التحول نحو الجمهورية: قراءة في سوسيولوجيا الأزمة الإيرانية

 

 

 

بقلم: عياد البطنيجي

 

 

تاريخ النشر: مارس، 2011

 

الناشر:  مجلة أراء حول الخليج، مجلة  شهرية تصدر عن مركز الخليج للأبحاث، العدد 78، مارس ، 2011.

 

 

لا يزال السجال محتدماً داخل النظام السياسي الإيراني، وفي أوساط نخبته السياسية، إثر فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية. فقد أدخلت الانتخابات التي جرت في 9 يونيو 2009 البلاد في أزمة هيكلية حادة من أشد الأزمات التي شهدتها إيران منذ ثورة 1979. وبدأت الأزمة كأنها احتجاج على نتائج الانتخابات التي أُعتقد أنها مزورة، وانصب مطلبها في البداية على رفض نتائج الانتخابات، ما لبثت أن تحولت إلى حركة شاملة أخذت في التطور والامتداد، وتطالب بإصلاح شامل، حتى مسّت مفاعيلها أسس النظام وبنيته، وأمست كاشفة لمجمل احتياجات المجتمع الإيراني، فهي تشكل لائحة مطالب ضرورية وتقريراً كاملاً يكشف عن تحولات في شرائح المجتمع الإيراني، وعن فصل جديد تمثل هذه الأزمة مقدمته.

رغم اختلاف المراقبين في وصفهم لما يجري في إيران: أزمة أم انتفاضة أم حركة اجتماعية أم ثورة، إلا أنهم متفقون على أن أسبابها ليست عرضية بل بنيوية، وكذلك مفاعيلها.

فواقع المشهد السياسي في إيران يشير إلى حراك اجتماعي غير مسبوق على الإطلاق منذ ظهور الجمهورية الإسلامية، وهي حالة ربما تشهد في المرحلة المقبلة صراعات سياسية أشد سخونة مما هي عليه الآن، قد تضع مستقبل الجمهورية الإسلامية أمام خيارات صعبة وغير مسبوقة. فالمعارضة الإيرانية كشفت عن عمق التناقضات المجتمعية الكامنة التي دفعت بها الانتخابات الأخيرة إلى السطح، فغدت بينة وواضحة، واستعادت عوامل مجتمعية وسياسية واقتصادية ليس من أجل التصدّي لعملية التزوير التي طالت الانتخابات الرئاسية فحسب، بل لكي تظهر حقيقة التآكل في النظام السياسي وتركيبته، فهي تجلّ لمفاعيل أزمات عديدة ومتداخلة تراكمت منذ عقود لم يستطع النظام بتركيبته وفلسفته السياسية القائمة معالجتها لأسباب عديدة منها داخلية وأخرى خارجية. فهناك انقسام في بنية المجتمع الإيراني ونخبته السياسية والثقافية، لذا فهي أزمة ممتدة.

وتستعرض هذه الدراسة الواقع السوسيوسياسي للأزمة الحالية وتداعياتها المحتملة ومفاعيلها على النظام السياسي الإيراني، وتنطلق من تساؤل رئيسي مفاده: هل ما يشهده الواقع السياسي في إيران يشكل بداية تغيير في النظام السياسي الإيراني والتحول نحو الجمهورية؟

إن الانتقال نحو النظام الجمهوري، بدلاً من حالة الازدواجية التي تكتسي النظام الإيراني، لابد بداية من خطوة ضرورية لذلك هي اعتلال النظام وتقويض بنيانه، من دون ذلك يصعب الحديث عن تدشين نظام جمهوري ديمقراطي محض في إيران، وحسم مسألة الازدواجية النظامية التي تجسد حالة تلفيق بين الديمقراطية والثيوقراطية.

ويستعرض غرايم جيل في كتابه (ديناميات السيرورة الديمقراطية والمجتمع المدني)، عوامل أربعة تكون حاسمة في كثير من حالات تغيير النظم. وهي: الأزمة الاقتصادية، التعبئة السياسية، الضغط الدولي وتفكك النظام.

 

 أولاً: الاقتصاد السياسي لإيران

 

1- تحديات الاقتصاد الإيراني بين لا عقلانية الملالي وهيمنة الحرس الثوري:

 

تعاني إيران منذ سنوات من صعوبات اقتصادية كبيرة، فاقتصادها لا يزال يعتمد في الأساس على النفط وغلبة الطابع شبه الريعي على اقتصادها، ما يجعله عرضه لعدم استقرار حسب تقلبات السوق العالمي للنفط. فمعدل نموها الاقتصادي 2.6 في المائة عام 2009، ومعدل البطالة 11.8 في المائة، وعدد السكان تحت خط الفقر 18 في المائة، ومعدل تضخم 16.8 في المائة، ومعدل النمو السكاني 1.3 في المائة عام 2009. ورغم هذه الصعوبات الاقتصادية التي تكشفها هذه البيانات، نجد أن إيران منخرطة بالسياسة الإقليمية والدولية مما يزيد من الأعباء المالية لهذا الانخراط الواسع. فتشير التقارير إلى أن إيران تدفع ملايين الدولارات لحزب الله وبعض القوى التي تدور في فلكها، وتشير التقارير أيضاً إلى أن نجاد دفع 700 مليون دولار لشراء جزيرة في فنزويلا لقربها من الولايات المتحدة الأمريكية. وثمة تحديات يتوقع أن يواجهها أحمدي نجاد جراء تعهد بالبدء في خفض دعم الدولة المكلف للوقود والغذاء، وهي سياسة تغامر بزيادة التضخم. ناهيك عن السياسة الضريبية التي ترمي إلى رفع القيمة المضافة (المبيعات) بنسبة 70 في المائة والتي دفعت كبار التجار إلى الإضرابات احتجاجاً على هذه السياسات، بالإضافة إلى السياسة السكانية التي انتهجها نجاد، والتي ترمي إلى تشجيع النمو السكاني من خلال تشجيع الأسر على الإنجاب عن طريق مبادرة جديدة ترمي إلى دفع مخصصات مالية لكل عائلة عن كل طفل جديد ووضع حساب توضع فيه أموال لكل مولود يستطيع أن يحصل عليها عندما يبلغ سن الـ 18 عاماً. هذه السياسة لها مفاعيلها السياسية، فهي ترمي إلى كسب تأييد الطبقات الفقيرة والعاملة، وهما الطبقتان اللتان تشكلان القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها الرئيس الإيراني الحالي. وهما الطبقتان المستفيدتان من هذه السياسة أكثر من غيرها. فضلاً عن ذلك، فإن تقديم الدعم لهاتين الطبقتين عن طريق منح قروض صغيرة ميسرة يكلف ميزانية الدولة أعباءً طائلة ليس لها مردود اقتصادي يعمل على تنمية الإنتاج.

كما أن إيران واحدة من أسرع دول العالم نمواً في سكانها، ويشكل الشباب من فئة 15-30 عاماً النسبة الأكبر بين أفراد الشعب، وحتى تتغلب إيران على مشكلة البطالة، عليها توفير ما يقرب من مليون فرصة عمل سنوياً. كل ذلك يزيد من الأعباء المالية مما يفاقم الأزمة الاقتصادية، وما يزيد من هذا التفاقم اعتماد الاقتصاد الإيراني على أسعار النفط وهي أسعارٌ غير مستقرة، مما يجعل أغلب السكان عرضة لتقلبات الدخل السنوي، ويترتب على ذلك اضطراب خطط تنظيم الأسرة سواء على المستوى الفردي أو الحكومي.

وواضح أن نجاد يستهدف الطبقات الفقيرة من سياساته تلك، من خلال منحهم النصيب الأكبر من ميزانية الدولية. وبالفعل فخلال فترة ولايته الأولى اهتم نجاد أكثر بالمناطق الفقيرة في الجنوب الإيراني وفي الأرياف، فكان يوزع مبالغ نقدية وقروضاً لإشباع المطالب المحلية.

 

وهكذا، فهناك تباين في توزيع الموارد المادية لصالح الطبقات الفقيرة من الناحية الاجتماعية، وفي الأرياف والجنوب من الناحية الجغرافية أو الإقليمية، على حساب الطبقة الوسطى والمناطق المدينية في طهران، مما ولد امتعاض الطبقة الوسطى التي تقطن في مدن طهران. كما أن الحصار الاقتصادي المفروض على إيران يؤثر في الطبقة الوسطى والتجار، ولا يؤثر في هاتين الطبقتين لأنهما ليستا مستهلكتين لسلع الرفاهية. وهكذا، فالمتضرر الحقيقي من جراء هذه السياسات النجادية هو الطبقة الوسطى ورجال الأعمال والتجار، مما أبطأ من وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والخصخصة التي بدأها أسلافه.

إن سياسة نجاد الاقتصادية الرامية إلى تهميش الطبقة الوسطى ورجال الأعمال والتجار، والمدعومة من قبل الملالي والحرس الثوري الإيراني، تفسر لنا الحراك الاجتماعي الذي تشهد إيران من خلال الحركة الخضراء المتزعمة قيادة التغيير في النظام الإيراني، فهذه الحركة ترتكز على الطبقة الوسطى المتضررة من السياسة الاقتصادية لنجاد.

 

في موازاة ذلك، أشارت تقارير عديدة منشورة على شبكة الإنترنت إلى انتشار الفساد المالي والسياسي، وبتورط قيادات معروفة ومشهورة في الساحة السياسية الإيرانية في قضايا فساد، كما أن النظام نفسه اتهم بعض أعمدته بالفساد والاختلاس المالي، مثل رفسنجاني الذي أتهم في أكثر من عملية فساد مالي، كما أشار الرئيس نجاد إلى الفساد الاقتصادي الذي تم في عهد رئاسة رفسنجاني للجمهورية الإيرانية. ومن خلال متابعتنا للحملات الانتخابية وما أعقب نتائج الانتخابات لاحظنا كيف فضحت النظام الإيراني، وكيف قرعت النخب بعضها بعضاً، واتهمت بعضها بالتزوير والفساد المالي والسياسي، وهو ما يؤكد ما جاء في هذه التقارير.

 

 وجدير بالاهتمام أن الطبقة الوسطى استفادت كثيراً من التحسن الاقتصادي الذي كان يطرأ على الاقتصاد الإيراني بين الفينة والأخرى. فهذا التحسن، وبخاصة إبان عقد التسعينات وتبوؤ رفسنجاني رئاسة الدولة، وما صاحبه من انفتاح إيراني على العالم، وتشجيع الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي على الداخل أيضاً، فضلاً عن إعمار ما دمرته الحرب العراقية – الإيرانية، فهذا التحسن النسبي في الاقتصاد الإيراني زاد من متوسط معدل الدخل، ونمو طبقة متوسطة صغيرة، وهو ما نجم عنه تغيرٌ في القيم لدى الشرائح والطبقات الاجتماعية. فتشير أدبيات التحول الديمقراطي، التي ترتكز على المقاربة الاقتصادية، إلى أن النمو الاقتصادي يصاحبه تغير في القيم والاتجاهات السياسية، وتتخلق ثقافة سياسة ديمقراطية، ويصبح الأفراد أكثر تسامحاً واعتدالاً وأكثر عقلانية بخصوص السياسة. كما أن النمو الاقتصادي تصاحبه ضغوط على النظم السلطوية، لأن سيرورة النمو الاقتصادي تدفع نحو تغيير البنية الطبقية، أي نمو طبقة وسطى وبرجوازية وتجارية وصناعية. والمهم في هذا الإطار هو زيادة هجرة الريف إلى المدينة، فإحصائيات متنوعة ودراسات عديدة قدمها علماء السكان في الجامعات الإيرانية، تشير إلى ارتفاع نسبة الهجرة من الريف إلى المدينة، مما له انعكاسات على القيم السياسية فـ (أحماض التمدين تذيب القيم السائدة). هذه المتغيرات تدفع الأفراد نحو صقل المشاركة السياسية، ونشوء مجتمع مدني، وتغير الاتجاهات السياسية. كل ذلك يضغط باتجاه التغيير السياسي. ويفسر لنا هذا التحول الذي أصاب المجتمع الإيراني إبان عقد التسعينات نمو الطبقة الوسطى، والحراك غير المسبوق الذي تشهده إيران من خلال الحركة الخضراء.

 

2-  المقاربة السياسية كمدخل للتغيير الاقتصادي

 

يكشف لنا هذا التحليل آنف الذكر، أن الاقتصاد الإيراني ليس في أزمة، لكنه يواجه صعوبات كبيرة، وهو في تراجع تدريجي ومستمر، وفي الأفق تبدو إيران كأنها عاجزة عن تحقيق أي تقدم سريع باتجاه النمو الاقتصادي، وعجزها أيضاً عن إيجاد فضاءٍ اقتصادي آمن وحر، وتحسين أوضاع الطبقات الاجتماعية، فضلاً عن عجزها عن تحقيق العدالة في توزيع الموارد، مصحوباً بلاعقلانية الملالي في إدارة الشأن الاقتصادي الداخلي، وسيطرة حرس الثورة على الحياة الاقتصادية. وسوف يتعاظم التردي في الوضع الاقتصادي  في المستقبل المنظور  بسبب التراجع في الاستثمار في الصناعات النفطية والغاز وهو ما يقود إلى ركود اقتصادي في المستقبل لاعتماد الاقتصاد الإيراني على النفط.

هذه الصعوبات تجعل البلاد في وضع حرج وفي غاية الصعوبة، حيث تدفع الأوضاع المتردية هذه الاقتصاد الإيراني نحو أزمات اقتصادية ، مما يزيد من اليأس الموجود داخليّاً. كل هذه الصعوبات تدفع نحو تزايد الانتقادات الداخلية لنظام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ولها تداعيات سياسية كبرى على نظام الجمهورية الإسلامية نفسه. فالأزمة الإيرانية التي يعيشها النظام الإيراني تعبر بعمق عن حدة التناقضات المجتمعية، وسوء الإدارة الاقتصادية، فضلاً عن أفق لا يشي بالتفاؤل لصالح تحسين أوضاع البلاد.

ويبدو أن الإحباط المتكرر من جراء عدم تحسن الأوضاع الاقتصادية، دفع الحركة المناهضة للنظام والداعية للتغيير إلى قناعة مفادها: أن التغيير السياسي يوفر الآليات المناسبة لتحقيق الإصلاح الاقتصادي، فالمدخل السياسي وعلى وجه الخصوص الوصول إلى السلطة وانتزاعها عند الضرورة واستخدام أجهزتها بغية تغيير عمليات النظام، هو المدخل الذي تفرضه الضرورة إذا أراد الإصلاح أن يؤتى ثماره. وهكذا، فالهدف الأسمى للفاعلين الرئيسيين في الساحة السياسية في إيران الرامين إلى تغيير النظام هو الهيمنة على هياكل الدولة، لأن أهميتها حاسمة في توجيه العمليات الاقتصادية في اتجاه أكثر ملاءمة لمصالحهم، ومن ثم إعادة توجيه العمليات الاجتماعية.

خلاصة ذلك، أن ثمة في إيران صعوبات كبرى تكتنف وضعها الاقتصادي، لكنها لا ترتقي إلى مستوى الأزمة الاقتصادية التي يصعب علاجها في ظل النظام القائم، ومدخل علاج هذه الأزمة يدفع القوى الاجتماعية إلى السيطرة على جهاز الدولة وتوجيه العمليات الاقتصادية. فعدم ارتقاء الوضع الاقتصادي إلى مستوى الأزمة، يحول دون اعتلال النظام القائم، ويدشن بدلاً منه نظاماً جمهورياً محضاً مؤسساً على المبادئ الدستورية العامة والمتعارف عليها في النظم الدستورية المستقرة.

 

ثانياً: التعبئة السياسية

 

بدأت المعارضة الإيرانية صلبة ومتماسكة في بداياتها، وصاحبتها تعبئة واسعة في المدن خاصة، حتى بدا للمراقبين أن النظام الإيراني أوشك على التحلل، لكن عبر مرور الزمن بدا واضحاً أن ثمة تراجعاً في التعبئة السياسية. وثمة عدة عوامل وراء هذا الخفوت في صوت المعارضة، أهمها أن قيادات المعارضة هم جزءٌ من نخبة النظام ومن أبنائه وتربطهم علاقات وشائجية ومصاهرة، وهي عوامل تحول دون وصول الأزمة إلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه،

كما أن النظام الإيراني الذي يتسم بالشمولية والهيمنة الواسعة على المجتمع لم يترك إلا فراغاً محدوداً لحركة المعارضة، دع عنك القمع والتنكيل اللذين مارسهما النظام، فضلاً عن الضغوط الدولية المؤيدة للمعارضة والتي أحرجت الأخيرة وأخذت تبرر باتهامها بالعمالة للقوى الأجنبية، وأخيراً طبيعة النظام الإيراني الشمولي في جوهره، فهو غير مسؤول أمام الشعب الذي يحكمه، تظهر عدم المسؤولية هذه خلال فترة التوترات والأزمات بشكل خاص، فيتفلّت النظام من كل رقابة مؤسسية، كما أن البنية الجوهرية لفلسفة ولاية الفقيه كما يجسدها الدستور لا تعطي مجالاً للمعارضة والانشقاق.

إلى جانب ذلك، فإن التعبئة السياسية لم تكن شاملة، فاقتصرت على سكان المدن، ولم تشمل الريف والقرى والمناطق الهامشية في إيران، وهي المناطق المؤيدة لسياسات نجاد الاقتصادية، كما أن خطاب المعارضة لم يقنع هذا الفئات الاجتماعية ولم يشملها. وعموماً إن هذه التعبئة السياسية للمعارضة استطاع النظام السيطرة عليها بوسائل الإكراه التي يحوزها، كما قام النظام بتعبئة سياسية مضادة لإظهار قاعدته الاجتماعية المساندة له بغية تفريغ التعبئة المضادة له من مضمونها. وهذا يعني أن النظام له هيئاته التنظيمية والمؤسسية وهو ما يحول دون حدوث تعبئة سياسية شاملة مضادة للنظام. فمن دون التعبئة السياسية الشاملة يصعب إحداث تحولٍ جذري في النظام. لكن المهم في هذا السياق أن محاولات تحكّم النظام الإيراني في الهيئات السياسية والتنظيمية الاجتماعية ومعارضته لفكرة الأحزاب السياسية كحامل للنشاط السياسي، لا تنجح دائماً وإن نجحت عن طريق القسر والإكراه فهو نجاحٌ نسبي وغير مضمون الاستمرار، وخاصة في ظل المصاعب الاقتصادية التي ناقشناها سابقاً، والمعوقات التي تعيشها إيران بسبب دخولها مرحلة تحول اجتماعي وسياسي طويل الأمد ذات أبعاد كبيرة ومهمة، ما يولد قوة سياسية جديدة لم يألف النظام بمؤسساته وتركيبته الحالية التعامل معها، لأن مصالحها ومداركها مختلفة جوهرياً عن مصالح القابعين في قمة الهرم السياسي ومداركهم.

وفي هذا الإطار، يؤخذ على المعارضة الإيرانية عجزها عن تأطير أهدافها ومأسسة كيانها وفق أهداف واضحة ومتماسة، كما أنها لم تبلور أيديولوجية قادرة على التعبئة الشاملة لكل طبقات المجتمع والأقاليم الجغرافية، وبالتالي فهي بلا تصور واضح يجسد رؤية شاملة. ووفق ذلك يصعب الحديث عن تغيير بنيوي في النظام تدفع إليه المعارضة الحالية، كما أن التعبئة السياسية التي ترمي إلى هدم النظام القائم بالضرورة تنطوي على درجة من التعبئة تسهم فيها قوى لا علاقة لها بالنخبة الحاكمة، وتحفزها الأزمة الاقتصادية. وهي متغيرات غير متوافرة بشكل كامل في المعارضة الإيرانية: ليست هناك أزمة اقتصادية حادة، وتربط قيادات المعارضة علاقات قوية بالنظام كما سبق الإشارة، وتفتقر إلى التعبئة الشاملة. وهي كلها عوامل تحول دون اعتلال النظام على الأقل في المستقبل المنظور.

 

ثالثاً: تفكك النظام

 

نقصد بتفكك النظام وجود انقسامات حادة داخل صفوفه، مثل هذه الانقسامات تشكل عاملاً مهماً في سيرورة اعتلال النظام، كما يذهب جيل، لأن الصراع الداخلي يفقد تماسك القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها النظام. فـ (كلما كانت الوحدة أو آليات المحافظة على الوحدة (بما في ذلك إشكاليات خلافة القيادة) وتنسيق المصالح داخل النخبة الحاكمة أقوى كانت آفاق صمود النظام ونجاته أقوى). ويشترط في هذا الانقسام والصراع العجز عن حله ضمن الأطر المؤسساتية والدستورية القائمة، تصاحبه حالة من الركود الشامل لكل وظائف النظام. وبالتالي فالانقسامات مهمة وضرورية في دفع النظام الإيراني نحو التحول إلى النظام الجمهوري، فمن دون تفكك البنى المؤسساتية والدستورية للنظام الحالي يصعب الحديث عن نجاح هذا التحول. وثمة عاملان قد يؤديان إلى إضعاف النظام الإيراني ومن المحتمل أن يؤسسا لبداية اعتلال النظام وهما: شرعية النظام وانقسام النخب السياسية.

وبالإشارة إلى العامل الأول، فقد تأسست الجمهورية الإسلامية على شرعية وعدها بتحقيق نظام إسلامي يجمع بين الديمقراطية والإسلام حسب خصوصية المذهب الشيعي، فواقع الحال اليوم بعد مرور 31 عاماً على الثورة، يؤكد إخفاق النظام في تحقيق هذا التركيب، وهو ما ولّد وجهات نظر سياسية مختلفة ومتباينة إلى حد التناقض، حيث إن فقدان الشرعية ينسف الأساس الذي بنى عليه وجود النظام ويجعله بالتالي عرضة للسقوط. وبخصوص العامل الثاني فواقع الحال أيضاً يشير إلى أن الانقسام أصاب عمق النظام الإيراني، وهو انقسام بين النخبة الحاكمة نفسها. ومن الأمور التي تتطلب الحسم في قضايا مصيرية مهمة من قبيل هل تحتاج إيران اليوم إلى مزيد من تكريس الخميينة أو تخفيفها من أجل البقاء؟ وما هو مستقبل موقع المرشد بعد خامنئي؟

لكن رغم عدم اعتراف النظام بالمعارضة واعتبارها نتوءاً يجب التخلص منه، وكذا الانقسام داخل صفوف النخب السياسية، إلا أن النظام سمح ببعض التنفيس والتعبير عن الاختلاف حتى لا يصور النظام كأنه ضد الديمقراطية، وللحيلولة دون مفاقمة الإحباط وزيادة السخط والنقمة لدى المعارضة.

ولذلك، وبينما يمر النظام الإيراني بمرحلة تأزم تؤثر سلباً في تماسكه ووحدة صفوفه، إلا أن ثمة وجوداً لأساليب مؤسسية لحل النزاعات والانشقاقات، رغم ضعفها البين وقدرتها المحدودة وهو ما تمظهر في الأزمة الحالية، بيد أنها موجودة وقد تقود في النهاية إلى حل الانشقاقات داخل صفوف النظام والنخب السياسية، إذا سمح بطرح الاختلافات بشكل شفاف وصريح، وحل الانشقاقات داخل النظام، دون ذلك سوف يواجه النظام خيارات محدودة، وإذا لم يكن ثمة مجال للرأي الآخر فإن أي إعلان له سيكون بطبيعته ضد النظام، مما يفاقم حالات التوجس والضغينة والإحساس بالغبن واليأس مما هو قائم.

 

رابعاً: الضغط الدولي

 

ثمة مقولة في علم الاجتماع السياسي تذهب إلى أنه كلما كان النظام قوياً ومتماسكاً من الداخل كان أكثر قدرة وفاعلية على مواجهة العقبات والعوائق الخارجية، والعكس صحيح. وهكذا، فإن اعتلال النظام لا يتوقف على العوامل الداخلية فحسب، فالعوامل الدولية يمكن أن تسهم في اعتلال النظام السلطوي. ورغم أن النظام الإيراني لا يعاني من حالة تبعية للخارج، ويتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلالية بمفهومها النسبي، بيد أنه حساس تجاه بيئته الخارجية. فإيران تتميز بتعاظم تأثير النسق الدولي على نظامها السياسي وكذا سياستها الخارجية، فهي تتأثر بشكل كبير بالواقع الدولي ومعطياته، وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية تولي اهتماماً كبيراً بإيران. وهكذا، فمن غير المرجح أن يسقط النظام الإيراني بفعل الضغوط الدولية، ويكفي للتدليل على ذلك أن النظام نجح في معركة البقاء مدة 31 عاماً من عمر الثورة الإيرانية. لكن من المحتمل إذا تضافرت ضغط العوامل الداخلية مع ضغط دولي مكثف وقوي أن تسهم في اعتلال النظام. وقد يحدث هذا السيناريو مستقبلاً، فمن المحتمل أن تؤدي العقوبات المفروضة على إيران إلى أزمة اقتصادية، يصاحبها هبوط في أسعار النفط، وترافقها تعبئة محلية واسعة النطاق، وانقسام داخل النظام. لكن الدينامية المحلية هي التي تسقط النظام في النهاية. وفي الحقيقة رغم كل ما يبدو من اضطرابات محلية، وصعوبات اقتصادية، وانقسامات سياسية، وتباينات في وجهات النظر داخل إيران، إلا أنه لم يتوفر البديل القادر على أن يحل محل النظام القائم، مما يشكل معوقاً أمام التحول نحو الجمهورية.

ومن جانب آخر ليس الضغط الدولي محصوراً في الجانب السياسي والاقتصادي، فثمة ضغط أيديولوجي يتمثل في أيديولوجيا حقوق الإنسان، وكذا مبادئ الديمقراطية التي أضحت أيديولوجية النظام الدولي، وبالتالي لا تستطيع إيران أن تسير في اتجاه يخالف سيرورة النظام الدولي الذي ينحو صوب الديمقراطية، وحين اعتماد الديمقراطية أيقونة وقيمة عليا للنظام الدولي، واعتماد مقياس أخلاقي، وثقل الرأي العام العالمي آنذاك لن تستطيع إيران أن تسير في اتجاه مخالف لهذه السيرورة، مما يشكل ضغوطاً على النظام الإيراني.

 

 الخلاصة

 

استعرضنا في ضوء التحليل السابق عوامل أربعة يعتقد أن توافرها وتضافرها قد يؤديان إلى اعتلال النظام السلطوي، وذلك حسب استقراء التجارب التاريخية في ما يطلق عليه أدبيات التحول الديمقراطي. وقد استعرضنا واقع الحالة السوسيوسياسة لإيران فكانت النتيجة أنه ليس هناك عامل ناضج ومكتمل البناء، فكل متغير من المتغيرات الأربعة التي تم فحصها تتوفر في إيران، لكن ليست بشكل كامل وناضج بل تتجلى بدرجات متفاوتة. نعم هناك صعوبات اقتصادية لكنها لم ترتق بعد إلى درجة الأزمة الاقتصادية الحادة، وهناك تعبئة سياسية واسعة، لكنها لم تصل إلى تعبئة سياسية شاملة إلى حد الثورة، وهناك انقسام داخل النظام، لكن يمكن السيطرة عليه ومعالجته في ظل النظام القائم، وهناك ضغط دولي مكثف على إيران، بيد أنه لم يصل بعد إلى مستوى التدخل العسكري أو الحرب، وهما الشكلان اللذان يؤديان إلى اعتلال النظام.

وفي ضوء هذه الخلاصة ليس هناك ما يشير إلى اعتلال النظام الإيراني في المستقبل المنظور. وهكذا، يصعب القول إن النظام يشهد تحولاً تجاه الجمهورية. ويبقى السؤال إلى أي مدى يمكن أن يحتفظ النظام الإيراني بقدرته على البقاء؟ فشرعية النظام ضعفت بسبب إخفاقه في إنجاز ما وعد به، واعتماده على الحرس الثوري وقوات البسيج لحماية نفسه، وهيمنة الأول على الوضع الاقتصادي. كما أن تماسك النظام أمر مشكوك فيه، فقوة النظام ذاته ودرجة تماسكه والمدى الذي وصلت إليه الصراعات داخل النخب الحاكمة، كلها عوامل مؤثرة في عملية التحول نحو الجمهورية.

وبالإشارة إلى الوضع الاقتصادي، فالمشكلة لا ترتبط بالصعوبات الاقتصادية ذاتها، لكن بتداعياتها الاجتماعية والسياسية. ونلاحظ أن تداعياتها ليست بالدرجة نفسها عند كل الطبقات الاجتماعية، أي أنها ليست عادلة، بفعل تحكم النظام في العمليات الاقتصادية وتوجيهها لصالح دعم الفئات المساندة له. فمثلاً، نجد أن نظام نجاد اعتمد سياسة اقتصادية شعبوية ترمي إلى دعم الطبقات الفقيرة والمهمشة، وبالتالي فهذه الطبقة لم تتأثر كثيراً بالصعوبات الاقتصادية في عهده بسبب تكفل نجاد رعاية مصالحها. أما الطبقة العليا فهي قادرة على أن تكفل ذاتها بما تملكه من موارد اقتصادية تحميها من تداعيات الأزمة، ويبقى وضع الطبقة الوسطى التي تملك موارد محدودة، ومما يجعلها أكثر حساسية للصعوبات الاقتصادية، وصاحبة المصلحة في التغيير السياسي، فهذه التركيبة المعقدة والمتشابكة والملتبسة تحول دون تحول بنيوي في النظام.

وبموازاة ذلك، يؤخذ على المعارضة الإيرانية أنها لم تصل بعد إلى مستوى البديل المقنع للناس، ولم تبلور أيديولوجيا قادرة على تعبئة سياسية شاملة تضم بين دفتيها كافة طبقات المجتمع الإيراني. وبالتالي ليس هناك ما يقنع الجماهير بأن التعويل على المعارضة هو الخيار الأنجع. ومن المحتمل أن الخوف من الفوضى وغياب البديل الناجز يصبان في مصلحة النظام القائم، ويضعفان من قوة المعارضة وامتدادها. لكن الجدير بالذكر أن فترات التوتر التي يعيشها الإيرانيون في حقبة ثائرة وحافلة بالقلق تمر بها القيم بنوع من التغيير لا يدرك مداه. وبالتالي لا يوجد معيار أو مقياس موضوعي لتقدير متى تنضج أو تتهيأ الشروط الميسرة لتحول النظام الإيراني نحو النظام الجمهوري وفق أسس ديمقراطية.

وعلى الرغم من أن التنوع السياسي- الاجتماعي والأيديولوجي، الممثل داخل الجهاز الحكومي، والذي يحول دون وصول التناقضات الاجتماعية إلى ذروتها، إلا أنه لعب دوراً في بقاء النظام واستمراريته، بيد أن استمرار هذه الوضعية ليس مضموناً، فكلما كان تمثيل الاختلاف والتنوع في النظام أكبر كانت ثمة صعوبات كثيرة تواجه عملية التكامل والوحدة، لصالح إمكانية بروز انشقاقات وبخاصة في وقت الأزمات والضغوط المحلية والدولية والصعوبات الاقتصادية. فالأزمة الحالية هي أزمة ممتدة، ولا يمكن إخمادها طوال الوقت، مما يؤدي إلى صعوبة السيطرة عليها في الأمد الطويل، لأن التغيير أصبح ضرورة حتمية، والبديل هو استمرار الصعوبات الاقتصادية الحادة والمشكلات السياسية المزمنة التي يعانيها النظام الإيراني.

الدور الإيراني: الفرص والعوائق البنيوية

 

 

 بقلم: عياد البطنيجي

 

الناشر: موقع الألوكة.ميدل ايست اونلاين . مركز الخليج . مجلة كلية الملك خالد العسكرية.

 

تاريخ النشر: 9/11/2010

 

 

 

 

 

 تتحدد أهداف الدول الساعية لحماية مصالحها القومية، من خلال سياستها الخارجية، وتتأثر بالبيئة العالمية التي تتعامل معها وتتحرك فيها، وبالقوة أو القوى التي تتحكم وتوجه هذه البيئة. ويصاغ الدور والسياسة الخارجية الإيرانية في إطار الوحدة الدولية، بغية تحقيق أهدافها إزاء وحدات خارجية. ففي عصر التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال لم تعد النظم والجماعات قادرة على الانحسار داخل بوتقة خاصة أو الانغلاق على الذات.

 

فالنظام السياسي المتشكل إثر الثورة الإيرانية 1979، كثورة إيديولوجية دينية إسلامية، شكل قطيعة مع نظام الشاه، وأحداث تغييرات سياسية كبرى في النظام الإيراني. أما اليوم فقد حدثت تغييرات هيكلية في الظروف التاريخية والبنية الجيوسياسية التي كانت تعمل من خلالها إيران ما بعد أسرة بهلوي.

 

وهكذا، وجدت إيران نفسها في بيئة مغايرة تماما لبيئة السبعينات، فقد اختلفت البيئة العالمية في تسعينيات القرن الماضي عنها في القرن الحادي والعشرين، بما تتيحه من فرص وخيارات أمام إيران، بدأت تتضح معالمها منذ تسعينات القرن الماضي.

 

أولاً : فرص الفعل السياسي

 

ساهمت الحرب الأميركية على الإرهاب في تعزيز مكانة إيران كدولة إقليمية ذات نفوذ قوي. ووفرت واشنطن لإيران فرصة مناسبة للحصول على مكانة إقليمية ودولية. فبعد الإطاحة بنظامين (العراق، أفغانستان) كانا يشكلان تهديدا مباشرة لطهران، تمت مكافأة إيران بإطلاق يدها في العراق ولبنان، وأصبح لها نفوذ في مناطق أخرى مهمة، مثل غزة، وأسيا الوسطى، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. فقد استغلت إيران انهيار النظام العراقي وانشغال أميركا في حربها في العراق، لتتحول إلى القوة الإقليمية الأبرز، والى فاعل سياسي رئيسي في المنطقة. وهكذا، تصبح إيران- والحالة هذه- طرفا مهمة في تشكيل النظام العراقي الجديد، وتسعى إلى أن يكون النظام العراقي الجديد غير معادٍ لها أو أن يكون مؤيدا أو متعاطفا معها. فبعد أن كان النظام العراقي القديم يشكل تحديا أمام حرية الفعل الإيراني لتحقيق دور إقليمي، بات اليوم أمام إيران الفرص متاحة بشكل كبير.

 

والأهم هو، أن هذه البيئة الدولية والإقليمية، فتحت فرصا كبرى أمام إيران للتحرك باتجاه تطوير برنامج نووي. كما أن هذا البرنامج النووي قد يُكسب الطبقة الدينية القابضة على الحكم، شرعية تساعدها على الاستمرار وبسط سيطرتها على الداخل بالطريقة التي تنسجم وتتماشى مع تصوراتها، بالإضافة إلى تثبيت نظام الحكم ومبادئ الثورة. كما أن هذا التعنت الإيراني أمام الأميركان اكسبها شرعية إقليمية عند البعض، مما اكسبها سيطرة على بعض الدول وقوى الممانعة، لتتماشى مع تصورات الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمنطقة، وتدور في فلكها.

 

أضف إلى ذلك، إن حرب واشنطن على الإرهاب، وتحطيم النظامين العراقي والأفغاني، جعل إيران طرفا في أي حوار أميركي يخص العراق وأفغانستان. وبالفعل لقد أجرى (2001-2002) دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون، مع مسئولين من دول أعضاء في الأمم المتحدة، في بون العاصمة السابقة لألمانيا، لقاءات في إطار محادثات متعددة الأطراف حول تشكيل حكومة جديدة ووضع دستور جديد لأفغانستان. وناقش (2007-2008) كل من السفير الأميركي لدى العراق براين كروكر مع نظيره الإيراني حسن كاظمي قمي، ناقشا أعمال العنف في العراق. وأجريت ثلاث جلسات أخرى من تلك المحادثات منذ عام 2008، براعية وزارة الخارجية العراقية. وفي آذار/مارس 2009، أجرى ريتشارد هولبروك المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان وباكستان، "حديثا موجزا ووديا" مع ممثل إيران خلال مؤتمر دولي حول أفغانستان وغيرها من اللقاءات والمشاورات التي تجري بين الأميركيين والإيرانيين لتقرير مستقبل العراق وأفغانستان.

 

وقد كتبت قبل ذلك عن مستقبل العلاقات بين إيران وأميركا، وقلت إن الخيار الأفضل لكلا الطرفين، في ظل هذه الظروف، هو الحوار. لذا أتوقع أن مستقبل العلاقة سوف يتجه نحو التحسن والحوار لا الحرب، على الأقل في المستقبل المنظور؛ لأن الرصيد التاريخي يقول إن كلا الطرفين استطاعا الحفاظ وبشكل كبير على عدم وصول التناقضات التي تكتنف العلاقات بينهما إلى حالة صراع عنيف أو مسلح برغم اللهجة البلاغية والمثيرة للشقاق من جانب الطرفين، وعلى الرغم من حالة العداء المستحكم التي تسيطر على مواقفهما إلا أن الحوار بين الدولتين ظل موجودا حتى في أشد الفترات بين الدوليتين توترا. لذا فقد أثبتت التطورات أن كلا الطرفين لم يدفع الطرف الآخر نحو حافة الهاوية، فإن شدت واشنطن رخت طهران. كما أن إيران لا ترغب بخسارة جهود سنوات طويلة من العمل المضنِ فيما يخص المسألة النووية.

 

وهكذا استطاعت إيران بسط نفوذها الإقليمي، وأمست طرفا في تشكيل مستقبل العراق وأفغانستان، ومؤثرةً في الوضع السياسي في لبنان وفلسطين. وهو ما ينبئ بأن إيران قد تكون لاعبا أساسيا في تشكيل الشرق الأوسط الجديد.

 

وعموما، إن الحرب الأميركية على الإرهاب، والمأزق الأميركي في العراق وأفغانستان، واستنزاف القدرات الأميركية، وعدم قدرتها على ضرب أي بلد آخر، ناهيك عن مناطق التوتر الأخرى، والأزمة المالية العالمية، كل ذلك ترك فراغا، وفتح فرصا كبرى أمام حرية الحركة والفعل السياسي الإيرانيين، مما يجعلها طرفا في تشكيل سياسة المنطقة، وقوة رئيسية على المستوى الإقليمي ترمي إلى إحداث تغيرات جذرية قد تؤدي إلى إضعاف الدور الخليجي والعربي.

 

ثانيا: المعوقات البنائية الجيوسياسية

 

إن البنية الجيوسياسية لا تتكون فقط من معاني الفاعلين السياسيين، أو من خلال الإرادة الذاتية للفاعل، وإنما هناك عوامل بنائية (أو موضوعية) تمارس تأثيرا طاغيا على الفاعل وتصوراته، وتمارس قهرا على دوره. فالفعل السياسي، يتأثر إلى حد كبير، بل ويتشكل ويصاغ بواسطة العوامل البنائية (السياسية والجيوستراتيجية). ليست العلاقة أحادية ولا يمكن التعبير عنها في ضوء تعميمات لها سمة القانون وعموميته. ودون الخوض في النقاش العويص حول العلاقة بين الفعل والبناء، أو بين الذات والموضوع، نقول فيما يخص موضعنا، إن الفعل السياسي الإيراني، والإرادة الذاتية لإيران، لا يمكنهما أن يتحررا تماما من تأثير ظروف البناء الجيوسياسي، والعوامل البيئية سواء أكانت المحلية أو العالمية. فأشكال السيطرة، والقوة والايدولوجيا، والأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسبة السكان، والهيمنة الأحادية الأميركية على العالم، ناهيك عن علاقة إيران بدول الجيران، والدول التي لها مصالح في المنطقة، كل هذه العوامل تحد من حرية الحركة، وتفرض على إيران السير وفق هذه العوامل البنائية، وأن تعمل وفق ما هو مناسب ومتاح، آخذة باعتبارها كل هذه العوامل وفق حسابات دقيقة.

 

نعم إن سقوط النظامين العراقي والأفغاني، جعل إيران أمام فرص متعددة، ولكنه في نفس الوقت فرض عليها تحديات ومعوقات. فقد أصبحت إيران أكثر من أي وقت مضى عرضة للضغوط الأميركية، وبمختلف الوسائل لمنعها من البروز كقوة إقليمية؛ لأن واشنطن لن تسمح ببساطة ببروز قوة إقليمية معادية لها. كما جعلها في موضع الخطر المباشر، وبخاصة أن واشنطن أصبحت على حدود إيران الشرقية في أفغانستان، وشمالا في جوار بحر قزوين في أكثر من دولة من دول الاتحاد السوفيتي السابق، كما أن جارتها باكستان دولة نووية ولها علاقة جيدة مع واشنطن، وهي تسير باتجاه علاقات مماثلة مع إسرائيل. كذلك الأمر مع تركيا. أما في جنوبها، وبفعل مصالح واشنطن الإستراتيجية في الشرق الأوسط، وحماية أمن إسرائيل وتدفق النفط، كل ذلك جعل تواجد واشنطن العسكري أكبر وأضخم من أي منطقة أخرى، ناهيك عن العلاقات العربية- الإيرانية المتوترة أصلا. ولعل أبرز ما يوضح القلق الإيراني من التواجد العسكري الأميركي في جوارها هو ما عبرت عنه الرسالة التي أرسلت من قِبل (153) نائبا إلى البرلمان الإيراني حيث أشارت إلى" أنه في أعقاب وضع القوات الأميركية في أفغانستان واحتلال العراق فقد وصل التهديد إلى حدودنا".

 

 

كل هذه العوامل تشكل معوقات بنيوية أمام إيران، يجعلها أكثر عرضة للمخاطر، تدفع طهران قسرا باتجاه إقامة علاقات مع واشنطن كما سبق الإشارة، أهميتها ترجع إلى تخفيف حدة التوتر بينها وبين واشنطن، بالإضافة إلى أن هذه المشاورات المباشرة تسمح لواشنطن الاطلاع مباشرة على وجهة النظر الإيرانية وبخاصة عندما تتوتر العلاقة بينهما. أضف إلى ذلك أن هذه المشاورات واللقاءات السرية التي تجرى من "الأبواب الخلفية"، تساعد إيران في إيصال رأيها إلى إسرائيل، ففي هذه الحالة تلعب واشنطن دور الوسيط بين إيران وإسرائيل. كما أن هذه اللقاءات تقوي من الآمل في تحسين العلاقات الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية. وهي بالفعل لعبت دورا في استمرارية النظام الإيراني المتشكل إثر الثورة الإيرانية 1979. فمشاورات إسرائيل وإيران في عقد الثمانينات بخصوص صفة الأسلحة، والمشاورات الأميركية - الإيرانية بخصوص الرهائن، عززتا الأمل في إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، وبخاصة أن إسرائيل استمرت بالعمل على إعادة علاقاتها مع النظام الإيراني الجديد وحاولت عبر وسطاء لإعادة هذه العلاقة.خلاصة ذلك أن هذه المعوقات البنائية تدفع طهران قسرا إلى التحاور من "الأبواب الخلفية"، حتى تحافظ على وجودها.

 

لم تشكل إيران الثورة (1979) خطرا أيديولوجيا على النظام الدولي آنذاك وتصوراته الفلسفية. ولم تكن بديلا إيديولوجيا أمام الصراع الإيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية. فقد رأت واشنطن أنه ربما تشكل الأيديولوجية الإسلامية الإيرانية، التي تتعارض مع الماركسية أو الاشتراكية، فرصة لتحسين العلاقات مع أميركا، أو قد تندفع إيران إلى التحالف الغربي بسبب الخطر الشيوعي المتربص على حدودها الشمالية. وحتى عندما تأكدت واشنطن من خطأ هذه التصورات، لم تستطع فعل أي شيء ضد إيران لإعادتها إلى التحالف الغربي؛ والسبب في ذلك أن النظام الدولي آنذاك، جعل الخيارات أمام واشنطن محدود أو معدومة، وبخاصة أن إيران تقبع جنوب الاتحاد السوفيتي. كما أن أي إجراء أميركي ضدها قد يدفعها إلى التحالف مع الاتحاد السوفيتي. أما الآن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن الماضي، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم بل ربما أكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية على الإطلاق في تاريخ البشرية، وأصبحت الإيديولوجية الإسلامية موصومة بالإرهاب، ووصفت السياسة الأميركية إيران بالدولة التي تساند الإرهاب وتضعها ضمن دول محور الشر. فالإيديولوجية الإسلامية التي لعبت دورا في الحفاظ على إيران الثورة، أصبحت الآن تشكل أحد المخاطر على إيران في ظل الحرب على الإسلام، أصبحت أية دولة ترفع شعارات إسلامية توصم بالإرهاب. كما أن هذا البعد الإيديولوجي حاضر في المسألة النووية الإيرانية. فالولايات المتحدة الأميركية تتصور أن امتلاك إيران للرادع النووي سوف يجعلها تشعر بأنها لم تعد معرضة للخطر المباشر من أي انتقام عسكري تقليدي، فهي تستطيع أن تعود إلى السياسات العدوانية والسياسة الخارجية المقاومة للوضع الراهن التي اتبعتها إبان الثورة الإيرانية. وعلى هذا النحو قد تتصرف إيران على ضوء تحقيق تصوراتها الإيديولوجية للشرق الأوسط الإسلامي، وفي دعمها للجماعات الأصولية، إضافة إلى أنها قد تعطي هذه الأسلحة "للإرهابيين". وكما يقول هنري كسنجر في إحدى كتاباته: "إن الدول ذات الدوافع الإيديولوجية تميل إلى تطبيق سياسة خارجية نشطة ذات مخططات كبرى، من العسير تحقيقها، كما تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام العالمي القائم".

 

وإذا كان الفراغ في المنطقة لعب دورا في صعود إيران كقوة إقليمية، فقد لعب أيضا في صعود قوى إقليمية أخرى كتركيا، التي لها مصالح لا تقل أهمية عن مصالح إيران، وقد تتعارض مصالحهما مستقبلا، وهو ما يشكل معوقا بنائيا أمام تمدد النفوذ الإيراني.

 

إن السلوك الأميركي تجاه إيران، يجعل الأخيرة تبحث عن علاقات خارجية موسعة بغية الموازنة حفاظا على مصالحها القومية، مما يدفع نحو الانخراط التام في السياسات الدولية والإقليمية. هذا الانخراط الإيراني التام له تكاليفه الباهظة. وهنا تثار التساؤلات: ما التكاليف والفوائد المحتملة لهذا الانخراط؟ وما هي المعيقات البنائية التي يفرضها هذا الانخراط؟ الموقف العقلاني هو ما يجلب أكبر درجة من الإشباع والمنفعة، وأكفأ وسيلة للوصول إلى الأهداف المرجوة في مواقف معينة وفي زمان ومكان مناسبين. فتزايد الأعباء الأمنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية لإيران في الخارج مع مرور الوقت يأتي بتكاليف قد يختل التوازن بين أعباء الأمن وانخراط في السياسة الإقليمية والدولية المتزايد، وقدرتها على الحفاظ على قاعدة تقنية واقتصادية تلبى الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها. وبالفعل فإيران تواجه وضعا داخليا مأزوما تمظهر مع المعارضة الإيرانية والمتجسدة في الحركة الخضراء وهي تمثل نقطة ضعف في النظام الإيراني. كما أن إيران بلد نام، ويعاني من معضلات اقتصادية وبيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد. فضلا عن ذلك، تأخذ المعارضة على النظام أنه مفرط في سياسته الخارجية، وهذا الإفراط هو الذي يجلب المواجع داخليا؛ لأنها تبدد أموال الشعب.

 

وبينما تفتح العولمة بدورها فرصة أمام الدول، فهي تشكل أيضا تحديات غير مسبوقة أمام النظم السياسية في الشرق الأوسط، وهي ظاهرة لا يقتصر تأثيرها على السياسة الخارجية لهذه الدول، بل تشمل كل السياسات العالمية. وبالإشارة إلى إيران، فهي تفتح فرصا وخياراتٍ أمام الفرد والمجتمع لتفلت من قبضة النظام الديني، التي بدأت تتضح معالمها منذ تسعينات القرن الماضي. فقد شاعت الظاهرة المعروفة إيرانيا بـ"الحجاب السيئ"، أي عدم التزام النساء بمقاييس الشادور، والإقبال على الحجاب المزركش الذي يظهر رأس المرأة. وانتشار الزى الغربي بين الشباب الإيراني، وإطالة شعر الرأس، وثقب الأذن، وتعليق الجماجم فوق الصدور (نيفين مسعد، الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحدي العولمة الثقافية، المستقبل العربي، العدد 249، السنة 1999، ص 17). فبعد أن استطاعت الطغمة الحاكمة أن تفرض سورا واقيا أمام الخارج للعبور إلى الفرد والمجتمع الإيراني، بات اليوم الخارج- في اختزال للزمن والمكان- حاضرا في غرف نوم الإيرانيين. فقد بات البلاد هي الطرف المتلقي أو المستقبل لكل منتجات الحضارة الغربية. وبالتالي فقد فرض الآخر المختلف ثقافته وحضارته على الفرد والمجتمع الإيراني. فالعولمة الثقافية باتت تشكل هاجسا يؤرق النظام الإيديولوجي. فثمة حراك اجتماعي دائب تشهده إيران في هذه الغضون يضغط من أجل التغيير الثقافي والسياسي بفعل الثورة الاتصالية والعولمة الثقافية والسياسية، التي تقلل من قدرة النظام على الضبط والتحكم. كما أن الأوضاع الاقتصادية تؤثر بدورها على الدور الإيراني، حيث الديون الخارجية، وارتفاع نسبة السكان، وضرورة توفير فرص عمل للشباب، والحظر التجاري الذي تفرضه واشنطن، وعدم الاستقرار الاقتصادي لاعتماده بصفة رئيسية على البترول، كل ذلك يساهم بشكل كبير في عرقلة الدور الإيراني.

 

هذه ظروف تختلف تماما عن ظروف لحظة تأسيس الجمهورية وواقع الحال اليوم. ورغم أن هذه العملية التي ترمي إلى التغيير وتحريك المياه الراكدة في المجتمع الإيراني، تُقابل بمقاومة شديدة من القوى المضادة والمحافظة، إلا أن هذا الصراع سوف يتصاعد في المستقبل، ما لم يتغير البناء المؤسساتي والدستوري في إيران، واجتراح الوسائل الملائمة للتعامل معها، حتى يستطيع النظام الاستمرارية والتكيف مع هذه التحديات. دون ذلك سوف يواجه النظام الإيرانية مأزقا وجوديا.

 

إن هذه التغيرات البنيوية، التي تواجه النظام السياسي الإيراني، فرضت على الأخير مواجهة إشكاليات جديدة وغير مسبوقة، تختلف كليا عن مرحلة تأسيس الجمهورية، وهي تتطلب أطرا ومؤسسات متطورة ومختلفة تكون قادرة على التعامل مع هذه التحديات الموضوعية والمستجدات التي أفرزتها، حتى تكون الدولة تمثيلا أمينا لموازين القوى في المجتمع. وبقدر ما تثبت إيران قدرتها على مجابهة هذه التحديات، وكلما كانت السلطة في إيران قادرة على التعبير عن حركية المجتمع الإيراني، كانت سلطة شرعية.

 

وعليه فقد أصبحت إيران أكثر تأثيرا بالبيئة الدولية، وهو الطابع الذي سيظل يلازمها بعد التغيير الجذري الذي حدث في النظام الدولي، وبروز عالم القطب الواحد، وتبلور ظاهرة العولمة. وهذا كله يشكل معيقات بنائية أمام الدور والسياسة الخارجية الإيرانية، وسلوكها السياسي. فالسياسة الخارجية الإيرانية تتأثر بشكل كبير بالواقع الدولي ومعطياته.

 

وهكذا، إن إيران تواجه تحديات بنائية تتمثل في طبيعة النظام العالمي الراهن، وحالة الإقليم وبيئته والأوضاع المعقدة والمهددة التي تسوده، من احتلال العراق وأفغانستان، والتوترات في المنطقة، وترسخ الوجود الأميركي في الجوار الإيراني، وبروز ادوار جديدة لدول إقليمية، والعولمة وتأثيراتها، والتحولات الاجتماعية. كل هذه المعضلات، تكشف تناقضات الواقع ومحدوديته، فضلا عن تزاحم المصالح بين إيران والدول الأخرى، مما تفرض نفسها كمعوقات بنائية أمام الدور الإيراني، ويجعله يتحرك وفق حدود وقواعد تتطلب حنكة وقدرة على الموازنة بين المثال والواقع أو القدرات الذاتية، وفق حسابات دقيقة، وإدارة السياسة الخارجية بشكل يتلاءم وهذه المعوقات البنائية. وبالفعل فقد استطاعت إيران في كثير من المواقف أن تدمج بين الفعل السياسي والمعوقات البنائية وفق صياغة أو مركب حققت من خلالها مصالحها القومية. على سبيل المثال، التزامها بالقرارات الدولية التي فرضت على العراق إبان غزو الكويت فيما يتعلق بالعقوبات، وقبلت بوجود قوات أجنبية في الخليج، وحصلت مقابل ذلك على قرض من البنك الدولي. كما أنها استغلت الاحتلال الأميركي على العراق، وإجبار الأخير على النزول عن جميع شروطه في النزاع القائم بين البلدين والرجوع إلى اتفاقية الجزائر التي رفضها العراق. وعندما أحست إيران أن الحرب ضد العراق تبدو حتمية، سعت إلى تقديم طمأنات لتخفيف حدة الشكوك التي تساور العالم بشأن برنامجها النووي، دعت إيران المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، لزيارة منشأة نتانز، ووعدت بإخضاع منشأة نتانز لعمليات تفتيش تجريها الوكالة. وفي أعقاب غزو العراق في آذار/مارس 2003، أحست إيران بوضعها الهش أمام الضغوط الأميركية، وخشيت أن تحول واشنطن اهتمامها إلى تغيير النظام في طهران. ومن هنا، بعثت إيران رسالة إلى واشنطن عبر الحكومة السويسرية ألمحت فيها إلى استعدادها للبحث في عقد"صفقة كبرى" مع واشنطن. يتبين من ذلك أن إيران عندما تشعر بخطر وبكثافة الضغوط، وعندما تكون العوامل الموضوعية ضاغطة عليها، فإنها تنحني أمامها وتتنازل حفاظا على النظام وما حققته إيران من مكاسب. ووفق هذه النتيجة فإنني استبعد، بل لا يخالجني أي شك، أن إيران ستدفع باتجاه إيصال التناقض بينها وبين واشنطن إلى الذروة. بعبارة أخرى عندما تشعر إيران بأنه بالفعل هناك حرب ضدها فإنها سوف تنحني أمام رياح الحرب حتى لا تتحطم على صخور الواقع. وهكذا فإن صانع السياسة الإيرانية يعطي اهتماما بالاعتبارات الإستراتيجية والسياسية أكثر من الاعتبارات المبدئية. وعندما تتعارض الأولى مع الثانية فإن الأولى تكون للاعتبارات الإستراتيجية بدلا من المبادئ.

 

خلاصة ما تقدم، أن الفعل السياسي لإيران يتأثر بالأبنية والعمليات السياسية وموقع القوى العالمية والإقليمية. وهذا يعني أنه مشروط بالبنية الجيوسياسية. فإيران لا تعمل ضمن فراغ. ولو أخذنا بالاعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى تولي اهتماما كبيرا بإيران، وأن الأخيرة تحاول أن تقابل السياسات الأميركية في المنطقة بسياسات أخرى بغية فرض معادلة التوازن الإقليمي، من خلال تعزيز قواتها العسكرية تحسبا لأي نزاع، وتنمية علاقاتها مع دول المنطقة وبخاصة دول الخليج، وتأكيد دورها الإقليمي.كل ذلك يدفعنا إلى القول: إن الحوار بين طهران وواشنطن للوصول إلى صفقة أتي بلا ريب، وما تقوم به طهران هو التجهيز والإعداد والتمهيد للمسرح الإقليمي للقاء المنتظر لفرض ضرورة احتسابها في المعادلة السياسية الإقليمية.

حيا()�*��`3 �p/ عدم الانضمام إلى التحالفات الدولية، وهي سياسة ترتبط بالجذور الثقافية والحضارية الفارسية(6).

 

 

 

 

 

رابعاً: مضمون الأبعاد الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية

 

تأسيساً على ما تقدم، وبالإشارة إلى التصورات والتمثلات التي تعتمل في الذات الإيرانية وتداعياتها على نظام السياسة الخارجية، يمكن القول، كنتيجة منطقية مستنبطة من المقدمة السابقة، إن السياسة الخارجية لإيران تتسم بأبعاد متعددة، تتأثر بالعوامل الداخلية والبيئة الإقليمية والدولية، وما يحدد تجاه هذه الأبعاد متغيرات عدة منها البيئة النفسية لصانع القرار، والضغوط الاجتماعية الداخلية أو الحراك الاجتماعي والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، والبيئة الخارجية (النسق الإقليمي والدولي). هذه المتغيرات بمجملها تشكل المحددات التي تعين أبعاد السياسة الخارجية.

 

 

 

 

1- البعد العالمي للسياسية الخارجية لإيران

 

تتميز إيران بتعاظم تأثير النسق الدولي على سياستها الخارجية، فهي تتأثر بشكل كبير بالواقع الدولي ومعطياته، وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية تولي اهتماماً كبيراً بإيران. كما تحاول الأخيرة مقابلة السياسات الأمريكية في المنطقة بسياسات أخرى مقابلة لفرض معادلة التوازن الإقليمي. كما أن شخصية المرشد الأعلى، والفلسفة السياسية المتجسدة في كتابي "ولاية الفقيه" و"الحكومة الإسلامية"، فضلاً عن الدستور الإيراني، كل ذلك يبين تبني البعد العالمي هدفاً للسياسة الخارجية الإيرانية، وبالتالي فهي تقوم على الأفكار اللاحدودية والأهمية واللاقومية. فمنظّر السياسية الخارجية الدكتور جواد لاريجاني يوضح أن من بين أهداف السياسة الخارجية لإيران "العمل على إيجاد الوحدة بين الأمم الإسلامية في العالم" و"الدفاع عن أراضي المسلمين ومصالحهم" و"الدعوة إلى الإسلام"(7).

 

 

وثمة مواد في الدستور الإيراني توضح البعد العالمي في سياستها الخارجية نكتفي بذكر بعضها. تنص المادة (152) "الدفاع عن حقوق جميع المسلمين". والمادة (154) "دعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة في العالم". والمادة الثالثة الفقرة الخامسة تنص على: طرد الاستعمار ومكافحة الوجود الأجنبي. هذه المواد توضح الهوية الإسلامية لإيران، ومهمة الدفاع عن المسلمين باعتبار إيران بداية المشروع الإسلامي على حد قول الخميني. وهكذا فإن سياستها تمتد لتشمل كافة المسلمين بهدف توحيدهم تحت راية ولاية الفقيه، وهو المعنى الذي أكده لاريجاني في كتابه "أم القرى" كما سبقت الإشارة. وتعطي هذه المادة الحق لإيران في التدخل في شؤون الدول الأخرى لتحقيق هذا الهدف. وبالتالي "أياً كانت هذه الوسائل لن تخرج عن إطار التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى التي يوجد فيها هؤلاء المسلمون"(8). أما المادة (154) فهي تتجاوز إطار الهوية الإسلامية لتمتد وتشمل كافة المستضعفين أينما وجدوا في هذا العالم الواسع.

 

ومن خلال متابعة السياسة الخارجية الإيرانية نجد بالفعل أنها تتسم بنشاط وحيوية تختلف عن دول المنطقة، فنجد لإيران تواجداً في كل الدوائر الجيوسياسية المهمة: إفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية. هذا النشاط العالمي المتزايد لإيران بالفعل آثار رد فعل استنكارياً من دول العالم أهمها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فمثلا استنكر الجانبان، واشنطن وتل أبيب، النشاط الواسع لإيران تجاه أمريكا اللاتينية واعتبروه غزواً إيرانياً لأمريكا اللاتينية، وقررت إسرائيل زيادة حملتها الدبلوماسية للتصدي لتنامي نفوذ إيران، من خلال حرب دبلوماسية ضد طهران تشعلها في أمريكا اللاتينية، لتنضم إلى الجهود الأمريكية والأوروبية(9). وأيضاً تحفظت كل من إسرائيل وأمريكا على سياسة إيران تجاه إفريقيا وآسيا الوسطى. فقد شنت إسرائيل حملات سياسية ودبلوماسية في آسيا الوسطى لمحاربة النفوذ الإيراني. نخلص من ذلك ونقول إن البعد العالمي للسياسة الخارجية الإيرانية حاضر وبقوة على المستويين الدستوري والواقعي.

 

 

 

 

2- البعد الإقليمي للسياسة الخارجية لإيران

 

يشكل الخليج بعداً حيوياً من أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية، فهو من المصالح الحيوية التي تؤثر في الأمن والراحة العامة واستقرار نظامها السياسي. وتحقيق مصالحها في الخليج يحظى بالأهمية القصوى لضمان أمنها. وحتى الدور الإيراني يسعى إلى جعل إيران قوة إقليمية عظمى مهيمنة على النظام الإقليمي الخليجي حيث تفرض رؤيتها الاستراتيجية وتحدد من خلالها العدو والصديق.

 

أما البعد الثاني للسياسة الخارجية الإيرانية، فيتجلى في منطقة بحر قزوين والمصالح الناتجة عن انتقال خطوط الطاقة من بحر قزوين وآسيا الوسطى عبر إيران إلى العالم الخارجي. وهو بعد استراتيجي ترى إيران أن في تحقيقه مصلحة استراتيجية لضمان مصالح المجموعة الأولى، وتؤثر بشكل غير مباشر في الأمن الإيراني.

 

والبعد الإقليمي الثالث المهم للمصالح الإيرانية ونظام السياسة الخارجية يتجسد في مصالحها تجاه لبنان وفلسطين، وهما من المصالح القومية المهمة بالنسبة لها.

 

 

 

 

3- البعد المحلي للسياسة الخارجية الإيرانية

 

 يعتبر البعد المحلي في غاية الأهمية، حيث تسعى إيران إلى التنمية الاقتصادية والاكتفاء الذاتي، والحصول على التقنية لتلبية احتياجاتها الداخلية. وبينما زاد الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران في تردي الوضع الاقتصادي وتعميق مأزقه، بالإضافة إلى حالة الحراك الاجتماعي الذي يكشف عن حالة الخنق والاهتياج الشعبي فيها، كل ذلك يدفعها إلى جعل البعد الداخلي في سياستها الخارجية ذا أهمية قصوى.

 

وهكذا تؤثر التنمية الاقتصادية والسياسية الداخلية الإيرانية في تفاعلاتها الدولية ونظام سياستها الخارجية. وهو تأثير ليس سطحياً أو محدوداً بل تأثير جوهري وعميق. فالبرنامج النووي الإيراني، الذي يعتبر بحق مصلحة قومية عليا لا يمكن التراجع عنه، فهو يقدم علاجا للمأزق الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، وإيران تعلم ذلك جيداً، وهي لذلك لا يمكن أن تتراجع عنه قيد أنملة(10).

 

 

 

 

خامساً: التوافق والتفاوت بين الأبعاد الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية

 

يمكن القول إن مضمون أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية، يهدف إلى جعل إيران قوة عظمى لها مكانتها الدولية المرموقة، ومصوبة خصوصاً تجاه العالم الإسلامي وخاصة إلى قلب منطقة الخليج العربي، وتأخذ أشكالاً متعددة منها العمل العلني من خلال البعد الدبلوماسي وتنمية العلاقات الودية، ومنها الخفي ممثلاً في دعم القوى المعارضة للنظم السياسية العربية، ودعم الشيعة في المنطقة. وتتدرج أهمية توجهات سياستها الخارجية، حيث تحظى الدائرة الخليجية بأهمية حيوية، بغية أن تكون لها اليد الطولى فيه، واستبعاد الأطراف التي يمكن أن تزاحمها النفوذ فيه لاسيما الدول العربية غير الخليجية، تليها دول الجوار الإقليمي مثل لبنان وسوريا وفلسطين، ثم تأتي دائرة قزوين- آسيا الوسطى، تليها الدائرة الإفريقية والأوروبية وأمريكا اللاتينية. وتعتمد على استراتيجيات عدة لتحقيق هذه الأهداف(11):

 

 1- استراتيجية التبني: يقصد بها الالتزام بالأعراف والشرعية الدولية. وقد ظهرت هذه الاستراتيجية بوضوح في السلوك الإيراني الخارجي أثناء فترة الغزو العراقي لدولة الكويت، حيث التزمت إيران بما تمخض من قرارات دولية.

 

2-  استراتيجية التحفيز الذاتي: ترمي إلى تأكيد دور إيران الإقليمي وضرورة احتسابها في المعادلة الإقليمية.

3-  استراتيجية المساومات: من خلال المناورة الدبلوماسية، وتحقيق درجة من الربحية. وقد تبلورت هذه الاستراتيجية إبان الغزو العراقي للكويت، عندما وافقت على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه استطاعت إيران الحصول على قرض من البنك الدولي.

 

4-  استراتيجية التصلب: ترمي إلى إظهار استقلالية إيران عن التبعية للغرب، من خلال التأكيد على قوتها الإقليمية المقاومة لكافة أشكال الهيمنة العالمية على منطقة الخليج.

 

كما تتفاوت هذه الأبعاد في مضامينها الرئيسية. إذ يتفاوت نمط السلوك الخارجي مع نمط التبادل التجاري، فإيران تتبع سلوكاً معادياً لبعض الوحدات الدولية، وفي الوقت ذاته تستمر في تبادلها التجاري والاقتصادي معها. مثلاً تتبع إيران سلوكاً معادياً تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة فهي لا تزال محتلة للجزر الإماراتية، في الوقت الذي تستمر فيه تجارتها معها. ونجد أن سلوكها تجاه أمريكا اللاتينية، والدائرة الأوروبية يقتصر على البعد الدبلوماسي، أي يأخذ طابعاً رسمياً، بينما نجد سلوكها تجاه دول الخليج والعالم العربي، يأخذ طابعاً سرياً لبناء تحالفات مع القوى غير الرسمية المعارضة للنظم السياسية في بلدانهم. وهكذا فإيران تتبع سلوكاً تجاه العالم العربي مختلفاً تماماً عما تتبعه مع دول أخرى، أي أن إيران بعيداً عنا نحن العرب ليست كإيران القريبة منا، هنا مشروع للهيمنة وبسط النفوذ، وهناك مشروع للتعاون الاستراتيجي. فتمثل إيران بالنسبة للعالم العربي، وخاصة الجوار منها، مشروعاً دينياً أيديولوجياً للهيمنة وبسط النفوذ، وبث الشقاق الطائفي، لكنها بعيداً عن دول الجوار تقدم وجهاً آخر للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. إيران بالنسبة للإمارات العربية المتحدة قوة احتلال عسكري، رغم التبادل التجاري بينهما، وبالنسبة للعراق قوة احتلال سياسي، وبالنسبة للمملكة العربية السعودية خطر يهدد بالتقسيم والاضطراب على أسس طائفية. وفي حين تتعاون مع الاحتلال الأمريكي للعراق، فإنها تدعم مقاومة حزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، لكنها بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية قوة مختلفة تماماً.

 

هذا التفاوت في الأبعاد والمضامين ليس تعبيراً عن عدم الرشد، إذ إنها سياسة قصدية متعمدة بغية إيجاد هذا التفاوت تحقيقاً لمصلحتها. وهكذا تتبع إيران سياسة مزدوجة، واحدة للعرب، وأخرى مختلفة تماماً للعالم اللاتيني والأوروبي. وواحدة موجهة للتعامل مع الحكومات العربية، وأخرى للتعامل مع الشعوب العربية، وثالثة للقوى غير الرسمية. كما قد تضطر إيران أحياناً إلى قبول مواقف كانت ترفضها، مثل قبولها قوات دولية في الخليج إبان الغزو العراقي للكويت، رغم أنها كانت تعتبر ذلك تهديداً لأمن الخليج.

 

وهكذا تتفاوت سياسة إيران الخارجية بتفاوت الوحدات الدولية الموجهة إليها تلك السياسات، ورغم أن سياستها تتسم بخصائص عامة، بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة تماثل تلك الخصائص بالنسبة لكل الوحدات الأخرى، فالسياسة الخارجية الإيرانية تجاه الجوار الإقليمي تختلف عن سياستها تجاه منظومة الدول اللاتينية أو آسيا الوسطى. ولا يعني أن عدم التماثل في سياستها أن تلك السياسات تتفاوت باختلاف كل وحدة دولية. لكن الأمر هو أن سياستها تتشابه نحو مجموعات معينة من الوحدات، فنجد نمطاً سلوكياً معيناً تجاه العالم العربي، ونمطاً آخر تجاه الدول اللاتينية، وثالثاً تجاه الدول الأوروبية. من هنا نرى أنماطاً فرعية متعددة للسياسة الخارجية الإيرانية، وتوزيعاً مختلفاً لحركة السياسة الخارجية، ومتفاوتاً من وحدة دولية إلى أخرى.

 

 

 

&nbs

لا تراهنوا كثيراً على الدور التركي

 

 بقلم : عيّاد البطنيجي

الناشر: مجلة  مدارات إستراتيجية- دورية تصدر كل شهرين عن مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية.

تاريخ النشر: السنة الأولى، العددان الرابع والخامس، يوليو/أكتوبر 2010

تجدر الملاحظة أن عنوان المقال من وضع مركز سبأ وليس من وضع الكاتب.

 

أمسى السجال العربي تجاه الدور التركي مادة دسمة للتداول في عالمنا العربي، إذ لا تكاد تخلو صحيفة أو موقع الكتروني من خبر أو مقال عن تركيا. فارتفع سقف توقعات العرب وازداد آمالهم، وهي توقعات أسيرة أوهام أكثر مما هي تعبير عن الواقع  الفعلي لقدرات تركيا. ونحن لا ندعي ذلك افتراءً، فيكفي إلقاء الضوء على التعبيرات المستخدمة في وصفهم للدور التركي حتى يتبن  ذلك (يمكن مراجعة مقالنا: خطاب المثقفين العرب تجاه الصعود التركي، منبر الحرية،  7 يونيو /حزيران 2010 ).

 

 

 صناعة الوهم

 

أمتلك الدور التركي بالفعل بعض النجاحات الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، ومع ذلك يرتكب المراقبون أخطاءً في فهم  هذا الدور،  ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب، أبرزها:

 

أولاً: تعمل تركيا، كما هي إيران، على استمالة بعض الكتاب العرب؛ للترويج لدورها، وتسويقه إلى الجمهور العربي، عن طريق المال أو بدعوتهم إلى تركيا والاحتفاء بهم. وهكذا، يصبح المطلوب من العرب القبول المطلق بتركيا، وتسهيل مهمتها، هكذا بدون شروط.  وأكثر من ذلك، يدعو البعض إلى الاستثمار العربي في الدور التركي؛ لأننا كعرب ضعفاء غير قادرين على حماية أنفسنا من إسرائيل وإيران، فليس لنا إلا تركيا المخلّص النهائي لجميع أزماتنا؛ إذ ستدفع إسرائيل إلى قبول عملية السلام مع العرب، وستروّض التمدد الإيراني وتحتويه.  أمام هذا التصور، ما هي نتيجة الوساطة التركية بين إسرائيل وسورية ؟ هل حققت شيئا ؟ لماذا لم تستطع تركيا أن تضغط على إسرائيل، ودفعها إلى القبول بعملية السلام، ليس مع العرب جميعاً كما يذهب صاحبنا، وإنما يكفي مع سورية فقط ؟! ولماذا افترض صاحبنا المبهور بالدور التركي أن الأخيرة ستعمل على احتواء التمدد الإيراني؟ ما هو المُضمر هنا ؟ أليس من المحتمل أن تتفق تركيا وإيران على تقسيم النفوذ بينهما في ظل غياب الدور العربي ؟! أليس احتواء تركيا للتمدد الإيراني يؤدي إلى توتير العلاقة التركية – الإيرانية، وهذا يخالف مبدأ الموازنة وتصفير المشكلات، التي يراهن عليها صاحبنا كثيرا في تقويمه للدور التركي ! لماذا تم السكوت عن هذه الخيارات ؟ وقبل ذلك، هل يقبل حزب العدالة والتنمية [الحاكم في تركيا] أن يلعب دورا في سياساته من هذا النوع؟ فتركيا لن تكون جزءا من موقف عربي له طابع مذهبي ضد النفوذ الإيراني. هكذا تقتضي مصلحة تركيا.

 

ثانياً:  يتحكم منظور عقدي أو أيديولوجي عند المحللين للدور التركي، فلا يقرؤونه إلا من خلال إيديولوجياتهم الخاصة. هذا النوع من المحللين لا يرون حتى أنفسهم إلا كاللون الذي وضعوه علي أعينهم، فينظرون إلى الدور التركي  باللون الذي يحب أن يروه به. وهكذا ينعزل هؤلاء في مغارة شخصية، وأحكامهم المتسرعة. ومن هنا، يصبح الدور التركي يرمي إلى" الدفاع عن أهل السنة ضد الأحلام الصفوية الشيعية"، ويردون السبب في التغيير الذي لحق السياسة الخارجية إلى "صحوة ضمير المسئولين الأتراك". وهكذا، يُثبِت الشعب التركي بأنه "شعبٌ من أفضل شعوب المسلمين"؛ لأنه " شعب يتميز بحميَّة إسلامية عالية، وبرُوح إيمانية رائعة"،  وبعودة تركيا "تعود الخلافة". لا نريد أن نفند هذا الأسطورة التي تصور تركيا كـ" قبضاي إقليمي"،  وكدور صلاح الدين الأيوبي في التاريخ الإسلامي، وباعثة الروح الإسلامية من جديد، وأمل للخلافة الضائعة؛  لأن الخطل واضح بشكل جلي للقارئ النبيه.

 

  ورغم أن ملامح السياسة التركية ما زالت قيد التشكل، وقسمات المشروع التركي لم تتبلور بعد، بيد أن هؤلاء أصدروا أحكاما قطعية ويقينية، في الوقت التي تبين القراءة الهادئة لسياسة تركيا الخارجية، أنها كانت دائما حذرة نسبيا، ومترددة، وممزقة بين الشرق والغرب، وبين العزلة والاندماج. وعليه يصبح مشروعا، والحالة هذه، أن نتشكك في استمرارية وثبات سياستها تجاه المنطقة العربية .

 

ثالثاً: يقرأ البعض الدور التركي بأثر رجعي، إن جاز القول. فبمجرد أن طرحت تركيا نفسها على الساحة الإقليمية، بدأوا بقراءة القدرات التركية الاقتصادية، والجيوسياسية…إلخ، وتكييفها بما يتناسب مع طرح مشروعها، وبما ينسجم مع توجهاتهم الخاصّة. بعبارة أخرى، فبدلا من قياس حقيقي لقوة تركيا؛ لمعرفة هل تتناسب هذه القوة مع المشروع التركي أم لا ؟ نقول بدلا من ذلك، يذهب المنبهرون بالمشروع التركي، إلى تكييف قدراتها وقوتها مع رغباتهم وأهوائهم. وهكذا، تصبح تركيا تملك من القدرات ما يؤهلها لإنفاذ مشروعها. هكذا بكل بساطة، دون أن يتحدث أحد عن الكيفية التي تؤثر فيها هذه المحددات على الدور التركي؟  فمثلا، كيف يؤثر المحدد الجغرافي أو السكاني على الدور التركي؟ وأين هي العلاقة بين الجغرافيا  أو السكان والدور التركي ؟ وكيف تؤثر الكتلة السكانية  أو الموقع الجغرافي على سياسة تركيا الخارجية ؟  وهكذا مع باقي المحددات .

   فضلا عن ذلك، فإن وجه الخطأ في تحليل القوة التركية يتجلى في أمرين: الأول، أن القوة، كظاهرة إنسانية وسياسية بشكل خاص، تخص الكيف وليس الكم فحسب. ومن هنا، ما هو نوع القوة التي تملكها تركيا ؟ خُذ على سبيل المثال لا الحصر  نوعية القوة التي تحوزها إسرائيل، فهي تتمتع بقدرات نوعية في مجال المعلومات، والتكنولوجيا، والتقنية العسكرية، والصناعة والزراعة، وتقدم في هذه المجالات للعالم ما لا تستطيع تركيا من تقديم جزء منه، وحتى تركيا تعتمد على إسرائيل في بعض المجالات. فضلا عن قوة اللوبي اليهودي في العالم، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الدعم المادي والمعنوي الغربي لإسرائيلي وتعاطفه معها، وقارن ذلك بتركيا، لندرك أن القوة هي في النوع وليس في الكم فقط.

 

 

  الأمر الثاني،  أن القوة هي ظاهرة نسبية، وبالتالي فنحن لا نستطيع معرفة حقيقة قوة دولة ما إلا من خلال مقارنتها بدولة أخرى، فمن خلال المقارنة نقيم ونفهم الأشياء، ونعرف حقيقة قوة كل دولة أو اللاعب السياسي، فقوة أو ضعف أي لاعب دولي مرتبط بقوة أو ضعف لاعب دولي آخر. وهكذا نقول: إن القوة ظاهرة نسبية، فقوة أي لاعب هي ضعف للاعب الآخر، وبخاصة إذا كانت العلاقة بينهما صراعية. وعليه فتركيا قوية بالنسبة لمن؟ من المؤكد أن تنامي الدور التركي لن يكن على حساب الدول القوية في المنطقة، بل على حساب الدول الضعيفة، ونقصد هنا الدول العربية

رابعاً: عدم الربط والتمييز بين الشكل والمضمون. فمنذ أن أعلنت تركيا عن مرتكزات سياستها الخارجية، انبرى المحللون في تحليل الدور التركي من خلال هذا المبادئ، دون نقد أو تمحيص علمي لها، ومدى جديّة هذه الشعارات الصاخبة، ودون التساؤل عن أصول هذه المبادئ، ومدى قدرة تركيا على الاستمرار بها. وهكذا شكلت هذه الكليشيهات سلطة استطاعت أن تؤسِر البعض وتقحمهم في تصورات غير واقعية . فضلا عن ذلك، فبمجرد تحـّسن العلاقة التجارية بين تركيا وسورية، ذهب البعض إلى وصف هذه العلاقة  بالعلاقة الإستراتيجية والتحالفية، رغم أن البلدين لم يحلا أيا من المعضلات البنيوية بينهما مثل الحدود والمياه.

سادساً: يغلب التحليل المجتزأ والانتقائي للظاهرة التركية، دون تأمل ترابط الأشياء جميعا، فالشيء يتلو الشيء في نظام مترابط.  وهكذا، فإن التحول التركي ما هو إلا "صحوة ضمير المسئولين الأتراك"، أو بسبب التوجه الإسلامي لحزب العدالة والتنمية، أو بسبب فشل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، دون أن يتم الربط بين تأثير المتغيرات الداخلية والخارجية على هذا التحول. فضلا عن ذلك، ثمة افتقار إلى المعرفة الكاملة للنظام السياسي التركي ومراحل تطوره. فمثلا يشاع خطأ أن مبدأي "الموازنة" و"المسالك المتعددة" هما من اجتراح [وزير الخارجية الحالي] أحمد داود أوغلو، هكذا دون سابق إنذار، رغم أن هذه المبادئ هي امتداد طبيعي، وتأكيد لدور من قبله من السياسيين الأتراك أمثال سليمان ديميريل مثلا، الرئيس التاسع لتركيا، الذي أعلن في العام 1976 أن " بلاده تفضل إتباع سياسة متعددة الجوانب بدلا من أن تكون معتمدة على العلاقات مع دولة واحدة"، إضافة إلى بروتوكول 1982، إذ نص على أن تركيا " لن تنتهج سياسة ذات حد واحد أبدا" . ويكرر اليوم أوغلو  مرة أخرى هذه المبادئ. وهذا ما يلفت بشكل واضح إلى أنه ليس من السهل تحقيق هذه المبادئ، إذ بقيت السياسة الخارجية التركية "وحيدة البعد" أو "وحيدة الاتجاه" ومنحازة نحو الغرب. ولكن من الملاحظ أن في الفترة الأخيرة حدث تغيير على ذلك، بيد أن تركيا تواجه تعقيدات تجاه إنفاذها. فهل ينجح أوغلو ؟! وهذا يشي بأن ثمة عوائق موضوعية تقف حجر عثرة أمام إنفاذها .

 

الدور التركي المكبل

 

إنفاذ الدور التركي منوط بامتلاك مقومات القيام به، والقبول به داخليا وخارجيا.  يثار جدل حول أسباب "التحول الاستراتيجي" لتركيا. المشكلة هنا أن الباحثين يذكرون متغيرات عديدة، أو يركزون على متغير وحيد يفسرون من خلاله هذا "التحول"، دون ترتيب أهمية المتغيرات حسب وزنها النسبي، حتى يمكن تحديد المؤثرات والأسباب للوصول إلى فهم واضح، ونتيجة تعي تلك المتغيرات المختلفة وراء هذا "التحول" .

هناك العديد من العوامل التي كانت وراء "التحول" التركي، وكلها مهمة ولابد أن تأخذ حقها في البحث والدراسة، ولكن لاحظنا أن ثمة عاملا حاسما وراء هذا التحول، وهو ثمرة للأحوال المكانية، أي تحت ضغط الجغرافيا السياسية لتركيا، معطوفاً على اعتراف دولي بهذا التحول. ولاحظنا أيضا أن هذا العامل الحاسم يشكل في بعض الأحيان عامل إعاقة للدور التركي. ويعتبر البناء الجغرافي لتركيا ملتبسا، فجزء منه واقع في أوروبا والثاني في أسيا، وبالتالي فهو غير محدد  بطريقة نهائية، وإن شئنا الدقة  فهو بناءٌ تائهٌ بين أسيا وأورويا. وتحيط بها مجموعة من الدول العلاقة معها تتراوح بين التعاون والصراع. ويتميز البناء الاجتماعي التركي بتكوين عرقي وديني ولغوي متعدد، تلعب العوامل الإقليمية في كثير من الأحيان بإثارة مشكلات تجاه التكوين الاجتماعي المتنوع. ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تبدلت الجغرافيا السياسية لتركيا، فترك الأثر الكبير على تبدل سياستها الخارجية، بغية تكيفيها مع المتغيرات الجيوسياسية الجديدة. وهكذا فعقد التسعينات يعتبر المقدمات الضرورية لهذا "التحول الاستراتيجي".

وكان من نتائج هذه التحولات، أن فقدت تركيا أهميتها الإستراتيجية، كقلة أطلسية، في مواجهة التهديد السوفيتي. وبالتالي يظهر مجددا هاجس الخوف من تهميش الدور التركي. إضافة إلى بروز خمس جمهوريات سوفيتية مسلمة استقلت، هي ذات أصول عرقية تركية، وضعت تحديات كبرى أمام السياسة التركية تجاه أسيا الوسطى التي تمثل مركزا أسيويا ذا تأثير متوقع في السياسة العالمية للدول الكبرى، فضلا عن تنافس دول عديدة على النفوذ في طليعتها إيران وروسيا وإسرائيل وأمريكا وباكستان، بالإضافة إلى الأطراف البعيدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وهكذا أصبحت أسيا الوسطى، دائرة جيوبوليتكية في غاية الأهمية، وساحة مفتوحة للتجاذب الإقليمي والدولي. فالإمكانيات المتفوقة التي تملكها هذه الدول قد تكون عامل إعاقة أمام السياسة التركية للاكتساب النفوذ، إذ قد تعجز فالإمكانيات الذاتية لتركيا على منافسة هذه الدول. وبالتالي فإن نجاح سياستها في هذه المنطقة مرهون بعدم استفزاز الدول التي لها مصالح هناك.

وعليه، يتبين لنا أن الموقع الجغرافي المتميز لتركيا، والذي يتغنى به المراقبون، رغم أنه يشكل رافعة لتركيا ما يجعل لها مكانة جيوستراتيجية، بيد أنه في الوقت ذاته  فرض عليها قيوداً. والأهم من كل ذلك، هو بزوغ الروح الروسية من جديد، وعودتها كقوة دولية  ذات نفوذ، ما يُعرّض سياسة تركيا الخارجية تجاه أسيا الوسطى والقوقاز للعرقلة والتحدي الروسي، وهذا يذكر الأتراك حقبة الخطر السوفيتي، ويحول دون تفرد سياسة تركيا تجاه دائرة أسيا الوسطى والقوقاز. فروسيا قادرة على كبح التوسع التركي في حال امتلكت إيديولوجيا توسعية أو إذا تعاطت بمنظور إيديولوجي إسلامي أو قوموي، أو عرضت مصالح روسيا لتحدي ما.  وبالتالي، فإن تحقيق مصالح تركيا وتلبية احتياجاتها من الطاقة قد تتعرض لتحديات، وبخاصة أن تركيا إحدى الدول المستوردة للنفط والغاز، وهي لا تملك إلا القليل من الوسائل الخاصة اللازمة لتحقيق مصالحها تجاه أسيا الوسطى وبحر قزوين؛ فنجاح سياستها هنا يتوقف في المقام الأول على الدعم السياسي من قبل واشنطن، وعدم استفزاز السياسة الروسية، الحفاظ على سياسة متوازنة.  يفرض هذا النمط المعقد والمتشابك من علاقات الطاقة عملية موازنة بالغة الدقة من جانب تركيا، وأن لا تأخذ صفة الثنائية، بل صفة التعددية على الأنماط السياسية والاقتصادية في تفاعلاتها مع الدول ذات الصلة بعلاقات الطاقة، ومتسقة مع المصالح السياسية والاقتصادية لحلفائها الأمريكيين، والأوروبيين. وهذا يتطلب القدرة على الالتزام بمبادئ "الموازنة" و"المسالك المتعددة".

 

 وهكذا نفهم كيف اجترح اوغلو مقاربته تحت تأثير الدور الحاسم للجغرافيا السياسية. فتركيا في موقع  جيوبوليتكي غير مريح، ومثقل بالتناقضات؛ وتحت ضغط جيرانها، لذا تتعدد اتجاهاتها. وعليه، يتضح أن الجوار الإقليمي يلعب دورا بالغا تجاه آمال الأتراك التنموية، مما يتطلب الانفتاح السياسي والاقتصادي على هذا الجوار الضاغط، الذي يمثل مجالاً حيوياً لنمو علاقاتها الاقتصادية، وبخاصة تجاه المنطقة العربية وإيران وأسيا الوسطى.

 

 ومن هنا  يتبين مدى صعوبة وضع الأتراك الجغرافي، فتركيا واقعة بين سندان أسيا الوسطى ومطرقة الشرق الأوسط، والرغبة في الاندماج بالغرب، مما يخلق شعوراً بوجود قدر كبير من المخاطر لديها يفاقم الإحساس العام بالضيق وعدم الاطمئنان، يدفعها إلى الاستمرار بالروابط الدفاعية مع واشنطن وحلفائها الغربيين من خلال حلف الناتو؛ لأنه كلما تعرضت تركيا لتحديات أمنية زاد من ارتباطها بواشنطن والاستمرار في التحالف الغربي والعكس صحيح. وبالتالي، فإن العلاقات التركية- الأمريكية "كانت تتوسع كلما وجد الطرفان ضرورة لتوسع مفهوم الأمن ليشمل قضايا السياسة والاقتصاد والثقافة". فأسيا الوسطى والشرق الأوسط يُشكلان مناطق جيوسياسية، لا يسمح عمالقة القوة بالعبث بها. يدرك الأتراك أن معالجة المشكلات الاقتصادية تتطلب مساعدة الدول الكبرى، وبخاصة أمريكا، ومن خلال المؤسسات المالية الدولية.

 

وبخصوص الدائرة الجغرافية الأخرى والمهمة لتركيا، أي الشرق الأوسط، فالأخير يتميز بالاستقرار، ويعد منطقة مهمة استراتيجيا واقتصاديا، وجاذبة للدول الكبرى التي ترتبط مصالحها الحيوية بهذه المنطقة وتتعدد مصالحها، والدور التركي هنا مرتبط بعدم استفزاز مصالح هذه الدول. فمن الملاحظ مثلا  أن تركيا تؤكد في كل تحركاتها على أن دورها لن يكون على حساب أحد، بمعنى أن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وتكالب مصالح الدول الكبرى على المنطقة، فضلا عن وجود إسرائيل القلعة الغربية واللاعب الرئيس؛ كل ذلك يُكبُِل من حرية الحركة التركية، ويكبح من  الذهاب بعيدا عن سياسة الدول الكبرى وبالتحديد واشنطن. فمن الملاحظ مثلاً أن تركيا ظلت حريصة على ألا تمس تداعيات أزمة أسطول الحرية جوهر العلاقات الإسرائيلية –التركية.  فضلا عن الاحتلال الأمريكي للعراق الذي دفع الأتراك بالاهتمام بالشأن العراق لما يتصل ذلك بوضع الأكراد، وأزمة الملف النووي الإيراني. وهكذا يتبين لنا كيف لعبت الجغرافيا السياسية لتركيا دورا في اجتراح المبادئ التي يسير عليها أوغلو في تسيير دفة السياسة الخارجية لبلاده.

 

  وعليه فإن جيوبوليتك الشرق الأوسط يجعل من إمكانية أن تكون تركيا " رأس حربة" في سياسات الشرق أوسطية هو موضع شك، ويحد من قدرتها على أن تلعب دوراً كبيراً في جهود السلام والتوفيق بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو بين سوريا وإسرائيل؛ لأن ذلك يعتمد بالأساس على قبول هذه الدول لدور تركيا أكثر من القدرات الذاتية للأخيرة، وستظل قاصرة عن تغيير مسار الجيوبوليتيك سواء على صعيد الشرق الأوسط أو أسيا الوسطى. ومع ذلك تبقى تركيا مهمة لأنها الوسيط الوحيد الذي يمتلك علاقات جيدة مع الجميع.

 

 

انماط السياسية الخارجية الايرانية

 


أنماط السياسة الخارجية الإيرانية



 كتبهاعياد البطنيجي ، في 3 شباط 2011 الساعة: 10:19 ص

   بقلم: عياد البطنيجي

 

الناشر: مجلة أراء حول الخليج، مجلة شهرية تصدر عن مركز الخليج للأبحاث- العدد 77- فبراير- 2011

الرابط

 ملاحظة: تجدر الإشارة إلى أن مركز الخليج للأبحاث قام بحذف المراجع التي استندت إليها الدراسة، وهذا إجراء مخالف لأصول البحث العلمي وأخلاقياته. وعليه، فقد ارتأيت نشر هذه الدراسة كاملة عبر هذه المدونة مع الإشارة إلى المراجع التي استندت إليها الدراسة، التزاما مني بفضل هؤلاء الكتاب والمؤلفين، واحتراما لهم، فلولاهم لما تمكنت من كتابة هذه الدراسة.

   إضافة إلى ذلك، فقد  أرسلت إلى مدير تحرير المجلة الأستاذ فالح العنزي  رسالة قلت فيها مايلي:

الأخ العزيز / فالح العنزي          مدير تحرير مجلة آراء حول الخليج

     تحية طيبة وبعد،،،

        بالإشارة إلى دراستي المنشورة في مجلة آراء العدد الأخير، رقم  77 فبراير 2011، والموسومة بالعنوان" أنماط السياسة الخارجية الإيرانية"، فأنني سعدتُ جدا بنشركم الدراسة في مجلتكم المحترمة، فهي  تعد بحق منبرا علميا جديرا بالاحترام والتقدير. ولكن بكل أسف سعادة لم تكتمل؛  فقد لاحظتُ أن الدراسة نشرت بدون المراجع، رغم أنها اُعتمدت على عددٍ من المراجع، التي استندت إليها في كتابتي للدراسة، وهذا موقف يخالف أخلاقيات البحث العلمي. وفي الحقيقة إنني محرجٌ شديد الحرج على نشركم الدراسة دون الإشارة إلى المراجع؛  لأن الكتاب والمؤلفين هؤلاء اُعتمدت عليهم  الدراسة واُقتبست منهم  اقتباسا حرفيا وأشرتُ إلى ذلك بين مزدوجين، واقتبست اقتباسا ضمنيا أيضا وأشرت إلى ذلك  بدون مزدوجين، وذلك حسب أصول البحث العلمي، فلهؤلاء جميعا الفضل الكبير، فلولاهم  لما  تمكنت من كتابة الدراسة . ثم على فرض أنهم سوف يقرأون  الدراسة،  فسوف أُتهم بالسرقة وعدم الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي، لأن ذلك اعتداء على حقوق الملكية، وإثراء بلا سبب يحاسب عليه القانون، وهذا موقف لا استطيع احتماله.

   وبناء على رسالتي المذكورة أعلاه فقد تكرم سيادته مدير تحرير المجلة، ورد برسالة قال فيها ما يلي:

  الاخ الأستاذ / عياد البطنيجي       الموقر

   تحية طيبة وبعد ..

     بداية أشكر لك تواصلك معنا واهتمامك بالنشر في مجلة آراء حول الخليج .. كما أشكر لك حرصك على الأمانة العلمية وهذا ما نتمناه ونرجوه من كل الكتاب الذين يشاركون معنا في المجلة (ولاأخفيك سراً بأننا نعاني من هذه المشكلة للأسف)، ولكني اود التوضيح بأن المجلة ومنذ عددها الأول لم تنشر أي هامش في أي مقال (على الرغم من اشتراطنا على الكاتب ذكر المصادر والهوامش بالتفصيل)  وذلك لأن الهوامش أحياناً تأخذ مساحة كبيرة من المجلة ، وتسبب لنا اشكالية في التنسيق ، خصوصاً وأن المواد المنشورة هي في العادة مقالات قصيرة وليست دراسات مطولة تحتاج الرجوع فيها لمصادر تفصيلية .. ومع ذلك كنا نؤكد دائماً على الكتاب بان الإقتباسات المهمة يمكن الإشارة إليها أو إلى قائلها في متن المقال وليس في الهامش، وأصبحت هذه قاعدة يتبعونها في كل المقالات .. وأنا اعتذر إن لم نحطك علماً بهذه المعلومة لأننا كنا نظن بأنها أصبحت معروفة لقراء المجلة بعد 77 عدد .

 

     على العموم نعتذر إن كان هذا الإجراء قد تسبب لك في بعض الإحراج ، وأؤكد لك بأنك لاتتحمل مسئولية حذف الهوامش من قبل المجلة، ويمكن لأي معترض (إن وجد) أن يتواصل معنا عبر أي وسيلة اتصال، للتأكد من ذلك.

  تقبل مني التحية والتقدير

    فالح العنزي

   مدير تحرير مجلة آراء حول الخليج

 

 

 

  —————————————————————————

 

 

أنماط السياسة الخارجية الإيرانية

 

 يفترض التحليل العلمي للسياسة الخارجية للوحدات الدولية أنها سياسة نمطية. فالعلم، سواء أكان طبيعياً أم اجتماعياً، يهدف إلى البحث عن الثابت والنسقي والمتكرر. وهكذا، فمن بين اهتمامات علم السياسة الخارجية معرفة الخصائص المتميزة للسياسة الخارجية للوحدة الدولية التي تحدث بطريقة تكرارية، والتي يمكن رصدها والتنبؤ بها.

 

تحدث السياسة الخارجية في شكل أنماط يمكن تفسيرها وتوظيفها للتنبؤ بمساراتها المستقبلية. ومن هنا يتطلب فهم السياسة الخارجية الإيرانية استخلاص الأنماط الرئيسية لتلك السياسة.

 توصيف السياسة الخارجية الإيرانية:

 حتى يمكن رصد أنماط السياسة الخارجية الإيرانية، يتعين بداية توصيف أبعاد عدة رئيسية(1):

 أولاً: أهمية السياسة الخارجية بالنسبة لإيران

 تحتل السياسة الخارجية الإيرانية موقعاً مركزياً، ويزداد موقعها أهمية عبر الزمن. يتجلى هذا الاهتمام من خلال عمليات استحداث دائمة ومستمرة لوزارة الخارجية من خلال استبدال للدبلوماسيين بغيرهم وبوجوه جديدة وشابة، وإنشاء مراكز للتخطيط الاستراتيجي والدراسات السياسية والدولية، بهدف تحسين آلية اتخاذ القرارات، وجمع المعلومات، وغيرها من المراكز والفروع التي ترمي إلى تنشيط السياسة الخارجية وتحسين أدائها. ورغم عدم وجود رقم معلن لمعرفة ميزانية وزارة الخارجية من الموازنة العامة للدولة، إلا أنه يمكن أن نستنبط أن الدولة تخصص ميزانيةً ضخمةً تُصرف على نشاط سياستها الخارجية. ومن مؤشرات ذلك، الانخراط الواسع بالسياسة الإقليمية والعالمية، ودعم جماعات وقوى الممانعة(سوريا، حزب الله، حماس، الجهاد الإسلامي، وأفراد متعاطفين مع سياساتها، والخلايا الإيرانية المنتشرة في العالم، فضلاً عن الشيعة خارج إيران، قوى وأحزاب عراقية وأفغانية). وقد انتقدت المعارضة الإيرانية هذا النشاط المتزايد في الخارج بحجة أنه يبدد أموال الشعب الذي هو بحاجة إليها للتنمية في الداخل.

هذا النشاط الواسع لإيران في الخارج يبين أن السياسة الخارجية لدى النخبة الحاكمة تحظى بأهمية بالغة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن إيران تسعى إلى أن يكون لها دورٌ أكبر على المستويين الإقليمي والدولي، وقوة إقليمية عظمى مرهوبة الجانب.

 

 ثانياً: العوامل الأكثر تأثيراً في رسم السياسة الخارجية الإيرانية

 

يتسم النظام السياسي الإيراني بتعدد الأقطاب التي تؤثر في نظام السياسة الخارجية أو لها الحق في إبداء آرائها أو في اتخاذ القرار. ورغم تعدد القوى المؤثرة إلا أن منصب المرشد الأعلى يعد أعلى منصب في اتخاذ القرارات الكبرى بشأن السياسة الخارجية لإيران، وهذا ما تؤكده التجربة العملية. وبالتالي تشكل ولاية الفقيه أحد أهم مصادر السياسة الخارجية، بوصفها تجسيداً للإطار الفلسفي للحكومة الإسلامية القائمة على فكرة الحاكمية. ومن المهم في هذا الإطار أن نعرف أن ولاية الفقيه والأسس الفلسفية التي تستند إليها فكرة الحاكمة، تؤديان إلى توسيع حدود سلطة المرشد ونطاقها في السياسة الخارجية، بمعنى أن مفهوم السلطة حسب مضامين هذه المفاهيم لا يتقيد بقيود دستورية أو قانونية. وعليه من الخطأ اعتبار أن الدستور قد حصر صلاحيات المرشد واختصاصاته في نطاق معين، فمضامين سلطته وأبعادها أوسع بكثير مما حدده الدستور. فعند تحليل مضمون خطب الخميني وكتاباته نقف بوضوح على ما ذكره حول حدود سلطة الولي الفقيه بوصفها أوسع مما حدده لها الدستور، ويكفي مراجعة كتبه: "ولاية الفقيه" و"الحكومة الإسلامية"، يتجلى لنا بوضوح أن سلطة الولي الفقيه لا حدود لها، وأن الدستور لا يحدد صلاحيته ولا يقيد سلطته أو يضبطها، بل الصحيح هو أن المرشد فوق الدستور، يحذف أو يجمد أو حتى يسقط ما يشاء من موادهِ ومبادئه، وحسبما يرى، فما ذلك عليه بعسير.

 

وهكذا يصبح المرشد صاحب السلطات الأوسع في تقرير الملامح العامة للسياسة الخارجية، واتخاذ القرارات بشأنها. وجدير بالذكر أن تأثير القيادة السياسية في صنع القرار يتعاظم في إيران بوصفها دولة نامية، على عكس ما يكون في الدول الديمقراطية والمتقدمة. وجدير بالذكر أيضاً أن التاريخ السياسي لإيران في الحقب الماضية يؤكد أن صانع القرار في السياسة الخارجية كان دائماً محصوراً في الملوك إلى درجة اندماج تلك القرارات بطبيعة ومزاج الملوك وصفاتهم الشخصية من دون اعتبار لأي مصلحة خارج ذواتهم وطموحاتهم(2). وهذا يعنى أن السلطات المطلقة للمرشد الحالي لها جذور. وهكذا فمنصب الولي الفقيه يشكل أحد المحاور والأركان الأساسية المؤثرة في توجهات السياسة الخارجية، فمكانته تلعب الدور الأكبر الرئيسي والحاسم في توجيه السياسة الخارجية، وخصوصاً في القضايا العليا.

 

ثالثاً: الاستمرار والتغير في السياسة الخارجية الإيرانية

 

يلحظ المتابع للسياسة الخارجية الإيرانية أنها تتسم بقدر كبير من الاستمرارية والتواصل في مضامينها وأبعادها وأهدافها، ليس في حقبة الثورة فحسب بل ما قبلها. بعبارة أخرى ثمة عناصر للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية مستمدة من حقب تاريخية قديمة:

 1-   سعي إيران إلى امتلاك التكنولوجيا النووية، هذا السعي دشن زمن الشاه، وما زالت إيران تسعى إليه حتى الآن، واحتلالها للجزر الإماراتية.

 2-  جعل البلد ذا شأن في السياسة العالمية. فمنذ أن فرض المذهب الشيعي عليها في مطلع القرن السادس عشر، وهي تسعى إلى جعل البلد ذا مكانة مرموقة في النظام الإقليمي والدولي، وقوة عظمى لا تضاهى. هذا الطموح دفع صناع القرار في الحقب الماضية إلى الدخول في "مغامرات حربية لم يكونوا أهلاً لها، وجريهم وراء خيال لاسترجاع ممتلكات الإمبراطورية القديمة وأمجادها"(3)، ما جر ويلات على إيران.

 3-  ميل صانعي السياسات إلى تبني أهداف لا تتناسب مع الإمكانات والقدرات والوسائل المتوفرة لديهم. هذه الصفة لها جذور تاريخية وهي ما زالت حاضرة إلى الآن. فإيران المعاصرة ترغب في إنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب، تكون فيه قطباً دولياً محورياً يتحدى الهيمنة الأمريكية. لكن هناك فرقاً بين الرغبة والمقدرة(4). فإيران لديها موارد تؤهلها للعب دور إقليمي، لكن بخصوص التصور والتمثلات(الإيديولوجية الحاكمة) التي تؤثر بالضرورة في نظام السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، يكتنفها قدر كبير من الـمبالغة، فهي تعمل على تعظيم الذات وتضخيمها، وترسم لنفسها دوراً يفوق دورها كدولة دنيوية يقودها بشرٌ، فهذه الشمولية في التصورات تتضمن بالضرورة الفراغ. فهي تفترض أن العالمَ فراغ تسعى إيران إلى ملئه. هذه التصورات جعلت السياسة الخارجية الإيرانية في كثير من المراحل تتسم باللاواقعية التي تميزت بها السياسة الخارجية التقليدية لإيران، واستمرت حتى عهد الثورة، إلا أن إيران شهدت في عقد التسعينات تغيراً بالاتجاه نحو الواقعية وخاصة مع صعود التيار الإصلاحي. بيد أن ليس هناك ضمانة بأن يستمر هذا الاتجاه، وعندما تتحرر إيران من الضغوط الخارجية قد تعود مرة أخرى إلى ممارسة سياساتها اللاواقعية، وربما تجد الطموحات الشخصية للولي الفقيه التي تنطلق من مبدأ عالمية السياسة الإيرانية، كما هي مدونة في كتاب "ولاية الفقيه"، منفذاً للتعبير عنها والعودة إلى الطموح القومي المتزايد الذي أصبح راسخاً في الثقافة السياسية الإيرانية. وهذا ما يذكرنا بحقبة الشاه الذي أدخل أسلوباً جديداً في السياسة الخارجية الإيرانية يتسم بالعقلانية والواقعية، وخصوصاً في صراعه مع الاتحاد السوفييتي، ومنازعته مع بريطانيا، وحقق ما كانت تصبو إليه إيران من الاستقلال والتحرر من قبضة روسيا وسيطرتها التي دامت لفترة طويلة من الزمن، وتخلصت من الاستعمار الاقتصادي لشمال إيران واحتكار روسيا للتجارة في الأسواق وتجارة الترانزيت. كما استغل الشاه بذكاء حاجة الدول العظمى آنذاك في تحقيق مكاسب سياسية، من خلال استعماله سياسة ضرب الأطراف المتنافسة مع بعضها بعضاً، فكان يتقرب إلى ألمانيا وروسيا ليدفع بريطانيا إلى إرضاء الشاه للحد من تماديه في التقرب من خصومها. كما استعاض عن التصادم المسلح والحروب بالدبلوماسية لحل المشكلات العالقة مع الجيران "وكان ذلك للمرة الأولى في تاريخ إيران"(5). لكن هذا التحول لم يستمر طويلاً، لم يستطع الشاه التحرر كلياً من عناصر السياسة الخارجية التقليدية لإيران، فهذه المنجزات الجيوسياسية والاقتصادية التي حققها دفعته إلى المبالغة في التعبير عن طموحاته الشخصية، وعادت الرواسب مرة أخرى إلى التسلل لسياستها الخارجية، فبالغ في الاكتفاء الذاتي، والاستقلال المطلق، وتحويل إيران إلى قوة عظمى تقف كند أمام روسيا وألمانيا وبريطانيا، وتجاهل الشاه الواقع الدولي وموازين القوى، فجرت ويلات على إيران.

 4- تحكم القيادة وشخصية الملوك في السياسة الخارجية. فأهداف الدولة ومصلحتها القومية دائماً ما تعبران عن الرغبة الشخصية للملوك، ولا تزال حاضرة إلى الآن. فالخميني هو من قرر طبيعة عالمية السياسة الخارجية لإيران، كما حددها في كتابيه "ولاية الفقيه"، و"الحكومة الإسلامية". وحتى الدستور فإنه يعكس قناعاته وتصوراته وفلسفته الخاصة. وأي تغيير في الحياة السياسة الإيرانية سواء كان على الصعيد الداخلي أو الخارجي يجب أن يتم بموافقة المرشد، ولا يمكن أن نتوقع أية قطيعة سياسية مع سياسة إيران التقليدية إلا إذا مست المرشد الأعلى وصلاحيته، وهو أمر في غاية الصعوبة.

 

5- الحياد أو عدم الانحياز وسياسة عدم الانضمام إلى التحالفات الدولية، وهي سياسة ترتبط بالجذور الثقافية والحضارية الفارسية(6).

 

رابعاً: مضمون الأبعاد الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية

 تأسيساً على ما تقدم، وبالإشارة إلى التصورات والتمثلات التي تعتمل في الذات الإيرانية وتداعياتها على نظام السياسة الخارجية، يمكن القول، كنتيجة منطقية مستنبطة من المقدمة السابقة، إن السياسة الخارجية لإيران تتسم بأبعاد متعددة، تتأثر بالعوامل الداخلية والبيئة الإقليمية والدولية، وما يحدد تجاه هذه الأبعاد متغيرات عدة منها البيئة النفسية لصانع القرار، والضغوط الاجتماعية الداخلية أو الحراك الاجتماعي والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، والبيئة الخارجية (النسق الإقليمي والدولي). هذه المتغيرات بمجملها تشكل المحددات التي تعين أبعاد السياسة الخارجية.

 

1- البعد العالمي للسياسية الخارجية لإيران

 تتميز إيران بتعاظم تأثير النسق الدولي على سياستها الخارجية، فهي تتأثر بشكل كبير بالواقع الدولي ومعطياته، وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية تولي اهتماماً كبيراً بإيران. كما تحاول الأخيرة مقابلة السياسات الأمريكية في المنطقة بسياسات أخرى مقابلة لفرض معادلة التوازن الإقليمي. كما أن شخصية المرشد الأعلى، والفلسفة السياسية المتجسدة في كتابي "ولاية الفقيه" و"الحكومة الإسلامية"، فضلاً عن الدستور الإيراني، كل ذلك يبين تبني البعد العالمي هدفاً للسياسة الخارجية الإيرانية، وبالتالي فهي تقوم على الأفكار اللاحدودية والأهمية واللاقومية. فمنظّر السياسية الخارجية الدكتور جواد لاريجاني يوضح أن من بين أهداف السياسة الخارجية لإيران "العمل على إيجاد الوحدة بين الأمم الإسلامية في العالم" و"الدفاع عن أراضي المسلمين ومصالحهم" و"الدعوة إلى الإسلام"(7).

 

 

وثمة مواد في الدستور الإيراني توضح البعد العالمي في سياستها الخارجية نكتفي بذكر بعضها. تنص المادة (152) "الدفاع عن حقوق جميع المسلمين". والمادة (154) "دعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة في العالم". والمادة الثالثة الفقرة الخامسة تنص على: طرد الاستعمار ومكافحة الوجود الأجنبي. هذه المواد توضح الهوية الإسلامية لإيران، ومهمة الدفاع عن المسلمين باعتبار إيران بداية المشروع الإسلامي على حد قول الخميني. وهكذا فإن سياستها تمتد لتشمل كافة المسلمين بهدف توحيدهم تحت راية ولاية الفقيه، وهو المعنى الذي أكده لاريجاني في كتابه "أم القرى" كما سبقت الإشارة. وتعطي هذه المادة الحق لإيران في التدخل في شؤون الدول الأخرى لتحقيق هذا الهدف. وبالتالي "أياً كانت هذه الوسائل لن تخرج عن إطار التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى التي يوجد فيها هؤلاء المسلمون"(8). أما المادة (154) فهي تتجاوز إطار الهوية الإسلامية لتمتد وتشمل كافة المستضعفين أينما وجدوا في هذا العالم الواسع.

 ومن خلال متابعة السياسة الخارجية الإيرانية نجد بالفعل أنها تتسم بنشاط وحيوية تختلف عن دول المنطقة، فنجد لإيران تواجداً في كل الدوائر الجيوسياسية المهمة: إفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية. هذا النشاط العالمي المتزايد لإيران بالفعل آثار رد فعل استنكارياً من دول العالم أهمها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فمثلا استنكر الجانبان، واشنطن وتل أبيب، النشاط الواسع لإيران تجاه أمريكا اللاتينية واعتبروه غزواً إيرانياً لأمريكا اللاتينية، وقررت إسرائيل زيادة حملتها الدبلوماسية للتصدي لتنامي نفوذ إيران، من خلال حرب دبلوماسية ضد طهران تشعلها في أمريكا اللاتينية، لتنضم إلى الجهود الأمريكية والأوروبية(9). وأيضاً تحفظت كل من إسرائيل وأمريكا على سياسة إيران تجاه إفريقيا وآسيا الوسطى. فقد شنت إسرائيل حملات سياسية ودبلوماسية في آسيا الوسطى لمحاربة النفوذ الإيراني. نخلص من ذلك ونقول إن البعد العالمي للسياسة الخارجية الإيرانية حاضر وبقوة على المستويين الدستوري والواقعي.

 

2- البعد الإقليمي للسياسة الخارجية لإيران

 

يشكل الخليج بعداً حيوياً من أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية، فهو من المصالح الحيوية التي تؤثر في الأمن والراحة العامة واستقرار نظامها السياسي. وتحقيق مصالحها في الخليج يحظى بالأهمية القصوى لضمان أمنها. وحتى الدور الإيراني يسعى إلى جعل إيران قوة إقليمية عظمى مهيمنة على النظام الإقليمي الخليجي حيث تفرض رؤيتها الاستراتيجية وتحدد من خلالها العدو والصديق.

 

أما البعد الثاني للسياسة الخارجية الإيرانية، فيتجلى في منطقة بحر قزوين والمصالح الناتجة عن انتقال خطوط الطاقة من بحر قزوين وآسيا الوسطى عبر إيران إلى العالم الخارجي. وهو بعد استراتيجي ترى إيران أن في تحقيقه مصلحة استراتيجية لضمان مصالح المجموعة الأولى، وتؤثر بشكل غير مباشر في الأمن الإيراني.

 

والبعد الإقليمي الثالث المهم للمصالح الإيرانية ونظام السياسة الخارجية يتجسد في مصالحها تجاه لبنان وفلسطين، وهما من المصالح القومية المهمة بالنسبة لها.

 

3- البعد المحلي للسياسة الخارجية الإيرانية

  يعتبر البعد المحلي في غاية الأهمية، حيث تسعى إيران إلى التنمية الاقتصادية والاكتفاء الذاتي، والحصول على التقنية لتلبية احتياجاتها الداخلية. وبينما زاد الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران في تردي الوضع الاقتصادي وتعميق مأزقه، بالإضافة إلى حالة الحراك الاجتماعي الذي يكشف عن حالة الخنق والاهتياج الشعبي فيها، كل ذلك يدفعها إلى جعل البعد الداخلي في سياستها الخارجية ذا أهمية قصوى.

 وهكذا تؤثر التنمية الاقتصادية والسياسية الداخلية الإيرانية في تفاعلاتها الدولية ونظام سياستها الخارجية. وهو تأثير ليس سطحياً أو محدوداً بل تأثير جوهري وعميق. فالبرنامج النووي الإيراني، الذي يعتبر بحق مصلحة قومية عليا لا يمكن التراجع عنه، فهو يقدم علاجا للمأزق الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، وإيران تعلم ذلك جيداً، وهي لذلك لا يمكن أن تتراجع عنه قيد أنملة(10).

 

خامساً: التوافق والتفاوت بين الأبعاد الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية

 يمكن القول إن مضمون أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية، يهدف إلى جعل إيران قوة عظمى لها مكانتها الدولية المرموقة، ومصوبة خصوصاً تجاه العالم الإسلامي وخاصة إلى قلب منطقة الخليج العربي، وتأخذ أشكالاً متعددة منها العمل العلني من خلال البعد الدبلوماسي وتنمية العلاقات الودية، ومنها الخفي ممثلاً في دعم القوى المعارضة للنظم السياسية العربية، ودعم الشيعة في المنطقة. وتتدرج أهمية توجهات سياستها الخارجية، حيث تحظى الدائرة الخليجية بأهمية حيوية، بغية أن تكون لها اليد الطولى فيه، واستبعاد الأطراف التي يمكن أن تزاحمها النفوذ فيه لاسيما الدول العربية غير الخليجية، تليها دول الجوار الإقليمي مثل لبنان وسوريا وفلسطين، ثم تأتي دائرة قزوين- آسيا الوسطى، تليها الدائرة الإفريقية والأوروبية وأمريكا اللاتينية. وتعتمد على استراتيجيات عدة لتحقيق هذه الأهداف(11):

 

 1- استراتيجية التبني: يقصد بها الالتزام بالأعراف والشرعية الدولية. وقد ظهرت هذه الاستراتيجية بوضوح في السلوك الإيراني الخارجي أثناء فترة الغزو العراقي لدولة الكويت، حيث التزمت إيران بما تمخض من قرارات دولية.

 

2-  استراتيجية التحفيز الذاتي: ترمي إلى تأكيد دور إيران الإقليمي وضرورة احتسابها في المعادلة الإقليمية.

3-  استراتيجية المساومات: من خلال المناورة الدبلوماسية، وتحقيق درجة من الربحية. وقد تبلورت هذه الاستراتيجية إبان الغزو العراقي للكويت، عندما وافقت على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه استطاعت إيران الحصول على قرض من البنك الدولي.

 

4-  استراتيجية التصلب: ترمي إلى إظهار استقلالية إيران عن التبعية للغرب، من خلال التأكيد على قوتها الإقليمية المقاومة لكافة أشكال الهيمنة العالمية على منطقة الخليج.

 كما تتفاوت هذه الأبعاد في مضامينها الرئيسية. إذ يتفاوت نمط السلوك الخارجي مع نمط التبادل التجاري، فإيران تتبع سلوكاً معادياً لبعض الوحدات الدولية، وفي الوقت ذاته تستمر في تبادلها التجاري والاقتصادي معها. مثلاً تتبع إيران سلوكاً معادياً تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة فهي لا تزال محتلة للجزر الإماراتية، في الوقت الذي تستمر فيه تجارتها معها. ونجد أن سلوكها تجاه أمريكا اللاتينية، والدائرة الأوروبية يقتصر على البعد الدبلوماسي، أي يأخذ طابعاً رسمياً، بينما نجد سلوكها تجاه دول الخليج والعالم العربي، يأخذ طابعاً سرياً لبناء تحالفات مع القوى غير الرسمية المعارضة للنظم السياسية في بلدانهم. وهكذا فإيران تتبع سلوكاً تجاه العالم العربي مختلفاً تماماً عما تتبعه مع دول أخرى، أي أن إيران بعيداً عنا نحن العرب ليست كإيران القريبة منا، هنا مشروع للهيمنة وبسط النفوذ، وهناك مشروع للتعاون الاستراتيجي. فتمثل إيران بالنسبة للعالم العربي، وخاصة الجوار منها، مشروعاً دينياً أيديولوجياً للهيمنة وبسط النفوذ، وبث الشقاق الطائفي، لكنها بعيداً عن دول الجوار تقدم وجهاً آخر للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. إيران بالنسبة للإمارات العربية المتحدة قوة احتلال عسكري، رغم التبادل التجاري بينهما، وبالنسبة للعراق قوة احتلال سياسي، وبالنسبة للمملكة العربية السعودية خطر يهدد بالتقسيم والاضطراب على أسس طائفية. وفي حين تتعاون مع الاحتلال الأمريكي للعراق، فإنها تدعم مقاومة حزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، لكنها بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية قوة مختلفة تماماً.

 هذا التفاوت في الأبعاد والمضامين ليس تعبيراً عن عدم الرشد، إذ إنها سياسة قصدية متعمدة بغية إيجاد هذا التفاوت تحقيقاً لمصلحتها. وهكذا تتبع إيران سياسة مزدوجة، واحدة للعرب، وأخرى مختلفة تماماً للعالم اللاتيني والأوروبي. وواحدة موجهة للتعامل مع الحكومات العربية، وأخرى للتعامل مع الشعوب العربية، وثالثة للقوى غير الرسمية. كما قد تضطر إيران أحياناً إلى قبول مواقف كانت ترفضها، مثل قبولها قوات دولية في الخليج إبان الغزو العراقي للكويت، رغم أنها كانت تعتبر ذلك تهديداً لأمن الخليج.

 

وهكذا تتفاوت سياسة إيران الخارجية بتفاوت الوحدات الدولية الموجهة إليها تلك السياسات، ورغم أن سياستها تتسم بخصائص عامة، بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة تماثل تلك الخصائص بالنسبة لكل الوحدات الأخرى، فالسياسة الخارجية الإيرانية تجاه الجوار الإقليمي تختلف عن سياستها تجاه منظومة الدول اللاتينية أو آسيا الوسطى. ولا يعني أن عدم التماثل في سياستها أن تلك السياسات تتفاوت باختلاف كل وحدة دولية. لكن الأمر هو أن سياستها تتشابه نحو مجموعات معينة من الوحدات، فنجد نمطاً سلوكياً معيناً تجاه العالم العربي، ونمطاً آخر تجاه الدول اللاتينية، وثالثاً تجاه الدول الأوروبية. من هنا نرى أنماطاً فرعية متعددة للسياسة الخارجية الإيرانية، وتوزيعاً مختلفاً لحركة السياسة الخارجية، ومتفاوتاً من وحدة دولية إلى أخرى.

  

 سادساً: استقلالية السياسة الخارجية الإيرانية

 

نقصد بالاستقلالية هنا ليست كمقابل لمفهوم التبعية، بل ما نقصده هو مدى حساسية إيران تجاه بيئتها الخارجية. فإيران تتسم بدرجة حساسية عالية، فكثير من دوافع سياستها الخارجية تجاه وحدات معينة يكون سببه الرئيسي عامل خارجي، وكثير من الدوافع الداخلية مرتبط باحتياجات إيران الداخلية(12). إن وجود واشنطن في جوارها الإقليمي أشعرها بالتهديد المباشر، فحاولت أن تواجه ذلك بسياسات أخرى مقابلة لفرض معادلة التوازن الإقليمي. كما أن نجاح إيران في حماية نفسها من الضغوط الدولية بخصوص المسألة النووية مرهونٌ بمدى مساعدة روسيا والصين ودول أخرى. وحتى الهدف الإيراني الرامي إلى إحداث نظام دولي متعدد الأقطاب، كما تدعي، مرهون أيضاً بتقبل الهند والصين وروسيا لمطالبها.

 

سابعاً: أدوات السياسة الخارجية الإيرانية

 

تتعدد الأدوات التي تنفذ من خلالها إيران سياستها الخارجية، فكل نمط من الأنماط الفرعية له أدوات محددة تتناسب معه. فمثلاً لا تستخدم إيران الدعم العسكري والتدخل السياسي والقوة العسكرية إلا مع الدول العربية والإسلامية. بينما تستعمل أداة الدبلوماسية مع المنظومة اللاتينية والأوروبية. وبالتالي هناك عدم تساو في استعمال هذه الأدوات تجاه مختلف الوحدات الدولية. كما أن استعمال أداة معينة يؤثر في سياستها الخارجية، فالدعم المالي والعسكري للقوى المعارضة في النظم العربية يؤدي إلى توتير العلاقة بين هذه الدول وإيران.

 ثامناً: قضايا السياسة الخارجية الإيرانية

 ثمة قضايا عدة تهتم بها إيران، وإن كانت تتغير أولوياتها بتقادم الزمن، وبتغير البيئة الدولية والإقليمية، كما تختلف الأدوات التي تستخدمها للتعامل مع كل قضية، وكذلك تختلف الدول التي يتم التعامل معها بشأن تلك القضية.

كانت قضية تصدير الثورة ذات أهمية قصوى إبان نجاح الثورة في القضاء على الشاه، لكنها تراجعت إبان عقد التسعينات، وتقدمت القضية الاقتصادية وأمست القضية المركزية في نظام السياسة الخارجية لإيران، ومع تحسن الوضع الاقتصادي تقدمت القضية الأمنية كقيمة مركزية، ومع الاحتلال الأمريكي العراقي أمست قضية الملف النووي القضية المركزية الأولى في السياسة الإيرانية، بالإضافة إلى تحويل إيران إلى دولة إقليمية مركزية، كما أمسى الحصول على القوة والمكانة المرموقة في النظام الإقليمي من أولويات السياسة الخارجية الإيرانية. وتختلف الأدوات التي تستعملها إيران باختلاف القضايا، فلتحسين الوضع الاقتصادي استعملت الأداة الدبلوماسية، ولتصدير الثورة استعملت الأداة العسكرية والدعم المالي وبدرجة أقل القوة اللينة (الإقناع والدبلوماسية) . وفي مسألة الملف النووي تستعمل أدوات عدة مباشرة كأداة الدبلوماسية من خلال التفاوض، وغير مباشرة مثل الدعم المالي والعسكري للقوى والجماعات في المنطقة حتى توازن قوة الولايات المتحدة الأمريكية لفرض قبولها بالمشروع النووي في النهاية والاعتراف بها كقوة إقليمية.

 

أنماط السياسة الخارجية الإيرانية

 

 

 

بعد توصيف السياسة الخارجية الإيرانية من خلال الأبعاد الثمانية السابقة، يمكن رصد أنماط عدة تتضمن مجموعة من السمات تتجمع لتشكل نمطاً معيناً للسلوك السياسي الإيراني، هي على النحو التالي

 

أولاً: نمط توسعي إمبراطوري أو حركي نشط: وهو نمط يقف على النقيض من النمط الانعزالي، يتضمن هذا النمط سمات عدة: المشاركة الخارجية الواسعة، الانخراط بالسياسات الإقليمية والدولية، التوسع والسيطرة والتدخل في الشؤون الداخلية، المثابرة أي السير نحو الهدف رغم الصعوبات، الغرور والعناد، الجمع بين الفظاظة والتهور والتغطرس، وبين الحذر والتوازن، ويعزى تنوع هذه السمات المتناقضة إلى تنوع الحياة السياسية الداخلية التي تحتوي على تيارات متشددة وأخرى معتدلة، ولذلك نجد أن إيران دائماً تتحدث بصوتين. ويتفق هذا النمط مع الفلسفة السياسية لإيران كما تبينها ولاية الفقيه. وفي هذا النمط ركزت إيران على المشاركة النشطة في المنظمات الدولية، والعمل على تغيير النسق الدولي بالمشاركة مع القوى الوسيطة الأخرى، والاستقلال عن الولايات المتحدة. ويعود هذا النمط إلى العصر الساساني، وتطور مع إحداث إسماعيل الصفوي 1501م (نقلة نوعية)، فمزج النمط التوسعي الإمبراطوري بطابع عقائدي مذهبي، وذهب إلى إنشاء إمبراطورية فارسية شيعية. وعندما تبوأ الشاه العرش سعى إلى إنشاء طموحه الإمبراطوري بل بالغ فيه، وعندما انقلب عليه الخميني سعى الأخير إلى إعادة مجد الفرس وتدشين مشروع إمبراطوري مصوب إلى قلب الجغرافيا الإسلامية (الخليج العربي). وترى اليوم إيران نفسها أن لها دوراً محورياً في ملء الفراغ في المنطقة، وهي تملك مشروعاً عقائدياً عالمياً، يحمل تفويضاً دينياً يسمح لها بالتدخل والتمدد في جغرافيا المنطقة، وترسيخ نفوذها وإثبات تفوقها على دول المنطقة. وجدير بالملاحظة أن النظام الداخلي لإيران يؤثر في ملامح سياستها الخارجية، فنظامها الدستوري وفلسفتها السياسية يعكسان هذا النمط بوضوح.

 

ثانياً: نمط عدم الانحياز أو الحياد: لا أقصد بالحياد الموقف السلبي تجاه البيئة الدولية، بل ما أقصده بالتحديد هو رفض الانضواء في تحالفات تحت مظلة دولة كبرى. ويتضمن هذا النمط سمات عدة: التمركز حول الذات، أو بمعنى آخر المركزية الشديدة التي تتسم بها رؤية إيران للعالم، والمبالغة بالاكتفاء الذاتي وقوة الأنا وتضخم الذات، والغموض وإيجاد حالة من الالتباس المتعمد في سلوكها، والتمايز الحضاري.

بناء على ما سبق يمكن القول إنه بعد تحديد أنماط السياسة الخارجية لإيران، يمكن التنبؤ بمستقبلها، وكذلك وضع استراتيجية عربية لمواجهتها، وإن كان وضع هذه الاستراتيجية ليس من موضوع هذه الدراسة، إلا أنني أقدم رؤية عامة تقوم على أساس فكرة الاشتباك أي التي ترتكز على قاعدتي الحوار وبناء القوة الذاتية. بعبارة أخرى، إن حركة السياسة الخارجية الإيرانية تكون منتظمة أو مستقيمة عند استبعاد كل عائق، لكنها تتغير عندما تؤثر فيها قوة مماثلة. فهذه الأنماط تنطوي ضمناً على فكرة غياب الطرف الآخر، أي أنها تتضمن فكرة الفراغ أو الخواء، فضلاً عن كونها تقزم الاستراتيجية العربية، بل تغيبها، لأن تصورها للمنطقة مبني على فكرة أنها منطقة فارغة، بمعنى عدم وجود قوة سياسية وعسكرية لها وزن أو ثقل سياسي فيها، تجعل من الضروري مراعاتها واحترامها. كما أن ارتباط العرب وإيران بإطار جغرافي واحد يحتم على الطرفين الدخول في حوار استراتيجي، فالعداء بينهما لا يحتمل ومخالف لمنطق الجغرافيا



المراجع:

 

          1.  حول أبعاد السياسة الخارجية انظر: محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى، ص113-116.

 

2.     روح الله رمضاني، سياسة إيران الخارجية(1500-1941)، مجلة دراسات الخليج، العدد16، السنة 1978، مراجعة عدنان البكري، ص136.

 

3.     رمضاني، المرجع السابق، ص 136.

 

4.     عياد البطنيجي، إيران وأمريكا اللاتينية .. دوافع التقارب، السياسة ال

القضية الفلسطينية الآن

 

بقلم : عياد البطنيجي

الناشر: مجلة مدارات استراتيجية تصدر عن مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية.

تاريخ النشر: العدد 2، يناير/ فبراير 2010

 

 

 

من الصعوبة بمكان الإحاطة بقراءة تحليلية لوضع القضية الفلسطينيةواستشراف آفاقها المستقبلية عبر هذا المدخل الموجز، دون الأخذ بعين الاعتبار عددا من المتغيرات الداخلية والخارجية التي أثرت في تكوين القضيةالفلسطينية، والتي ستؤثر في تطورها. وقبل ذلك حري بنا أن نضع عددا من  المحددات:

أولها: الفترة الزمنية، فنحن نقدم هذا التحليل في حدود الفترة التي تبوأت فيها حركة حماس النظام السياسي في 25 كانون الثاني/ يناير 2006، حتى كتابة هذا المقال. بالإضافة إلى تقديم رؤية مستقبلية في حدود المستقبل المنظور.

ثانيها: تعقيد القضية وتشابك  العوامل المحلية والإقليمية والدولية في صياغة معادلتها، في ظل اختلال هائل في موازين القوى يعمل في غير صالحالقضية. فضلا عن أزمات عالمية وإقليمية تصرف الانتباه عن الموضوع الفلسطيني كالأزمة المالية العالمية، والأزمة النووية الإيرانية،  وأزمة واشنطن في أفغانستان والعراق. أضف إلى ذلك صعود اليمين الإسرائيلي.

ثالثها: ضعف النظام الإقليمي العربي. فالمشهد العام لهذا النظام يشير إلى أن آليات العجز داخل النظام قد تكلفت بوأد إمكانات تحقيق نقلة نوعية في أدائه، سواء في شقه الرسمي أو من منظور قوى "الممانعة والمقاومة" وحركة الجماهير العربية. باختصار فهو في عجز مستدام واستحقاقات مؤجلة  .

رابعها: ضعف العامل الفلسطيني، فهو في أسوء أحوله، ونذكر منه: أزمة نخب سياسية، فهي بدون رؤية وبدون مرجعية وطنية موحدة وبدون برنامج وطني، ضيق وانشطار العقل السياسي الفلسطيني،  فضلا عن الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني، في ظل حصار سياسي واقتصادي.

أولا، تفكيك المشهد الراهن:

1.      بعد وصول حركة حماس إلى السلطة في 25 كانون الثاني/ يناير 2006، واستمرارها طوال فترتها الدستورية الكاملة، بل وتجاوز دورتهاالانتخابية، إذ إن الاستحقاق الدستوري يفترض إجراء انتخابات تشريعية في 25 كانون الثاني/ يناير2010 ولم يجر هذا الاستحقاق حتى الآن. نقول من الصعب الحديث  عن نجاحات ذات أثر لحركة حماس، فهي لم تتمكن من تحقيق أي من أهدافها بل غيرت الحركة من خطابها السياسي وعلقت المقاومة وبدأت تركز على المقاومة الثقافية باعتبارها لا تقل أهمية عن المقاومة المسلحة حتى تتقرب من المجتمع الدولي. فالحصار والعزل من منظور المجتمع الدولي أتى بنتائجه وروض الحركة وعقلن سلوكها. وهذا يعني أن المجتمع الدولي سوف يستمر بسياسته هذه تجاه الحركة وستزداد ثقلا طالما أن الضغوط تؤتي أكلها، لذا فإن المقاومة سوف تبقى معلقة إلى أمدٍ غير معلوم.

  وليس من السهل أن تصبح الحركة جزءا من النظام السياسي الفلسطيني؛ ذلك لأنها محكومة برؤيتها الإستراتيجية التي ترمي إلى تحقيق مشروع الإسلام السياسي ليس في فلسطين فحسب بل في البلدان العربية الأخرى ضمن إستراتيجية الحركة الأم : الأخوان المسلمين. وتشير التقارير بان الإدارة الأمريكية بصدد تشكيل شبكات من الإسلاميين المعتدلين من أجل مواجهة المتطرفين الإسلاميين حفاظا على مصالحها في المنطقة، وهو ما ينبئ عن استعداد واشنطن للاعتراف بالإسلام السياسي المعتدل. وهذا ما تراهن عليه حماس في إبقاء سيطرتها المنفردة على قطاع غزة، تمهيدا للاعتراف بها كحركة بديلة عن السلطة والمنظمة معا، لتمسي عنوان القضيةالفلسطينية.

من الثابت أن ظهور الإسلام السياسي جاء مع انهيار الحركة الوطنية، وبالتالي فان مقومات انتشاره لا تزال موجودة، ويبقى المتغير الخارجي هو المتغير الوحيد الذي يمنع وصول هذه الحركات إلى سدة الحكم، وإذا تم الاعتراف بها ستكون الفاعل الوحيد ليس فحسب في فلسطين بل في المنطقة العربية. هذا الاحتمال وارد في المستقبل وبخاصة أن واشنطن لا تمانع من الاعتراف بدور الإسلام السياسي المعتدل كما سبق الإشارة. إن بداية تحقيق هذا السيناريو هو إدخال حماس في النظام السياسي بعد الموافقة الإسرائيلية والأمريكية، لدفع الإسلام السياسي في المنطقة من الاعتراف بإسرائيل من البوابة الفلسطينية، بعد أن أقرت القوى الأخرى بهذا الوجود ولم يبق الممانع سوى الإسلام السياسي. قد يكون الصعود التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي،  ودخوله على خط الصراع العربي- الإسرائيلي والمُعترف بإسرائيل مشجعا على ذلك.

2.     بعد عقدها مؤتمرها السادس لا تزال حركة فتح بثوبها القديم؛ فلم تُجـر الحركة إعادة قراءة لمسيرتها السياسية وبخاصة مسيرة التسوية بعد وصولها إلى طريق مسدود، ويُخشى أن لا يكون في وسع النخبة السياسية "الجديدة" أن تقدم جوابا سياسيا عن المسألة الوطنية. الهاجس الذي يؤرق حقيقة هو أن لا يكون بوسعها الصمود أمام الضغوط الإسرائيلية، وأمام تراجع الإدارة الأمريكية على الضغط على الحكومة الإسرائيلية، أن تقدم التنازلات في الملفات العالقة أمام صعود قضايا دولية وإقليمية أخذت تجذب الاهتمام إليها على حساب المسألة الفلسطينية.

 وفي ظل البيئة النفسية، أي مجموعة المدركات والتمثلات التي تهيمن على النخب السياسية الفلسطينية وبخاصة حركتي فتح وحماس، غير المؤازرة لسلوك الديمقراطي ولا للمصالحة الوطنية، فالتخوين والإقصاء وشخصنه النزاع، هذا الخطاب ما انفك يهيمن على عقليتي فتح وحماس. نقول في ظل هذه البيئة النفسية معطوفة على جملة من الضغط الدولي والانقسام العربي؛ كل هذا أدي إلى فشل الحوار بين حركتي فتح وحماس. ولا يبدو في الأفق ما يشي بإمكان إنجاز المصالحة في المستقبل المنظور.

  وبالتالي، فإن حركة التحرر الوطني الفلسطيني وصلت إلى مأزق عميق تتجلى ملامحه في فشل نهج التسوية من ناحية، وعدم قدرة نهج المقاومة والممانعة من تحقيق نتائج ملموسة، في ظل طغيان العوامل الخارجية، والعجز عن التكيف مع البيئة الدولية؛  كل ذلك يرتد إلى صراع داخلي. هذا المأزق حرف بوصلة الصراع إما باتجاه صراع داخلي، وإما بتوجيه أنظار الفلسطينيين إلى مصر وتحميل الأخيرة الحصار حتى لا تُجبر حماس من التعامل المباشر مع إسرائيل وإراحة الأخيرة من مسؤولية الحصار.

3.  يمثل تحول المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين ضربة قاصمة لمشروع السلام. فتشير استطلاعات الرأي أن أغلبية المجتمع الإسرائيلي يرفض إعطاء دولة للفلسطينيين، وثمة قناعة راسخة بأن كيانا فلسطينيا سوف يشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل ويعزز مقاومة الفلسطينيين وصمودهم. وثمة قناعة أخرى لدى النخبة السياسية الإسرائيلية بأنه لا سبيل إلى العودة للخيارات القديمة، أي لا للدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران، ولا تنازل عن القدس فستبقى الأخيرة عاصمة أبدية لإسرائيل، ولا لمشروع الكونفدرالية بين الفلسطينيين والأردن. كل ما هو مطروح الآن لا يخرج عن طرح الدولة ذات الحدود المؤقتة بعد قضم المستوطنات للأراضي في الضفة واستمرار بناء الجدار الفاصل. إذن كل ما يتبقى هو مجموعة من الأراضي التي تفصل بينها المستوطنات الإسرائيلية، ولا يربط بينها أي رابط.

 

4.  شكل مجيء إدارة أمريكية جديدة عقب دخول باراك اوباما البيت الأبيض مصدر تفاؤل راهن عليه الكثيرون في دفع مسيرة التسوية إلى الإمام ورفدها بمقومات الحياة حتى لا تذبل وللحيلولة دون حصول فوضى لا يمكن السيطرة عليها. بيد أن بعد مرور عام على اوباما لم ينجح في الضغط على إسرائيل لوقف بناء المستوطنات، دع عنك تحقيق السلام. وتحاول الإدارة الأمريكية عبثا إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين بالعودة إلى المفاوضات المجمدة منذ عام. ولا تزال الفجوة بينهما شاسعة. وفي مقابلة نشرتها مجلة "تايم" الأمريكية، قال الرئيس الأمريكي إنه بالغ في تقدير فرص السلام في الشرق الأوسط، وهو ما يعني عجز "الوسيط" الأمريكي عن إحياء عملية السلام والضغط على الجانب الإسرائيلي في تقديم استحقاقات التسوية. ناهيك عن إغفاله في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونجرس في 27 كانون الثاني/ يناير الماضي،  للقضية الفلسطينية، وثمة رفض قاطع من اليمين الإسرائيلي من قبول نهج اوباما؛ لأنه لن ينجح مع الفلسطينيين ولا مع العرب ولا مع إيران ولا مع روسيا ولا مع الصين. وهو مؤشر صارخ على عقلية القوة والهيمنة كأسلوب وحيد لإدارة الصراع. وجدير بالذكر أن علم السياسة الإسرائيلي ينطلق من منظور إدارة الصراع وليس حله. وقد عبر عن ذلك مناحيم بيجن في كتابة" الثورة: قصة الارجون": "ستستمر الحرب بيننا وبينهم[العرب] حتى ولو وقع العرب معنا معاهدة صلح".  

 

 

5. منذ تشكيل جامعة الدول العربية والوضع العربي في حالة انقسام متعدد، بما في ذلك تشكيل محاور متصارعة كل محور في مواجهة المحور الآخر، واستمرار حالة التجزئة،  وتنافس على القيادة والزعامة، واستمرار الإستراتيجية الدولية المتعارضة مع مصلحة الوحدة العربية، وما يتولد عن هذه الإستراتيجية من تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ وسيطرة بما يضعف التضامن العربي- العربي إزاء القضايا المصيرية ولاسيما القضية الفلسطينية، بما يعني استمرار العجز العربي بما يضعف قدرة الأنظمة العربية من تحقيق الطموحات الفلسطينية بسبب المحددات والسقوف المنخفضة لحرية الحركة. وعليه لم يعد احد يراهن على الحالة العربية الراهنة لتكون رافعة للموقف الفلسطيني.

 

ثانيا، تركيب المشهد: 

 

 

في ظل هذه المعطيات البنيوية، تكون صورة الوضع أكثر قتامة من ذي قبل، وستزداد الأمور قتامة أمام المنحنى التراجعي الذي دخلته القضيةالفلسطينية، ومست مفاعيله الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحولت من "حركة تضحية ومقاومة إلى حركة تسوية ومساومة".

وفي المحصلة لا يبدو في الأفق بصيص أمل في تحقيق حل عادل للقضية، ولا يبدو أن الحركة الوطنية الفلسطينية، بخياراتها الراهنة، قادرة على طرح مقاربة جديدة لتفادي حالة التراجع هذه. وحتى الترتيبات التي دشنت منذ اتفاقية كامب ديفيد مرورا باتفاق أوسلو ووادي عربية والقرارات الدولية ذات الصلة وانتهاء برؤية بوش وخارطة الطريق، فقد رتبت أوضاعا قلقة، وهو ما ينبئ بفصل جديد من العنف والتوتر.

وحتى إن تحققت المصالحة العربية والفلسطينية–رغم أهميته – لن يُحقق الطموحات الفلسطينية كاملة؛ لأن ثمة عاملا خارجيا ما يزال طاغيا وفاعلا في تشكيل الحالة العربية والفلسطينية معا. إن المصالحة العربية والفلسطينيةتشكل عاملا مهما في منع منحنى التدهور والانهيار على مستوى القضية، وتشكل رافعة قوية فضلا عن أنها ترفد السياسية الفلسطينية وتمنحها المناعة والحصانة الذاتية بما يضمن تجاوز حالة الانقسام. وما يدفع نحو الحصول على الحقوق الفلسطينية هو مساحة معينة من الصيغ والشروط السياسية التوافقية بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية، أي بين صياغة يتفق عليها الإسرائيليون والأمريكيون والعرب والقيادة الفلسطينية. دون أن يعني ذلك  انسجاما أو توافقا كليا بينهما، بل بما يضمن تحقيق المصالح المشتركة. ولا يبدو في الأفق ما يشي بهذه الصياغة التوافقية.

المطلوب فلسطينا في ظل هذه المعطيات القاتمة، هو المحافظة علىالانجازات الوطنية ومنع تدهور الأوضاع والنكوص إلى نقطة الصفر  أو المربع الأول، من خلال إطلاق حوار وطني حقيقي بين فصائل الحركة الوطنيةالفلسطينية، حول مستقبل هذه الحركة، في ضوء مكتسباتها وإخفاقاتها السابقة، وضرورة انجاز عقد اجتماعي وسياسي وطني يشكل مرجعية للفلسطينيين لصون انجازات الثورة من التبديد، واستعادة منظمة التحرير، والتحرر من العقلية الحزبية الضيقة باتجاه عقل سياسي مستنير ومنفتح ومركب، وتطوير أساليب نضالية وطنية وتكييفها مع التطورات والحقائق الإقليمية والدولية الجديدة.

ختاما: رغم كل ملامح هذا المشهد القاتم الذي يعكسها هذا التحليل، تبقى ثمة حقائق لا يمكن إنكارها قد تصل بنا إلى استنتاجات مختلفة، وهو سياق صمود الشعب الفلسطيني البطولي، الأمر الذي من شأنه أن يغير أبعاد المعادلة الدولية التي تدفع نحو الانزلاق باتجاه استسلامي ليس من بعده نهوض قريب. وعليه لا سبيل آخر غير بناء المقومات الذاتية، وتمتين الوحدة الوطنية، والقطيعة مع العقل الحزبي الضيق، وإلا سوف يستمر الحال السياسي في التدهور والانزلاق.

الدعم الإيراني لـ”حماس”: قصة واقعية تحمل دلالة رمزية

 

بقلم : عياد البطنيجي

 تاريخ النشر: 20-1-2010

 الناشر: منبر الحرية* . صحيفة العرب القطرية 1- 2

المختصر. روز اليوسف

 تلتقي "حماس" وإيران بمصالح متبادلة؛ فمن جهة تحتاج إيران لـ"حماس"، ليس فقط كما يروج إعلاميا كورقة ضغط في وجه إسرائيل، بحكم أن "حماس" لديها منظومة عسكرية قادرة على إقلاق إسرائيل بضربات موجعة بيدٍ "حمساوية" موجهة من صانع القرار القابع في طهران، لاسيما أن "حماس" ترفض عملية "السلام" وتتبني المقاومة كخيار استراتيجي ومنضوية تحت لواء ما يسمى بـ"الممانعة" بزعامة إيران. وما "حماس"- والحالة كذلك - إلا يد إيران الضارية في خاصرة إسرائيل الجنوبية.  وتحتاج "حماس" إلى إيران كرافعة وسند في مواجهة جبهتين تنظر إليهم "حماس" كعدوين وهما: إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية ومن ورائها حركة "فتح". وفي الوقت الذي وجدت "حماس" نفسها محاصرة والأبواب العربية موصدة أمامها وفي الوقت ذاته تستفيد السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" من الدعم العربي، تحرم "حماس" من هذا الدعم بعد فوزها الكبير في الانتخابات التشريعية الثانية في يناير 2006. لذا تجد "حماس" أن علاقتها مع إيران وسورية مهمة لها لكي توازن علاقة السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" مع أطراف عربية كمصر والسعودية. لذا تصبح إيران مهمة بالنسبة إلى "حماس" كي تتكئ عليها وتستقوي بها في إطار صراعها الداخلي وكذلك لمساومة محور ما يسمى بـ "الاعتدال" العربي، خاصة أن هذا المحور قاطع "حماس".

 

  في الحقيقة أن الدعم الإيراني لـ"حماس" ليس فقط هذا هدفه، أي إقلاق إسرائيل وتشكيل نتوء يوخز خاصرتها كالنصل المسنونه، واختراق المجال الحيوي لإسرائيل، فالهدف أعمق وأشمل من ذلك، لاسيما أن "حماس" لا تشكل رافعة لإيران ولا مصدر قوة يمكن أن تتكئ إيران عليها في حال وصل التناقض إلى ذروته مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في ما يخص المسألة النووية، بل إن الدعم الذي تحتاجه إيران أكبر من قدرات "حماس" أو أي تنظيم  فلسطيني آخر.

 

نعم تستطيع حماس أن تثير المتاعب والقلاقل لصالح إيران، أو تسخين الجبهة الجنوبية ضد إسرائيل، ولكنها لا تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك. وحتى الآن لم يثبت بالفعل إن كانت "حماس" خاضعة للقرار الإيراني أم لا!. ليس معنى ذلك أنها ليست كذلك، أي تابعة لإيران، بل القصد هنا أن الحكم على مدى خضوع "حماس" لصانع القرار الإيراني لم يحن بعد. فمن الناحية الموضوعية لم تحن لحظة الحكم على مدى تبعية "حماس" لإيران، وأي حكم في هذا الخصوص هو حكم أيديولوجي وليس حكما علميا. وسنتحدث عن ذلك بعد سطور.

 

  فلإيران أهداف إستراتيجية كبرى من جراء دعمها لـ"حماس"، أبعد من استعمال الأخيرة كورقة كما يروج. فلإيران دور إقليمي تسعى إليه بما يتواءم مع إمكانياتها وقدراتها كدولة محورية في المنطقة،  لذا فهي ترى نفسها تستحق دورا إقليما  متميزا وإن لم يعترف بهذا الدور فستعمل على انتزاعه عنوة.

 

وعليه، فإن أي دور لأية دولة في منطقة المشرق العربي لا بد أن يكون العبور إليه من خلال البوابة الفلسطينية. ودعم إيران لـ"حماس" يهدف إلى  الدخول لهذه البوابة التي ستفتح آفاقا لها في المشرق العربي كون القضية الفلسطينية هي "قضية العرب الأولى". "فقضية فلسطين واستمرار الاحتلال والغطرسة الإسرائيليين هي بوصلة القيادة الإقليمية. شئنا أم أبينا، مللنا من القضية أم لم نمل، طالت أم قصرت، برزت قضايا وحروب أخرى «تنافس» على ترؤس الأجندة الإقليمية أم لم تبرز، تظل قضية فلسطين (طالما لم تحل) هي الباروميتر الذي يحكم من خلاله الرأي العام وغيره على أهلية ودور وموقع هذا البلد أم ذاك" (خالد الحروب، حتى لا يصل جدار غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية، الحياة, 27 ديسمبر 2009). وهذا ما تقوم به تركيا، فـ"التشدد التركي حيال إسرائيل لقي استحساناً جماهيرياً، ونخبوياً عربياً ولو من الباب العاطفي والشوق العربي إلى قيادة عربية أكثر جرأة في مواجهة الإذلال المتواصل الذي تمارسه إسرائيل حيال الفلسطينيين والعرب". وتعود تركيا إلى الشرق الأوسط من بوابة الصراع العربي - الإسرائيلي، تماماً كما أمنت إيران حضوراً سياسياً طاغياً في المنطقة أيضاً من بوابة هذا الصراع. فالتأييد الذي يلقاه رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان لدى العرب الآن، مصدره الموقف التركي المعارض بشدة للحرب الإسرائيلية على غزة قبل عام. لذا ليس مستغربا أن ترفع صور طيب رجب اردوغان في غزة.

 

 

 

 

 وبالتالي إن الدعم الإيراني لفلسطين من خلال "حماس" ما هو إلا تعبير رمزي ليس إلا. ومن هنا  فالدعم الإيراني-كما تريد إيران- لـ"حماس" أصبح رمزا دالا على مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة، ورفض الهيمنة الأمريكية، والدفاع عن القضية الفلسطينية، والقدس، والشعب الفلسطيني المغبون، كل ذلك له مكانته المقدسة لدي العرب والمسلمين. وبذا تحصل إيران على المكانة التي ستجنيها من جراء ذلك. 

 

 

  وهكذا فإن الدعم الإيراني  لـ"حماس" ما هو إلا تعبير رمزي تريد إيران أن تظهر من خلاله بأنها رمز يدل على القوة والعظمة الإيرانية؛ لأنها تسير بخط مناقض لاتجاه المشروع الصهيوني وهو أمر مرغوب عند الشعوب العربية. وتريد إيران أيضا أن تظهر من خلال هذا الدعم أنها حاملة المشروع "النضالي المقاوم والممانع" ضد الوجود الصهيوني والشيطان الأكبر، وحامية حمى القدس والملة،  في وقت خذلان النظام العربي، من تقديم أي دعم للمقاومة وتعزيز صمود الفلسطينيين. وتصبح إيران-والحالة كذلك- رمز "المقاومة" والصمود في المنطقة، مقابل تراجع واستسلام وتخاذل النظام العربي. ورمز التحدي والقوة، مقابل الرضوخ والضعف، ورمز الجرأة والمبادرة والفعل، مقابل الجبن والبقاء كطرف مفعول به. وهكذا تبدو إيران رمزا للمقاومة وحاملة  للراية الإسلامية. لذا فقد كانت الفكرة هنا كلما دعمت إيران "حماس" كلما عززت نفسها عربيا وإسلاميا وبدت نواه ومركزا للإيديولوجية الإسلامية وللحركات الإسلامية، وبالتالي زادت قوة وثباتا وزادت أوراقها.

 

 

 

وبالتالي تكتسب إيران رصيداً وأهمية في الشارع العربي حين يبدو أنها تتبنى "قضية العرب الأولى" التي تخلت عنها الأنظمة العربية والتفتت لقمع شعوبها. في الوقت الذي تبدو فيه طموحات إيران النووية رامية عموماً لأن تصبح لاعباً رئيساً على الساحة الإقليمية وتتبوأ لقيادة العالم الإسلامي(أم القرى بالتعبير الإيراني) على نطاق أوسع.  وهذا ما يفسر ميل الشارع العربي إلى إيران، وهو ميل ليس حبا في إيران بقدر ما هو تأييد لها كتعبير رمزي أيضا مبعثه الشعور بالغبن في عالم يتجاهل العرب وقضاياهم، في عالم يناصر الأنظمة العربية التسلطية ويغض الطرف عما تفعله بالشعوب التي تتحكم بها، في ظل مجتمعات عربية مكبوتة، مهانة، محتقرة، وأمراض تنخر في أحشائها. وهنا يجنح المظلوم لردود الأفعال، فعندما يتشيع هذا في فلسطين، أو ذاك في المغرب العربي  فهو تعبير رمزي عن فعل له معنى عند هؤلاء المتشيعين، تعبير عن حالة الظلم والاستهانة والضعف، وجد هؤلاء بإيران كحالة نقيضه لما أصاب المشروع النهضوي العربي من تردي وانهيار وضعف.

 

 بالتأكيد إن إيران لن تطلق طلقة واحدة من أجل فلسطين، ويبقى دعمها فقط دعما معنويا وشعاراتيا. فماذا فعلت إيران لأهل غزة  في محنتهم إثر  العدوان الإسرائيلي على القطاع؟! حيث اكتفت بالتنديد والشجب والاستنكار، وعمليا لم تفعل شيئا، بل جيرت العدوان وما ترتب عليه من نتائج لخدمة مصالحها وإستراتيجيتها الشاملة في المنطقة من خلال إضعاف خصومها وإحراج النظم العربية الحاكمة،  وإظهار نفسها كقوة تدافع عن الحق الفلسطيني في الوقت الذي يتراجع العرب عن ذلك. وماذا فعلت إيران بالحصار المضروب على غزة؟! اكتفت فقط بالتنديد بالصمت الذي تلتزمه الدول العربية تجاه الحصار متهمة بعض الرؤساء العرب بالتآمر على غزة مثلما تآمروا على لبنان خلال العدوان الإسرائيلي عام 2006، وشنت هجوما إعلاميا ودبلوماسيا ضد السعودية ومصر.

 

هكذا جيرت إيران العدوان والحصار لإضعاف خصومها في المنطقة وإظهارهم بمظهر الضعفاء وتعريتهم أمام شعوبهم، من خلال لومها للعرب في تقصيرهم بحق القضية الفلسطينية، وإضعاف النظم العربية والقيادات الحاكمة، وإظهارها بمظهر النظم الراضخة للمشروع الصهيوني، لاكتساب أرضية جديدة وإحراز النقاط في مرمى الحكام العرب .   وبالتالي فإيران لم تقدم للفلسطينيين سوى الشعارات والخطابات. إذن لم يختلف الموقف الإيراني عن نظيره العربي. ولكن الاختلاف فقط في حدة اللغة والخطاب والشعار الذي لامس مشاعر وأحاسيس الجماهير العربية المغبونة وهي جماهير تعشق الخطاب المشحون  المفعم  بالانفعالات واللغة الحادة البعيدة كل البعد عن الفعل العملي العقلاني.  وهو خطاب يجد طريقة في تربة محرومة ومتعطشة للخطاب الحماسي والعاطفي؛ لأن مستوى عواطفها (الجماهير) يزيد كثيرا عن مستوى وعيها وفهمها العقلاني. هذا الخطاب استطاع أن يغزو عقلها سريعا. وبالفعل وجدت إيران تأيدا لها في الشارع العربي.

 

 وتهدف إيران من جراء دعمها  لـ"حماس"، إلى  تجسير الفجوة بين المصلحة القومية الإيرانية وأيديولوجيا الثورة الإسلامية المتجسدة في النظام الحاكم(الثيوقراطي).

 

إن السياسة الخارجية الإيرانية تأسست على ركيزتي: المصلحة الوطنية والأيديولوجية الإسلامية داخل إطار الإرث الإمبراطوري التاريخي ضمن أفق للتطلع للعب دور الدولة الإقليمية المهيمنة. والفكرة الرئيسية هنا أن أحد المرتكزات الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية-كما ينص الدستور الإيراني- هو: الدفاع عن المستضعفين والعداء للمستكبرين، والدفاع عن وحدة الأمة الإسلامية. المشكلة هنا أن السياسة لا تعمل ولا تتحرك من منطلقات أخلاقية ومبدئية، فالسياسة هنا هي فن الممكن، وهي تقوم على أساس المصلحة أولا وقبل كل شيء. وهذا صحيح فجميع الأنظمة تتعامل مع الأحداث والصراعات والخلافات السياسية من منظور المصلحة السياسية، وأن مصالح الأمن هي أكثر ما يحرك الدول، ويستنهض هممها، لذا فإن الدول تهتم أشد الاهتمام بالمحافظة على قواتها وتعزيزها.

 

 وبالتطبيق على إيران التي تحاول أن تجمع بين مصلحتها القومية وإيديولوجيتها الإسلامية، نجد في سياستها الخارجية الكثير مما يخالف هذه الرؤية، أي إيديولوجيتها الإسلامية، فالعراق وأفغانستان يمثلان الدليل الناصع على ذلك. لذا تكون فلسطين أو بالأحرى "حماس" والمنظمات الفلسطينية الأخرى التي تتلقى الدعم الإيراني، حلا لهذا الإشكال، فمن خلال دعمها لـ"حماس" تؤكد إيران التزامها الإيديولوجي(العقدي) تجاه القضية الفلسطينية، ويشكل ذلك الأنموذج لنشاطها  المرتكز على البعد الإسلامي للصراع.

 

وهكذا تثبت إيران أنها ملتزمة بمرجعيتها الدينية في أهم قضية إسلامية ألا وهي القضية الفلسطينية. وبذا تعطي لنفسها الحق في الاعتراض على كل من يدعي أن ما يحرك سياستها هو مبدأ مصلحي أناني فقط منزوع من أي بعد إسلامي عقدي، فبدعمها لـ"حماس" تثبت إيران العكس، وأن البعد الإسلامي يعتبر ذا أهمية في سياستها الخارجية. وهكذا تحل إيران مشكلة انفصام السياسة وتناقضها مع إيديولوجيا الثورة الإسلامية، وتمسي القضية الفلسطينية هي نقطة التجميع بين الإيديولوجي والسياسي، وكذلك  أيضا مربط الفرس في حل هذا الانفصام والتناقض بينهما.

 

بالإضافة إلى أن الدعم الإيراني لحركة "حماس" يسقط مقولة إن إيران تسعى لتمدد نفوذها الطائفي من خلال نشر مذهبها الشيعي، وهو الكلام الذي قيل عقب الحرب الإسرائيلية على لبنان من خلال الدعم الإيراني لحزب الله. وبالتالي فـ"حماس" قوة سنية، وعليه تسقط إيران مقولة إنها تسعى لنشر مذهبها الشيعي في المنطقة.

 

   قلنا في مقدمة المقال إن الحكم على تبعية  "حماس" لإيران يصعب إثباته بطريقة علمية، حيث إن المحك أو المعيار العلمي في الحكم على مدى استقلالية "حماس" أو تبعيتها هو تناقض مصلحة الأخيرة مع المصلحة الإيرانية مع بقاء استمرار "حماس" تأدية دورا يصب في مصلحة إيران لا مصلحتها هي.  وفي الحقيقة أن هذه المرحلة لم تأت بعد. يمكن أن يقال- مثلا -أن "حماس" تعرقل المصالحة الوطنية التي ترعاها القاهرة  بقرار إيراني من خلال دفع الأخيرة حماس إلى تصعيد الموقف كلما بات الاتفاق على أي ورقة سياسية جدية وشيكاً.، وهو ما قيل بالفعل. نقول إن هذا لا يعد مؤشرا على التبعية؛ لأنه "حماس" لا تريد المصالحة في هذا الوقت، أي قبل ضمان الاعتراف الأمريكي أولا والاعتراف العربي ثانيا بها كقوة لها دورها في النظام السياسي الفلسطيني، أي اعتراف الخارج بها كقوة بديلة عن "فتح" ومنظمة التحرير وأنها بوابة الدخول إلى القضية الفلسطينية. لذا فإن المصلحة متطابقة وليست متعارضة بين "حماس" وإيران. المعيار الحقيقي لقياس تبعية "حماس"  لإيران قد يأتي، إذا ما تعرضت إيران لهجوم أمريكي أو إسرائيلي. هل تقصف "حماس " إسرائيل، فورا ومباشرة، بالصواريخ، وتقوم بعمليات "استشهادية" في عمق إسرائيل؟ أم ستتجنب التورط في حرب لا مصلحة للقضية الفلسطينية في خوض غمارها ؟.

 

ومع ذلك أرى كباحث ومراقب لعلاقة الفصائل الفلسطينية وطريقة تعاملها مع الخارج وبخاصة مع إيران وسورية، أن بعض هذه الفصائل لا تستند في علاقتها مع الخارج على أساس القوة والندية والاعتزاز بالنفس كونها تحمل قضية مقدسة لدى المسلمين والعرب، أي القضية الفلسطينية، بل تتعامل بضعف وبمستوى متدن من القوة والثقة بالنفس، وهذا قد يكون شرطا نفسيا لقبول الاستتباع  للخارج. ومن مؤشرات ذلك إن بعض القيادات الفلسطينية في مقابلتها لدول كإيران أو سورية كانت تطالب بأن تكون علاقتها عبر وزارة الخارجية لا عبر الأجهزة الأمنية كتعبير عن القوة والندية في العلاقة، ومع رفض هذا المطلب، تقبل هذه القيادات في النهاية أن يكون التنسيق من خلال الأجهزة الأمنية، وهو الشكل الغالب في علاقة هذه القيادات مع هذه الدول. وهذا يدفعنا إلى التشكك والتوجس من تبعية الفصائل الفلسطينية لسورية وإيران رغم عدم ثبوت ذلك بأدلة علمية وموضوعية قاطعة كما بينا سابقا. ونتمنى بأن نكون مخطئين في ما ذهبنا إليه وأن لا ينطبق ذلك على علاقة "حماس" بإيران.

 

  وما يدعو للدهشة أيضا ويضع علامة استفهام على طبيعة هذه العلاقة، هو ما صرح به خالد مشعل عقب زيارته إلى طهران في ديسمبر 2009، "إن الحركات الإسلامية في المنطقة ستقف جبهة واحدة مع إيران إذا تعرضت لهجوم من جانب إسرائيل". وبرغم أن مشعلا ليس ناطقا باسم الحركات الإسلامية في المنطقة لكي يحدد ردود أفعالها؛ إلا إذا كان مطلعا على ذلك، وأن هناك تنسيقا بالفعل بين هذه الحركات، وأن لديهم رؤية واضحة تجاه هذه المسألة. والتساؤل هنا ما هو طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه الحركات الإسلامية لإيران؟. ولكن ألا يدفع هذا إلى التخوف والتشكك في مدى استقلالية "حماس" عن إيران، ويعطي مصداقية للأقوال التي تتهم "حماس" بالتبعية لإيران؟! . ومع ذلك نقول إن لحظة الحسم لم تأت بعد، ويمكن أن يكون موقف مشعل موقفا تكتيكيا  بغرض الحصول على المال الإيراني، وجر العرب إليه ليساومهم على إيران، في ظل حصار اقتصادي وعزلة سياسية. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

—————–

 

 *  منبر الحرية هو مشروع تثقيفي  غير ربحي وغير حزبي،  ويدخل في إطار المبادرة العالمية لمؤسسة أطلس من أجل دعم  التجارة الحرة والسلام  والازدهار بشراكة مع معهد كيتو في واشنطن العاصمة.

 

 

الحركة الوطنية الفلسطينية بمنظور نقدي: أي درس لحماس؟

 

 

بقلم: عياد البطنيجي

 18-7-2009

صحيفة فلسطين، والحياة اللندنية. جريدة العرب

 

  حيثما توشك حركة التحرير الوطني الفلسطيني ”فتح“، اكبر التنظيمات الفلسطينية على التفكك، بسبب سلسلة الأزمات السياسية التي ظلت تلاحقها منذ غياب قائدها التاريخي ياسر عرفات، فان أمراض ”التاريخ“ الفلسطيني يخشى أن تلاحق القوة التي ترث موقع ”فتح"

 

———————–

 

    توزعت الحياة السياسية الفلسطينية على مراحل تاريخية، وكانت كل مرحلة تاريخية تشهد سيطرة لون سياسي  معين  بدا هو الأكثر سطوعا بين ألوان الطيف الفلسطيني، يسيطر فيها على مجمل الحياة السياسية، ويسير وجهة البلاد، ويتحكم في اتجاه مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية.

  فقد تمثلت القيادة الفلسطينية في عقد العشرينات بـ"المجلس الإسلامي الأعلى"، وكانت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي هي التي تقود العمل السياسي مدعومة بتيار الحسيني في المجلس الإسلامي الأعلى، الذي أحتل الصدارة الأولى في العمل الوطني الفلسطيني، والجدير بالملاحظة أن الحركة الوطنية الفلسطينية أبان تلك الفترة مثلت جزءا من الحركة القومية العربية وامتدادا لها. وشهدت ساحة العمل الوطني الفلسطيني آنذاك حالة من الفوضى، تمثلت في الصراعات العائلية والعشائرية، وتفشي الاتكالية والانتهازية، وانحرفت الحركة الوطنية من حركة تعمل لأجل الشعب وضد الاستعمار والحركة الصهيونية، إلى ساحة تتناقض فيها الشخصيات ذات الارتباطات المشبوهة، وسماسرة الأرض، وكل من في نفسه مرض السلطة والوجاهة، مما جعل الجماهير الفلسطينية تفقد ثقتها بقيادتها. لذا ليس غريبا أن تنهار الحركة الوطنية الفلسطينية في ظل هذه المعطيات، دون أن تحقق أهدافها الوطنية من أجل الاستقلال والتحرير والوحدة.

 وفي عقدي الثلاثينات وحتى نهاية الأربعينات، اعتبرت الهيئة العربية العليا الأقوى سياسيا، والصانعة لقرارات سياسية حاسمة،  ولعبت دورا سياسيا حاسما في المجتمع العربي الفلسطيني. انهارت "الهيئة" إثر النكبة الفلسطينية 1948. ولكن ثمة استمرارية للأمراض ذاتها التي هيمنت على الحركة الوطنية في عقد العشرينات، مثل: النزاعات العشائرية، والفئوية، والشخصية، ومرض السلطة والوجاهة، حتى أن الهوية السياسية لعضو الهيئة، تتحدد في معظم الحالات بناء لهوية عشيرته السياسية، فضلا عن التعصب للحزب والرأي السياسي،  فقد كثر الاغتيال لشخصيات سياسية لمجرد الاختلاف في  الرأي السياسي. بالإضافة إلى استمرار الارتباطات المشبوهة والتنسيق مع بريطانيا لغرض  انتهازي من أجل إضعاف الطرف الأخر أو بالأحرى الخصم السياسي بغية انهائه واستئصاله.

انهارت الحركة الوطنية الفلسطينية بعد نكبة 1948، دون أن تحقق أهدافها في الحصول على الاستقلال والتحرير والوحدة. إثر ذلك انقسمت البلاد وتشتت العباد وتحققت السيطرة العربية على الشأن الفلسطيني، وأصبحت الطموحات الفلسطينية بعيدة المنال في ظل وجود ضعف الحال وتشتت الفلسطينيون.

وفي منتصف الخمسينات من القرن الماضي شهد نفوذا ملحوظا للتيار القومي محاولا تنفيذ رؤيته وبرنامجه، ولكن دون جدوى فقد سقط التيار القومي وفشل في تحقيق رؤيته وبرنامجه. وتبعه في ذلك ظهور اتجاه آخر تمثل في حركة فتح، التي تبوأت العمل السياسي طوال أربعة عقود ونيف، كانت فيها عنوان الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي الأخرى حاولت أن يكون لها برنامجها ورؤيتها للواقع السياسي وإمكانية تغييره.  منذ نشأتها في منتصف الستينات من القرن الماضي حتى نهايته، سيطرة فتح على الحركة الوطنية الفلسطينية، ووصلت إلى القمة حتى أصبحت صاحبة القول الفصل والحاسم في السياسة الفلسطينية، فكان رأيها نافذا دون مقاومة وسياستها مطاعة. لكن منذ نهاية القرن الماضي وحتى الآن بات المراقب يشهد حالة من التراجع للتيار الذي تمثله فتح، لصالح تيار آخر في الاتجاه الإسلامي ممثل بحركة حماس التي سيطرت على السياسية الفلسطينية وأمست صاحبة القول الفصل والحاسم في السياسة الفلسطينية.

لقد علا شأن حماس مع تراجع وإخفاق الحركات القومية والاشتراكية في تحقيق مشروعهما،  والفشل النسبي للحركات التي تبنت البرامج السلمية في الخروج بحل سياسي مقبول، إضافة لإخفاق حركة فتح  في وضع أسس متينة لنظام سياسي فلسطيني ديمقراطي، ومؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية تتناسب مع مشروعها التحرري، فضلا عن تراكم الأزمات من دون حلول لزمن بعيد، وتصاعد وتيرة الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي، واندلاع الانتفاضة، كل ذلك  ساهم بشكل كبير في أن تتقدم حماس  فلسطينيا في مدها الجماهيري، والذي ساعدها أن تكون في المربع الأول المؤثر في العمل السياسي الفلسطيني.

  خاضت حماس الانتخابات البلدية وفازت فيها، وخاضت أيضا الانتخابات التشريعية وفازت فيها، وشكلت الحكومة الفلسطينية لأول مرة. وعليه لا غرو بأن نطلق على هذه المرحلة بـ" عصر حماس" .  لذا كان واضحا بأن المنحنى الحمساوي في صعودٍ وارتقاءٍ. ولكن التساؤل هنا هو، هل هذا الارتقاء والصعود سوف يستمر طويلا؟. للإجابة على هذا التساؤل لابد من استقراء تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية. 

   إن هيمنة العقلية القبلية على العمل السياسي، واستمرار الصراعات بين النخب السياسية،  والتعصب للحزب والرأي السياسي، وتفشي الانتهازية، ومرض السلطة والوجاهة. المهم أن هذه الأمراض ما فتئت تهيمن حتى اليوم على العمل السياسي الفلسطيني ، وبخاصة النخبة السياسية التي تقود هذا العمل، وهذا ما لعب دورا كبيرا في  فشل وسقوط الحركة الوطنية الفلسطينية في غياهب الصراعات الداخلية، وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل آخر!.

 الأمر الثاني الذي نستنتجه بعد استقراء تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، هو افتقارها إلى إستراتيجية وطنية شاملة تصهر الكل الفلسطيني في بوتقةٍ واحدة تحدد أهدافهم وتحالفاتهم الدولية، هذا الافتقار أدى إلى غياب الرؤية الواحدة والمتماسكة والواضحة حول أهداف الحركة الوطنية، وكيفية تحقيقها، مما أدخل الحركة الوطنية في أزمة في الممارسة السياسية، وضعها في حالة من الفوضى، أدت إلى عجزها عن تصريف شؤونها، وتحقيق أهدافها، مما أدخلها في أزمة مركبة . ومن بين الأسباب التي أدت إلى غياب إستراتيجية وطنية فلسطينية،  أن الفلسطينيين اهتموا  بالقضايا النضالية  ذات الطابع الجزئي،  وعولوا على العرب في القضايا الإستراتيجية أو الكبرى، وهذا ما ولد لديهم نوع من الإتكالية.  بمعنى  آخر أنه طالما بقيت مسألة التحرر الفلسطيني مسألة عربية، لماذا، إذن، يضع الفلسطينيون إستراتيجية وطنية تخصهم؟.  ومن هنا فان وضع إستراتيجية شاملة للصراع مع العدو هي شأن عربي وليس شأنا فلسطينيا.  ويرى الباحث أن ذلك يعد من المتغيرات الرئيسية التي تفسر عجز الفلسطينيين  على وضع إستراتيجية فلسطينية.

   الأمر الثالث الذي نستنتجه بعد استقراء تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية،  وهو أمرٌ في غاية الأهمية، هو أن الخبرة التاريخية  تشي بأن كل مرحلة من مراحل التاريخ الفلسطيني المعاصر يسيطر لون سياسي على الحركة الوطنية ويوجهها حسبما يريد طبقا لرؤيته السياسية، المشكلة  أن هذا اللون أو التيار السياسي يصل إلى القمة دون أن يحقق أهدافه الكبرى، ومن ثم يكون ذلك سببا في سقوطه وانهياره وفقدان ثقة الجمهور فيه، ومن هنا يصعب على هذا التيار العودة مرة أخرى إلى ساحة العمل السياسي، وبالتالي يجوز لنا أن نستنتج بما يشبه "القانون" حكم مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية: إن الحركة الوطنية الفلسطينية تبلغ القمة وتصل الذروة دون أن تحقق أهدافها وبرامجها ورؤيتها، ومن ثم تبدأ بالسقوط والانهيار. فالمجلس الإسلامي الأعلى، والهيئة العربية العليا، فشلتا في تحقيق الاستقلال والتحرير والوحدة. والتيار القومي فشل هو الآخر في تحقيق الوحدة العربية والاستقلال والتحرير. وحركة فتح بعد أن وصلت قمة مجدها فشلت هي الأخرى في تحقيق مشروع الدولة المستقلة على حدود 1967، بل لا نبالغ إن قلنا إن  الواقع الحالي أسوء مما كان.

 ومن هنا بات واضحا أن من أهم أسباب مشكلات الحركة الوطنية الفلسطينية كثرة الانقسامات وتعدد مراكز القوى والقيادات، وغياب الوحدة الوطنية على مدار تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وفقدانها لإستراتيجية واضحة ومتماسكة، فضلا عن سيطرة "الموروثات القديمة": الشخصانية، الفردية، الرجل العظيم أو الزعيم التاريخي، العائلية، وهيمنة العقلية القبلية على العمل السياسي، الأبوية، والتعصب للحزب والرأي، وتفشي الانتهازية، ومرض التفرد بالسلطة والوجاهة، والدسائس والمؤامرات".  هذه "المروثات القديمة" ما برحت تهيمن على قيادات الحركة الوطنية، وحالت دون بناء أنموذج سياسي جامع يشكل بوتقة لصهر التنوع والاختلاف بين القوى السياسية. وعليه،  أن مسيرة الحركة الوطنية تكشف بشكل جلي بأن هناك عجزا فلسطينيا في عدم قدرتهم على انجاز عقد اجتماعي وسياسي وطني ملزم يشكل إطارا مرجعيا حاكما للفلسطينيين في تفكيرهم النظري وسلوكهم يحدد فعلهم السياسي وتحالفاتهم المحلية والدولية، بما يضمن استقلالية قرارهم الوطني بعيدا عن التجاذبات الإقليمية والدولية التي تؤثر عليهم سلبا.

 وفي المحصلة فإن التجارب التاريخية تؤكد لنا أن درسا ينبغي أن تستوعبه - قبل فوات الأوان - مختلف القوى والقيادات الفلسطينية في المرحلة الراهنة، إن أرادت تجنب تكرار مصير مأزق الحركة الوطنية،  والخروج من أسر هذا القانون، وهو ضرورة  أن  تستقرئ التاريخ  وتأخذ منه العبر. ولكن نحن معشر العرب لا نستقرئ التاريخ ولا نستحضر الأحداث فتلك مصيبتنا، وإن كان الحال هكذا، إذن لا يبدو غريبا أن يتكرر هذا القانون مع "حماس"، لان هذه الأخيرة أعادة إنتاج الأسباب ذاتها والخطأ السياسي القاتل نفسه الذي قاد الحركة الوطنية إلى المأزق، "لان المشروع السياسي لحماس انتهي بها-مثلما انتهى بـ"فتح"- إلى السلطة الفلسطينية: وهي الدرجة الأعلى في التعبير عن خيار التسوية" هذه التسوية التي تحولت بموجبها الحركة الوطنية من حركة تضحية ومقاومة إلى حركة تسوية ومساومة.

 وهكذا، حيثما توشك حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، اكبر التنظيمات الفلسطينية على التفكك، بسبب سلسلة الأزمات السياسية التي ظلت تلاحقها، وبخاصة  منذ غياب قائدها التاريخي ياسر عرفات، فان أمراض "التاريخ " الفلسطيني يخشى أن تلاحق القوة التي ترث موقع "فتح".

   هذه القراءة ليست تشاؤما، وإنما محاولة لقراءة الواقع كما هو في ضوء التجربة المؤلمة التي تعرضت لها الحركة الوطنية الفلسطينية، حتى لا تغرق حماس في الأوهام أو السراب، وحتى لا تصاب بالغرور بسبب قوتها وعلو صوتها، لأنها أمست القوة الأولى في الساحة الفلسطينية، وصاحبة القول الفصل والحاسم في السياسة الفلسطينية، فالعبرة في النتائج والخواتيم.  

   والنصيحة التي نقدمها هنا، وهي: يجب على أي تيار سياسي يصل إلى القمة، ويتحكم في مفاصل العمل السياسي، وباتجاه الحركة الوطنية الفلسطينية، يجب عليه دراسة سير واقعه الجديد دراسة علمية،   وبدقة وبموضوعية بعيدا عن الشعارات والأوهام. بمعنى آخر على هذا التيار أن يراقب اتجاه وسير حركته؛ ليرى هل يتجه نحو تحقيق هدفه المنشود ويقترب من مبتغاه ومراده، أم يبتعد عن تحقيق مبتغاه ويتجه نحو الفشل والعجز عن تحقيق أهدافه الكبرى؟   فضلا عن ذلك إن الشأن الفلسطيني  أكبر من أن يديره عقل حزبي ضيق، لذا فإن هذا البلد يجب أن يدار من خلال مجلس حكماء يتكون من أصحاب الرأي والقدرة والخبرة في شتى المجالات" . فالقيادة الفلسطينية يجب أن تتميز بعقل مستنير ومتحرر من العقلية العصبية الضيقة، لان قضيتها شديدة التعقيد، وبالتالي تتطلب المقدرة على التعامل بتوازن مع المتغيرات التي تحكم القضية، والتوفيق بين المتناقضات في مركب فريد ومتجانس، وذلك  لأبعاد القضية المعقدة: البعد القومي والإسلامي، والبعد الديني، البعد الدولي  الخ. 

 بالإضافة إلى أن تحرير فلسطين، هذا الهدف الضخم والمعقد، يحتاج إلى أعلى درجة من تضافر الجهود المؤمنة بالهدف نفسه، ولا يتحقق ذلك وتلك القوى متصارعة ومستقلة عن بعضها البعض، تنظيما وإداريا وميدانيا، وغياب قدرتها على التخطيط، وتكوين إستراتيجية واحدة. وبالتالي ضرورة انجاز عقد اجتماعي وسياسي وطني يشكل مرجعية للفلسطينيين. ويجب أن يدرك الفلسطينيون أنهم دون استعادة وحدتهم لن يحققوا شيئا، وان استعادة هذه الوحدة في حد ذاتها لن تفيدهم إلا إذا تلتها بلورة حقيقية لإستراتيجية شاملة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني تحدد لهم غاياتهم وسبل التوصل إليها. 

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية