار مؤسساتي مع الغرب، فهل تستطيع تركيا تأسيس تحالفات ومؤسسات مع إيران كما هو الحال مع الغرب؟

في ضوء هذه الحقائق، يمكن القول، إن تطور العلاقات الإيرانية-التركية في المستقبل المنظور، يبقى رهناً بتصارع هذه الحقائق فيما بينها. ويتصدر هذه الحقائق التناقض في الأفكار المؤسسة لأدوار كل من النظامين السياسيين في طهران وأنقرة، والتنافس التاريخي للبلدين على النفوذ في المنطقة، وتصادم النسق الفلسفي والقيمي لكل منهما، فضلاً عن تناقض التحالفات الدولية التي تشترك فيها كل من إيران وتركيا، وتبقى العلاقات بينهما رهنًا بقدرتهما على لعب دور حاسم في سد الفجوة والتباعد بينهما، وبلورة إطار مؤسسي تعاوني بين الطرفين للنظر في خلافاتهما والحيلولة دون تطورها وخروجها من حيز الكمون إلى حيز الفعل والواقع.

فالحقائق التاريخية والراهنة أيضاً تقول أنَّ الطرفين تعاونا سويًا ولا يزالا متعاونين. وأخيرًا، فالعلاقة بين البلدين تفتقر إلى مؤسسات تربطهما، سوى مؤسسات أمنية فيما يخص المسألة الكردية، أما خارج الإطار الأمني فمن الواضح أن هناك غيابًا لمثل هذه المؤسسات. ويبقى السؤال لصالح من ستكون الغلبة: هل لحقائق التعاون أم لحقائق التنافس؟

 

النظام السياسي الفلسطيني.. في أزمة النخب السياسية

 

 

 

 

 

بقلم : عياد البطنيجي

 

 الناشر:   السياسة الدولية: دورية علمية محكمة، الأهرام، قليوب مصر ، العدد العدد174 ، أكتوبر 2008

 

 

 
لم يسبق للشعب الفلسطينى فى تاريخه المعاصر أن تعرض مصيره الوطنى للاهتزاز والتشرذم كما يتعرض له اليوم فقد مر على الشعب الفلسطينى حين من الدهر، تجرع فيه علقم الهزائم والطرد والتشريد والنفى والاضطهاد فى الداخل والشتات بيد أن ذلك لم يضع مصيره على مفترق طرق كما هو حاصل اليوم فبرغم فظاعة وهول ما تعرض له الفلسطينيون، إلا أن ذلك كان يدفعهم إلى تماسكهم الداخلى، واستنهاض وضعهم الذاتى، وتنمية أواصر وحدتهم أما اليوم، فقد أصبحنا على مفترق طرق خطير، بل هو من أخطر المفترقات التى مرت بها القضية الفلسطينية منذ بداية الصراع من المؤكد أن الفلسطينيين يمرون بمرحلة فاصلة وحاسمة تنعكس بظلالها على كافة القضايا المصيرية والمحورية للشعب الفلسطينى وقضيته الوطنية وفى ظل المرحلة الخطيرة التى يمر بها الفلسطينيون، أصبح كل شىء مهددا: النظام السياسى، المشروع الوطنى الهوية، الاستقلال، المجتمع، بل حتى الإنسان الفلسطينى أصبح مهددا فى مصيره ووجوده يعكس الوضع الفلسطينى الحالى بشكل واضح مدى الأزمة المزمنة التى يعانيها النظام السياسى الفلسطينى فالاستعصاء السياسى والأزمات المتلاحقة تعيد إنتاج نفسها عند كل مرحلة تاريخية مهمة، وإن كان بأشكال وعناوين مختلفة فهى أزمة بنيوية ووظيفية شاملة تطال البنى والعلاقات والمفاهيم وأشكال العمل السائد فى السياسة الفلسطينية فهى أزمة تطال الاستراتيجية، أى هدف النظام وغاياته، وهى أزمة تطال النخب السياسية غير المنسجمة وغير المتوافقة والتى هى فى حالة صراع مطردة فيما بينها، وأخيرا أزمة تشمل البنى المؤسساتية للنظام وعليه، فهى أزمة هيكلية فالفوضى والأشكال المتلاحقة من العنف المعنوى (اللفظى) والمادى، وعدم استقرار، وجمود المسار السياسى، والفجوة بين المواطن والسلطة المنقسمة إلى سلطتين (سلطة فى الضفة تابعة لحركة فتح، وسلطة فى غزة تابعة لحركة حماس)، وانشطار وشطط النخبة الفلسطينية، وغياب القيادة القادرة على توحيد مفردات النظام، ونخب سياسية عاجزة عن إدراك مصالح شعبها، فضلا عن مظاهر الفقر والبطالة وغيرها من الأوضاع المغلوطة التى تسير بالنظام السياسى وتدفعه بخطى واثقة وحثيثة نحو الكارثة والتدهور والانحطاط، هذه الأوضاع ما هى إلا انعكاس لتلك الأزمة البنيوية الشاملة التى تلف النظام السياسى بمجمله وعليه، لا مراء فى أن النظام السياسى الفلسطينى يمر بمرحلة فاصلة وحاسمة تنعكس بظلالها على كافة القضايا المصيرية والمحورية للشعب الفلسطينى فالمشروع الوطنى الفلسطينى والهوية الفلسطينية لم يعرفا عبر تاريخ القضية خطرا مهددا لهما كما هو حاصل اليوم فالمشروع الوطنى الفلسطينى والنظام السياسى أمام طريقين لا ثالث لهما، إما الموت والتيه والضياع فى غياهب الصراعات الداخلية، وإما الصحوة من بين الركام، وإما عناق الموت أو عناق الحياة هذه الصورة المأساوية للنظام السياسى الفلسطينى، وهذا الوضع المأساوى الذى يعيشه المواطن والوطن ليسا أوهاما أو مجرد اسقاطات نفسية أو مجرد كلمات بعيدة عن الواقع، بل هى الواقع حقا بكل ما يحمله هذا الوصف من معنى ودلالة وعليه وبعد وصف صورة الوضع المأساوى للنظام السياسى، ننتقل إلى التحليل العلمى لتلك المأساة وحالة التردى فى كافة مناحى الحياة الفلسطينية وفى هذا المقام، لا نسعى لتقديم رؤية تحليلية شاملة تفصيلية لأزمة النظام السياسى الفلسطينى، بالرغم من أهمية ذلك، ولا إلى أن نتحدث عن الدور الإسرائيلى أو المتغيرات الخارجية فى أزمة النظام السياسى الفلسطينى، بالرغم من أهمية ذلك أيضا، بل ما نود الحديث عنه هنا هو أزمة النخب السياسية الفلسطينية، التى تعد مدخلا مهما ومتغيرا رئيسيا فى فهم وتحليل وتفسير أزمة النظام السياسى بشكل كامل، وحالة الاستعصاء السياسى التى تكتنف العلاقات الرأسية والأفقية للمجتمع الفلسطينى فهذه الأزمة ما هى إلا انعكاس لأزمة النخب السياسية الفلسطينية وخصوصا فى هذه المرحلة الحاسمة التى يمر بها النظام السياسى ومشروعه الوطنى، والتى أصبحت فيها القضية الفلسطينية على مفترق طرق خطير، وبالتالى تحتاج إلى قيادات سياسية عقلانية قادرة على التعامل مع المرحلة الخطيرة والحاسمة فى تاريخ القضية، بدلا من حالة التدمير والإقصاء ومفردات التحشيد والتجييش والشتم والتخوين ولغة التحريض وكيل الاتهامات السائدة بين النخب السياسية، أو هكذا يفترض أن تكون وهنا، ننطلق من فرضية تعد مدخلا للدراسة هذه، وهى أيضا مدخل لتفسير حالة الاستعصاء السياسى، وأزمة النظام السياسى مؤداها: ـ أن النخب السياسية الفلسطينية هى المتغير المستقل فى النظام السياسى الفلسطينى، وهذا الأخير هو المتغير التابع وعليه إذا كان المتغير المستقل هو الذى يفسر المتغير التابع، فأزمة النظام السياسى وحالة الاستعصاء الذى يعانيها تعزى إلى أزمة النخب السياسية فكافة مكونات وأجزاء النظام السياسى: السلطات الثلاث، وجماعات المصالح والنفوذ، والفصائل والقوى السياسية، والعشائر والعائلات وغيرها، كل هذه الأجزاء المكونة للنظام السياسى هى توابع لا تعمل باستقلالية ولا ضمن إطار قانونى وقضائى يحكم تفاعلاتها ويضبط إيقاعها، وبالتالى تحدث الاستقلالية والتوازن والتكيف، بل هى توابع للنخب والقيادات السياسية، وهذه الأخيرة غير محكومة بأى إطار مؤسساتى أو قانونى يحكم تفاعلاتها ويضبطها، بل هى مستقلة عن كل ذلك وتخضع كل مكونات وأجزاء النظام لنزواتها وأهوائها ونزاعاتها تجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن هذه الدراسة تبحث عن العطب والخلل الذى يلف النظام السياسى، وفى علائقه البينية، أى بين أجزاء ومفردات النظام، فى بيئته الداخلية ومسئولية هذه الأخيرة عن الخلل بمعنى آخر، هى دراسة فى النقد الذاتى والمسؤولية الذاتية وأثر العوامل الداخلية عن هذا الخلل الذى يلف النظام ونخبه السياسية.

أولا ـ الإطار النظرى للدراسة:

أولا: تختلف مناهج البحث فى التحليل السياسى باختلاف الجوانب التى يمكن التركيز عليها ثمة مداخل وأطر نظرية عديدة فى التحليل السياسى وهنا، نعرض لأهم مقتربات النظر فى التحليل العلمى للسياسة:

1 ـ المقترب النظمى: فهو من أكثر المناهج استخداما فى دراسة النشاط السياسى فقد أدخل التحليل النظمى فى التحليل السياسى منذ أوائل القرن العشرين، نقلا عن علماء الفيزياء والفيزيائيون حين يستخدمون مفهوم النظام كأداة ذهنية لفهم وتفسير العلاقات التى تجرى عليها الأجسام فى الطبيعة، وعلى أساس أن أية مجموعة من مجموعات الأجسام فى الطبيعة هى مجموعة من القوى، حيث يعمل كل جسم فى عالم الطبيعة قوة فى ذاته، فتتفاعل هذه القوى فيما بينها بعامل قانون الفعل ورد الفعل تفاعلا ميكانيكيا، وتتبادل التأثير والتأثر فيما بينها على وضع يهيئ لحالة الاتزان الكلى لهذه المجموعة (1) وفى ضوء ما تقدم، فإن النظام السياسى لا يعنى أكثر من مجرد ـ تمثيل تصورى لمجموعة العلاقات السياسية التى تميز مجتمعا ما فى فترة ما من الزمن (.) التى يظن المراقب نفسه قادرا، فرضا، على تحديد معقوليتها وفهمها هذا الفهم يتوقف على الثقافة والمسار السياسى، ونمط تقسيم العمل فى مجتمع الدراسة (2) وضمن هذه الرؤية، عرفت موسوعة العلوم السياسية النظام السياسى بأنه مجموع التفاعلات والأدوار المتداخلة والمتشابكة التى تتعلق بالتخصيص السلطوى للقيم، أى بتوزيع الأشياء ذات القيمة بموجب قرارات سياسية ملزمة للجميع (ديفيد استون)، أو التى تتضمن الاستخدام الفعلى أو التهديد باستخدام الإرغام المادى المشروع فى سبيل تحقيق تكامل وتكيف المجتمع على الصعيدين الداخلى والخارجى ـ (جابرييل الموند)، أو التى تدور حول القوة والسلطة والحكم (روبرت دول)، أو التى تتعلق بتحديد المشكلات وصنع وتنفيذ القرارات السياسية (3).

2 ـ المقترب الحقوقى: الذى ينظر إلى الظواهر السياسية وقضاياها من خلال النصوص الناظمة لها وهو مقترب تقليدى، إذ تعود جذوره إلى اليونانيين فقد درس أفلاطون وأرسطو السياسة من خلال ما افترضه كل منهما قانونا ناظما للاجتماع السياسى (4) وينظر هذا المقترب للسياسة من منظور ـ استاتيكى ـ جامد، حيث يفترض به التعامل مع الحياة السياسية من خلال تفسير الدستور ومعالجة قضاياه، وبالتالى وصف المؤسسات التى بنيت على أساس الدستور، ووصف السلوك السياسى للهيئات وللأفراد من خلال النصوص الدستورية والقانونية فهو يحكم على الممارسة السياسية من خلال النصوص، وتقاس الممارسة السياسية ويحكم عليها من خلال مدى تبعيتها للنص فيكون هذا العمل أو ذاك دستوريا أو غير دستورى، شرعيا أو غير شرعى.

3 ـ المقترب البنائى ـ الوظيفى: الذى ينظر إلى الظواهر السياسية وقضاياها من خلال البنية التى تكونها وتحكمها ومفهوم البنية الذى يقوم عليه هذا المقترب يعنى الوحدة المكونة بطريقة ما من أجزاء، والدور أو الوظيفة التى يقوم كل جزء بها داخل البنية وضمن النظام السياسى ومفهوم الوظيفة الذى يقوم عليه هذا المقترب مأخوذ من الحياة العضوية وعلومها ويذهب هذا المقترب إلى اعتبار الكل مكونا من أجزاء ويقوم كل جزء (وحدة) بوظيفة فى هذا الكل الذى يقوم بدوره بوظائف فى بيئته الأوسع، فتؤثر الأجزاء فى بعضها بعضا، بحيث يكون هناك اعتماد متبادل، وتأثير وتأثر، أى أن أى تغير يشهده الجزء يؤثر على باقى الأجزاء وينظر هذا المقترب إلى المجتمع بوصفه نسقا من المتغيرات المتداخلة والمتساندة وظيفيا (5).

4 ـ المقترب الاتصالى: الذى يدرس عملية الاتصال وتبادل المعلومات بين الحاكم والمحكوم ويحلل قنوات الاتصال، والمعلومات التى تنساب فيها، والإجراءات المنظمة لها، وردود الأفعال المتوقعة إزاءها تجدر الإشارة فى هذا المقام إلى أن هذه المقتربات لا يمكن فصلها عن بعض فى أى تحليل سياسى للظاهرة السياسية، فهى تترابط وتتشابك، وتشكل منظومة متكاملة ضمن التحليل النظمى والبنائى الوظيفى ثانيا ـ خصوصية الحالة الفلسطينية: تختلف هذه المقتربات ودرجة تماهيها مع الواقع الفلسطينى، بل يمكن القول إن المحلل لواقع الحياة السياسية الفلسطينية يشعر بأن تلك المقتربات وأدوات التحليل لا تصلح لمقاربة وتحليل الواقع السياسى الفلسطينى إنها كمفاهيم وصياغات عقلية نتجت أو كانت وليدة بيئة غير بيئتنا فالنظام السياسى الفلسطينى بخصائصه الحالية، والجهاز الإدارى للحكومة، إضافة إلى المحاكم، وجهاز القضاء، والمجلس التشريعى، والجماعات السياسية غير الرسمية، كالفصائل السياسية وجماعات الضغط والمصالح والعشائر والعائلات وكافة عناصر بنية الدولة ـ لا تزال ـ قيد التشكل والبناء وتشير توجهات النظام السياسى الفلسطينى، منذ تأسيسه، إلى أنه يسير بخطى واثقة نحو نظام حكم يقدر الشخص وليس المؤسسة وبالتالى ينتج مؤسسات متوحدة مع شخص الحاكم، هذا فضلا عن تقديسه للفهلوة بدلا من القانون، وبالتالى تغيب المساءلة والمحاسبة وتعزز الفئوية والاستئثار لمن هو أقوى وبناء عليه، لابد من تكييف هذه المقتربات مع الواقع وخصوصية الحالة الفلسطينية ومن هنا، فقد اعتمدت الدراسة على المقترب النخبوى كإطار تحليلى لدراسة النظام السياسى وأزماته المتلاحقة وأزمة نخبه السياسية، وذلك بعد تكييف المقتربات السابقة مع خصوصية الحالة الفلسطينية فالمقتربات السابق ذكرها (النظمى، الحقوقى، البنائى ـ الوظيفى، الاتصالى) تفترض وجود نخب سياسية، وهذه الأخيرة تعتبر متغيرا ضمن متغيرات أخرى ضمن هذه المقتربات، ولكنها ليست المتغير الرئيسى فالمقترب النظمى والحقوقى، والبنائى ـ الوظيفى، والاتصالى وغيرها من المقتربات التى تقع ضمن التحليل النظمى، كلها تشرح التركيبة أو الظاهرة السياسية وتفككها إلى أجزاء، وكل جزء من هذه الأجزاء يعتمد على الجزء الآخر، أى يقيده ويضبط حركته وتفاعلاته ومن هنا، يحدث التوازن بين الأجزاء ولا يطغى أحدهما على الآخر، وبالتالى التوازن والتكيف والاستقلالية والاعتماد المتبادل ضمن منظومة متناسقة مترابطة منطقيا يمكن التنبؤ بحركتها ومستقبلها فمثلا عند تحليل الظاهرة السياسية فى أى من المجتمعات الغربية، تفترض هذه المقتربات أن هناك نظاما قانونيا تخضع له النخب السياسية، ويكون سلوك تلك النخب ما هو إلا انعكاس لنظام مؤسساتى وقانونى معين كما يفترض أن هناك مؤسسات لها أدوار معينة لا تحيد عنها تؤدى وظيفتها ضمن حدود مضبوطة ومقيدة وبالتالى هناك تقسيم للأدوار والتخصص وتحديد وظيفى لكل جزء وهذه النخب السياسية والنظام القانونى والمؤسساتى والوظائف أو الأدوار كلها تترابط وتتشابك ضمن نسق معين، وعليه يكون هناك توازن بين الأجزاء والنتيجة تحقق هدف هذه المقتربات، أى التكيف والتوازن والاستقرار والانسجام بين مكونات ومفردات النظام وتصبح الحياة السياسية مقطوعة سيمفونية ونموذجا رائعا وجميلا، أو كما ينبغى أن تكون عليه الحياة السياسية، وإن لم تكن كذلك فمهمة النخب السياسية وكافة مفردات النظام أن تجعلها جميلة منسجمة ومتناغمة ولكن الأمر مع الحالة الفلسطينية جد مختلف فالمتغير القانونى والمؤسساتى والبنائى ـ الوظيفى والاتصالى لا قيمة لها أمام متغير النخبة السياسية ففى النظام السياسى الفلسطينى، كل هذه المتغيرات هى تابعة لمتغير مستقل هو متغير النخبة الذى يحرك كل هذه المتغيرات ويتحكم بها وبناء لما سبق، تعتمد الدراسة على المقترب النخبوى، من حيث استقلاليته عن الأجزاء الأخرى المكونة للنظام السياسى التى هى متغيرات تابعة للمتغير النخبوى، فهذه الأخيرة تعمل باستقلالية كاملة ومطلقة وغير مقيدة بأى ضابط أو حدود فلا القانون ولا المؤسسات ولا الأدوار ولا الوظائف تقيد النخب السياسية، بل هى نخب مستقلة عن كل ذلك وهى تتحكم بها وعليه، تتعدد المحاور السياسية والإدارية ومراكز القوى وآليات اتخاذ القرار، فهذا كله لا يعمل عملا داخل المؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية ومن خلال احتكامها لإطار قانونى وقضائى يضبط تفاعلاتها وآلية اتخاذ القرارات فكلها تتبع للنخب السياسية ومواقفها وعقائدها وتصوراتها غير المنضوية تحت أى نظام قانونى مؤسساتى، وبالتالى فوضى فى الأدوار والوظائف وتداخل فى الصلاحيات ومن هنا، فإذا كان هناك نظام رسمى يخضع لنزوات نخبه وتوجهاتهم الخاصة بدلا من المؤسسية، فهناك أيضا نظام غير رسمى مواز للنظام الرسمى يطغى فى معظم الأحيان على النظام الرسمى ويخضع أيضا لتوجهاته الشخصية أو نخبه السياسية وعليه، فالنظام الرسمى، بمسمياته ومناصبه ومدرائه ووحداته وأقسامه ومكاتبه، لا يعكس آليات اتخاذ القرارات الفعلية أو صلاحية وسلطة المناصب والمسميات الرسمية، وبالتالى وجود مدير عام له نفوذ أكبر من الوزير، أو مدير دائرة له نفوذ أكبر من المدير العام، على سبيل المثال (6) كل هذه المعطيات تفسر لنا أزمة المؤسسات السياسية الرسمية كالمجلس التشريعى ـ على سبيل المثال ـ وغياب دوره الوظيفى فى النظام السياسى، فضلا عن أزمة الأحزاب والفصائل السياسية والعسكرية ومنظمة التحرير الفلسطينية النظام الفلسطينى يعمل ضمن المحاور وضمن الارتباطات الشخصية الرأسية والأفقية التى تشكل قيدا على العمل المؤسساتى والقانونى، ومن هنا، كان دور الفرد القائد البطل الملهم فلا غرو والحالة تلك أن الرئيس الفلسطينى الراحل ـ أبو عمار ـ كان هو الصمغ اللاصق للنظام السياسى والإدارى كما أن قادة كل الفصائل السياسية والعسكرية والتنظيمات الفلسطينية تمكنوا من تعزيز سلطاتهم وتكريس نفوذهم لدرجة مكنتهم من شخصنة الفصائل والتنظيمات الفلسطينية لقد أصبحت السياسات خاضعة لنزوات وأهواء قائد الفصيل، حتى لا يمكن القفز على سطوة القائد أو الأمين العام عند التعامل مع الفصيل أو التنظيم فالسلطة والموارد والمكانة تجمعت بيده وعليه، أصبح الفصيل السياسى تجسيدا لإرادة القائد وانعكاسا لرغباته أما الجمهور، فهو حبيس موروث طويل من القيم والمفاهيم الإقصائية والإلغائية التى تقوم على الحقائق المطلقة وعلى الإحجام عن نقد الذات والإمعان فى تسفيه الآخرين ونبذهم، فضلا عن عدم رسوخ قيم العدالة والمساواة (7) هذا فضلا عن أن هذه القيادات والنخب السياسية تتبع نمطا تعبويا مميزا وفريدا فى تنشئتها السياسية وغرس القيم السياسية لأفرادها، فهى تعبئ أفرادها بصورة مبالغ فيها، حيث تعظم وتضخم من أهدافها ومقاصدها وغاياتها دون أن تملك هذه القيادات والفصائل السياسية والعسكرية وسائل أو آليات تنفيذ تلك الأهداف الطموح والمثالية وهذا النمط التعبوى إما أن ينتج أفرادا غير عقلانيين تابعين تبعية مطلقة للقائد أو للفصيل أو للمسئول، ويؤمنون بقيم مطلقة تغيب عنها الوسطية والاعتدال والمرونة، أو أن ينتج حالة من الإحباط والعزوف عن الشأن العام وعدم الثقة فى قيادات الفصائل والنخب السياسية، وكلاهما موجود فى المجتمع الفلسطينى وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط التعبوى وأساليب التنشئة السياسية للفصائل السياسية الفلسطينية أفرزا أفرادا يخضعون وبشكل مطلق لأهداف وأفكار وميول قياداتهم السياسية، فأصبح هذا القائد أو ذاك المسئول هو الذى يعزى إليه الفضل فى تماسك الفصيل السياسى ووحدته، ليس ذلك فحسب بل أصبح هذا القائد أو ذاك المسئول يجسد إرادة الله فى الأرض بالإضافة لذلك، هناك اعتقاد سائد عند النخب السياسية لحركات الإسلام السياسى وأفرادها (حماس والجهاد الإسلامى) هو: أن الأمة العربية جربت نماذج مختلفة ما بين حركات وأحزاب وأنظمة وأيديولوجيات كلها فشلت فى الفكر والممارسة، والبديل هو الإسلام السياسى، أى أن الحركة الإسلامية هى المعقل الأخير وبالتالى يجب أن تنجح، مما ترتب على ذلك عدم الاعتراف بأى فشل بل هذا الأخير لا مكانة له فى منظومتها الأيديولوجية وأنساقها العقدية، وعلى الجميع أن يلحق بقطار تلك الحركات وإلا جرفه القطار وعليه، فهى ترفض المشاركة مع القوى السياسية الأخرى المخالفة لفكرها السياسى، لأن التاريخ أثبت فشلها حسبما تعتقد هذه النخب ترتب على هذا النمط التعبوى وأسلوب التنشئة السياسية غياب المعايير العقلانية والموضوعية، والتى من خلالها يمكن أن تحكم على الوقائع والأحداث والسلوك بالفشل أو يشوبه الخلل، وبالتالى يمكن تصويب الواقع والسلوكيات الخاطئة وتعديلها، بل الحاصل هو أن النجاح دائما حليف هذا القائد أو هذا الفصيل أو ذاك المسئول ومن هنا، تضيع الرؤية المستقبلية والقدرة على استشراف المستقبل، وهذا ما وقعت فيه حركة حماس عند دخولها الانتخابات التشريعية، والتى أثبتت الوقائع والأحداث أن حماس لم تدخل الانتخابات ولديها رؤية مستقبلية ولا بناء عن تخطيط مسبق تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤسسات الرسمية كالمدرسة ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ والتى من المفترض أن يكون لها الدور الرئيسى فى عملية التنشئة السياسية وغرس القيم والمفاهيم والتوجهات السياسية، لم تكن بالفاعلية والقوة والتأثير مقابل التنشئة التى تقوم بها الفصائل والقوى السياسية وقياداتها، حيث بعد عملية مسح أجراها الكاتب لعينة من الكتب المدرسية وخصوصا كتب التربية الوطنية، والتاريخ، والتربية المدنية، خلال مراحل تعليمية مختلفة وباستخدام منهج تحليل المضمون، فقد تبين من خلال عملية المسح وتحليل المضمون هذه أن عملية غرس القيم السياسية ركزت على القيم السياسية التالية: الحوار، وقيم التسامح والعدالة والحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والدولة الفلسطينية المستقلة، وحرية الرأى والتعبير، وحرية تشكل الأحزاب والمشاركة السياسية بيد أن هذه القيم التى تم غرسها فى الطلبة لم تكن بقوة التأثير والفاعلية مقابل قوة وتأثير وفاعلية الفصائل والقوى السياسية بغرس قيمهم السياسية فى الطلبة والمجتمع الفلسطينى حيث وجد الكاتب أن قوة تأثير القائد أو المسئول لهذا الفصيل أو ذاك هى بالفاعلية والقوة التى تفوق فاعلية وقوة تأثير المدرسة على الطلبة هذا فضلا عن أن عملية التسييس التى تقوم بها الفصائل والقوى السياسية تقوم على غرس قيم سياسية تركز على: التبعية والخضوع المطلق لقائد الفصيل، وتنمية التفكير الاتباعى بدلا من تنمية التفكير العقلانى والموضوعى الذى ينمى استقلالية الفرد والقدرة على التفكير الإبداعى، وغرس قيم الطاعة والخضوع بدلا من قيم الحرية والإبداع والنقد، وغلبة التفكير الإطلاقى على النسبى، والتعبئة نحو أهداف وغايات قصوى ومثالية دون امتلاك الأدوات والموارد لتحقيق ذلك، الأمر الذى أدى إلى استشراء العنف السياسى فى النظام السياسى الفلسطينى (8) خلاصة ذلك أن هذه المعطيات تدلل على أن تلك المقتربات لا تتواءم والحالة الفلسطينية، حيث يسود هذه الأخيرة حالة من التشويش والفوضى والاضطراب وعدم وضوح التخوم الفاصلة فيما بين مكونات نظامه السياسى، نتيجة التشابك والتعددية فيما بين كافة مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، تصل إلى حد تهديد أداء تلك المؤسسات والمجالس وكافة مكونات النظام الأمر الذى يتنافى مع تلك المقتربات ويعزى ذلك إلى تحكم النخبة والقيادات السياسية الفلسطينية (المتغير المستقل) فى كل المؤسسات ومفردات النظام (المتغير التابع) وهذه الأخيرة تخضع خضوعا مطلقا للقيادات والنخب السياسية غير المنضوية تحت أى إطار قانونى أو قضائى أو مؤسساتى يضبط حركتها وتفاعلاتها، والنتيجة هى أزمة تلف أطراف النظام ثالثا ـ فى مفهوم النخبة: تحول مفهوم النخبة إلى مفهوم محورى فى التحليل السياسى المعاصر ولا يتوقع فى هذا الحيز الضيق أن نتناول كافة الإشكاليات النظرية المصاحبة للمفهوم، ولا تحديد مؤشرات دقيقة أو موضوعية لتوضيح من يمكن أن يندرج فى النخبة ولكن ستعرض الدراسة لطبيعة وخصائص وتوجهات النخب السياسية الفلسطينية ويمكن القول إن كل تركيب اجتماعى هيراركى يقتضى أن يكون داخله نخبة عامة تقف فوق قمة المجتمع، ونخب نوعية تقف على قمة كل قطاع من القطاعات الفرعية داخل المجتمع، هذا فضلا عن أن الفرز النخبوى حقيقة من حقائق الحياة الاجتماعية والسياسية وهنا، يمكن تعريف النخبة بأنها ـ جماعة (أو جماعات) من الأفراد لهم خصائص مميزة تجعلهم يقومون بأدوار أكثر تميزا فى حياة مجتمعاتهم، ومؤشر هذا التميز فى الأدوار هو تأثيرهم البالغ على مجريات الأمور وتوجيهها، كما ينعكس تأثيرهم على عمليات صنع القرارات الهامة فى مختلف مجالات الحياة ـ (9) وعليه، فاستعمال كلمة نخب سياسية هنا يقصد بهم القادة السياسيون، أى من فى يدهم مقاليد السلطة السياسية دون ربط النخبة بالأفضلية والتفوق، أى أنه ليس بالضرورة أن يكون من هو فى جهاز السلطة السياسية أفضل ما فى المجتمع إذن، فكل من هم فى السلطة أو مقربون إليها يدرجون كنخب سياسية، هذا فضلا عن القوى الأخرى التى تقع خارج بناء السلطة الرسمية كالأحزاب وجماعات الضغط وأصحاب النفوذ السياسى والقادرين على التأثير فى صنع القرار إذن هناك نخب سياسية داخل الحكم، ونخب سياسية خارج الحكم، الأولى يطلق عليها نخب سياسية رسمية، والثانية يطلق عليها نخب سياسية غير رسمية وتجدر الإشارة إلى أن الواقع الفلسطينى قائم على أساس تعدد النخب وبالتالى تعدد مراكز القرار فى المجتمع السياسى الفلسطينى، وتعدد المحاور السياسية والإدارية ومراكز القوى وآليات اتخاذ القرار وهذه النخب قد تتواجه وقد تتعاون، وإن كانت هذه النخب فى المجتمع السياسى الفلسطينى هى أقرب إلى النمط الصراعى منه إلى النمط التعاونى، بالرغم من أن كارل مانهايم ـ عالم الاجتماع ـ اعتبر أن وجود تعددية فى النخب يخلق فيما بينها ميزانا للقوى ويبحث عن مساندة الجماهير، وهو شرط لا غنى عنه من أجل الديمقراطية وحرية الرأى والتعبير والتداول السلمى للسلطة رابعا ـ النخب السياسية الفلسطينية: هناك عوامل أخرى، إضافة لما ذكرناه سابقا، تبرر لنا اعتماد المدخل النخبوى فى فهم وتفسير حالة الاستعصاء السياسى والأزمات المتلاحقة التى أصابت، ولا تزال، الجسد الفلسطينى، وهى:

1 ـ تخلف البنى الاجتماعية وسيادة النسق الأبوى والعائلى والعشائرى فى المجتمع الفلسطينى وهذا المجتمع لم يتعرف على مؤسسات سياسية حزبية متطورة إلا فى فترات قصيرة من تاريخه (10) فأصبحت العملية السياسية والحياة السياسية تدار بعقلية زعيم قبيلة والفصائل الفلسطينية هى أقرب إلى فصائل قبلية عشائرية منها إلى أحزاب وحركات سياسية بالمعنى الحقيقى للأحزاب السياسية.

2 ـ حرمان الفلسطينيين من الدولة التى هى عماد السياسة ـ إن الدولة هى مدرسة السياسة ومحور فعاليتها وأنشطتها وتنظيمها (11) فبدون الدولة، لا تستقيم الحياة السياسية، بل لا معنى للسياسة فى غياب الدولة وعليه مع غياب الدولة هذه، غابت العملية السياسية السليمة فالحياة الديمقراطية والتنافس السلمى على السلطة والعملية السياسية والتداول السلمى للسلطة هى مغيبة عن النظام السياسى الفلسطينى، هذا فضلا عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتباينة والتى رسختها علاقات الاحتلال واللجوء والشتات المفروضة عليهم ولا شك فى أن هذا التشوه حال دون بناء مؤسسات طبيعية متطورة وبالتالى تشكيل أحزاب وبنى سياسية متطورة قادرة على إفراز نخب سياسية تكون قادرة على التكيف والمرونة والاستقلالية وتحقيق الانسجام والتوافق بين مفردات النظام بدلا من الصراع والإقصاء.

3 ـ التدخلات الخارجية والضغوطات التى تمارس على الفلسطينيين وعلى قياداتهم ونخبهم بوسائل مختلفة لإجبارهم على التماثل مع المعطيات السياسية التى تخدم الأطراف الخارجية.

4 ـ غياب الإجماع الوطنى حول الأهداف والقضايا الأساسية والمصيرية بين النخب الفلسطينية ويظهر غياب الإجماع من خلال تعدد البرامج والاستراتيجيات على الساحة الفلسطينية تجدر الإشارة فى هذا المقام إلى أنه بالرغم من الظروف الموضوعية (المتغيرات الخارجية وطبيعة الاحتلال الإسرائيلى) والتى تتحمل قسطا من المسئولية عن الخلل فى النظام السياسى، فإن القسط الأكبر بالتأكيد تتحمله النخب القائمة على العمل العام فهناك خلل واضح وهيكلى، من مؤشراته ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ العجز الفاضح عن إدارة النخب لأوضاعها الداخلية وفقر فى بناء مؤسساتها وعلاقاتها وشعاراتها التى تكشف عن حالة التدهور فى النخب الفلسطينية التى أوصلت المجتمع الفلسطينى وأدخلته فى أتون حرب أهلية لقد جاء النظام السياسى الفلسطينى تتويجا لقاعه الاجتماعى المشوه والمضطرب فالنخب السياسية ـ نتيجة للاحتلال والشتات الفلسطينى وهشاشة البنى الاجتماعية والاقتصادية وسيادة بنى عشائرية قبلية أبوية وغياب التواصل المجتمعى ـ لم تنشأ نشأة طبيعية عبر عملية تطور اجتماعى ـ اقتصادى طويل المدى بما يكفى لتراكم التقاليد السياسية والمؤسساتية فعند مجىء السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أسلو، الذى وقع فى سبتمبر 1993، حيث بدأت تدشن نظامها السياسى الرسمى، فإنه سرعان ما اصطدم مع القاع السوسيولوجى للمجتمع الفلسطينى القبلى العشائرى، وهشاشة البنى الاجتماعية ـ الاقتصادية، هذا بالإضافة للجماعات المسلحة والقوى والفصائل السياسية التى كانت تعمل فى اتجاه معاكس للنظام السياسى الرسمى المتشكل للتو إن هذه الظروف والمعطيات أنتجت نخبا غير موحدة، لا تتمتع إلا بقدر يسير من التكامل والإجماع القيمى وقد ترتب على ذلك تعزيز مجموعة من التقاليد والقيم غير المؤازرة للسلوك الديمقراطى، كرؤية العلاقات السياسية فيما بين الشرائح المختلفة للنخب السياسية من منظار الغالب والمغلوب والتشكك والارتياب والنظرة السلبية لمبدأ الحلول الوسط والنزوع إلى إقصاء الآخرين وتضييق حيز التسامح معهم فهذه النزاعات لا تزال تميز المساحة الأكبر من الحياة السياسية الفلسطينية (12) وهذه القيم والتقاليد تعبر عن نفسها على الدوام فى سياق العلاقات بين النخب السياسية، سواء الرسمية أو غير الرسمية، خاصة النخب السياسية الإسلامية ـ فالعلاقات بين هذه الأطراف تحكمها درجة ملحوظة من التوتر وتثقلها تباينات سياسية وأيديولوجية وعقدية مهمة ـ (13) فى هذا الإطار، تعاظم دور الفرد، بل أصبحت شخصنة المؤسسة هى السمة الغالبة على القوى والمؤسسات السياسية وأصبح الفرد الذى يملك مجموعة صغيرة جدا من المسلحين يحكم أكثر من الأجهزة الأمنية الرسمية، وله تأثير على المسار السياسى أكثر من المثقفين والمتنورين وأصبحت العائلة والعشيرة والفصائل السياسية الفلسطينية أكثر قوة وتأثيرا فى المجتمع من المؤسسات السياسية الرسمية للنظام، بل حتى تجرأ البعض على الاعتداء على مؤسسات السلطة الرسمية، ولم يستطع التجرؤ على الاعتداء على عائلة أو عشيرة هذا فضلا عن غياب التكامل السياسى وضعف الثقافة السياسية التى ينتابها التوجس وعدم الاعتراف بالآخر والضغينة، وبالتالى غياب الثقة بين النخب السياسية، وإدارة هذه الأخيرة الحياة السياسية بعقلية زعيم قبيلة، مما أدى إلى حالة من العنف اللفظى والمادى وفساد سياسى وغياب الفعل السياسى المستقل والقادر على انتشال النظام السياسى من كبوته من هنا تأتى أهمية دراسة النخب والقيادات السياسية الفلسطينية لما لها من دور رئيسى فى عملية صنع القرار، وما يقع عليها من مسئولية عن سياسات العنف، ولما لها من دور فى عملية استقرار أو عدم استقرار النظام السياسى هذا بالإضافة لما للنخبة الفلسطينية من تأثير كبير على الجماهير، وبالتالى توجيهها كيفما ترى لتحقيق مصالحها وغاياتها إن غياب الانسجام والوحدة أو التنسيق والانسجام عن النخب السياسية يعد من أبرز الإشكاليات السياسية التى تواجه النظام السياسى الفلسطينى هذا فضلا عن غياب الشعور بالثقة والتسامح والقيم الديمقراطية عن العمل السياسى وفيما بين مختلف السلطات والهيئات والمؤسسات المكونة للنظام السياسى، والتى يحكمها قدر من المنافسة والرغبة فى التهميش والإقصاء ودرجة مقلقة من الازدواجية والتشابك وغياب التنسيق (14) وقد برزت هذه الإشكالية بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات عن النظام السياسى وقد اتضح عمق هذه المعضلة خلال انتفاضة الأقصى، حيث كشفت هذه الانتفاضة عن أن قيادة النظام السياسى الفلسطينى، ممثلة بشخص ـ أبو عمار ـ استمدت قدرتها على إدارة النظام السياسى الفلسطينى بحكم شرعيتها الكاريزمية والتاريخية، وليس على أنها تجسيد لمؤسسة القيادة إن تعدد مراكز القوى وتعدد النخب والقيادات السياسية، سواء فى مؤسسة السلطة أو المعارضة أو الفصائل، وعملها وفق برامج واستراتيجيات وسياسات متناقضة، عمق من أزمة النظام السياسى هذا فضلا عن المنافسة والرغبة فى التهميش والإقصاء، والذى يؤدى إلى سيطرة التوتر والعدائية فى العلاقات بين النخب السياسية الرسمية وغير الرسمية، وكافة مفردات النظام السياسى هذه الوضعية تسهم بشكل كبير فى زيادة ظاهرة العنف وعدم الاستقرار السياسى وتفكك النظام إن ظاهرة الصراع بين القوى السياسية على القيادة السياسية والتحكم بالقرار الفلسطينى، هى انعكاس لأزمة نخبوية، سواء أكانت داخل السلطة أم بينها وبين المعارضة كما يعيق غياب الوحدة وضعف المؤسسة على مستوى القيادة السياسية من بناء النظام السياسى على أسس ديمقراطية، ويفقد النظام السياسى أهم عنصر من عناصره، وهو وجود قيادة ذات سلطة إكراهية تمارس سيادتها على كافة شرائح المجتمع وعليه، فأزمة النخبة السياسية الفلسطينية هى المتغير الرئيسى فى تفسير أزمة النظام السياسى الفلسطينى، لأنه لو كانت هناك نخب سياسية بالمعنى الحقيقى للمفهوم لحلت كافة المعضلات، أو معظمها على الأقل ولو كانت هناك نخب فلسطينية متماسكة حول القضايا الوطنية، الاستراتيجية والتكتيكية، لضعف تأثير العوامل الخارجية، ولما وصل الداخل الفلسطينى إلى ما هو عليه من انشطار النخب وفوضى وصراعات أهلية، وغياب القيادة القادرة على توحيد مفردات النظام واللافت للنظر، أنه فى الوقت الذى تتقوض فيه أركان المشروع الوطنى (الهوية والاستقلال والدولة) وانشطار الوطن إلى سلطتين، سلطة فى رام الله وأخرى فى غزة، لا تبدى بعض النخب الفلسطينية قلقا كبيرا، بل تتعاطى مع تلك الأزمة وذلك الانشطار تعاطيا قدريا وسلبيا خامسا ـ مأزق النخب الفلسطينية: وتبرز فى هذا الإطار أسئلة حول أسباب عجز القيادات الفلسطينية عن إدارة الشأن السياسى والحياة اليومية، وسنستعرض هنا بعضها:

1 ـ غياب التوافق والانسجام: حيث يصعب الحديث عن مشروع وطنى فلسطينى فى ظل انشطار النخب ضمن أهداف متناقضة واستراتيجيات عمل متناقضة، الأمر الذى يسمح لأطراف خارجية بالتدخل وتعميق الأزمة الفلسطينية لغياب المناعة أو الحصانة الذاتية، وبالتالى استباحة النظام السياسى، كما هو حاصل اليوم ويمكن قياس عدم التجانس وحالة التشظى بين النخب السياسية الفلسطينية من خلال المؤشرات التالية: أ ـ المؤشر الأول: الممارسة البرلمانية: عند تشخيص وتحليل سلوك النخب فى أثناء الممارسة البرلمانية، اتضح تغيب بعض النواب عن الجلسات المقررة، وحدة الخلافات التى كانت تنتاب جلسات المجلس التشريعى، وتكرر مقاطعة جلسات المجلس التشريعى لعشرات المرات، وكانت النتيجة شللا تاما فى الحياة البرلمانية الفلسطينية وبعد الاعتقالات التى قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلى لنواب حماس فى المجلس التشريعى، رفضت حماس حضور الجلسات البرلمانية بحجة أن كتلة فتح البرلمانية يمكن لها أن تستغل غياب النواب عن كتلة حماس فى إقرار تشريعات تخدم مصالحها وهذا يعكس عدم الثقة بين النخب السياسية ويعد هذا مؤشرا مهما لقياس غياب التجانس والإجماع والتوافق وغياب الثقة بين النخب السياسية وعليه، وقع المجلس التشريعى، الذى يعكس كافة ألوان الطيف السياسى الفلسطينى، فى فخ التجاذبات السياسية، خلافا للتقاليد والأعراف الدستورية الراسخة، هذا بالإضافة إلى انه افتقر إلى روح الفريق، وحاولت الكتل الرئيسية فى المجلس، خاصة كتلة حماس وكتلة فتح، إنجاز أجندتيهما الخاصتين على حساب الأجندة الوطنية وقواعد التعاون الداخلى لإنجاز المهام المنوطة به هذا فضلا عن حالة التوتر والمناكفة التى حكمت العلاقة بين المجلس التشريعى والرئاسة (15) ب ـ المؤشر الثانى: غياب اللغة المشتركة، أى غياب الأهداف المشتركة والطموحات التى تسعى إليها النخب، ويظهر ذلك من خلال تعدد الاستراتيجيات، فهى بعدد الفصائل الفلسطينية وكل واحدة منها تلغى الأخرى ج ـ المؤشر الثالث: غياب التفاعل الشخصى، بمعنى أن شبكات الاتصالات والصداقة والتأثير، ودرجة الاتفاق بين النخب على الأهداف والسياسات، والإحساس المتبادل بالثقة بين أعضاء النخبة، كل ذلك غائب عن النخب الفلسطينية التى هى مرتبطة بعلاقات مع الخارج أكثر من الارتباطات الداخلية فيما بينهما د ـ المؤشر الرابع: تباين الثقافة السياسية للنخب، بين ثقافة سياسية وطنية تفصل السياسة عن الدين، وثقافة سياسية تدمج بين الدين والسياسة، بل وتسيس الدين من خلال إسقاط أو تنزيل بعض النصوص الدينية على سلوكها السياسى وقد وصل الأمر بالبعض إلى تقديس سلوكه السياسى، وإسقاط بعض النصوص على سلوك الآخرين لإظهاره بعدم التوافق مع الدين وبالتالى تكفيره هذا التناقض خلق صراعا بين النخب السياسية، على شرعية من يمثل الفلسطينيين، وانعكس على غياب الأهداف المشتركة، وجعل هناك تعددا فى مراكز صنع القرار، مما أفقد النظام السياسى القيادة الواحدة لقد ترتب على ذلك فقدان النظام السياسى للسلطة الإكراهية التى بدونها يفقد قدرته على الاستمرار والمحافظة على بقائه وهذا كان عاملا وسببا أساسيا فى تفجير العنف السياسى الفلسطينى.

2 ـ فى تفسيره لأزمة النخب فى المشرق العربى، ذهب المستشرق والمؤرخ الأمريكى بيتر مانسفيلد، إلى ـ أن دول الشرق الأوسط عموما شهدت فى القرون الأخيرة نمطا متكررا من نسف التراكم الاقتصادى والثقافى والسياسى مع كل تغيير، ولذا فإن التقدم بالمعنى الحقيقى لا يكتمل ولا يطرد، فكلما جاءت نخبة لعنت أختها، وأبادت ما أنجزه السابقون ـ (16) فالنخب السياسية فى الشرق العربى تكونت نتيجة إقصاء ورفض وإلغاء الآخر، وهى على استعداد للانقضاض عليه والقضاء على كل ما يمثله من مؤسسات وأبنية ورموز وقيم، عندما تتوافر الظروف المناسبة ولأن كل نخبة تريد أن تلعن وتلغى تجربة سابقتها ليبدأ المجتمع من جديد من الصفر، فإن ذلك يفقد العملية التراكمية التى بدونها لا يمكن إحداث تطور فى الواقع ونحن نرى أن ابن خلدون،عالم الاجتماع والمؤرخ العربى الشهير، سبق مانسفيلد فى تحليله هذا، حيث عزا ابن خلدون ـ فى مقدمته الشهيرة وذائعة الصيت ـ أزمة الحضارة الإسلامية والعربية، وبالتالى أزمة النخب العربية بالتبعية، إلى غياب عملية التراكم الحضارى التى بدونها لا تقوم ولا تكتمل الحضارات والمؤسسات الإنسانية وبالتطبيق على أزمة النخب الفلسطينية، نطرح التساؤل الرئيسى التالى: هل أزمة النخبة الفلسطينية هى تكرار التأزم السياسى للحضارة العربية الإسلامية؟ بمعنى آخر: هل الأزمة الراهنة من الصراع النخبوى الفلسطينى القائم فى هذه الأثناء، وخصوصا بعد وصول حركة حماس وتبوئها النظام السياسى بعد الانتخابات التشريعية الثانية، تهدف إلى إلغاء مرحلة متشكلة والبدء بمرحلة جديدة، وهو ما يعنى البدء من نقطة الصفر بدلا من نقد المراحل السابقة من تاريخه السياسى وخصوصا تجربة الحكم الذاتى، حتى يمكن تصويبها والإضافة عليها بدلا من إلغائها والبدء بمرحلة جديدة؟ يعد تشكل النظام السياسى الفلسطينى على جزء من الأراضى الفلسطينية مرحلة تاريخية مهمة فى تاريخ القضية الفلسطينية ـ حيث أصبحت هناك سلطة فلسطينية وطنية تمارس سيادتها على جزء من الوطن ـ بعدما كان النظام السياسى نظام حركة تحرر وطنى يناضل من الخارج هذا التحول ألقى بظلاله على كافة مناحى الحياة الفلسطينية وعلى البنية السياسية بشكل خاص، كما شكل اختبارا قاسيا على مدى قدرة الفلسطينيين على إدارة أمورهم بأنفسهم أمام هذا التطور التاريخى، كان هناك رهان خارجى وداخلى على إفشال تلك التجربة التاريخية إسرائيل كانت تراهن على فشل هذه التجربة، وبذلت كل ما فى وسعها لإفشالها وتقويضها حتى تثبت للعالم أن الفلسطينيين أعجز من أن يقودوا أنفسهم، وبالتالى لا بديل عن الاحتلال أو أى طرف خارجى يقودهم كما هدفت إسرائيل من وراء إفشال تلك التجربة إلى أن هذا الفشل يعطيها مبررا لكى تتملص من استحقاق أوسلو الذى يطالبها بالتنازل للفلسطينيين، وبالتالى تصبح لهم دولة مستقلة مجاورة لدولة إسرائيل قد تهددها فى المستقبل أما الطرف الداخلى الذى سعى دون كلل أو ملل لإفشال تجربة السلطة وتقويضها تمهيدا لقيادة الشارع الفلسطينى، وبالتالى تشكيل السلطة والمجتمع وفق مبادئه وأيديولوجيته، والاستفراد بكافة مناحى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وإخلاء الساحة أمامه، فهذا الطرف الداخلى المتمثل بالنخب والقيادات السياسية لا يستطيع أن يعمل ويتعايش مع الآخرين، بل لديه أصلا مشكلة مع الآخر، بل هذا الآخر أصبح هو العدو فيما بعد وأصبح يتساوى ويتماثل مع العدو الحقيقى ألا وهو إسرائيل فهذه العلاقات بين النخب والقيادات السياسية هى إذن علاقة إقصاء وإلغاء وهى سمة تلف معظم النخب السياسية وعليه، فقد صيغت البرامج ووضعت المخططات لإنهاء التجربة، وذلك قبل أن تتجسد على أرض الواقع، وبالتالى الحكم عليها من خلال ممارساتها ونقدها وتقويمها وتصويبها، بدلا من الحكم المسبق عليها كما فعلت النخب السياسية وقوى المعارضة لهذه التجربة بشكل عام وحركة حماس بشكل خاص كيف لا وقد أعطته السلطة الفلسطينية كل المبررات لكى يعمل هذا الطرف على تقويضها ومنها: ممارسات السلطة من فساد واستبداد واستفراد وعدم الالتزام بالمبادئ القانونية ـ وهنا لا ننكر الدور المشرف لبعض قيادات السلطة فى مجال العمل الوطنى الفلسطينى ـ وعجز السلطة عن تحقيق ما وعدت به شعبها من رخاء وتحقيق بناء الدولة، وعدم قدرة النظام السياسى الفلسطينى المتشكل للتو على أداء وظائفه وعليه، أصبحت هناك أزمة تعانى منها السلطة وهى متمثلة بأزمة شرعية الإنجاز، وهى النتيجة الحتمية لكل ما سبق، وهى تتمثل بعدم قدرة السلطة الفلسطينية على إنجاز ما وعدت به بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين، فلا هى استطاعت أن تكبح العدوان الإسرائيلى على الشعب الفلسطينى، ولا هى استطاعت تحويل الموارد المادية والبشرية، سواء على المستوى المحلى أو الدولى لدفع العملية السلمية وكسب تأييد دولى للقضية الفلسطينية التى هى فى تراجع الآن وحتى لا نحملها ـ السلطة ـ فوق طاقتها، فإننا نؤمن بأن هذا العمل ليس من السهل تحقيقه فى ظل اختلال موازين القوى الدولية والإقليمية لصالح إسرائيل، فهو يحتاج لجهد كبير وعمل مضن وأن يكون ضمن استراتيجية عمل وطنى تجمع عليها كافة القوى الفاعلة فى الحقل السياسى الفلسطينى هذا العجز، وأزمة شرعية الإنجاز وفرا غطاء شرعيا استغلته النخب السياسية المعارضة للانقضاض على النظام السياسى القائم بهدف تقويضه تمهيدا لتشكيله وفق برنامجها وأيديولوجيتها، وبالتالى إنهاء التجربة التاريخية، وإسقاط الفلسطينيين فى هذا الاختبار التاريخى القاسى، والبدء بتجربة تاريخية جديدة تبدأ من الصفر لا أحد يعلم كيف ستنتهى ولكن ما أشبه اليوم بالبارحة، فإن معضلة الحضارة العربية الإسلامية، وبالتالى أزمة النخب السياسية نتيجة لذلك، حسبما يعلله ابن خلدون، هى الانقطاع التاريخى والجغرافى للحضارة العربية والإسلامية بسبب موجات التصحر والغزوات البربرية والبدوية وعليه، فقدت الحضارة العربية والإسلامية عمليات التراكم التى بدونها لا تقوم ولا تكتمل الحضارات والمؤسسات الإنسانية، والنتيجة انقطاع تاريخى (زمانى) ـ وجغرافى يؤدى إلى غياب التراكمات الحضارية وتقويضها وبذلك، فكل بنية اجتماعية أو حضارية على مدى التاريخ العربى والإسلامى تجد نفسها تبدأ من الصفر، نظرا لغياب تجارب سابقة عليها، لأنه تم تقويضها، وبالتالى تحتاج لفترات طويلة ـ بدلا من اختزال الزمن ـ حتى تتشكل وتتبلور ملامحها وعندما تكتمل وتنجز شيئا، يعاد هدمها من جديد للأسباب ذاتها وهو ما يتكرر اليوم فى الحقل السياسى الفلسطينى بفعل العملية الهادفة إلى القضاء على مرحلة تاريخية بكاملها بهدف البدء بمرحلة جديدة بدلا من عملية تراكم للإنجازات وتصويب الأخطاء، وهو ما يعنى الدوران فى الحلقات السياسية المفرغة وتكرار عملية البناء ثم الهدم والبدء من الصفر، وهو ما يفقد عملية التراكم، والتى بدونها لا يمكن إحداث طفرة حضارية فى كافة المجالات وذلك أيضا ما عبر عنه ابن خلدون بمقولته: "فى الأوطان الكثيرة، القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة"، والسبب فى ذلك ـ اختلاف الآراء والمذاهب والأهواء، وأن وراء كل رأى منها هوى وعصبية تمانع دونها فيكثر الانقضاض على الدولة والخروج عليها فى كل وقت، لأن كل عصبية تظن فى نفسها منعة وقوة ـ وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أنه فى ظل اشتداد الوضع الفلسطينى حلكة وصعوبة، ارتفعت فى الآونة الأخيرة الأصوات من قبل بعض النخب السياسية والمثقفة تطالب بحل السلطة الفلسطينية للخروج من المأزق الراهن، والعودة بالصراع مع الاحتلال إلى جذره الأصلى كصراع بين سلطة احتلال وشعب خاضع لها وقد أخذت هذه الدعوة تجرف إليها أعدادا متزايدة من المناضلين والمثقفين الفلسطينيين واللافت للنظر أنه فى الوقت الذى تطالب فيه هذه النخبة بحل السلطة الفلسطينية، تتأسس سلطة جديدة فى غزة بقيادة حركة حماس، هذا من ناحية أما من ناحية أخرى، فإن المطالبين بهذه الخطوة لا يقدمون مبررات مقنعة لذلك على اعتبار أن تلك الخطوة، أى حل السلطة، ستكون هى الحل الأفضل للمأزق الحالى وهناك أيضا رؤية أخر

العلاقات العربية- الخليجية.. حصاد (الربيع العربي)

  بقلم: عياد البطنيجي

 الناشر: مجلة آراء العدد 94

 

تاريخ النشر: يوليو 2012

 

 

 

يعيش العالم العربي في هذه الغضون تحولات عميقة في الدول التي نشبت فيها ثورات، والدول التي ما زالت تترقب بحذر شديد تمدد الحالة الثورية إلى نظمها السياسية. فالأولى، تمر بحالة صيرورة وتحول من حقبة النظم التسلطية إلى حقبة جديدة ما زالت قيد التطور والتشكّل ومفتوحة على مسارات متعددة. والثانية، باستثناء مملكة البحرين، ما انفك الوضع السياسي للمملكات الخليجية مستقراً ظاهرياً رغم بعض الاحتجاجات السياسية هنا وهناك.

 

مثّل صعود الروح الثورية العربية بداية ظهور نوعٍ جديدٍ من التحديات تضاف إلى التحديات الأخرى التي تواجه الملكيات الخليجية، وهذا ما يفسر قلقها تجاه هذه التغيرات الجارية في الإقليم التي تحدث على مرأى ومسمعٍ منها، وعلى صدع دعوى (الملكية الدستورية) و(التحول نحو الجمهورية) و(إسقاط الملكية) كمطالب شعبية لدى الحركات الاحتجاجية في الخليج.

 

 تسعى هذه القراءة إلى رصد مدى أثر هذه التحولات في المملكات الخليجية، وردود فعل الأخيرة تجاهها، وصداها على العلاقات العربية – الخليجية. وقبل ذلك حري بنا أن  نضع عدداً من المحددات:

 

1- إن صيرورة التغيير لا تزال سارية بفعل الديناميات التي تمر بها الحالة العربية والتي لا تزال غير مكتملة المسار. وبالتالي فإن إصدار تقييم شامل للعلاقات والسياسات والتوجهات أمر سابق لأوانه. وثمة دول لم تصلها موجة الاحتجاجات، ما يعني ثباتاً نسبياً في سياساتها الخارجية مقارنة بالدول التي تبدلت فيها السلطة.

 

2-  أولوية الداخل على الخارج لدى الدول التي نشبت فيها ثورات، وهذا يعني سباتاً نسبياً في علاقاتها الخارجية.

 

3- إن مسار الاندفاعات الثورية أخذ بالانتقال من بلد عربي إلى آخر، وهذا يؤكد أن ما يجري في مغرب الوطن العربي يتأثر به مشرقه، الأمر الذي يفرض منظوراً ينطلق من أن الوطن العربي كلٌ واحد تتواشج أجزاؤه وتتعاضد، وأن أي تغيير في الجزء ينعكس بالضرورة على الكل. وهذا يعني أن الثورات العربية سوف تؤثر بالضرورة وإن كان بشكل تدريجي في المعادلة السياسية والأمنية في الخليج.

 

4- تعاني الملكيات الخليجية من أسباب بنيوية لعدم الاستقرار، ما يجعل قابلية تأثرها بالربيع العربي كبيرة جداً.

 

5- سيكون لنجاح أو فشل البلدان التي نشبت فيها ثورات في الارتقاء صوب النموذج أو النمط السياسي الديمقراطي آثاره العميقة على المنطقة كلها بما فيها الدول الملكية.

 

تأسيساً على هذه المحددات، تنطلق الورقة من مدرك نظري أساسي في الاقتراب النظمي المعروف في التحليل السياسي، مؤداه أن هناك تفاعلاً ديناميكياً بين وحدات النظام السياسي، فالتغير في البيئة، الداخلية أو الخارجية، يؤثر في النظام أو الجهاز السياسي، وكذلك تؤثر أفعال الجهاز السياسي في بيئته، وأن هذا التفاعل يقوم على فكرة (الاعتماد المتبادل).

 

بناءً على هذا المدرك، فإن ما يجري من تحولات بنائية دخلها العالم العربي يشكل مدخلات البيئة (Inputs) إلى النظم الخليجية، وأن ردود أفعال هذه الأخيرة تشكل مُخرجات (Outputs).

 

ومن المعروف أن الملكيات الخليجية جزء من النظام الإقليمي العربي، وتتأثر بما يجري من حولها وتؤثر فيه. ويترتب على هذه المقولة نتيجة مفادها أن (الربيع العربي) سوف يترك آثاره على العلاقات العربية - الخليجية، وسوف يُرتب نتائج سياسية مفتوحة على مسارات متعددة.

 

 وبالفعل ثمة العديد من المخرجات صدرت عن الأجهزة السياسية الخليجية كانت بسبب ما يجري في بيئتها المحيطة، تمثلت في بث القرارات على المستوى المجتمعي الكلي الشامل وإعمالها، من خلال الأعطيات المالية للأفراد، وانفتاح جزئي للحريات العامة، فضلاً عن المواقف والبيانات والمطالب السياسية الموجهة للبيئة الخارجية.

 

ماذا يعني ذلك؟ إن المدرك النظري أعلاه  ينفي فكرة (الاستثنائية الخليجية) و(الحصانة الملكية) التي تعني أن المملكات الخليجية محصنة ضد رياح التغيير التي تهب على المنطقة.

 

 فالحالة الخليجية ليست عصية على التغيير كما يتصور البعض، وأن النظم الخليجية ليست منغلقة على نفسها تجاه بيئتها الداخلية والخارجية، فمن يؤمن بمقولة (الاستثنائية) ينطلق من فكرة جوهرية ثبت فشلها في التحليل السوسيولوجي.

 

 فما يجري في المحيط العربي من تحولاتٍ ثورية سوف ينعكس بالضرورة على الملكيات الخليجية. وبغض النظر عن قوة هذه الآثار وكثافتها والمدى الزمني الذي سوف تأخذه حتى تتشكل حالة جديدة، المهم أن هناك أثراً لا يمكن إنكاره، له أبعاده النفسية والفكرية، قد يؤسس لتغيرات سياسية بفعل عملية التراكم الزمني الممتد. وإلا كيف يمكن تفسير حركة الاحتجاج البحرينية أمام قصر الملك، ومطالب سقوط الأسرة المالكة من قبل البعض وهي مظاهر جديدة غير مسبوقة على الإطلاق؟ ألا ينبئ ذلك ببداية سقوط المطلق السياسي، وما يعتبره البعض خطوطاً حمراً ومقدساً لا يمس، وبالتالي خطأ مقولة (الاستثنائية الخليجية)؟!

 

مجلس التعاون الخليجي.. الصعود والتمدد

 

يشكل صعود دور مجلس التعاون الخليجي وتمدد نطاقه الجيو-سياسي أحد المخرجات السياسية تحت تأثير (الربيع العربي). تمدد نطاق علاقات المجلس البينية ودوره السياسي بعدما كان شبه محصور في نطاق نظام فرعي في منطقة الخليج العربي.

 

فقد تمدد المجلس في مصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين، من خلال التدخل العسكري أو من خلال دعم بعض الجماعات أو بالتمويل أو بالإعلام، والهدف هو إعادة موضعة للتحالفات الخليجية في الإقليم وبناء اصطفافات إقليمية جديدة للحيلولة دون سقوط بعض النظم الخليجية –البحرين مثلاً- باعتبار أن ذلك قد يشكل مقدمة لسقوط الأنظمة الملكية في الخليج.

 

ومن بين المخرجات الأخرى قرار المجلس عقب موجة الثورات قبول انضمام عضوية مملكتي الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون، وما دعا إليه العاهل السعودي إلى تحويل مجلس التعاون لاتحاد خليجي. لقد انتقد البعض هذه الفكرة بذريعة أنها خيار ضعيف مقارنة بالخيارات الأخرى الأنجع في التعاطي مع التحديات الجديدة. ومع ذلك، تشكل هذه المخرجات إدراكاً مضمراً من قِبل الملكيات الخليجية مفاده لا يمكن الاستمرار والثبات وفق صيرورة مرحلة ما قبل (الربيع العربي)، وأن ما كشفه الأخير من مطالب جديدة بحاجة إلى صيغ سياسية جديدة تتناسب والواقع الجديد. بيد أن هذه الصيغ الجديدة لا تزال مقيدة وترتد إلى حماية النظام القائم وقاعدته الاجتماعية الضيقة، بدلاً من توسيع قاعدته الاجتماعية من خلال الانفتاح الإيجابي على مطالب الاحتجاجات في الخليج والتعاطي معها وفق منظور جديد يشرك الشعب في عملية صنع القرار من خلال مشاركة سياسية أوسع، فوسائل الكبت لن تستمر طويلاً لدى شعوب مجلس التعاون الخليجي. 

 

وثمة متغير أساسي سوف يعكس مفعوله على معادلة الأمن في الخليج، وهو حدود تأثير المتغير الخارجي. فالخليج أوكل أمنه لحليفه الخارجي الأمريكي. فقد ولّد تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع (الربيع العربي) هواجس لدى الأنظمة الخليجية بسبب الأداء السلبي للإدارة الأمريكية تجاه (الربيع العربي) والتي أدت إلى سقوط  نظامي زين العابدين ومبارك. وبات اليوم على مجلس التعاون أن يفكر جدياً في مسألة المساومة، في حال أجبرت أمريكا عليه، بين المد الديمقراطي في العالم العربي والخليج وعلاقة الأنظمة الخليجية بالإدارة الأمريكية. هذا الإدراك سوف يؤثر في منظور الأمن الخليجي وحدود الارتهان للحليف الخارجي.

 

لا تزال فرصة الإصلاح السياسي في الخليج قائمة في ظل غياب المعارضة الراديكالية في الخليج، وهيمنة الثقافة المحافظة، والوفرة المالية، والاستقرار النسبي، والعلاقات الخارجية الجيدة، كل ذلك يسمح بالسير نحو الإصلاح التدريجي الذي قد تفتقده الملكيات الخليجية في حال عجزها عن استشعار آفاق المستقبل، الأمر الذي يكرر ما حصل مع (الجمهوريات العربية) عندما افتقدت استشعار الحاجات المجتمعية، حيث أثبتت تلك الجمهوريات أنها عصية على الإصلاح والتغيير، وأكدت لشعوبها وقواه الحية أن الثورة هي الطريق الوحيد لعبور المجتمع من الماضي إلى المستقبل، حتى يمكن التخلص من الأغلال التي كبلت المجتمع، ومن الرواسب التي أثقلت كاهله، من خلال التخلص من عوامل القهر وإفقار الطبقات الشعبية الذي مارسته تلك الجمهوريات، مما ولد اندفاعة ثورية اقتحمت  كل العوائق والموانع التي تعترض طريق الحياة من خلال إسقاط هذه الجمهوريات المزيفة.

 

كما أن الأنظمة الملكية الخليجية أوجدت طبقة وسطى مثقفة ومتعلمة بفعل برامجها في التحديث الاقتصادي، من خلال توظيف عائدات النفط. وتشير الخبرة التاريخية للملكيات في (الشرق الأوسط)، ولتكن الملكية السنوسية الليبية (1951-1969) على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن التحديث الاقتصادي ينمي طبقة وسطى متعلمة ومثقفة، وهو تحديث غير كاف بما أنه تحديث اقتصادي من دون تحديث سياسي، ما أصبحت معه بعض الملكيات ضحية برامجها التحديثية عندما ولدت حركات احتجاج ضدها تطالب بالمشاركة السياسية، كما حدث مع الملكية السنوسية في ليبيا. وهو ما يطلق عليه علماء الاجتماع (التداعيات غير المتوقعة للفعل الاجتماعي).

 

ما أقصد قوله إنه ليس الحرمان الاقتصادي وحده ما يولد ديناميات ثورية، بل- وهذا ما تشير إليه خبرة الملكيات العربية- إن التحديث الاقتصادي، وارتفاع نصيب الفرد من الدخل، والرفاهية الاقتصادية، وتحسين الأوضاع المعيشة، في ظل أنظمة سياسية منغلقة، كل ذلك يولد اندفاعات ثورية وحركات احتجاجية لإنفاذ مشروع التحديث السياسي، حين تصبح الفئات الوسطى التي استفادت من التحديث الاقتصادي غير راضية على وضعيتها المجتمعية، وتندفع بعد مقارنة نفسها بالفئات الحاكمة وأصحاب النفوذ السياسي إلى المطالبة بالمشاركة السياسية.

 

 ولذلك تشهد الملكيات العربية تجديداً لعوامل عدم الاستقرار والأسباب الدافعة له بفعل سنن التطور. تضع هذه الوضعية الجديدة الملكيات الخليجية أمام مسؤولية تاريخية نحو ترسيخ المشروعية والشرعية، وتجديد الأسس الاجتماعية للدولة، والأخذ بالتحول مع الوقت إلى ملكية دستورية قبل فوات الأوان حين تتصاعد المطالب من ملكية دستورية إلى مطالب إلغاء الملكية وإقامة جمهورية بديلة.

 

المفاهيم الجديدة.. الروح البازغة

 

سيجد مجلس التعاون الخليجي نفسه مضطراً للتعامل مع مفاهيم جديدة تعكس ديناميات (الربيع العربي)، من قبيل (خصخصة السياسة الخارجية)، وبروز (فاعلين من غير الدول)، وصعود (الرأي العام العربي)، و(سياسات الشارع). وهي مفاهيم جديدة على السياسة العربية.

 

قبل ذلك كانت السياسات العربية سياسات نخبوية، نطاق ممارستها وأبعادها ومضامينها محصور في نطاق القيادة السياسية ومصالحها وتصوراتها.

 

وتعكس هذه المفاهيم الجديدة روح الأمة وهويتها، وهو ما يشي بإعادة التوازن المختل بين الدولة والمجتمع.

 

وهكذا، مع هذه المفاهيم الجديدة، أصبحت هناك أولوية لا يمكن تجنبها، في سياق حالات عدم الاستقرار واللايقين التي يعيشها الإقليم، وهي الداخل أولاً وأخيراً. وسيبقى الداخل هماً طاغياً على الحوارات الداخلية، وستنعكس على التفاعلات العربية - العربية في حدود تأثيرها على الحوارات الداخلية، بينما ستبقى العوامل الأخرى غير المؤثرة  مباشرة على الداخل غير مكبلة الحركة على الصعيد الخارجي.

 

وتأسيساً على هذه الحالة، هل من المقبول أن ينصاع مجلس التعاون الخليجي لاعتبار الداخل في الإقليم، وتحدياً للمجتمعات التي نشبت فيها الثورات، ويستثني اعتبارات الداخل للمجتمع  الخليجي؟ الأمر الذي يولد صورة سلبية لدى المجتمع الخليجي عن السلطة السياسية التي تحكمه.

 

ولذلك فرسالة (الربيع العربي) واضحة للأنظمة الملكية، وهي أن استمرار الأمور على الوتيرة نفسها هو من باب الوهم. وبناء على هذه النتيجة قد تقدم هذه الأنظمة تنازلات ترمي إلى توسيع قاعدة الشرعية من خلال فتح المجال العام وتوسيع نطاقه من خلال مشاركة شعبية واسعة، وتمثيل الشعب في هيئات سياسية منتخبة، تعكس الروح الجديدة البازغة. آنذاك من المحتم أنه سوف ينعكس ذلك في بيئة العلاقات العربية – الخليجية وعلى نسق هذه العلاقة.

 

حدود التمأسس

 

إلى أن يكتمل مسار التغيير بفعل الزمن وعامل التراكم في إنتاج التحول، فإن التغيير الجاري لم يتمأسس بعد. فالبنية المؤسساتية للأنظمة السياسية في الدول التي نشبت فيها ثورات لم تتبدل كلياً وبخاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

 

ولا تزال آليات صنع القرار السياسي تسير وفق القواعد التي كانت تعمل من خلالها النظم السابقة في الدول التي اندلعت فيها ثورات. وهذا يعني أن التغيير ما زال محدوداً لم يتأطر بعد، ولم يُستدخل في البنى، ولم تستبدل الأسس والمنطلقات التي كانت تعمل وفقها السياسات العربية، فلا تزال الأجهزة السياسية، وآليات صنع القرار السياسي، ودور القوى السياسية الرسمية هي ذاتها لم يطالها التبدل.

 

وبالتالي فإن العلاقات العربية - الخليجية حتى الآن لم يجر عليها أي تبديلات جذرية، وقد يستمر هذا الوضع في المدى القريب. فحجم التغيير في السياسات الخارجية محدود أو بالكاد هناك تغيير في توجهات العلاقات الخليجية- العربية. وحتى اللحظة لم تحدث استقطابات بين الدول التي انهارت فيها السلطة الرئاسية وبين الدول التي مازالت مستقرة والتي لم تمتد إليها الاحتجاجات.

 

ولذلك لا تزال الأولويات الموجهة لنسق العلاقات الإقليمية والدولية مستقرةً في الثقافة السياسية للنخب العربية - الخليجية الحاكمة.  وتشير الملاحظة إلى أن الملفات المهمة للسياسة الخارجية لم يطالها أي تغيير، حيث لا تزال المواقف متقاربة من العامل الأمريكي ومصالحه، ولم تتغير المواقف من الصراع العربي-الإسرائيلي، والملف الفلسطيني، وتحديداً المبادرة العربية للسلام. أما المواقف من الدول الإقليمية، فتشير المتابعة لمرشحي الرئاسة المصرية إلى تقارب مواقفهم من مواقف الأنظمة الخليجية إزاء إيران وتركيا. وبالتالي فإن هذه الملفات لم تشهد تغيرات في تطورها منذ اندلاع حركة الاحتجاجات العربية، الأمر الذي يعني استمرار نمط العلاقات العربية-الخليجية، كما أنه من المبكر بروز تحالفات جديدة تنقلب على تلك القديمة. وإلى أن تبزغ الخلافات حول هذه الملفات وطرق إدارتها أو في ترتيب أولوياتها، أو تغيير المضامين والأسس التحالفية بعد تبدل البنى والمؤسسات والأدوار والأطراف، إلى أن يحدث ذلك فإن المرء لا يستبعد انقلاباً في نسق العلاقات الخارجية وبروز تحالفات سياسية جديدة بين دول المنطقة تنقلب على تلك القديمة.

 

إن انهيار بنى ومؤسسات النظام السياسي يتبعه حتماً انهيار في دور النخب السياسية وطبيعتها وأصولها وتوجهاتها السياسية وتحالفاتها الخارجية، وتستتبع ذلك إعادة تشكَل جديدة. وإلى أن يحدث هذا فإن نمط العلاقات السياسية العربية - الخليجية سوف يبق ثابتاً على الوتيرة نفسها.

 

 فالتغيير له عدة مستويات، فما جرى هو تغيير في رأس النظام، وليس في القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يطول فيها التغيير، وتحتاج إلى فترات زمنية أطول، وهو ما يجعل التغيير على صعيد العلاقات السياسية الخارجية محدوداً. وحتى الآن لم يكشف (الربيع العربي) عن توجهات ومواقف جديدة إزاء القضايا الجوهرية في المنطقة، ما يعني بالضرورة سير العلاقات  العربية – الخليجية وفق نسقها المتواتر.

 

أما على الصعيد غير الرسمي، فمن الملاحظ أن ثمة تزايداً في الدبلوماسية الشعبية من خلال سيولة الوفود العربية والشخصيات غير الرسمية تجاه الدول التي نشبت فيها ثورات. ومع ذلك لا تزال الدول التي تعاني مخاضاً ثورياً لم تنضج الصورة فيها، ولم تكتمل ما جعل أثر (الربيع العربي) محدوداً على العلاقات العربية - الخليجية.

 

 وهذا لا يعني أن الأمور سوف تترك لعامل المصادفة في تشكيلها، فالزمن محايد يستغله من يخطط ويتدبر أموره وفق العقلانية السياسية، كما يجيره الأقوياء لمصالحهم. وهذا يعني أن مجلس التعاون الخليجي لن يترك الحالة الثورية العربية تشتغل وفق منطقها الخاص، وإنما سوف يعمل على توظيف ما أمكن  لمنع انتقالها إليه من خلال توظيف أدواته وموارده وهو ما تكشفت ملامحه من دعم بعض الجماعات في داخل الدول التي اندلعت فيها ثورات، فضلاً عن التوظيف الإعلامي والمالي. وخير مثال على ذلك، زيارة (عمر سليمان) رئيس المخابرات المصرية السابق، وأحد أركان نظام مبارك، إلى السعودية، إثر هذه الزيارة  ترشح سليمان للرئاسة المصرية، ويبدو لي أنه مقترح سعودي في الأساس، وهي محاولة للتأثير على مجريات الأمور في مصر. ومثال آخر، نشاط مجلس التعاون الخليجي وكثافة حضوره في المشهد الإقليمي بغية التأثير في ديناميات الثورة. كما يأتي هذا التمدد لإحلال المجلس محل تراجع دور بعض عناصر النظام الإقليمي العربي بفعل التركيز على أولوية الداخل. 

 

السوق الحرة والالتزام الأخلاقي

 

كتبهاعياد البطنيجي ، في 21 كانون الأول 2011 الساعة: 02:31 ص

 

 

بقلم:  عياد البطنيجي

 

   نال المقال الرتبة السادسة لأفضل مقال، في مسابقة نظمت تحت شعار: "عبر عن نفسك"، لموسم 2011 ، تحت عنوان " السوق الحرة والأخلاق.. أية علاقة ؟"، التي نظمها منبر الحرية / معهد كيتو في العاصمة واشنطن.

 

 ***

 

  هل نستند في تقيمنا لعلاقة السوق الحرة  بالأخلاق إلى نظام السوق كمقولات مجردة كما تؤطرها النظرية المثالية للسوق، أم كفعل متجسد في الزمن والتاريخ ؟ هل ننطلق من العقل النظري المجرد لنظام السوق الحرة، أم من العقل العملي في التاريخ كصيرورة ؟

 

   لا يقدم لنا الخيار الأول معرفة علمية. فصيرورة العمليات التاريخية لتطور اقتصاد السوق تشير إلى أن مقولات اقتصاد السوق  المثالي المحض لم تتحقق تاريخيا.

 

   اقتصاد السوق الحرة المثالي:

 

   هنا ينفصل السوق كمقولات مجردة عن القواعد الاجتماعية. فهو نظام مغلق مكتفي ذاتيا، لا يرتهن  إلى شيٍء خارجي، وإن اضطربت مسيرته  فإنه يضبط نفسه ذاتيا (من خلال اليد الخفية كما وصفها ادم سميث) بغية إعادة النظام إلى حالته الطبيعية. إنه نظامٌ مجرد متعالي، لا يستند في وجوده إلى فعل خارجي، وفي اكتفاء ذاتي محض. وهكذا، ينفصل نظامُ السوق الحرة المثالي ويستقل عن النظام الاجتماعي العام، ويتحول إلى ذاتٍ متعالية محركة للتاريخ.

 

    اقتصاد السوق التاريخي:

 

   تاريخيا، لم يُخلَق السوق بفعلٍ ذاتي، وإنما بفعلٍ من خارجه. ولم يضبط نفسه ذاتيا. ولم ينفصل عن النظام الاجتماعي العام، فهو جزءٌ منه يؤثر فيه ويتأثر به. فالربح كقيمة عليا كانت منبوذة في النظم الاقتصادية السابقة على نظام السوق الحرة. فكان من الاستحالة بمكان أن ينشأ السوق الحرة بفعل ذاتي. وهنا يثار التساؤل عن الفاعل الذي أوجب هذا النظام إلى حيز الوجود. يجيب البعض  أن الفاعل هو الدولة. فقد نشأت الأسواق الوطنية في أوروبا بتدخل من الدولة التي غيرت من مجرى الأحداث وحولت قيمة الربح المنبوذة إلى قيمة مقبولة.  وبقيت الدولة فاعلة تتدخل عند كل أزمة تواجه سير النظام الناشئ. كما وبقي مرتهنا إلى النظام الاجتماعي العام، الذي شكل كابحا منع خروجه عنه. وكلما حاول أن يستقل بوجوده ويتحول إلى ذات مستقلة كان النظام الاجتماعي يشده إليه.

 

     وهكذا، لم تتحقق الافتراضات التقليدية المثالية لنظام السوق الحرة.

 

   الهدف من عرض النموذجين: المثالي والتاريخي، هو تبيان أن نظام السوق الحرة لا يعمل ذاتيا ولا في فراغ، بل في بيئة تتضمن فاعلين آخرين وتستدعيهم ضمن صيرورته. ومن هنا يتم اللجوء إلى قواعد من خارج نظام السوق الحرة.

 

   النتيجة المترتبة على هذه المقدمة أن السوق الحرة تتأثر بمجمل القواعد التي تسود النظام الاجتماعي العام. ولئن كان يسعى للانفصال، إلا أنه ما فتئ عاجزا عن ذلك، وبقي مرتهنا في وجوده إلى طبيعة الأشياء:القواعد الاجتماعية، الوسط الاجتماعي، الرأي العام،  الظروف السياسية، التكوين الفكري، المزاج العقلي والعاطفي للمجتمع، قواعد القانون، السلطة الشرعية.

 

    ففي نموذج السوق الحرة المثالي لا قواعد أخلاقية تضبط السوق، بينما في النموذج التاريخي فالتعارض أو الانسجام بين السوق والأخلاق متوقف على  محددات ستكون موضوع المقال.

 

    وقبل ذلك حري بنا أن نبين أن  هذه العلاقة  ليست بالضرورة مباشرة، فالتفاعل بين قوى السوق يولد فهما مشتركا، ونوايا حسنة، مما يخلق إجماعا حول بعض التطلعات الأخلاقية. وتتطلب السوق مستوى معينا من الثقة والفهم المشترك الذي يولد بعدا أخلاقيا. فالثقة والأمانة والالتزام بالعهود هي قيم أخلاقية يلتزم بها فاعلو السواق ليس لأنها أخلاقية فحسب، وإنما لجدارتها في تحقيق الربح أيضا.

 

   يستدعي تحليل هذه العلاقة إلى تركيب ثلاث مدركات متلازمة: السوق، دولة القانون، الأخلاق.  فالقانون نشأ ووجد في أحضان الفلسفة العقلية الليبرالية، وهو بالنسبة لليبرالية المرجع الأخير لتلافي العجز أو عدم الكفاية في النظام الذي يستخلص تلقائيا من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.  فإذا كانت القواعد القانونية هي التي تنظم السوق بطريقة مباشر، فإن القواعد الأخلاقية تنظمه بطريقة غير مباشرة من خلال القانون.

 

   فالسوق محكوم بالقانون، وحيث إن القانون معبر عن ضمير الأفراد في المجتمع، فإن السوق تأخذ اختياراتها في ضوء ضمير الجماعة؛ فالقواعد القانونية في الأصل قواعد اجتماعية (أي أخلاقية) تحولت إلى قواعد قانونية ملزمة. فالالتزام بالعهود قاعدة أخلاقية تحولت إلى قاعدة قانونية من خلال الالتزام بتنفيذ العقد. وفي حال تضررت مصالح الأفراد بسبب الغش أو لعقود الإذعان، والإثراء على حسابهم، مما يولد عندهم شعورا بضرورة تنظيم الجزاء لمن يخرق القواعد الأخلاقية؛ لأنها ضرورية لبقاء التضامن الاجتماعي، إذ ذاك سوف تتدخل الدولة بغية تحويل هذا الشعور بالتذمر العام إلى قاعدة قانونية ملزمة لضبط السوق.

 

   في ضوء ذلك، لا مبرر للقول إن تأثير السوق على الأخلاق تأثيرٌ سلبي دائما وأبدا ومن شأنه أن يؤدي إلى انهيار المجتمع. ففي ذلك مغالطة؛ لأنه متى شعر الأفراد أن السلوك الاقتصادي سيؤدي إلى الإضرار بالمجتمع، وأن الواجب الأخلاقي النابع من الضمير عاجزٌ عن ضبط السوق، فسرعان ما يتدخل المشرع في تكريس هذا الواجب الأخلاقي كنص قانوني ملزم، وبالتالي فالقاعدة القانونية هذه تكرس مبدأ أخلاقيا يضبط السوق قانونيا. فالسلوك الأخلاقي سيكون في احترام النظام الاقتصادي الذي أقامه القانون، واللااخلاقية في خرق هذا القانون. ومن هنا يحقق القانون، المنظم  للسوق، فكرة العدالة (احترام الحق)، كما حدده القانون، وهو ما ينظر إليه المجتمع كتجسيد للعدالة التي هي قيمة أخلاقية.

 

    والأخلاق حين تقترن بالقانون فإنها تعطى القانون صفة "المثل الأعلى" أي ما يجب أن يكون عليه الإنسان أخلاقيا؛ فهي قواعد فرض، أي تقرر ما يجب أن يكون عليه السلوك الاقتصادي. وعليه فالقانون ليس شيئا آخر غير الأخلاق الاجتماعية.

 

   وبالتالي فليبرالية السوق لا تتعارض مع أخلاقية اختيارات السلطة الشرعية التي أرادها الأفراد بإرادتهم التي تتجسد فيها القيم الأخلاقية الاجتماعية التي سلم الأفراد بها. هذه الاختيارات تتبلور في تشريعات اقتصادية ومالية، يعنى أخلاقية المشروعية أي أخلاقية القانون الضابط للسوق، بغية الحفاظ على المصلحة العامة المشتركة التي توفق بين المصالح الفردية بإدماجها في انتظام خاص، أي أنها تتغلب على تعارضها. وهنا يجد فاعلو السوق ضمانة ممارستهم لحقوقهم الخاصة بالحفاظ على الكل.

 

    وهكذا، فالقيم الأخلاقية في المذهب الليبرالي هي  ضرورية واحترازية في الوقت نفسه، من أجل صيانة المجتمع وحمايته من التعدي عليه.

 

   يستند اقتصاد السوق بالضرورة إلى فكرة دولة القانون التي  تهتم بالواجب وتحوله في الغالب إلى قاعدة قانونية ملزمة عندما يطلب أفراد المجتمع ذلك. وعليه فاقتصاد السوق يتضمن منطقا كاملا من الأخلاق. فالسوق لا يسير بشكل منظم  إلا من خلال  تنظيم قانوني والأخير لا يتحقق إلا إذا كرس الحقيقة الأخلاقية للمجتمع.  فالقاعدة القانون لا تكون ملزمة إلا إذا عبرت عما يحس بوجودها جمهور ضمائر الأفراد. وإذا كانت الأخلاق محايثة للمجتمع، والسوق نظامٌ في النسق الاجتماعي العام، فثمة علاقة وطيدة بين السوق والأخلاق، وعندها يجب أن ننظر إلى الأخلاق من خلال القانون، وننظر إلى القانون من خلال الأخلاق. هذه العلاقة تفرض نظاما اجتماعيا وسياسيا معينا وبالتالي تنظيما قانونيا معينا. فالسلطة الشرعية، والسياسة التشريعية، والقواعد القانونية الاقتصادية والتنظيمية، وقواعد الأخلاق، لا يمكن التعارض بينهما في حال نظرنا إلى جميعها كمنظومة متناسقة كل مدرك يحيل إلى الآخر. أما إذا نظرنا إلى كل مدرك كذات منفصلة وأنا متعالية، آنذاك سيظهر التعارض بين السوق والأخلاق.

آفاق المصالحة الفلسطينية.. من منظور علم الاجتماع السياسي

كتبهاعياد البطنيجي ، في 19 تموز 2011 الساعة: 21:50 م

 

 

 

 

بقلم: عياد البطنيجي

   الناشر: مجلة مدارات استراتيجية

 تاريخ النشر: السنة الثانية، العدد 9 ، مايو/ يونيو 2011

 

 

 

 

 

alt 

أخيراً، وقعت حركتا فتح وحماس على اتفاق المصالحة الذي يفترض أن ينهي الانقسام الفلسطيني الذي دام زهاء أربع سنوات، وإعادة بناء الإجماع الوطني. بَيْدَ أن التفاؤل يبقى مشوبا بحذٍر مرغوب فيه؛ لجهة المعوقات الذاتية والموضوعية التي تقف حجر عثرة أمام ديمومة هذا الاتفاق بفعل ما يضمره ممن تعترض مصالحهم استمراره. ما زال الاتفاق يقف على أرضية متموَجة، إذ يُخشى أن يكون قد جاء ليلتف على جملة من المتغيرات الداخلية والخارجية التي تعيشها الساحتان الفلسطينية والعربية، والتي دفعت حركتي فتح وحماس إلى موضعة إرادتهما من خلال تعبيرات خارجية لا تمثل مكنون الذات، وبالتالي القبول الشكلي للمصالحة دون استبطان مضامينها من خلال تموضع حقيقي لإرادة وطنية خالصة ترمي إعادة الإجماع الفلسطيني.

على الصعيد الفلسطيني، تشكل الحركة الشعبية الفلسطينية إرهاصات تشي بانبلاج حركة وطنية جديدة من خارج الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية المستهلكة والمهترئة للأسف، مما يهدد وجودها إن لم تجدد لغة الخطاب السياسي، وتستوعب الجديد، وتبث دماءً جديدةً في أوردتها.

على الصعيد العربي، أفضت الثورات العربية إلى تغيير بعض النظم العربية وخطابها السياسي، ما افقد السلطة وحكومة حماس عتلة سياسية كانا يتكئا عليها، فأمسى الرئيس الفلسطيني بدون ظهير مصري، وخشيت حكومة حماس التثبت بمواقفها فيما الأوضاع في سورية قد تمس وجود النظام، الراعي الأول لحماس.

على الصعيد الدولي، رغم وعود الرئيس الأمريكي اوباما لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بَيْدَ أنه فشل في الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان، فمن باب أولى عجزه على حل الصراع.

 إذن، كثيرةٌ هي التساؤلات الجدية والمشروعة حول الدوافع وراء إجراء اتفاق المصالحة ومفاعيله على السياسة الفلسطينية بتجلياتها المتنوعة، ومدى قدرته على إعادة بناء الإجماع الوطني، وتجديد الخطاب السياسي التحرري الذي تحول إلى خطاب فتنة وحروب أهلية، ومدي قدرته على اجتراح قيادة واستراتيجية وطنية وسلطة واحدة، وإعادة الروح للمشروع الوطني بوصفه مشروعا تحرريا. والأهم مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية لاتفاق المصالحة الاتفاق، واستعداد حركتي فتح وحماس تضمينه في مبناهما وفعلهما السياسي بما يعني بناء المرجعية المُؤَسِّسَة للفعل السياسي الديمقراطي بما يساهم في معالجات سياسية فعالة، وبالتالي معالجة انسداد الأفق السياسي. باختصار، هل يصبح العقل المرجعية العليا الناظمة للفعل السياسي الفلسطيني؟

  

مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية

 

 

 

تستدعي دراسة اتفاق المصالحة فحص مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية، وهو أمرٌ أساسي وجوهري في الوصول إلى فهم موضوعي لطبيعة الفرص والمعوقات التي تواجهه. إن التعرض لسؤال مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية ليس اعتباطيا؛ لأن هذه البنية تمثل الحاضنة للاتفاق؛ فلا يمكن أن يدوم ويحقق أغراضه دون وجود بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية باعتبارها الشروط الضرورية لاستمراره.  ومن جهة أخرى، فالصراع العضوي العنيف بين حركتي فتح وحماس الذي أنتج انقساما سياسيا وجغرافيا لهو دليل على أن ثمة عيوبا خطيرةً تمس هذه الحاضنة التي أظهرت عجزا واضحا في تذليل التناقضات السياسية والحيلولة دون وصولها إلى صراع دموي عنيف مثل الذي حصل في يونيو/حزيران 2007. يكشف هذا الصراع أن الحاضنة الاجتماعية والسياسية والدستورية عجزت عن حل هذا التناقض، فهل يمكن أن تشكل رافعة لاتفاق المصالحة؟

البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني: كشف الانقسام الفلسطيني عن ضعف اجتماعي، وأظهر أن ثمة عجزا لناحية بناء التوافق الوطني بما يعمل على ترتيب مجال الصراع السياسي. فالبنية التحتية للمجتمع الفلسطيني مازالت بنية عصبوية لم تتطور اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بما يؤهلها لتكون حاضنة لعملية تحول ديمقراطي، وتدبير العلاقات السياسية وفق مرجعية عقلانية مستنيرة.

كشفت استطلاعات الرأي الفلسطينية التي أجريت عقب الصراع والانقسام الفلسطينيين، أن العائلةالفلسطينية تأثرت بشكل واضح بهذا الانقسام والصراع الداخلي، إذ شهدت حالات طلاق ونزاع داخلي حاد بين أفراد الأسرة الواحدة، وضعف في ديناميات التواصل بين أفراد الأسرة بسبب الانتماء السياسي، الذي أصبح محددا مهما في اختيار الأزواج.

 وعلى صعيد المؤسسة التعليمة، فقد أشارت استطلاعات الرأي أن المدرسة والجامعة تأثرتا سلبا بالصراع السياسي، إذ انتقل الصراع داخل هاتين المؤسستين.

 أما على صعيد المجتمع المدني فلم تكن الحالة أفضل، إذ كشفت الأحداث مدى هشاشة منظمات المجتمع المدني ومحدودية تأثيرها، وعجزها في أن تكون فاعلا ورافعة ديمقراطية.

 وعليه، فقد كشف الصراع الفلسطيني الداخلي مدى هشاشة هذه المؤسسات، وافتقادها للحصانة الذاتية وعدم قيامها بوظائفها كما يجب. والحاصل أن البنية الاجتماعية التحتية المترهلة والمنقسمة(لاجئ/ مواطن، فلاح /مدني، حرفي/ مهني، عائد/ ابن البلد، أو داخل/ خارج، مخيم/ مدينة)، صنعت نخبا سياسية نقلت انقسامها ومخيالها التي نبتت فيها وانحدرت منها إلى البنية الفوقية السياسية.

البنية السياسية والدستورية: ثمة أزمة في البناء السياسي الفلسطيني تتعلق بترهل بنية ومفاهيم ومتغيرات النظام السياسي، وغياب الفعل السياسي المسئول والعقلاني. فالنخب السياسية مصابة بمرضِ انحسار الرؤية. كما وتشير ملامح النخب وأصولها الاجتماعية إلى فقدانها للتجانس، ما أدى إلى  ضعف في أهلية القيادة، وعجزها عن استنهاض الحالة الفلسطينية، وانشغالها بتعظيم سلطتها الحزبية. وتتسم النخب السياسية بثقافة سياسية اقصائية تسودها قيم تقليدية غير مؤازرة للسلوك الديمقراطي مثل السلطة الأبوية والنزعة إلى التفرد والمركزية في النظام، وسيادة المعتقدات الجبرية مما يكبل بناء نظام سياسي ديمقراطي. وهي نخب غير خاضعة لإطار قانوني يضبط تفاعلاتها، وتعاني من العشوائية والترهل في نظامها، وعجزها على إنشاء نظام سياسي حيوي يتناسب مع احتياجات المجتمع الفلسطيني.

وتفتقر المؤسساتية الدستورية إلى الشرعية والمشروعية(حسب القانون الأساسي الفلسطيني يفترض أن تجرى الانتخابات الفلسطينية الاشتراعية والرئاسية في 25 يناير/ كانون الثاني 2010، ولم تحصل حتى تاريخه)، وتتسم بالضعف، وعجزها عن تمثيل المجتمع، فضلا عن غياب التفاعل الديمقراطي وضعف التزامها بالنظام الأساسي في علاقاتها وتفاعلاتها. وهيمنة السلطة التنفيذية على القرار السياسي. فضلا عن غياب المأسسة، فرغم وجود هيئات ووزارات وإدارات ومجالس إلا أن صناعة القرار لم تكن تتم فيها.

أما البني الحزبية والتنظيمات السياسية، فرغم أن التعددية من ملامح وسمات النظام الحزبي الفلسطيني، بَيْدَ أن الواقع الفلسطيني يشير إلى اتجاه النظام الحزبي إلى نظام ثنائي الحزبية. فثمة هيمنة شبه كاملة على المجال السياسي من قِبل حركتي حماس وفتح، وهما الأدوات الأبرز للتمثيل السياسي، مقابل ضعف فاعلية الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى.  ومن خلال معايشتنا للحياة السياسية الفلسطينية والوضع الحزبي الفلسطيني، تبين أن ثمة شرخا عميقا في الوعي وسيكولوجيا عناصر التنظيمات الفلسطينية، حيث الثقة معدومة، وتحكمها عقلية الهيمنة والإقصاء ونفي المختلف معها. فأي نقاش بين عناصر التنظيمات السياسية، إن حصل ذلك، تشعر وكأن ثمة حقدا دفينا راسخا ومتغلغلا في أعماق نفوسهم، حتى يستحيل معه أن تجد صداقة بين شخصين ينتميان إلى تنظيمين مختلفين، وذلك دلالة على أن شبكة الصداقة والاتصالات الشخصية معدومة بينها. وحتى على مستوى البنية الفوقية أو النخب والتنظيمات السياسية فهي تفتقر إلى اللغة المشتركة، وغياب التفاعل أو وشبكة الاتصالات الشخصية،  والإحساس المتبادل بالثقة شبه معدوم، وفي أدنى مراتبه من حيث القوة والعمق والعلائق التواصلية. وتبقى العلاقات بين النخب مبنية على أسس وغايات ذرائعية محضة يحكمها درجة عالية من الشك والضغينة والريبة.

 وعند تشخيص سلوك النخب أثناء الممارسة البرلمانية للمجلس التشريعي الثاني، يتبين حدة الخلافات بين الأعضاء(خاصة بين أعضاء فتح وحماس)، وتكرار مقاطعة جلسات البرلمان لعشرات المرات. وكانت النتيجة شللا تاما في الحياة البرلمانية الفلسطينية. وبعد الاعتقالات التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي لنواب حماس في المجلس التشريعي، رفضت حماس حضور الجلسات البرلمانية بحجة أن كتلة فتح البرلمانية يمكن أن تستغل غياب النواب من كتلة حماس في إقرار تشريعات تخدم مصالحها، في دلالة واضحة على عدم الثقة بين أعضاء المجلس الذي يعكس غياب التجانس والإجماع والتوافق الوطني. وعليه، وقع المجلس التشريعي، الذي يعكس كافة ألوان الطيف السياسي الفلسطيني في فخ التجاذبات السياسية، وافتقر إلى روح الفريق، وحاولت الكتل الرئيسية في المجلس خاصة كتلة حماس وكتلة فتح انجاز أجنداتهما الخاصتين على حساب الأجندة الوطنية وقواعد التعاون الداخلي لانجاز المهام المنوطة به. هذا فضلا عن  حالة التوتر والمناكفة التي حكمت العلاقة بين المجلس التشريعي، الذي تهيمن عليه كتلة حركة حماس، والرئاسة. يتبين من ذلك أن رأس المال السياسي ضعيف في الحالة الفلسطيني، في الوقت الذي يمثل ضرورة لا غنى عنها لبناء الإجماع الوطني، وإعادة تصحيح مسار النظام سياسي بوصفه نظام حركة تحرر وطني.

أمام هذه الصورة البانورامية للمشهد الفلسطيني، والتي تكشف عن ضعفٍ خطير في المبنى الاجتماعي والسياسي والقانوني، فإن مقولة إن اتفاق المصالحة لا يعكس إرادة وطنية عند حركتي فتح وحماس، وإنما جاء بفعل عوامل خارجية من جراء التغير الجذري الحاصل في المحيط العربي بفضل استعادة الساحات العربية ديناميتها، فإن المشهد الفلسطيني الراهن، الذي بينا ملامحه، يؤكد هذه المقولة. وبالتالي يظل التفاؤل مشوبا بالحذر.

وعليه، فإن الانتقال من مرحلة الضعف هذه تستدعي توافر الوعي بجدل التطور والتقييم الاستراتيجي للتحولات التي طرأت على المشهد العربي والفلسطيني. فالوضعية الفلسطينية منذ الانقسام حتى تاريخه أضرت بالقضية الفلسطينية. كما أن لا المفاوضات ولا المقاومة استطاعتا أن تقدم ما يتأمله كل فلسطيني. فبندقية المقاومة تحولت إلى قاطعة طريق، والمفاوضات تحولت إلى  فعل عبثي أمام تعنت إسرائيل وضعف الجانب العربي ومحاباة الولايات المتحدة لإسرائيل. كما أن السيطرة المنفرد على قطاع غزة من قبل حماس أرهق الأخيرة وحولها من حركة مقاومة إلى جهاز خدماتي، مما ألب عليها الكثيرون من داخل الحركة. فاتفاق المصالحة يشكل طوق نجاة لإخراجها من المأزق الذي وضعت نفسها فيه، مع حفظ ماء وجهها. كما أن المجتمع بدأ بالتململ من سيطرة حماس الانفرادية التي أظهرت نواياها في الأسلمة من خلال المقاومة حسب مخيالها وتصوراتها وفهمها الديني الذي تحاول أن تفرضه على المجتمع. فقد تبين أن لحماس مشروعا للهندسة الاجتماعية ما أثار حفيظة الكثيرين، مثل فرضها على المتاجر التي تبيع الملابس الداخلية للنساء، إزالة دمى العرض، وأية ملصقات لملابس داخلية غير محتشمة، كما حظرت على مصففي الشعر الذكور العمل في صالونات الحلاقة التي ترتادها النساء، بالإضافة إلى تأنيث المدارس، وفرض الحجاب على المحاميات الخ. وبالتالي فإن ادعاءات حركة حماس في الدخول إلى السلطة سقطت: فلا قاومت ولا حافظت على المقاومة، وقمعت المقاومين من التنظيمات الأخرى، ولا استطاعت أن تجمع بين المقاومة والحوكمة. وهكذا وضعت الحركة الحكم فوق المقاومة وفوق الإسلام، مما أظهرها وكأنها تنتحل المقاومة والإسلام.

   

خصوصية التحليل في ضوء سوسيولوجيا الانتفاضة

 

 

 

الصورة التي رسمنا ملامحها لا تعني أبدا إطلاق صفة جوهرانية على المجتمع الفلسطيني، أي أنه مجتمعٌ عصي عن التغير والتحول، وبالتالي التشاؤم من قدرة اتفاق المصالحة على الديمومة والاستمرار، وإنما  قراءته ضمن خصوصيته أي في ضوء سوسيولوجيا الانتفاضة.

فثمة صعوبة في التحكم بالمجتمع الفلسطيني من قبل الحزب الواحد؛ فمجتمع الانتفاضة من سماته التعددية، وبالتالي إن احتكار الفعل السياسي من جهة معينة لن يؤدي إلا إلى أفقٍ مسدود. كما أن من سمات مجتمع الانتفاضة أيضا أنه مجتمع انتقالي فهو في صيرورة دائمة وتغير مستمر بفعل القوى الداخلية والخارجية. ومن هنا فإن ضعف الإمكانات والبنى الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تسم مجتمع الانتفاضة، وإرهاقها بثقل التبعية للآخر، والوضعية الانتقالية وفقا لتقلبات الظروف والمستجدات الزمانية، كل ذلك يحول دون القدرة على التحليل الاجتماعي السياسي العلمي بالاعتماد على مقاربات تفسيرية مألوفة وناجزة. وبالتالي يصعب التنبؤ بوضعية مجتمع الانتفاضة؛ لأن من سماته كما ذكرنا التحول والتبدل، ويكفي كدليل على ذلك الإشارة إلى التحول في لغة الخطاب السياسي لحركة حماس التي قبلت بحل الدولتين على حدود 1967 بعد أن كانت تطالب بتحرير كل فلسطين، وهو ما يعنى تقارب في الإستراتيجية بين فتح وحماس بعدما كان الشرخ الاستراتيجي عميقا بينهما.

وبالتالي فتوقع مآل اتفاق المصالحة يجب أن يبقى حذراً في ظل مجتمع الانتفاضة، لأن سماته تفرض على المحلل محاذير عدة من بينها الابتعاد عن الأحكام الحاسمة؛ لأنه مجتمع متحرك ومتبدل وفي حالة صيرورة مستمرة يصعب تأطيره في مقاربات ناجزة.

في ضوء ذلك كله، لابد من معالجة موضوع اتفاق المصالحة من كل جوانبه المتداخلة والمتشابكة بين كافة أبعادة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. والحاصل أن الاتفاق تغاضى عن تحديد الموقف من الإستراتيجية الفلسطينية، والمرجعية المؤطرة للفعل السياسي. فالحكومة الانتقالية هي لمدة عام فقط كي تمهد للانتخابات المقبلة، وبالتالي لم يحسم موضوع ماذا لو فشل خيار التفاوض في استجلاب الدولة الفلسطينية؟ كما أن الرئيس الفلسطيني له موقف تكتيكي من المصالحة، وهو استدراج حركة حماس إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والحصول على توافق وطني في الذهاب إلى الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة في أيلول المقبل. وثمة مشكلة أخرى تتعلق بالملف الأمني، أي باستيعاب عناصر الأمن الذين استحدثتهم  حكومة حماس في الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى سلاح التنظيمات الفلسطينية الخارج عن المؤسسة الأمنية الرسمية. فموقف حماس من هذه القضية هو رفض إعادة الأجهزة الأمنية إلى ما كانت عليه تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. وعليه ما يزال هناك عدم وضوح في اتفاق المصالحة وتخوفات لم تحسم بعد. 

كل ذلك يجعل آفاق اتفاق المصالحة مفتوحا على سيناريوهات عديدة، ومعلقا في نجاحه أو في فشلة على جملة من المتغيرات أو السيناريوهات وهي:

السيناريو الأول، وهو التكامل: تحقيق الإجماع الوطني. الاتفاق على الهدف والاستراتيجية الوطنية. بناء المرجعية المُؤَسِّسَة والمُؤَطرة للفعل السياسي الديمقراطي. إعادة تعريف النظام السياسي الفلسطيني بوصفه نظام حركة تحرر وطني، وإعادة بناء متغيراته وفق أسس وطنية وديمقراطية. تشكيل قيادة وطنية تكون حاملة للمشروع الوطني الفلسطيني، وقبل ذلك إصلاح مؤسسة القيادة. إذا كان اتفاق المصالحة يروم إلى تحقيق ذلك فإن مصيره النجاح والاستمرار. وفي حال فشل الفلسطينيون في انتزاع اعتراف بالدولة من الأمم المتحدة، أو عجزوا عن تحقيق اختراق سياسي في المفاوضات، فإن هذا السيناريو يشكل حاضنة لاجتراح بدائل أخرى ناجعة. وكذل الحال عند إجراء الانتخابات الفلسطينية المقبلة فلا مشكلة فيمن ينجح ويتبوأ النظام السياسي، طالما أن هناك ثوابت ومرجعية وطنية عليا مؤطرة للفعل السياسي.

السيناريو الثاني، وهو الصراع: أي أن يفشل الاتفاق والإرادة الوطنية في تحقيق السيناريو الأول، إذ يكون الهدف هنا من اتفاق المصالحة هو من أجل الانتخابات المقبلة. وقد جرب الفلسطينيون الانتخابات قبل تحقيق التكامل والإجماع الوطني وكان نتيجة ذلك هو إقحام المجتمع الفلسطيني في دوامة العنف السياسي.

السيناريو الثالث، وهو المراوحة في المكان: أي أن يبقى الوضع الفلسطيني على ما هو عليه، مع غياب العوامل الضاغطة الداخلية والخارجية. وأن المصالحة لا تشكل طوق نجاه.  وهنا قد يحدث تقسيم وظيفي بين حكومتي رام الله وغزة، بحيث تبقى الأولى مسيطرة على الضفة الغربية، والثانية على قطاع غزة، ويكون دور وزير الداخلية في الحكومة الانتقالية التنسيق بين حكومة الضفة وحكومة غزة، وبالتالي بقاء الأجهزة الأمنية في الضفة وفي غزة كما هي. وبالتالي عدم حدوث اختراق في الوضع الفلسطيني الداخلي.  واقعيا يبدو أن كفة هذا السيناريو هي الأرجح. ويبقى الرهان على استعادة القوى المجتمعية، وبخاصة قطاعات الشباب الفلسطيني، ديناميتهما لناحية الضغط ودفع القوتين، فتح وحماس، إلى تضمين اتفاق المصالحة في الفعل السياسي للحركتين.

في تـفسير التدخل الإيراني في دول الخليج

 

بقلم:  عياد البطنيجي

 

 

الناشر: مجلة آراء في الخليج، العدد 82.

 


alt



تاريخ النشر: يوليو، 2011

 كثيرةٌ هي الروابط بين إيران ودول الخليج، بَيْدَ أن العلاقة بين الجانبين يغلب عليها الصراع الذي أصبح العنصر الحاكم في إدارة العلاقات بينهما منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية. ويروم المقال إلى تفسير التدخل الإيراني في دول الخليج، من خلال تناوله المتغيرات المفسرة للطبيعة المعقدة والمتداخلة لسياسة التدخل الإيراني، التي تعكس صراعاً سياسياً مستعراً بين الجانبين.

 يشير هذا الصراع إلى عدم التوافق، فالطرفان مضطران عن علم إلى تبني مواقف مستقبلية تنافسية غير متوافقة مع المصالح المدركة للطرف الثاني، ولأن ظاهرة الصراع السياسي الإيراني- الخليجي بالغة التعقيد تتداخل فيها متغيرات عديدة، فإن المقاربات التفسيرية تتصف بالتعدد والثراء. ولذلك، سوف نركز على العوامل الأكثر تفسيرية لظاهرة التدخل الإيراني. وفي ضوء ذلك، هناك مستويان لتفسير هذا التدخل: الأول يتعلق بالتركيب السياسي الوطني لإيران. والثاني يتعلق بهيكل النظام الإقليمي والدولي.

 العلاقة بين الدولة والمجتمع

  نشأت مؤسسات النظام الإيراني وتشكلت على شرعية وعدها بتحقيق نظام إسلامي يجمع بين الديمقراطية والإسلام، وجعل هذه المؤسسات والهيئات أدوات وآليات مناسبة لتنفيذ أحكام الإسلام الشيعي المهدوي. وهكذا، تشكلت مؤسسات وهيئات النظام والمرافق العامة ضمن صياغتين: الجمهورية والإسلام بدأتا متناسقتين، ومع صيرورة النظام بدا هذا التناسق يواجه صعوبات أفضت إلى جعل ديمومته أمراً في غاية الصعوبة. إذ أفضت هذه الصياغة الملفقة إلى حصر السلطة في ولاية الفقيه ممثلة في القيادة الدينية واحتكارها تسيير دفة الأمور، وتحديد التوجهات والسياسات، فضلاً عن تكريس أنماط معينة من ممارسة السلطة التي تستند إلى قاعدة اجتماعية حيث القيمة العليا للمبادئ والتعاليم الدينية، ما أدى إلى ابتلاع الدولة المجتمع، ومعضلات بنيوية متأصلة في النظام، فضلاً عن تكلس الدولة وشرايين المجتمع. وما التوترات التي تمر بها إيران بين الحين والآخر إلا دليل على هذا التوتر البنيوي والتناقض المتأصل بين الدولة والمجتمع. فلا تزال معضلة تحويل ولاية الفقيه إلى ولاية الأمة تمثل المكون البنيوي المُؤسس لهذه الأزمة المركبة. فالدولة هنا تستند إلى جانب واحد وهو السلطة، من دون جانب الأمة، فأصبح الولي الفقيه كأنه معين من قبل الله، فتجاوزت صلاحياته كل حدود، فلا يحق للأمة أن تنتقده أو تعصي أوامره أو تخلع طاعته. كل ذلك في عصر الديمقراطية والحداثة السياسية المستندة إلى إطار مرجعي وفلسفي يقوم على النسبية المعرفية، وثورتي الميديا والاتصالات، وهو ما جعل هذه الصياغة كأنها تعمل ضد منطق العصر وصيرورة التاريخ في الوجود المتجه صوب العقل والحرية.

 

وتفضي هذه التركيبة المعقدة إلى حالة دائمة من التوتر بين الدولة والمجتمع تتخللها حالة من الانقسامات السياسية العميقة. لذا تلجأ الطبقة الحاكمة إلى تفريغ حالة التوتر وتصديرها إلى خارج حدودها حتى تحافظ على كيانها وألا يرتد هذا التوتر إلى تدمير ذاتي يؤدي إلى انهيار النظام الحاكم الذي يستند إلى أيديولوجية ولاية الفقيه.

  وتشير استطلاعات الرأي التي قامت بها جهات رسمية إيرانية عام 2002 إلى أن من بين 16.274 شخصاً طلب منهم الاختبار بين (دعم الوضع الراهن أو تصحيحه أو إجراء تغيير أساسي جذري)، صوت 11 في المائة لصالح بقاء الوضع كما هو، وصوت 66 في المائة لصالح تصحيح هذا الوضع، في حين رأى 23 في المائة ضرورة إجراء تغيير أساسي وجذري، و48 في المائة قالوا (لا) عندما سئلوا (هل يمكن أن ينتقد المواطن الإيراني النظام الحالي من دون الشعور بالخوف والرعب والتهديد؟).

وفي استطلاع آخر عام 2002 وجد أن 74 في المائة من الإيرانيين يفضلون استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة، و46 في المائة يرون أن السياسة الأمريكية تجاه إيران كانت (صحيحة إلى حد ما).

وأجرت بعض المراكز في لوس أنغلوس العديد من الدراسات التي تشير إلى نسبة الإيرانيين الذين يفضلون النظام الإيراني الحالي لا تتجاوز 25  في المائة.

 وفي ضوء ذلك، يتبين أن إيران تعيش مخاضاً سياسياً كبيراً يمس علاقة الدولة بالمجتمع، وأن الدولة لا تعتبر تمثيلاً أميناً عن المجتمع. إذاً تمر علاقة الدولة والمجتمع بتحولات كبيرة تكاد تكون جذرية تمس مستقبل نظام القيم.

  وهكذا تصبح مسألة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول الخليج مسألة بنيوية وليست عرضيةً. بعبارة أخرى، إن إيران بحاجة مستمرة إلى توتير علاقاتها مع الخارج، لأن ذلك يقوم بوظيفة اجتماعية ايجابية إذ يؤدي إلى توحيد الجماعة الوطنية، ويساهم في تماسك أفراد المجتمع وبخاصة كلما توترت العلاقة بين المجتمع والدولة. وثمة مقولة شهيرة في علم الاجتماع السياسي، وهي أن الحكومات تؤجج مشاعر العداء تجاه الخارجي، وتلجأ إلى المغامرات الخارجية كمتنفس لها لامتصاص حالة تمزق داخلي ناتج عن حرمان وتضييق من جراء عيوب في الجهاز الحكومي وعجزه عن القيام بوظائفه.

 

 إذاً هناك علاقة بين النظام السياسي الإيراني الذي يستند إلى شرعية أيديولوجيا ولاية الفقيه، والتدخل في دول الخليج. فتركيبة النظام الحالي وأيديولوجيته تفضيان إلى علاقة غير صحية بين المجتمع والدولة، مما تمسي معه مسألة توتير علاقة إيران مع الخارج مسألة وجودية وضرورية في آن لبقاء النظام واستمراره، وتنمية الوعي القومي وترسيخه بغية تحقيق التماسك الداخلي، فضلاً عن إشعار المواطن بأنه مهدد.

 

الإطار الدستور

 

يحدد الدستور الإيراني الفلسفة السياسة للنظام السياسي في الدولة، وهو أمر بالغ الأهمية، لاسيما في ما يتعلق بتحديد المجال الخارجي للسلطة السياسية من خلال فرض التزام العمل به من قبل السلطة المختصة. وتصبح أيديولوجية ولاية الفقيه التي تشكل الإطار المرجعي للدستور ملزمة لنشاط السلطات ومخالفتها تشكل انتهاكاً لنصوص الدستور وروحه (ولاية الفقيه).

 ويطفح الدستور الإيراني بالنصوص التوسعية التي تجيز التدخل في شؤون الغير: (الدفاع عن حقوق جميع المسلمين(…) وتبادل العلاقات السلمية مع الدول غير المحاربة)، وهذا بدوره يعطي السياسة الخارجية الشرعية الدستورية للتدخل في الدول الأخرى، كما أن عبارة (الدول غير المحاربة) عبارة غامضة ومطاطة تتسع دلالاتها، حيث يمكن اعتبار كل دولة تختلف مع إيران دولاً محاربة، مما يستدعي أخذ التدابير المناسبة لمواجهتها. (إقامة حكومة الحق والعدل حقاً لجميع الناس)، ويعني هذا أن الحكومة الإيرانية هي القائمة على الحق والعدل وهي الأجدر والأحق بالاتباع، ولو ربطنا هذا المعنى بالمادة (152) يتضح لنا البعد التوسعي، لأن أية حكومة لا تقام على شاكلتها يعني أنها ليست حكومة حق وعدل، أي أنها حكومة ظالمة تقهر المستضعفين ما يستدعي تدخل إيران للدفاع عنهم حسب المادة (154) التي تنص على (دعم النضال المشروع ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم). ولطالما أشارت إيران إلى فساد أنظمة الحكم الملكية في الخليج، ومطالبتها في فترات التوتر والصدام مع السعودية بأن يكون الإشراف على المقدسات الإسلامية ممثلين عن الأمة الإسلامية (أي في يد إيران). وهذا ما ذهب إليه محمد جواد لاريجاني في نظريته (أم القرى) الذي يروم جعل إيران دولة أم القرى وبالتالي تمثيل دار الإسلام وتصبح والحالة هذه مركز العالم الإسلامي وتوحيد جميع المسلمين تحت الراية الإيرانية.

 ويتبين مما سبق الشخصية الحقيقية لنظام الجمهورية الإسلامية التي تقوم على أيديولوجية ذات صبغة دينية إسلامية شيعية مهدوية تمزج التوجهات والطموحات التاريخية والسياسية والجغرافية مع المبادئ الأممية التي تقوم عليها ولاية الفقيه، بغية تجديد دور حضاري عالمي.

كما أن التدخل الإيراني في شؤون دول الخليج مؤطر في الدستور وحق شرعي للسلطة التي تناط بإدارة الشؤون الخارجية، وإلا تصبح مقصرة في واجباتها الدستورية تستحق الجزاء والعقاب.

وأرى أن هذا البعد التوسعي الأممي لنشاط السياسة الخارجية الإيرانية وتدخلها هنا وهناك، يروم بادئ ذي بدء إلى بناء إيران الدولة المعاصرة القوية غير المسودة المالكة زمام أمورها، من خلال امتلاك أدوات القوة من علم وتكنولوجيا وصناعة بغية تحقيق الهيبة والمكانة. ولذلك فإن التدخل والتوسع وتحقيق الهيبة وامتلاك ناصية القوة ترمي أولاً إلى تأمين وتوفير القدرات والطاقات والإمكانات اللازمة لتقوية إيران الدولة الوطنية، والدفاع عنها من الأخطار والتهديدات التي تحاك ضدها. وهذا يدفعنا إلى تحليل السياسة الخارجية الإيرانية من خلال ممارستها الواقعية وليس من خلال تحليل المقولات الأيديولوجية فحسب. لأن في الممارسة كثير ما ظهر التناقض بين السلوك والالتزام الأيديولوجي، وهو دليل على البراغماتية الإيرانية.

 المخيال السياسي

 المخيال السياسي الإيراني هو مجموعة الأفكار والأحداث والتصورات والقيم والصور النمطية التي تؤثر في التفكير والسلوك السياسيين لإيران والتي تتسم بالشيوع والثبات النسبي، وتقر تفضيلات واتجاهات وأساليب تعاملها مع العرب وبخاصة عرب الخليج. فالأدب والشعر والأمثال الشعبية والحكايات الشفهية مملوءة بالصور القومية النمطية السلبية والعدائية التي يحملها المخيال الفارسي الشيعي عن العرب، مما ولد استعدادات نفسية واجتماعية ورؤى ومشاعر سلبية تجاه عرب الخليج بخاصة. كثيرة هي المقولات العنصرية التي يرددها الإيرانيون في حق العرب. هذا المخيال السياسي يموضع الجماعة (إيران) ويرسخها في تاريخ ذي معنى محدد وذي خصوصية مزود بكثافة سيكولوجية ضخمة، كما يموضع هذا المخيال أيضاً السلوك السياسي الإيراني في إطار ممارسات مملوءة بالنظرة الشيفونية والاستعلائية تجاه دول الخليج. ومن يحمل هذا المخيال الاستعلائي تجاه دول الخليج لا يعير مفهوم السيادة الخليجية أي اهتمام.

 المجال الحيوي

 المجال الحيوي الإيراني هو ذلك الفضاء الممتد الذي ترى فيه إيران مجالاً لممارسة نفوذها بحرية شبه كاملة بغية الهيمنة والسيطرة، حيث إن المجال الحيوي لإيران غير محدد، فالتاريخ السياسي والواقع الحاضر لإيران يشيران إلى نمط سياسي توسعي يحكم سلوكها الخارجي. كما أن الواقع الحالي أيضاً يشير إلى تمدد إيران خارج حدودها. غير أن الخليج يشكل مجالاً حيوياً لإيران ذا أهمية قصوى تفوق أهميته أي مجال جيوسياسي آخر. فالمصالح الحيوية الإيرانية في الخليج تؤثر في الأمن والراحة العامة واستقرار نظامها السياسي. لذا فإن تحقيق مصالحها هنا يحظى بالأهمية القصوى لضمان أمنها.

 وهكذا تشكل الجغرافيا السياسية لإيران عاملاً أساسياً في تدخلها في دول الخليج، لكون هذه الجغرافيا تقع ضمن نسق المصالح العليا لإيران في إطار المنافسة العالمية في مجالات النفط والأسواق والطاقة والمكانة والنفوذ، فضلاً عن كونها مركز جذب القوى العظمى. ومن هنا تهتم إيران على وجه الخصوص بتحديد مجالها الحيوي وتوسيعه كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، حتى تمسي القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة بلا منازع.

 

كما يلاحظ أن الحدود بين إيران ودول الجيران غير مستقرة، فمثلاً لا تزال إيران تدعي ملكيتها للبحرين، وزعمها بملكية الجزر الإماراتية الثلاث، ومشكلاتها الحدودية مع العراق. وإيران تتميز بكثافة سكانية، ومساحة شاسعة، وتكوين سياسي عريق وراسخ، وأمة قوية ترفض اندماج البلاد كأمة مسودة داخل النظام العالمي، وحراك اجتماعي وسياسي داخلي، ونضج في التكوين الاجتماعي، مقابل دول الخليج حيث الندرة السكانية، وعدم رسوخ الوعي بالدولة، وفقر في التكوين السياسي والاجتماعي. كل ذلك يفسر الحضور المتميز لإيران في الخليج، حيث ينظر إليها معظم جيرانها على أنها مصدر تهديد. فدول الخليج تفتقد القوة البشرية باستثناء المملكة العربية السعودية اللازمة للانخراط بنجاح في مواجهة إيران. واختلال التوازن في الخليج لصالح إيران يدفعها إلى التدخل في هذه الدول متى اقتضت مصلحتها ذلك.

 الفراغ العربي

 في المجال السياسي يعني الفراغ الخواء، أي أن هناك منطقةً فارغةً وغير فاعلٍة، لعدم وجود قوة سياسية وعسكرية فاعلة وقوية تحمل رؤيةً ومشروعاً سياسياً، الأمر الذي يجعل دولاً أخرى تتدخل في شؤونها أو احتلالها إن رأت مصلحتها تقتضي ذلك. وإيران تستلهم مفهوم الفراغ في سياستها الخارجية حيال دول الخليج التي تفتقد القوة الموازية لإيران، وضعف القدرة في التأثير على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط عامة والخليج خاصة، وهو ما يجعل دول الخليج مكشوفةً سياسياً وعسكرياً وجيواستراتيجياً. وبالتالي غياب الحصانة والمناعة عنها، وهو بدوره يدفعها إلى الارتهان للخارج بحثاً عن الحماية والأمان. ومن هنا فإنه من المشروع الحديث عن الفراغ كمقولة تفسيرية للسياسة الإيرانية التدخلية في دول الخليج، إذ ترى إيران أن لها دوراً محورياً في ملء الفراغ العربي الخليجي.

 إيران والنظام الدولي

 

تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من إيجاد نفوذٍ سياسي وعسكري في الشرق والجنوب والشمال وبعض مناطق الجبهة الغربية لإيران في كل من أفغانستان والمحيط الهندي وجمهوريات آسيا الوسطى والخليج وتركيا والعراق، وبالتالي إحكام الحصار حول إيران، وفق طوق أمني وسياسي وعسكري بغية عزلها وإبعادها عن أي ترتيبات في محيطها الإقليمي. كما ما انفكت دول الجوار تقابل سياسة إيران بنظرة من الشك والريبة، حيث تواجه إيران 15 دولة جوار يغلب علي تفاعلاتها معها سمة التوتر.

 

بناء على ذلك، تعيش إيران بحق معضلة الأمن، أي إحساسها العميق بأنها مهددة، وأن نظامها السياسي الثيوقراطي غير مرغوب فيه، ويمر بأزمة أنطولوجية (وجودية) تؤثر سلباً على استمراره وديمومته في ظل مجال حضاري كوسموبولتاني (عالمي) وفضاء معلوماتي مفتوح. ولذلك فهي تعيش وضعية اللاانسجام مع مجالها الموضوعي، وما يرتبه ذلك من توترات سيكولوجية عند الطبقة السياسية الحاكمة والخشية من نيات السلوك المستقبلي المحتمل للدول الإقليمية والكبرى وبخاصة الولايات المتحدة، وهو ما يدفعها في اتجاه وضعية الدفاع الذاتي متى كان المجال الموضوعي ضاغطاً عليها، وهجومياً متى سنحت الفرصة لذلك.

 

وعموماً، فإن علاقة إيران بدول الخليج تتأثر دائماً بالعلاقات الأمريكية – الإيرانية. وكلما تأزمت الأخيرة انعكس ذلك على علاقة إيران بالدول الخليج. ولذلك فإن مسار العلاقات الأمريكية – الإيرانية يفسر التدخل الإيراني في دول الخليج، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة وإيران تعتبران فاعلين محوريين في تفاعلات النظام الخليجي. وتنظر إيران إلى نفسها باعتبارها قوة إقليمية بازغة تعارض النظام الدولي (الظالم) وهي تعتقد أن لها رسالة تتجاوز إطارها القطري لتشمل كل مجالها الحيوي وفي العمق منه الجغرافيا الخليجية.

   البرنامج النووي الإيراني والورقة الخليجية

 بسبب الصراع الأمريكي- الإيراني على الملف النووي الإيراني، فإن الطرفين يستعملان الورقة الخليجية في صراعهما هذا. فمن جانب واشنطن توظف ورقة الخليج كورقة ضغط في أزمة البرنامج النووي الإيراني، ويزداد تدخل إيران في الخليج كلما تصاعد توترها مع واشنطن. وتطوير إيران لبرنامجها النووي يعد أحد مسببات الصراع الإيراني- الخليجي، لأنه يضاعف اختلال ميزان القوى لصالح إيران. فالموقف الخليجي يؤمن بمبدأ وجوب منع إيران من امتلاك القدرات النووية العسكرية الذي سيجعل منها الضحية المحتملة للضغوط السياسية والعسكرية من جانب طهران وواشنطن معاً. وهكذا تلجأ إيران إلى سياسة الترغيب والترهيب لتحييد الدور الخليجي من الملف النووي المنحاز بموقفه إلى واشنطن بضرورة عدم امتلاك إيران للقدرات العسكرية النووية. فمثلاً أظهرت إيران القوة والحزم من خلال التصريحات الإيرانية بضرب دول الخليج إن شنت واشنطن حرباً ضدها. وهو يعتبر تدخلاً سافراً.

 الخلاصة

 حاولنا في هذا التحليل دراسة المتغيرات الاجتماعية بالإضافة إلى المتغيرات السياسية والدولية، الأكثر مقدرة تفسيرية للتدخل الإيراني في دول الخليج. ولم نحصر تحليلنا في الجانب السياسي فحسب الذي يركز على المتغيرات السياسية لسياسة التدخل الإيراني فقط، بل تم التركيز أيضاً على التكوين الاجتماعي من خلال مدخل المجتمع والدولة وإن كان باقتضاب شديد، بالإضافة إلى تكوين الطبقة السياسية والأيديولوجية الحاكمة، والمخيال السياسي، وجدلية السياق الوطني الإيراني بالنظام الدولي والإقليمي. كل ذلك عوامل دافعة للسلوك الإيراني التدخلي في دول الخليج. وإن تم التركيز على الجانب الإيراني موضوع المقال، فنحن لا نعفي العرب من تحمل بعض المسؤولية عن ذلك. كما أننا لا نجرم إيران على طول الخط كما يفعل البعض من خلال وسم الشخصية الإيرانية بسمة جوهرانية لا تستقيم مع التحليل العلمي. فكلا الجانبين(العرب وإيران) يحمل صورة نمطية سلبية تجاه الآخر، وهي إشكالية ثقافية وسياسية واجتماعية لها جذور تاريخية عميقة، وجزء كبير منها يعود إلى غياب التواصل الطبيعي بين الجانبين. إن تكثيف الاتصال بين الجانبين على مستوى البنية التحتية(أي الاقتصادية) والبنية الفوقية(أي الثقافة والسياسة) كفيل بتغيير وتذليل كل الصور النمطية التي يحملها كل طرفٍ عن الآخر.

 

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية