نحو فكر سياسي فلسطيني جديد


بقلم: عياد البطنيجي


يبدو أن الحلول الدبلوماسية مع إسرائيل قد وصلت إلى طريق مسدود؛ لأكثر من سبب أهمها لأنها موضعت نفسها في سياق غير طبيعي يتعارض مع منطق الأشياء حيث تعاملت مع المسألة الفلسطينية بنمط تفكير بيروقراطي حين اختزلت المشروع الوطني الفلسطيني إلى مجرد قيام كيان سياسي لجزء من الشعب على جزء من الأرض. ولهذا ليس بمستغرب أن تفشل في تحقيق مراميها.

وأخر هذه الحلول ما يتم تداوله اليوم في المشهد السياسي الفلسطيني حول اتفاق الإطار الأمريكي الذي ما زال يقابل بالرفض من قبل القيادة الفلسطينية. ونأمل أن يتمخض عن هذا الاتفاق المقترح، إيقاف حالة التصدع في الوعي الفلسطيني تجاه هويتهم وكيانهم الوطني ووحدتهم في الداخل والشتات. ليس لأن هذا الإطار أو المقترح القديم- الجديد يتناقض مع الاتفاقيات الثنائية السابقة منذ أوسلو إلى اليوم، ولا لأنه يؤسس "لتعارضات جديدة فلسطينية - فلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية أيضاً والحركة الوطنية الفلسطينية عموماً". بل لأن هذا الطرح هو استمرار لنمط التفكير البيروقراطي نفسه الذي أوصلنا إلى طريق مسدود، أي في جوهر الطرح نفسه حيث يقوم على معالجة التناقضات التاريخية معالجة فنية إجرائية سياسية. وهو المنزع الذي بدأ يترسخ منذ أواسط السبعينيات من القرن العشرين. أي منذ التحول من خطاب الثورة إلى خطاب الدولة.

في هذا الإطار، سوف أكتفي هنا في تنال أثر قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. أي أثر قيام دولة فلسطينية في سياق النظام الكولونيالي الإسرائيلي على المشروع التحرري الفلسطيني. وهذا يقتضي بداية أن نفهم طبيعة التناقض مع هذا النظام- الدولة. فالتناقض هنا هو من نوع التناقض الجوهري الذي لا ينحل إلى شكل أرقي بعد عملية اصطراع مكوناته وعلاقاته. فالنظام الإسرائيلي الاستيطاني مسيَّطر على النظام الإقليمي العربي، ومهيمن على الإقليم الشرق أوسطي، ومتحكم بتفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، وهذا يعنى أن بقاءه ليس مشروطاً بامتلاك عناصر القوة كافة فقط، بل وفي استبقاء الأمة العربية ضعيفة وكيان هزيل.

وعليه، إن العلاقة معه، في ظل منظومة علاقات القوى السائدة، تؤدي إلى خدمته أكثر مما تخدم الطرف الضعيف(الطرف الفلسطيني في هذه الحالة). فقدرته على فرض شروطه هي أكبر من قدرة الفلسطينيين على فعل ذلك. وهذا يؤدي في نهاية الأمر إلى أن تكون وظيفة الأطر النظامية الفلسطينية في ظل سيادة النظام الكولونيالي الإسرائيلي، وقبل تقويضه لصالح كيان أرقى، تتمثل في إدخال الفلسطينيين إلى هذا النظام، وليس في الخروج منه. حيث يستحيل أن تكون هذه الأطر مقصودة لذاتها فحسب، وإنما مقصودة لغيرها أيضاً؛ لاستحالة أن تعبر عن الإرادة الفلسطينية المحضة إذ سوف يُستدخل في تشكيلها الإرادة الإسرائيلية تأميناً لمصلحتها كنظام كولونيالي. وبالرغم من أن الإرادة الفلسطينية في تشكيل أطرها السياسية تبدو وكأنها إرادة فلسطينية مستقلة بيد أنه في حقيقة الأمر فإن هذا المظهر الذي يبدو وكأنه مستقل هو في مضمونه عرضي وحسب.

ويكفي هنا الإشارة إلى ما يؤكد ما أقول، هو متابعة التحول في الخطاب السياسي الفلسطيني من خطاب ثورة وتحرير إلى خطاب دولة، كيف تبدلت المفاهيم السياسية من مفاهيم تقوم على المقاومة والتحرير والثورة وعدم الاعتراف بالنظام الكولونيالي الإسرائيلي، إلى مفاهيم تقوم على الاعتراف بإسرائيل، السلام، التعايش المشترك، والمفاوضات. يؤدي هذا التحول إلى الاعتراف بالنظام الكولونيالي الإسرائيلي الذي استفاد منه أكثر مما استفاد منه الفلسطينيون. وكأننا أمام المعادلة التالية: إن أي تحول فلسطيني في السياق الكولونيالي، مشروط بأن يحافظ على ديمومة الدولة الإسرائيلية، وبالتالي تخلي الفلسطينيون، بشكل بطيء وتدريجي، عن هوية فلسطين التاريخية.

سبق لعدد من المفكرين الفلسطينيين الملتزمين بمسيرة الكفاح الفلسطيني أن طرحوا مشاريع وأفكار أرقى من مشروع الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، مثل مشروع "دولة فلسطين الديمقراطية" الذي تبنته معظم فصائل منظمة التحرير في سبعينيات القرن العشرين، وهو مشروع يلغي الكيان الصهيوني دون "أن يلقى بيهوده في البحر". وينادي نديم روحانا في دراسته الرائعة (نشرت في مجلة دراسات فلسطينية العدد 97) بالبدء بتفكير سياسي وأكاديمي يقود إلى بدائل عن حل الدولتين الذي وصل إلى طريق مسدود. ويقترح بضرورة العمل على مشروع وطني فلسطيني تحرري يرمي إلى هزيمة الكولونيالية الاستيطانية، واستبدالها بكيان وطني يشارك في بنائه الفلسطينيون والإسرائيليون على أسس من المساواة والأمن الجماعي بعد التخلص من الامتيازات الكولونيالية، والمشاركة في الحكم، وإتباع وسائل نضالية تتلاءم مع هذا الهدف- المشروع.

 إن هذا المشروع يحقق العودة للشعب الفلسطيني، ويقيم كيانه المستقل على كل التراب الوطني الفلسطيني دون أن يُقصر حق المواطنة فيه على العنصر العربي فقط. والأهم هو أن هذا المشروع لا يعالج التناقضات التاريخية بأسلوب بيروقراطي يتعامل معها بشكل فني وإجرائي كما ينطوي عليه أسلوب المعالجة الذي يستند إلى الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967.

سوف يخرج علينا البعض ويقول إن هذا التصور غير واقعي ويستحيل تحقيقه. أقول إن هذا التصور، بالطبع، يستحيل تحقيقه ما لم  يتحرر الوعي الفلسطيني من وعي مهجوس بالواقع، إلى وعي متحرر يتطلع إلى تشكيل الأشياء والواقع وفق الأنموذج الصحيح. ويكفي هنا الإشارة إلى أن البحث الاجتماعي النقدي المعاصر بدأ يتجاوز  الوضعية الامبريقية التي ترى الوقائع مستقلة تفرض نفسها على الوجود الاجتماعي، و التي تحجب دور الخيال في المعرفة لصالح تأسيس معرفي جديد يستند على" أن ما يحدد مجال العلوم المختلفة هو ليس العلاقات المتداخلة بين الأشياء، بل العلاقات المفاهيمية المتشابكة"، وأن "النظم الاجتماعية والأشكال الثقافية التي تتعدى التجربة المباشرة لابد أن تكون من حيث الحجم والمنظور من وحي الخيال".

هكذا، تكون الممارسة الفلسطينية متولدة من القيم التحررية ومشتق منها، لا من طبيعة علاقتها بالأشياء فحسب، ومن جهة ثانية تكون ذات طبيعة كفاحية إنسانية بحسب ما يفرضه الأنموذج المعرفي التحرري الصحيح، الذي غرضه هو أن يعمل على صنع أدوات لبلوغ المشروع الفلسطيني مراده.

ففي حالة قيام دولة فلسطينية على حدود 1967، فهل يمكن أن تكون دولة نضالية (كفاحية) قائمة ضمن المجابهة مع المشروع الصهيوني الكولونيالي؟ سؤال نؤجل الإجابه عليه إلى حين. 

 

 

 

نهاية الفكر السياسي الفلسطيني المرحلي


بتصريح الرئيس عباس للتلفزيون الإسرائيلي كما نقلته صحيفة هآرتس في 3/11/2012 " بأن الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس هي فلسطين وما عدا ذلك هو إسرائيل. الآن والى الأبد". بالإضافة إلى تصريحاته حول حق العودة والتي أثارت سخطاً عاماً، حين قال في اجتماع أمام الطلاب الإسرائيليين في رام الله بأنه "لا يرغب في إغراق (إسرائيل) بخمسة ملايين لاجئ فلسطيني"، وهو الأمر الذي يعني ضمناً التنازل عن حق عودتهم إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها. فضلاً عما قاله خلال مقابلة مع إحدى القنوات الإسرائيلية: إنه "لا يرغب بالعودة إلى بيته في صفد"، مما عد "تنازلاً ضمنياً" عن حق العودة. بهذه التصريحات يكون الفكر السياسي الفلسطيني المرحلي قد انتهى إلى غير رجعة.  الأمر الذي يفرض على النخبة الفلسطينية إعادة تشكيل مشروعهم الوطني التحرري من خلال استعادة الشرط التاريخي لوضعهم، أي، وكما يقول نديم روحانا فالمطلوب هو "استعادة الإطار الكولونيالي الإستيطاني" كمحدد لتأطير فهمهم للمشروع الوطني الفلسطيني.

هكذا وفق هذه التصريحات، يصبح اللاجئون الفلسطينيون لهم همََّهم الخاص بهم منفصلاً عن الهمّ الوطني الفلسطيني العام، بالتالي لا شأن للمشروع الوطني الفلسطيني بوضعهم وبحقوقهم التاريخية. أي أخرجوا كونهم فلسطينيين، وأصبحوا شيئاً آخر. هذا الموقف غير منفصل عن تعريف الرئيس عباس للمشروع التحرري الفلسطيني المتمثل في  تحقيق الدولة الفلسطينية في "غزة والضفة والقدس الشرقية، وما عدا ذلك هي إسرائيل. الآن وإلى الأبد". 

هذا التصريح يخالف قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشر في العام 1974، حين تم إعلان "البرنامج السياسي المرحلي" والذي يعرف أيضاً بـ"برنامج النقاط العشر" الذي نص على " أن أية خطوة تحريرية تتم هي لمتابعة تحقيق إستراتيجية منظمة التحرير في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المنصوص عليها في قرارات المجالس الوطنية السابقة، حتى تحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة، كما وتناضل السلطة الوطنية الفلسطينية بعد قيامها من أجل اتحاد أقطار المواجهة في سبيل استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني وكخطوة على طريق الوحدة العربية الشاملة". 

يؤكد هذا التصريح بشكل واضح لا لبس فيه، أن "الفكر السياسي المرحلي" قد انتهى قبل أن يحقق هدفه المتمثل في إقامة دولة على حدود 1967. بيد أن الأمر ليس ذلك فحسب، بل إن المرحلية حتى ولو تحقق هدفها المتمثل في إقامة دولة على أي جزء من تراب فلسطين، فإنها لن تكون "خطوة على طريق تحرير كامل التراب الفلسطيني" حسب ما هو منصوص عليه في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني. لأن دولة 67، في حالة قيامها، ليست أداة فعالة لاستكمال المشروع الكفاحي التحرري الفلسطيني بهدف "استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني". بل ستكون مجرد أداة تساهم في "خلق نسق عام للإتباع والخضوع" لسلطة المستعمِر. هكذا ستكون الدولة الفلسطينية ليست أكثر من سلطة انضباطية (حسب تعبير فوكو) تتمثل سلطة المستعمِر من ناحية، وتدير السكان في المناطق التي احتلت في 1967 من ناحية ثانية، بهدف ترميم منظومة السيطرة الإسرائيلية في المناطق المحتلة 1967، وتشغيلها وفق الإرادة الإسرائيلية في نهاية الأمر. إن في حالة قيام جهاز سياسي فلسطيني سيادي، إلى جانب دولة إسرائيل، يحكم المناطق المحتلة عام 1967 سيكون فعلياً جزء لا يتجزأ من النظام الإسرائيلي بهدف تثبيته كنظام كولونيالي. بعبارة أخرى سيكون هذا الجهاز- الدولة ليس سوى تشفيف منظومة السيطرة الإسرائيلية الكولونيالية، أي جعلها( الكولونيالية الإسرائيلية) أكثر رقة. هكذا تكون الدولة في السياق الكولونيالي الإسرائيلي أداة لترسيخ علاقات القوة التي تخدم في نهاية المطاف هذا النظام وتكون بالتالي أداة ترمي إلى إعادة إنتاجه. هكذا إذن لن تكون الدولة الفلسطينية خروجاً من النظام الكولونيالي بل سوف تتشكل بحسبه. وهذا ما سوف نوضحه في دراسات قادمة.

مداخلتي خلال الندوة التي عقدها مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية بعنوان المشهد السياسي الراهن

 

 المزيد...

في هندسة البناء السياسي العربي الجديد

 

سيبدأ المفكر الموريتاني السيد ولد أباه بسلسة مقالات سوف تنشر تباعاً على صفحة الاتحاد كل اثنين. وهي مقالات في غاية الأهمية نظراً لأنها تأتي في سياق عربي متحول وبالغ التركيب.حيث يبين فيها الكاتب أن السمة الغالبة على أوضاع المنطقة هو انهيار نموذج الدولة الوطنية العربية من الداخل وتفكك بنية النظام الإقليمي العربي. وهذا يقتضي إبداع مدركات ومفاهيم نظرية وأدوات مؤسسة جديدة.

وفي مقالته الأولي التي نشرت الاثنين الماضي، يقترح فيها الكاتب بناء نمط جديد من الهندسة السياسية، وذلك من خلال الانتقال من نموذج السيادة الأحادية المطلقة ضمن إقليم وطني كامل الاستقلال إلى نمط من البناء السياسي الجديد بدوائر سيادية متعددة وأشكال من التمثيل متنوعة انسجاماً مع واقع قائم.

وهي فكرة جديرة بالمتابعة والتأمل إذ تتسم بالجِدة كونها غير مسبوقة على الإطلاق حيث تخترق التصور النظري للدولة الحديثة التي تواجه مشكلات عويصة في محاولة إعادة استنباتها في التربة العربية. وسيستكمل الكاتب هذه الأفكار في الحلقات القادمة وندعو المهتمين بإشكاليات الدولة العربية بمتابعتها باهتمام بالغ. 

ما يطرحه السيد ولد أباه من خلال التحول من نمط السيادة الأحادي المطلق إلى نمط السيادة المتعدد، يعتبر بحق منظوراً سياسياً وقانونياً مختلفاً عن المرجعية الحداثية المحضة التي ما تزال تسود الخطاب الثقافي العربي. فهذا الطرح يموضع نفسه في سياق ما أفرزته النظرية النقدية والنظرية السياسية والقانونية ما بعد الحديثة من مفهومات سياسية وقانونية في ما يخص شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع تتجاوز تلك العلاقة الكلاسيكية التي يتم اختزالها بمفهوم الديمقراطية (الأغلبية) المبنية على فكرة التمثيل السياسي.

ويجاري هذا الطرح الجديد والمختلف، النقد المعاصر وما بعد الحديث للفكر السياسي والقانوني في الدراسات السياسية والقانونية المعاصرة. ويظهر ذلك في ما يجري الآن تسويقه من مفاهيم جديدة وبديلة، مثل المطالبة بالديمقراطية التشاركية، على سبيل المثال لا الحصر. التي تقوم على فك احتكار الدولة لصناعة القرار وصياغة المجال العمومي من جديد على نحو مختلف، وهو ما يطلق عليه "صعود المجتمع" أو "السياسات التحتية"  أو "السياسة من أسفل" وهي كلها مفاهيم لا ترتكز على فكرة التمثيل السياسي بشكله الكلاسيكي. وفي نهاية المطاف ترمي هذه المنظورات البديلة إلى الحد من القبضة المركزية للدولة الحديثة التي تتحكم بالمجتمع وتحدد الأفعال والأقوال من منطق أسبقية أفعال الدولة على أفعال البشر. ومفهوم سيادة القانون مثال آخر على هذا التحول النقدي للخطاب المعرفي المعاصر.  فالدراسات القانونية النقدية باتت تنبذ أو تحذر من فكرة سيادة القانون، والفقه القانوني لما بعد الحداثة يذهب إلى أن القانون ذكوري، يرفض النظريات الكبرى التي تزعم أنها تمتلك معرفة تامة بالخبرة البشرية، فأرسى بذلك أسساً جديدة للدراسات القانونية وحدد شكل جديد لحكم المجتمعات. وهذا الطرح جديد ومهم في ظل التحولات العربية الجارية على قدم وثاق؛ لأن سيادة القانون ما تزال تطالب به الأجندة البحثية العربية للعديد من المركز المتخصصة في الأبحاث السياسية والقانونية التي تسود العالم العربي دون مراجعة نقدية لما يكتب حوله في الدراسات القانونية النقدية المعاصرة. فالدراسات القانونية النقدية تحذر من هذا المفهوم وبخاصة في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلدان العربية؛ لأن الاختلاف في التصورات المعيارية والخلفيات الاجتماعية والثقافية تؤثر في أحكام وقرارات القضاء والمحامين وواضعي القانون وغيرهم من الموظفين في المجال القانوني. كما لوحظ أن الهيئات الإدارية والتنظيمية في المجتمعات المعاصرة تستحوذ على حرية تصرف واسعة في ممارستها للسلطة العامة مقارنة بما يستحوذ عليه المجتمع، ولا يوجد من يوجه خطابها إلا قوانين عامة مبهمة يكتنفها الغموض ويقوم في معظمه على الاستثناءات المتعددة التي تعطل اطراد القاعدة القانونية، وهذا يترتب عليه عدم توازن في ديناميات التطور ومسار الحركة وبخاصة في المجتمعات الانتقالية كما هو الحال في بلدان الربيع العربي. ولذلك يجب التحسب لمآل هذا المسار الخطير من خلال الانفتاح على آراء الفقه( القانوني والسياسي) لما بعد الحداثة.

فالمطلوب هو أن نفهم التحولات المعرفية الجديدة التي يمر بها حقل الدراسات الاجتماعية المعاصر، لكي نساهم في تطويرها والاستفادة منها في ترشيد الواقع السياسي والاجتماعي للبلدان العربية، والانفتاح على الخبرات التي تنطوي عليها تجارب المجتمعات ما بعد الكولونيالية وهي خبرات تجد متسعاً لها في منظورات ما بعد الحداثة أكثر من منظورات الحداثة التي عانت منها المجتمع العربي أشد معاناة لما مرت بها من مآسي وحروب طاحنة بسبب فرض أنموذج أحادي للسيادة أو للهيمنة وللسيطرة في سياق مجتمعي نابض ومركب وشديد التعقيد لا ينسجم مع فكرة السيطرة الأحادية التي تتمحور حول مركز متعالي يلغي فكرة التنوع والتعدد التي تنطوي عليها المجتمعات العربية. والنتيجة هي منازعات طاحنة لم تفضِ إلى شكلٍ سياسي ومجتمعي أرقى بل كرست التخلف والإلحاق  والتبعية.

 إن طرح السيد ولد أباه يؤدي إلى إنتاج بحثي مبتكر قد يمهد إلى تحولٍ في البراديغم المعرفي السائد حسب تعبير توماس كون. وهذا يستلزم منا الاطلاع على المدارس والتيارات الجديدة مثل المنظور النسوي، ما بعد الحداثة، والدراسات القانونية النقدية، والفقه القانوني لما بعد الحداثة، والمناهج الجديدة في إدارة الدولة في ظل مجتمع متعدد الثقافات والهويات وهو ما يناسب المجتمع العربي أكثر من المرجعية الحداثوية التي يستند إليها الخطاب العربي السائد.  

علاقات القوة في السياق الكولونيالي وديناميكية الكفاح المسلح والعمل السياسي

ألقى الدكتور عزمي بشارة محاضرةً في افتتاح مؤتمر مراكز الأبحاث: "المشروع الوطني الفلسطيني: أفكار وأسئلة حول المأزق والآفاق" في 7 – 9 كانون الأوّل / ديسمبر 2013. الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيث يرى بشارة أن للمشروع الوطني الفلسطيني ركنين، الأول مقاومة الظلم التي تطورت إلى كفاح مسلح، والثاني العمل السياسي. ويقترحه بشارة في ما يخص كتابة التاريخ الوطني الفلسطيني من منظور العلاقة الدينامكية بين هذين الركنين اللذين وسما تَطوُّرِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ بميسمها. "عبْرَ النّظَرِ في تَلاقِيهِما وانْفصالِهِما؛ ففِي مراحِلَ كان فيها أحدُهما يخدِمُ الآخَرَ، وفي مراحلَ أخرى تَمايَزَا وتقاطَعَا، وفي أخرى تَناقَضَا وانْفصَلَا. واحتاجَ كُلٌّ مِن المِحورَيْن إلى ذاكرة ومبرّراتٍ خاصة بها (سرعان ما تحوّلت إلى تاريخه الخاص)، كما استند إلَى علاقاتٍ دوليةٍ وعربيةٍ تسْندُه".

 ونضيف إلى اقتراح الدكتور عزمي بشارة ما يمكن أن نطلق عليه "رؤية مختلفة" لمنظومة علاقات القوة في السياق الكولونيالي انطلاقاً من مقولة إن علاقات القوة في السياق الكولونيالي الإسرائيلي حين تكون متمركزة في إطار أو جهة أو أصل سياسي ما فإنها تعيق إمكانية تحرر من يرزحون تحت الاحتلال. فمنذ لحظة نمو نزعة بيروقراطية داخل منظمة التحرير تغلبت في نهاية المطاف على الاتجاهات السياسية كافة ما أدى إلى تغليب احتياجات البيروقراطية على احتياجات الكفاح المسلح. هذا يفسر ظهور اتجاه دولاني لدى النخبة البيروقراطية للمنظمة تغلب على أصحاب اتجاه استمرار الكفاح المسلح. تقوى هذا الاتجاه بسبب تزامنه مع ما واجهه الكفاح المسلح من أزمات في استراتيجياته وتكتيكاته وبرامجه. وهذا يفسر كيف انتقلت الحركة الوطنية الفلسطينية عبر منظمة التحرير من الكفاح المسلح أو من منطق الثورة إلى الانهماك في مشروع بناء الدولة الذي اكتمل بدخولها مسلسل التسوية أو ما يعرف بالحل السلمي. وهذا يعود إلى ما يبدو  أن منظمة التحرير الفلسطينية استطاعت أن تشكل لنفسها هوية سياسية متمايزة عن الانضباطيات المجتمعية الفلسطينية الأخرى سواء أكانت انضباطيات العمل الفدائي أو الكفاح المسلح أو الأطر المجتمعية الفلسطينية الأخرى التي كانت تعمل على الانعتاق من الكولونيالية الإسرائيلية. بدت المنظمة، والحالة هذه، كمظهر منفصل ومتمايز عن المجتمع الفلسطيني، تجلى ذلك بوضوح في الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة) آن ذاك استطاعت أن تدفع بديناميكية الفلسطينية المتشكلة نحو التوجه إلى الحل السلمي، وفرض هذا التوجه على مسار الانتفاضة الذي انتهى بمشروع دولاني (السلطة الفلسطينية) لم يتحول في ما بعد إلى دولة كاملة السيادة. يبدو أن المجتمع السياسي الفلسطيني الذي يرزح تحت الكولنيالية الإسرائيلية بحاجة إلى نسق مختلف من علاقات القوى عن نسق علاقات القوة التي تسود الدولة الحديثة، أي علاقات قوة غير مبنية على أصل أو مركز يبدو وكأنه متعالي له هوية سياسية متمايزة يحتكر العمل السياسي والمقاومة أو الكفاح والنضال الفلسطيني. تكون علاقات القوة هذه أقرب إلى فكرة الانضباطيات التي تمكن صمود الناس وحضورهم في المكان، وتعطل كل مخططات التهجير والإقصاء، وهو ما يعني توزيع علاقات القوة داخل أطر متعددة مكانياً يحكمها علاقات متوازنة وتمكنهم من التجدد والانعتاق، وتمكنهم من تصديهم لصيرورة الاقتلاع والخروج من النظام الإستعماري الصهيوني .

 

التمركز الفلسطيني حول خطاب الدولة: خيار الانزياح لـ "مجتمع الصمود"


alt

 

العدد 25 من فصلية سياسات: ملف حول علاقة الدين والمجتمع والمؤسسة السياسية  صدر حديثا عن معهد السياسات العامة برام الله العدد 25 من فصلية سياسات، الذي ضم بين دفتيه ملفا حول علاقة الدين والمجتمع والمؤسسة السياسية، في ظل البحث عن تطوير دعائم الدولة الوطنية، تركز على الحالة الفلسطينية، ملامسا البيئة العربية المعاصرة، ومتعمقا في الخلفيات النظرية للتجليات السياسية لما اصطلح على تسميته بالإسلام السياسي. فقد ضم العدد ثلاث دراسات حول الموضوع، الأولى للدكتور إبراهيم أبراش أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة بعنوان "أسئلة الدين والسياسة في فلسطين: من تأجيل التحرير وصولاً إلى مقايضات الإسلام السياسي"، فيما يكتب الدكتور وليد الشرفا من جامعة بيرزيت دراسة بعنوان "إسلامية- علمانية، أم هندسة إخضاع؟"، ويكتب الباحثان تيسير محيسن وعياد البطنيجي دراسة بعنوان "التمركز الفلسطيني حول خطاب الدولة: خيار الانزياح لـ "مجتمع الصمود". وتنشر "سياسات" في زاوية المقالات أربع مقالات. يكتب محمد الهواش مقالاً بعنوان "أوسلو: طريق الانتقال من الفكرة إلى الدولة"، وتكتب الباحثة ريهام عودة مقالاً بعنوان "الدولة المدنية والدولة الدينية: وجهة نظر" تستكمل فيه نقاش "سياسات" حول الدين والمجتمع والدولة، ويكتب الشاعر والصحافي المصري جرجس شكري دراسة بعنوان "المشهد المصري: الواقع على مسرح التاريخ" يعالج فيه السياق المصري، أما الدكتور محمد الدجاني رئيس قسم الدراسات الأميركية في جامعة القدس فيكتب حول ازدواجية الموقف الأميركي. وتعود "سياسات" في زاوية الندوة للتركيز على موضوع عددها الأساسي حول الدين والمجتمع والدولة، وهي تفعل هذا هنا من خلال استقراء موقف الفصائل حول هذه العلاقة، حيث تقرر هذه المرة أن تقوم بلقاء ممثلين عن الفصائل المختلفة لمحاورتهم منفردين حول هذه العلاقة. تلتقي "سياسات"عضو ثوري فتح إبراهيم أبو النجا وعضو التشريعي عن حماس يحيى موسى، وعضو القيادة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي الشيخ خالد البطش، وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية صالح زيدان، وعضو المكتب السياسي لحزب الشعب طلعت الصفدي. وفي زاوية السياسات العامة تقدم "سياسات" دراسة للدكتور محمد حمودة من جامعة النهرين العراقية حول سبل تقييم السياسات العامة بغية تحفيز البحث في السياسات العامة وطرق تقييمها. وفي زاوية السياسة الدولية تقدم "سياسات" دراسة للباحث والكاتب السياسي مأمون سويدان "الموقف الأميركي من حركات الإسلام السياسي: الإخوان المسلموننموذجاً" يحاول فيها فهم موقف الولايات المتحدة من الإسلام السياسي وذلك لموضعة النقاش حول علاقات الدين بالمجتمع والدولة في سياقها الدولي.  التمركز الفلسطيني حول خطاب الدولة: خيار الانزياح لـ "مجتمع الصمود"

تعليقي النقدي على مقترح الدكتور محمد فاضل أستاذ القانون في جامعة تورنتو الكندية.

كتب الدكتور عمرو عثمان مقالةً بعنوان "التحوّل الديمقراطي وتحديات الإصلاح القضائي"، نُشرت على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بتاريخ 24 أكتوبر 2013. يقدم فيها الدكتور عثمان مقترحاً للدكتور محمد فاضل، أستاذ القانون بجامعة تورنتو الكندية. وهو مقترح نُشر في المجلة الدولية للقانون الدستوري في عددها الأخير. يقترح الدكتور فاضل في مقالته المقترح التالي: " أنّ التحوّل إلى أسلوب القانون العام common law (أو القانون الأنكلو - ساكسوني كما يطلق عليه أيضًا) المطبّق في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأخرى (أغلبها مستعمرات بريطانية سابقة)، بدلًا من نظام القانون المدني civil law الأوروبي المطبّق في أغلب دول العالم الأخرى وكثير من الدول العربية (والمهجّن غالبًا ببعض أحكام الشريعة الإسلامية في الحالة الأخيرة)، يمكن أن يساعد في عملية التحوّل الديمقراطي في مصر وبعض دول الربيع العربي مثل تونس باعتبار هذه الدول تشهد تحوّلًا إلى الديمقراطية".  

(عمرو عثمان، التحوّل الديمقراطي وتحديات الإصلاح القضائي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (24 أكتوبر 2013 ) متاح على الرابط:

http://www.dohainstitute.org/release/f9c749ea-05e4-48da-8554-503f78254813 )


  وقد كتبت تعليقاً نقدياً على مقترح الدكتور محمد فاضل، نشره -مشكوراً- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهنا أعرضه على القراء بغية فتح نقاش معرفي حوله.


أغلب الظن أن تناول مسألة صعوبات إنفاذ القانون في المجتمع العربي، والتي تجلت بوضوح بيِّن إثر الربيع العربي، لا يمكن حصرها وفق المنطق القانوني الخالص. إذ إن حجاج القانونيين في تعاطيهم مع إشكاليات المجتمع والدولة يتكشف عن ضعف بنيوي متأصل، لأسباب عديدة لا مجال هنا لبسطها. حيث إن الانتقال من نمط القانون المدني إلى نمط القانون العام، وفق فرضية الدكتور محمد فاضل، لا يحل المشكلة على الإطلاق، وليس ذلك سوى أرجاء للمشكلة؛ لأن الانتقال من القانوني المدني إلى القانون العام، يعنى الانتقال من المجتمع إلى الدولة. ولأن القانون المدني المستورد أو المبيء، أظهر طبيعة المجتمع العربي المهجن، أو المبرقش وفق تعبير فالح عبد الجبار، حيث لا يتسق هذا المجتمع على الإطلاق مع فلسفة القانون المدني الأحادية المتمركزة حول مقولة الفرد، في المقابل فإن القانون العام سوف يدخلنا في إشكال آخر وهو إشكالية الدولة التي لا تتلاءم هي الأخرى مع طبيعة مجتمعها التي تحكمه إذ ثمة تعارض بين منطق الدولة ومنطق المجتمع في الحالة العربية، لنفس سبب عدم اتساق فلسفة القانون المدني الأحادية مع تركيبة المجتمع العربي حيث إن الأخير متعدد ومتمركز حول مقولة الجماعة (الطائفة، القبيلة، الجهويات، والتمذهب الديني، والمنطق الهوياتي). أولاً لأن هذا الانتقال سوف يعيد إنتاج أزمة الدولة، ويظهرها كما ظهر القانون المدني معضلته مع المجتمع العربي، وبخاصة مشكلة التأسيس الذي طرحها السيد ولد أباه في مقالته الأخيرة على صفحة الاتحاد الموسومة" المسألة السياسية الجديدة في العالم العربي"، وهي مشكلة غير قانونية بل سياسية تتعلق بالأمر والسيادة. فضلاً عن معضلة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والدين والدولة وغيرها من الإشكاليات المعروفة لدي المتخصصين في مشكلة الدولة العربية. لذا فإن فرضية الدكتور فاضل لا تلامس جوهر المشكلة لتعاطيه إياها من منظور قانوني محض، وهذا مكمن ضعفها القاتل، وكذلك لأنه لا يدخل  في حجاج معرفي حول علاقة القانون بالأخلاق والعرف والدين وهو جدال ضروري بالنسبة للمجتمع العربي الذي يمر بمرحلة انتقالية كما يصفه البعض، حيث يعزل فاضل هذه الموضوعات ويحصر حجاجه فقط في ما هو قانوني محض وهذا تبسيط للمشكلة. لذلك فإن محاججته تنفصل عن السياق، وهي تفصل المفهوم عن موضوعه، والدال عن مدلوله. وعليه لن تكون إضافة جديدة بل هي ترديد للغة محترفة وتعابير متخصصة موضوعها مختلف وسياقها مختلف، لذلك فهي محاججة لا تلامس الإشكالية الحقيقية.

تونس ومصر نموذجا .. آفاق المجال السياسي في دول الثورات العربية

الناشر: الشبكة العربية العالمية: 

بقلم:  عياد احمد البطنيجي

تاريخ النشر: الخميس, 14 مارس 2013 13:47

tunisia_demo

بعد رصد موضوع الخطابات السياسية إثر الحراك الثوري العربي، وتصورات كل خطاب تجاه مسارات التطور السياسي، يتبين أن ثمة ثلاثة أصناف من الخطابات السياسية سيطرت على النقاش العام في البلدان التي نجح فيها الفعل الثوري كما هو الحال في تونس ومصر،

وهي: خطاب الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وخطاب الدولة الدينية، وخطاب الدولة المدنية.

تكشف المتابعة الحثيثة لموضوع الخطابات السياسية أن خطاب الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية والمتمثل في جماعة الإخوان المسلين في مصر، وحركة النهضة في تونس، من أكثر الخطابات السياسية استفادةً من بنية الفرص السياسية التي تفتحت مع الحراك الثوري العربي، ثم يليه خطاب الدولة الدينية.

هذا هو المتغير السياسي الجديد الذي يشكل أحد أهم مدخلات التطور السياسي إثر الربيع العربي.  ومن هنا ستدخل البلاد التي نجح فيها الفعل الثوري وقد سيطرت النخبة الإسلاموية على السلطة التي فككت الثورات العربية أقفالها.

وهكذا، فإن تقصي كافة مناحي التغيير التي سوف تمس الدولة والمجتمع في ظل الحراك الثوري العربي، والآثار المتوقعة على تحديد وجهة التطور السياسي مشروطاً بفهم هذا المتغير السياسي الجديد. الأمر الذي يعنى ولوج الإيديولوجية الإسلاموية إلى الدولة والتوظيف الكفاحي في رسم مسارات التطور السياسي.

 وفي ضوء هذه التوطئة من المتوقع ارتكاس منهج هوياتي فئوي على الممارسة الإسلاموية للسياسة بحكم منطق اشتغالها الطائفي بطبيعته، وبالتالي اندراج لغة مذهبية فئوية داخل الحقل السياسي مما يعمل على توتيره ويضعف بنيته واستقلاليته. وبدلاً من استكمال صيرورة تحرير المجال السياسي العربي فإن صيرورة السلطة إلى النخبة الإسلاموية صائرة إلى إغلاقه، بعد انفتاحه النسبي إثر الربيع العربي، من خلال هيمنة منهج هوياتي فئوي، الأمر الذي سيولد رد فعل معاكس من خلال دخول المجتمع السياسي في عملية كفاح ضد هذا المنهج الهوياتي الفئوي. وهكذا فإن السيطرة الإسلاموية سوف تولد نقائضها.

هذا الاستنتاج يُبصر الوعي السياسي بصيرورة الحراك الشعبي العربي في البلدان التي نجح فيها الفعل الثوري في إسقاط رأس النظام، وفق ما تفرضه هذه التفاعلات في الواقع على الظاهرة النظامية أي مبناها الدستوري والقانوني والمؤسسي، وتحديد الإطار المرجعي الناظم لحركة الفعل السياسي.

ما برح الخطاب السلفي يعيش صراعاً بنيوياً مع مفهوم الدولة الحديثة باعتبارها دولة غير شرعية، ويغلب المثال الإسلامي المتخيل على حساب الواقع واللحظة التاريخية الراهنة، وباندراج هذا الخطاب في الحقل السياسي في إطار "الدولة الحديثة"، سيترك أثره على هوية الدولة، كما سوف يتأثر الخطاب السلفي نفسه بهذا التحول، وسيترك أثره على الأطروحة السلفية نفسها. وبالفعل لقد بدأت ارهاصات ذلك بالتجلي من خلال الانقسامات داخل الأطروحة السلفية التي ظهرت بعد ولوجهم العمل السياسي. يفرض هذا المتحول الجديد منطقه لجهة اجتراح مقاربة مختلفة.

من النافل القول إن تراجع الخطاب المدني أمام سيطرة خطاب الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية على الدولة والمجتمع، والانتقال من الدعوة إلى الدولة، سوف يترك آثاره على مسار التطور السياسي، الذي يُخشى أن يفضي إلى إغلاق الحقل السياسي بعد تحريره إثر الثورات الشعبية.

ومع تعدد التشكيلات والمتغيرات المؤثرة في جماعة الأخوان في مصر: الجماعة وأداتها الدعوة، وحزب العدالة والحرية كأداة للدولة. فهذه العلائق سوف تطبع مصير الجماعة في المرحلة المقبلة.

كما أن المتغير السياسي الجديد المتمثل في سيطرة الإسلاموية على الدولة سوف يدخل جماعة الإخوان في ديناميكيات داخلية غير مسبوقة. ويبقى السؤال من سوف يدفع الآخر إلى منطقة وحقله ؟ هل ديناميكيات التشكيلات الأربع (الجماعة، الدعوة، الحزب، الدولة) ستكون لجهة الاتساق أم لجهة التوتر؟ وهل الجماعة ستفرض منهجها على الدولة، وبالتالي شل حركة المجتمع السياسية منعاً للتغيير أم ستسحب الدولة الجماعة إلى منطق اشتغالها الذاتي، وبالتالي توسيع الحيز العام؟ هذا ما سيتكشف مع المستقبل الأتي.

على أي حال من المؤكد أنه إذا كان اندراج  النخبة الإسلاموية في المجال السياسي سوف يترك أثره البالغ على هوية الدولة فإن هذا الاندراج نفسه سوف يعود ويؤثر بدوره على الأطروحة الإسلاموية نفسها.

لذا يمكن القول إن توقع مسار التطور السياسي بعد الثورات الشعبية، يستلزم أولاً تحديد المتغير الرئيس الجديد الذي ظهر بعد الربيع العربي، وثانياً أثر هذا المتغير على مسار التطور السياسي تجاه مسألة السلطة ودولة ما بعد الربيع العربي، وبالتالي أي مستقبل للدولة العربية في إطار هذا المتحول الجديد؟

 لعل قراءة الحراك الثوري العربي تبين أن المتغير الرئيس هو سيطرة الخطاب الإسلاموي بشقيه المدني- الإسلامي، والديني- السلفي، ومن ثم اندراج الإسلاموية في المسرح السياسي الرسمي في أكثر من بلد عربي، وأخذ الصدارة في الحكم.

وهكذا ستتميز المرحلة القادمة في بلادنا بوجود النخبة الإسلاموية في السلطة التي حطّمت الثورات العربية أقفالها. هذا هو المتغير السياسي الجديد الذي لا سبيل إلى الإعراض عن رؤيته بكل اليقظة الفكرية المطلوبة، وينبغي التشديد على هذا التحول الكبير لاتّصاله بالهندسة الاجتماعية والسياسية وفق مفاهيم وتصورات النخبة الجديدة التي جاءت بها حركات الاحتجاج العربي، محاولة فرض رؤيتها للكون السياسي والاجتماعي، واستدخالها في بطن الدولة والمجتمع، بما تدعيه من امتلاك نظرية كاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية حسب المقولة الشائعة: "الإسلام دين ودنيا ودولة". وبالتالي باتت الإشكالية مع هذا التحول السياسي الكبير، لا تتعلق بمدى شرعية النخبة الإسلاميوية في العمل السياسي من عدمه، أو إدماجها في المجال السياسي، بل بالكيفية التي سوف يديرون من خلالها الشأن العام.

إذن إن فهم كافة مناح التغيير التي ستمس الدولة والسلطة، والآثار المتوقعة على تحديد وجهة التطور السياسي مشروطاً بفهم هذا المتغير. وهذا ما يدفعنا إلى كشف منطق الصيرورة لدى كل من خطاب الإسلاموي وخطاب الدولة المدنية؛ لأنه يكشف عن الثابت والجوهري لديهما الذي لا يقبل التعديل والتحويل، أي ما يشكل "أفكار مفتاحية".

إذ يكشف التحليل السابق أن الخطاب الإسلاموي صيرورةٌ فكريةٌ وتاريخيةٌ نحو منطق هوياتي فئوي حيث القيمة العليا للمبادئ والتعاليم الدينية – المذهبية حسب تأويله الخاص، وهي قيم تعطي قيمة ثابتة وأبدية من أجل بناء دولة منتظمة حول تأويلهم للشريعة، وبالتالي ممارسات ماهوية (من هوية) تنشد فرض نفسها كانتماء أولوي والحلول محل انتماء المواطنة وإعلاء تصور جمعوي في مواجهة الثقافات والإيديولوجيات الأخرى على قاعدة نحن وهم.

أما صيرورة خطاب الدولة المدنية فهي صيرورةٌ تاريخيةٌ وفكريةٌ نحو بناء مجتمع سياسي قائم على الأمة المواطنية من خلال بناء حيز عام مستقل متحرر من مصادر السلطة التقليدية القائمة على بنية انثروبولوجية (قبلية، طائفة، دينية، عرقية، جهوية)، وبناء الفرد حامل لمبدأ المسؤولية والمشاركة الوطنية.

 هذه هي الصيرورة التي ستندرج فيها كل القوى السياسية في المرحلة المقبلة، والتي تختلف درجتها حسب مستوى تطور المجتمع.

وبناءً عليه من المتوقع ارتكاس منهج هوياتي فئوي على الممارسة الإسلاموية للسياسية. فمن المعروف أن التشكيل العضوي لأي تنظيم سياسي حركي، من حيث سمات أعضائه، ومن حيث علاقات تبادل الخبرات والذاكرة الجمعية وأساليب اتخاذ القرار، يصير هو ذاته التشكيل الذي تُبنى به الدولة التي سيطر عليها هذا التنظيم. ومع نجاح مرشح الأخوان في الرئاسة وتبوأ حركة النهضة السلطة في تونس، وحصول السلفيين على نسبة معتبرة في البرلمان، كل ذلك يجعل الخطاب الإسلاموي أقوى من كل الخطابات الأخرى. الأمر الذي يعنى ولوج الإيديولوجية الإسلاموية إلى الدولة والتوظيف الكفاحي في رسم مسار التطور السياسي. كما ستدخل كل القوى المتمثلة للخطابات المدروسة نوع من الكفاح سوف يتولد عنه نوع من التطور السياسي.

على أي حال إن اندراج لغة مذهبية فئوية داخل الحقل السياسي يؤدي إلى حدوث اختلالات داخل الحقل السياسي، مما يضعف هويته المميزة والمستقلة عن الترتيبات الاجتماعية الأخرى. وبدلاً من استكمال صيرورة تحرير الحقل السياسي العربي فإن صيرورة سلطة الدولة إلى النخبة الإسلاموية صائرة إلى إغلاقه، بعد انفتاحه النسبي إثر الربيع العربي؛ بسبب هيمنة منهج هوياتي فئوي، الأمر الذي سيولد رد فعل معاكس من خلال دخول المجتمع السياسي في عملية كفاح ضد هذا المنهج، بحكم طبيعة الوجود الاجتماعي العربي المتنوع مذهبياً وطائفياً واثنياً وثقافياً واقتصادياً من خلال ما يسوده من تمفصل في أنماط إنتاجه. وهو ما يغيب الفعالية الذاتية للمجال السياسي واستقلاليته عن مصالح الفاعلين المكونين له، مما يجعل المجال السياسي قابلاً لإعادة التشكيل وفق كل نخبة جديدة تهيمن عليه، الأمر الذي يساهم في إضعاف تشكل تقاليد سياسية وقواعد عامة مجردة لها ذاتيتها الخاصة، ويضعف من تشكل انضباطات ذاتية وتلقائية  للفاعلين داخل الحقل السياسي. إن الخبرات التي يشكلها الفاعلون خلال علاقتهم بالمجال السياسي، تشكل منظومة استعدادات تتولد بسبب تماثل ظروف الوجود، ويستبطنها الفاعلون وتنتج تماثلاً وانتظاماً في السلوك، تصير ذاتها فعالة ومحدثة أثرها على الممارسة التي تنضبط وفق هذه المنظومة. ففي ظل النظم السياسية المستقرة لا يترك المجال السياسي لإرادة الذوات أن تخرج على تقاليده وقواعده والمبادئ المنظمة لصيرورته، فالفاعلون داخله واجب عليهم احترام هذه القواعد واتباعها والعمل بمقتضاها والالتزام بها. بينما في الحالة العربية نرى صيرورة معاكسة إذ يتمتع الفاعل السياسي بقدرات أكبر من قدرة المجال مما يجعل الأخير قابل للتشكل وفق كل نخبة جدية آتية وهذا يحول دون تراكم تقاليد سياسية وتشكل منظومة معيارية مستقلة ومتميزة. 

  وما يدلل على توقع ارتكاس منهج هوياتي فئوي داخل المجال السياسي حركة التعيينات التي قام بها الرئيس المصري باختيار عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين لمنصب المحافظ، والتشكيل الجديد للمجلس الأعلى للصحافة، وكذلك المجلس القومي لحقوق الإنسان، والفريق الرئاسي المساعد لرئيس المصري الجديد، وحكومة الدكتور قنديل( غلبة التيار الإسلامي، وغياب التيارات ذات الطابع المدني) ليثير مجدداً اتهامات من بعض القوى السياسية للجماعة بالسعي إلى "أخونة الدولة". وكذلك الأمر مع "حركة النهضة" الإسلامية التي تحكم  المجتمع في تونس، حيث تحول الحكم في عهدها إلى "توزيع مغانم الحكومة على الأقرباء والأحباب" حسب قول المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي، الذي استاء من السلوك السياسي لـ"حركة النهضة" كما تجلى في نهاية المطاف كونه ليس "مشروعاً حضارياً" بقدر ما هو مجرد "تهافت على المغانم الشخصية وتولية الأقارب والمقربين دون التزام معايير الكفاءة والتخصص" وهو ما كان سبباً في استقالة المرزوقي من الحكومة التي تترأسها "حركة النهضة" ومن المجلس التأسيسي الذي دخله على قائمة الحركة. فضلاً عما تم تسريبه عن راشد الغنوشي عبر المواقع الالكترونية، من خلال شريط مسجل له، حول نيته أسلمة المجتمع، وتطبيق الشريعة بعد التمكن من دواليب الدولة ومفاصلها. وفي نفس الشريط المسجل، قال الغنوش عن مجلة الأحوال الشخصية التي تتعارض بعض فصولها مع الشريعة: إن القانون يفسره القوي فيمكن أن نفسر نحن هذا القانون فنأخذ منه أشياء ونضع أشياء. وهذا يناقض ما قاله الغنوشي أثناء الحملات الانتخابية في تونس، حول إيمانه بالديمقراطية، وأنه لن يمنع الخمور والنساء من لبس البكيني على الشواطئ. وهو ما يبين ازدواجية خطاب حركة النهضة التونسية، والمنطق الهوياتي الفئوي الكامن وراءه. وما يزيد هذا التوقع فعالية الأمثلة التاريخية في العالم العربي للتجارب الذي تولى الإسلاميون فيها الحكم، والتي لم تقدم نماذج يمكن الافتخار بها أو الدفاع عنها. هكذا ستمر دولة ما بعد الثورة بالعديد من التحولات في المستقبل المنظور خاصة أن الدولة في بلادنا لم تتحول بعد إلى فكرة، ولم تستقر في المخيال الجمعي العربي عبر التاريخ، وبالتالي وجود استعدادات كامنة لنكوص الدولة والعودة إلى أنماط قديمة - مجتمع ما قبل الدولة- أو باتجاه كيانات صغرى.

 وهكذا، فإن سيطرة النخبة الإسلاموية على المجال العام يؤدي إلى أن يصبح الخاص أكثر فأكثر قابلاً للتعميم، والعام قابلاً للتخصيص، باختصار ستعمد هذه النخبة إلى تخصيص المجال السياسي، وتعميم مجالها الخاص.

 

عياد البطنيجي

باحث فلسطيني في العلوم السياسية والقانون العام

"الثورات العربية: الخطابات السياسية تجاه مسار التطوّر السياسي.

 

 
بقلم: عياد البطنيجي

الناشر: مجلة سياسات، العدد 22. 



alt

إلى جانب صدّ العدوان على غزة وجديد المصالحة

فصلية سياسات: ملف حول الاعتراف الأممي بفلسطين وفرص توسيعه وطرق توظيفه   

رام الله: صدر حديثا عن معهد السياسات العامة برام الله، العدد 22 من فصلية سياسات، تركزت حول أحدث التطوّرات على المشهدين المحلي والدولي، وبخاصة ما انجزه الفلسطينيون من ليّ ليد إسرائيل ميدانياً وسياسياً، في صدّ العدوان على قطاع غزة في تشرين الثاني، ونجاحهم في الشهر نفسه  في انتزاع اعتراف أممي بحقهم في دولة وإن لم تكن عضواً.

تتناول دراسات العدد ومقالاته وندوته حيثيات ما حدث وخلفياته وبيئته الاقليمية، وتحاول استبصار ما يمكن اتخاذ من خطوات تبني عليه على المستويين، المحلي بانهاء الانقسام، والدولي بتوسيع إطار الانجاز الدبلوماسي وتثميره.

وتخصص سياسات في هذا الاطار دراستين لقراءة تبعات ما حدث في الأمم المتحدة من انتصار فلسطينيٍّ في انتزاع اعتراف أممي في شهر تشرين الثاني الماضي، حيث  يكتب سفير فلسطين السابق في الأمم المتحدة في جنيف نبيل الرملاوي ما يشبه خارطة طريق تغطي "استحقاقات ما بعد قرار الجمعية العامة رقم 67/ 19"، ويكتب الدبلوماسي الفلسطيني محمد أبو دقة دراسةً أخرى بعنوان "قرار الجمعية العامة بشأن مركز فلسطين في الأمم المتحدة.

في زاوية الدراسات، يكتب فيليب شميتر ـ واحد من أبرز علماء السياسة في عصرنا ومن أهم منظري التحول الديمقراطي ـ حول التجربة العربية دراسةً بعنوان "التحوّل الديمقراطي ذو الوجهين وتأثيراته على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، فيما يناقش عياد البطنيجي، الباحث في العلوم السياسية "الثورات العربية: الخطابات السياسية تجاه مسار التطوّر السياسي.

 واستكمالاً لتنقيب سياسات في السياق الفلسطيني، تضم زاوية المقالات مجموعةً من المقالات التي تلامس العدوان على غزة وتداعياته والإنجاز في الأمم المتحدة. يكتب أنطوان شلحت، من عكا، حول "نتائج الحرب على غزة وقرار الاعتراف بفلسطين "إسرائيل بين فكي عزلة إقليمية وعزلة دولية"، ويكتب محمد هواش "فلسطين الدولة: فرص المصالحة وفرص شراكة إنهاء الاحتلال"، كما يكتب أكرم عطا الله "هل حسمت التطورات الأخيرة التباين داخل حركة حماس؟!".

وتخصص سياسات ندوتها لمناقشة السياق الفلسطينيّ ضمن التطوّرات الأخيرة، فتستضيف حول طاولتها الدكتور ناصر أبو العطا من جامعة الأقصى، والدكتور وليد مدللة من الجامعة الإسلامية، ومحسن أبو رمضان من شبكة المنظمات الأهلية، ومأمون سويدان من معهد السياسات العامة، في ندوة يديرها الدكتور عاطف أبو سيف، رئيس تحرير سياسات.

وتركز سياسات في زاوية السياسات الدولية على تداعيات إعادة انتخاب الرئيس الأميركي أوباما من خلال مداخلتين حول الانتخابات الرئاسية الأميركية وما بعدها. يكتب الدكتور ميسر عوض من بيرزيت الأولى بعنوان "تحالف الأقليات، ومنافذ يمكن الدخول منها"، وتكتب الدكتورة لورد حبش من بيرزيت، أيضاً، الثانية بعنوان "الفلسطينيون والولايات المتحدة: بانتظار غودو".

 وفي زاوية السياسات العامة يكتب الدكتور محمد علي حمود من كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين بالعراق دراسةً حول "الرقابة (الإلكترونية -الشعبية) على الانتخابات: تحليل التجربة المصرية".

وتقدم سياسات مراجعتين لكتابين الأول لغازي الخليلي بعنوان "من أوراق العمر"، والثاني للقيادي الإخواني السابق ثروت الخرباوي بعنوان "سر المعبد"، إضافةً لمجموعة متنوعة من الكتب في زاوية المكتبة.

 

ا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

"الثورات العربية وتحولات خطاب المؤامرة: من الغياب إلى الحضور

 

 

  بقلم : عياد البطنيجي

   الناشر: مجلة سياسات، فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة، فلسطين، رام الله.

    العدد: 19

  

 سياسات 19: مصالحة فلسطينية قيد "التفريز"

 

وربيع عربي يبحث عن ربيعه الحقيقي

 

 صدر حديثا عن معهد السياسات العامة العدد 19 من فصلية سياسات، يضم بين دفتيه دراسات تأصيلية حول الثورات العربية ومآلاتها، إلى جانب مقالات "من داخل البيت" تلقي الضوء على تفاصيل المخاض الصعب لعملية التغيير.

 

وفي هذا العدد، وعبر مقالات متنوعة وندوة أكاديمية مشحونة تضع سؤال المصالحة والمخاوف  من تأبيد الانقسام على الطاولة، في معالجة تستوضح خلفيات اخفاق الخروج من النفق، خاصة ما خلقه الانقسام من بنى تشدّ لجهة ادامته.

 

يكتب الدكتور وليد الشرفا من كلية الإعلام ببيرزيت "الجماعات الإسلامية وهوس الثنائيات: سياسات مقايضة المرجعيات في الربيع العربي "المستعار""، محللاً مواقف الجماعات الإسلامية بعد عام من الربيع العربي متكأ على قراءة تعبر التاريخ والمرجعيات والأفكار للوصول إلى تفكيك عميق لتعاطي الإسلام السياسي مع تبعات الربيع العربي.

 

ويقدم الباحث عياد البطنيجي من غزة دراسة بعنوان "الثورات العربية وتحولات خطاب المؤامرة: من الغياب إلى الحضور" يفكك فيها مرجعية خطاب المؤامرة التي يحاول البعض استخدامها في الخطاب المضاد للربيع. واستكمالاً لتفكيك سياسات لحالة الربيع العربي يكتب الدكتور عماد البشتاوي رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل حول أثر الربيع العربي على القضية الفلسطينية.

 

في زاوية المقالات تركز سياسات على موضوعين مستقبل المصالحة ومستقبل الربيع العربي خاصة في مصر وسورية. يكتب مأمون سويدان مقالة بعنوان " المصالحة التائهة بين تحفظات حماس وخلافاتها الداخلي"، فيما يكتب بسام درويش "المصالحة خطوة إلى الأمام وقفزات إلى الوراء". في الربيع العربي يكتب فريد عجاج أحد نشطاء الميدان المصريين مقالة بعنوان "مصر في مأزق" يحلل فيها الوضع المصري مستشرفاً آفاق المستقبل، فيما تكتب شيرين الحايك الناشطة السورية مقالة بعنوان " سورية: متوالية سقوط  الاقنعة".

 

ولتعميق الفهم لما يحدث في ملف المصالحة تحاور سياسيات حول طاولتها ثلاثة أكاديميين يحاولون تفسير ما يحدث في ظل تصاعد الخطاب المضاد للمصالحة بعد فسحة الأمل التي تسربت في الشارع الفلسطيني بعد اتفاق الدوحة. في الجلسة التي يديرها الدكتور عاطف أبو سيف رئيس التحرير، ويشارك فيها الدكتور أيمن شاهين رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر، والدكتور أيمن أبو العطا من جامعة الأقصى، والدكتور عدنان أبو عامر من جامعة الأمة.

 

وفي زاوية العلاقات الدولية يكتب أبو سيف دراسة بعنوان " الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والثورات العربية: الديمقراطية أم الأنظمة" يبحث في مواقف القوتين الكبريين من الربيع العربي وكيف كانت المصالح هي أساس المواقف ولم يكن هناك رجوع حقيقي إلى القيم النبيلة وإرادات الشعوب.

 

وتقدم سياسات في زاوية السياسات العامة دراستين تتناولان موضعين متقاربين، حيث يدرس الباحث رائد عواشرة طريقة التوظيف في المؤسسات الفلسطينية العامة والخاصة، ليرى كيف تؤثر العلاقات داخل المؤسسات وتركيباتها الإدارية على عملية التوظيف والاستقطاب فيها. فيما يكتب الباحث زكريا السرهد دراسة يحلل فيها طبيعة العقوبات التأديبية في الوظيفة العامة في التشريعات الفلسطينية.

 

وتقدم سياسات في زاوية الكتب قراءة ليوميات عبد الرحمن الفرا رئيس بلدية خانيونس في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي وهي تقع في أربعة أجزاء بمجموع 2555 صفحة، يحررها المؤرخ سليم عرفات المبيض. وكالعادة في مكتبة سياسات اصدارات جديدة. 


 

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية