الحركات الاحتجاجية والتحول الديمقراطي

 

بقلم: عياد البطنيجي 

تاريخ النشر: 4/3/2011

 

 

شغل موضوع التحول الديمقراطي حيزا متناميا في العالم العربي، وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبروز موجة التحول من النظم التسلطية إلى النظم الديمقراطية، وهو ما أسماه عالم السياسة الأمريكي "صمويل هنتجتون" " بالموجة الثالثة للتحول الديمقراطي".  وهي الموجة التي توقفت عند أبواب الوطن العربي، الذي مثل "الاستثناء" في سياق عملية التحول العالمي صوب الديمقراطية، بل واستطاعت النظم التسلطية العربية أن تعيد إنتاج نفسها، وأن تحافظ على سيرورتها من خلال بعض الأساليب والإجراءات الديمقراطية الشكلية.

راهن الكثيرون على عملية الإصلاح السياسي كمدخل للانتقال نحو الديمقراطي، بيد أن الحركات الاحتجاجية الثورية التي انتشرت في العالم العربي، أثبتت عقم هذا الرهان؛ فطبيعة الأنساق التسلطية العربية، وانغلاق النسق السياسي وجموده، وحالة القطيعة بينه وبين المجتمع، كل ذلك يؤكد أن هذه الأنساق السياسية لا يجدي معها مدخل الإصلاح السياسي، فهي عصية على التغيير والإصلاح.

   تحطمت هذه الأنساق في مصر وتونس وليبيا، وما سيتلوه بالتأكيد في أماكن أخرى، ليس بالانقلاب أو الإصلاح السياسي، بل من خلال فعل ثوري شعبي أطاح بها واستبدلها بأخرى. فلأول مرة يسقط نظام عربي من خلال فعل جمعي ثوري، في إشارة إلى حجم التصدع الاجتماعي والسياسي، وتضخم الضغوط البنائية، وعقم السياسات القائمة، تلك السياسات التي كانت في حالة قطيعة مع مجتمعها، فضلا عن عجز الأحزاب السياسية في تحقيق المطالب والانتقال إلى سياسات بديلة.  تحطمت هذه الأنساق التسلطية بفعل من خارج الوسائط والهياكل السياسية الكلاسيكية، في إشارة إلى اهتراء هذه الوسائط والهياكل وعقمها. 

  هذا المشهد غير المألوف يجعلنا نطرح العديد من التساؤلات: هل نحن على أعتاب تحولات بنائية في العملية السياسية بفعل الحركات الاجتماعية ؟ هل العالم العربي أمام انبلاج حامل اجتماعي جديد يمكن الرهان عليه في إحداث التغير السياسي والانتقال نحو الديمقراطية ؟ هل نحن على أعتاب الولوج إلى عصر النهوض السياسي ؟  هل نحيا سياقا مجتمعيا وزمنيا ودوليا يتيح فرصا أكبر لنجاح الفعل الاجتماعي الثوري ؟

 

لقد تم تقويض أحد أبرز عوامل  معوقات التحول الديمقراطي في العالم العربي، من خلال التخلص من سيطرة النظم التسلطية  القائمة ثم البدء في بناء نظام سياسي جديد،  والدفع نحو مسارات أخرى بديلة.

ولكن هناك العديد من العقبات تواجه عملية الانتقال إلى الديمقراطية بعد سقوط النظم القائم، منها تخلف القوى السياسية والنخب المعارضة وعجزهما عن قيادة مرحلة ما بعد النظام. وهناك تخوف آخر يتعلق بتركيبة المجتمع: المجتمع الفسيفسائي يؤدي إلى تصعيب عملية الانتقال الديمقراطي؛ لأنه سيتم الربط بين العملية الانتخابية والتوجهات العرقية والدينية والقبلية، مما يجعل المرحلة الانتقالية تؤدي إلى إثارة وتنمية الانقسامات والصراعات السلالية والطائفية.  وتخوف ثالث يتعلق بطبيعة الانقسامات المجتمعية والسياسية ودرجة حدتها: فالمجتمع الذي تحكمه انقسامات واختلافات حول المرجعية والهوية، يصعب ذلك من الوصول إلى توافق على مرجعية وهوية مرحلة ما بعد سقوط النظام، وبالتالي العجز على التوافق حول قيادة وطنية توافقية، مما يؤثر على عملية دعم التحول الديمقراطي. فدستوريا إن نجاح الثورة يُسقط الدستور القائم وكل الهيئات الحكومة، وتتولي حكومة واقعية، من خصائصها:

1-   حكومة تركيز السلطة؛ لأنها تجمع في قبضتها كل السلطات الدستورية، وهي صورة من صور الدكتاتورية.

2-   إنها سلطة مؤقتة حتى يتم وضع دستور جديد.

فالثورة  تسقط الدستور أو بعض مواده، وعليه فالخطوة الأولى  التالية هي وضع دستور جديد من خلال جمعية تأسيسية ومن ثم عرضه في استفتاء شعبي. هنا تبرز العقبات التي تحدثنا عنها آنفا. فالدستور يعني المرجعية  الأولى الحاكمة للممارسات السياسية، فهو يعبر عن هوية وفلسفة الأمة. مشكلة العالم العربي أنه منقسم ومختلف على الهوية والمرجعية العليا الحاكمة للممارسات. وهذا قد يؤدي إلى إطالة الفترة الانتقالية  واستمرار الحكومة الواقعية، وسيطرة العسكريين على الحياة السياسية، مما يفرض قيودا على عملية الانتقال نحو الديمقراطية، ويمثل مصدرا لتهديدها.

هذه العقبات لا تقلل من قيمة التحولات التي تجري في العالم العربي بفعل التحركات الشعبية والثورية، فهي تشي عن تحولات بنائية. المهم أن يبقى هذا الفعل مستمرا ولا يخبو حتى تتحول هذه النظم إلى  الديمقراطية. في هذا الإطار فإن عملية دعم  التحول الديمقراطي لا تتحقق إلا في ظل ضغط شعبي على الحكومة الانتقالية، وإصلاح النظام الحزبي والقوى السياسية المنقسمة التي تؤثر على عملية التطور الديمقراطي. فهذه الحركات الاجتماعية تكشف عن ظاهرة مفادها تغير الآراء السياسية بشأن ضرورة وكفاية المؤسسات السياسية الراهنة في تحقيق المطالب: الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وبالفعل فإن الحركات الاجتماعية  أنتجت مفاعيلها على النظم الحزبية القائمة. فسقوط الأنظمة السياسية التسلطية على أيدي الحركة الاجتماعية، وليس بفعل القوى السياسية والحزبية والمؤسسات السياسية الكلاسيكية، كشف عقم هذه المؤسسات، مما أدخل الأحزاب السياسية في سجال داخلي يتعلق بتطوير أدائها ونظامها الحزبي وإعادة الثقة مع المجتمع، كما هو حاصل الآن في مصر.

إن قدرة الحركات الاجتماعية على إسقاط النظم القائمة، وتأثيرها على القوى والأحزاب السياسية، يؤكد أنها أحد الحوامل الاجتماعية المسببة أو الدافعة إلى التغير السياسي، فهي تشكل المولدَ الحركي للتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية في المرحلة المقبلة.  هذا المولدَ الحركي الجديد هو نتيجة الفراغ الذي تسعى الحركات الاجتماعية إلى ملئه، هذا الفراغ الناجم عن الإحساس بفشل المؤسسات السياسية الكلاسيكية، وبالتالي فهي تُدخل الأخيرة في تغيرات بنائية في سياستها وأفكارها  وإلا سقطت في معركة البقاء للأفضل. فأمام النظم التسلطية والاستبدادية، وفقر الأحزاب السياسية، فإن للحركات الاجتماعية دورا فائق الأهمية في المرحلة المقبلة في انجاز الانتقال نحو الديمقراطية. وعليه فإما أن تكون بديلا عن الأحزاب وإبقاء الأخيرة كمؤسسات صورية أو إضافة لها.

 العنصر الحاسم هنا هو التأكيد  على استمرار هذه الروح الثورية وعلى هذه التعبئة الشعبية الواسعة، فهي تؤلف قوة سياسية مادية تفرض على النظام أن يتعامل معها ويحسب حسابها. كما أن هذا الضغط الشعبي يسهم في إثارة انقسامات داخل صف النخبة الحاكمة أو الحكومة المؤقتة إذا آثرت البقاء والاستمرار في الحكم، بحجة ضعف وانقسام وتفكك القوى السياسية والأحزاب وعدم اتفاقها على هوية الدستور الجديد. كما أن عملية التعبئة غير كافية لوحدها، فتوحيد المطالب والاتفاق على قيادة توافقية والتوجه نحو هدف معين مسألة ضرورية في المرحلة الانتقالية. وهنا يأتي دور الأحزاب السياسية واتحادات العمال والمجتمع المدني. وبالتالي إن بقاء الضغوط الشعبية قوية على النظام أو الحكومة المؤقتة من أجل أخذ مطالبها بعين الاعتبار كلما كان الانتقال أسرع  إلى الديمقراطية. وكلما استطاع المجتمع السياسي توحيد صفوفه، وتجاوز حالة التفكك والانقسام، واحتلال موقعٍ قيادي، وكلما نشطت قوى المجتمع المدني وتحولها قوة ضاغطة وفاعلة  في المرحلة الانتقالية، كلما تم تسريع الانتقال الديمقراطي. على أساس كل ذلك وفي ضوئه تتهيأ فرص سيرورة الانتقال الديمقراطي. من المؤكد أن المرحلة الانتقالية ستكون مشحونة بالمصاعب والعراقيل من القوى التي ستتضرر مصالحها.

وأخيرا إن المشهد العربي أمام صعود فاعل جديد، فاعل يتشكل من جيل الشباب، متحرر من إسار الايديولوجيا المتصلبة، ولا ينتمي إلى حركات جهادية متطرفة، يعتمد على وسائل الإعلام والميديا ووسائل الاتصال الحديثة، جيل منفتح على العصر والعولمة  يساهم في تخليق وعي كوني مضاد للاستبداد والقهر. يبدو أن هذه الفاعل الجديد سوف يحرك المياه العربية الآسنة، وحالة الجمود في الحياة السياسية، سوف تطال مفاعيله النظم الحاكمة وكافة القوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

 

العلاقات العربية- الخليجية.. حصاد (الربيع العربي)

 

 بقلم: عياد البطنيجي

 

الناشر: مجلة آراء العدد 94

 

تاريخ النشر: يوليو 2012

 

 

 

يعيش العالم العربي في هذه الغضون تحولات عميقة في الدول التي نشبت فيها ثورات، والدول التي ما زالت تترقب بحذر شديد تمدد الحالة الثورية إلى نظمها السياسية. فالأولى، تمر بحالة صيرورة وتحول من حقبة النظم التسلطية إلى حقبة جديدة ما زالت قيد التطور والتشكّل ومفتوحة على مسارات متعددة. والثانية، باستثناء مملكة البحرين، ما انفك الوضع السياسي للمملكات الخليجية مستقراً ظاهرياً رغم بعض الاحتجاجات السياسية هنا وهناك.

 

مثّل صعود الروح الثورية العربية بداية ظهور نوعٍ جديدٍ من التحديات تضاف إلى التحديات الأخرى التي تواجه الملكيات الخليجية، وهذا ما يفسر قلقها تجاه هذه التغيرات الجارية في الإقليم التي تحدث على مرأى ومسمعٍ منها، وعلى صدع دعوى (الملكية الدستورية) و(التحول نحو الجمهورية) و(إسقاط الملكية) كمطالب شعبية لدى الحركات الاحتجاجية في الخليج.

 

 تسعى هذه القراءة إلى رصد مدى أثر هذه التحولات في المملكات الخليجية، وردود فعل الأخيرة تجاهها، وصداها على العلاقات العربية – الخليجية. وقبل ذلك حري بنا أن  نضع عدداً من المحددات:

 

1- إن صيرورة التغيير لا تزال سارية بفعل الديناميات التي تمر بها الحالة العربية والتي لا تزال غير مكتملة المسار. وبالتالي فإن إصدار تقييم شامل للعلاقات والسياسات والتوجهات أمر سابق لأوانه. وثمة دول لم تصلها موجة الاحتجاجات، ما يعني ثباتاً نسبياً في سياساتها الخارجية مقارنة بالدول التي تبدلت فيها السلطة.

 

2-  أولوية الداخل على الخارج لدى الدول التي نشبت فيها ثورات، وهذا يعني سباتاً نسبياً في علاقاتها الخارجية.

 

3- إن مسار الاندفاعات الثورية أخذ بالانتقال من بلد عربي إلى آخر، وهذا يؤكد أن ما يجري في مغرب الوطن العربي يتأثر به مشرقه، الأمر الذي يفرض منظوراً ينطلق من أن الوطن العربي كلٌ واحد تتواشج أجزاؤه وتتعاضد، وأن أي تغيير في الجزء ينعكس بالضرورة على الكل. وهذا يعني أن الثورات العربية سوف تؤثر بالضرورة وإن كان بشكل تدريجي في المعادلة السياسية والأمنية في الخليج.

 

4- تعاني الملكيات الخليجية من أسباب بنيوية لعدم الاستقرار، ما يجعل قابلية تأثرها بالربيع العربي كبيرة جداً.

 

5- سيكون لنجاح أو فشل البلدان التي نشبت فيها ثورات في الارتقاء صوب النموذج أو النمط السياسي الديمقراطي آثاره العميقة على المنطقة كلها بما فيها الدول الملكية.

 

تأسيساً على هذه المحددات، تنطلق الورقة من مدرك نظري أساسي في الاقتراب النظمي المعروف في التحليل السياسي، مؤداه أن هناك تفاعلاً ديناميكياً بين وحدات النظام السياسي، فالتغير في البيئة، الداخلية أو الخارجية، يؤثر في النظام أو الجهاز السياسي، وكذلك تؤثر أفعال الجهاز السياسي في بيئته، وأن هذا التفاعل يقوم على فكرة (الاعتماد المتبادل).

 

بناءً على هذا المدرك، فإن ما يجري من تحولات بنائية دخلها العالم العربي يشكل مدخلات البيئة (Inputs) إلى النظم الخليجية، وأن ردود أفعال هذه الأخيرة تشكل مُخرجات (Outputs).

 

ومن المعروف أن الملكيات الخليجية جزء من النظام الإقليمي العربي، وتتأثر بما يجري من حولها وتؤثر فيه. ويترتب على هذه المقولة نتيجة مفادها أن (الربيع العربي) سوف يترك آثاره على العلاقات العربية - الخليجية، وسوف يُرتب نتائج سياسية مفتوحة على مسارات متعددة.

 

 وبالفعل ثمة العديد من المخرجات صدرت عن الأجهزة السياسية الخليجية كانت بسبب ما يجري في بيئتها المحيطة، تمثلت في بث القرارات على المستوى المجتمعي الكلي الشامل وإعمالها، من خلال الأعطيات المالية للأفراد، وانفتاح جزئي للحريات العامة، فضلاً عن المواقف والبيانات والمطالب السياسية الموجهة للبيئة الخارجية.

 

ماذا يعني ذلك؟ إن المدرك النظري أعلاه  ينفي فكرة (الاستثنائية الخليجية) و(الحصانة الملكية) التي تعني أن المملكات الخليجية محصنة ضد رياح التغيير التي تهب على المنطقة.

 

 فالحالة الخليجية ليست عصية على التغيير كما يتصور البعض، وأن النظم الخليجية ليست منغلقة على نفسها تجاه بيئتها الداخلية والخارجية، فمن يؤمن بمقولة (الاستثنائية) ينطلق من فكرة جوهرية ثبت فشلها في التحليل السوسيولوجي.

 

 فما يجري في المحيط العربي من تحولاتٍ ثورية سوف ينعكس بالضرورة على الملكيات الخليجية. وبغض النظر عن قوة هذه الآثار وكثافتها والمدى الزمني الذي سوف تأخذه حتى تتشكل حالة جديدة، المهم أن هناك أثراً لا يمكن إنكاره، له أبعاده النفسية والفكرية، قد يؤسس لتغيرات سياسية بفعل عملية التراكم الزمني الممتد. وإلا كيف يمكن تفسير حركة الاحتجاج البحرينية أمام قصر الملك، ومطالب سقوط الأسرة المالكة من قبل البعض وهي مظاهر جديدة غير مسبوقة على الإطلاق؟ ألا ينبئ ذلك ببداية سقوط المطلق السياسي، وما يعتبره البعض خطوطاً حمراً ومقدساً لا يمس، وبالتالي خطأ مقولة (الاستثنائية الخليجية)؟!

 

مجلس التعاون الخليجي.. الصعود والتمدد

 

يشكل صعود دور مجلس التعاون الخليجي وتمدد نطاقه الجيو-سياسي أحد المخرجات السياسية تحت تأثير (الربيع العربي). تمدد نطاق علاقات المجلس البينية ودوره السياسي بعدما كان شبه محصور في نطاق نظام فرعي في منطقة الخليج العربي.

 

فقد تمدد المجلس في مصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين، من خلال التدخل العسكري أو من خلال دعم بعض الجماعات أو بالتمويل أو بالإعلام، والهدف هو إعادة موضعة للتحالفات الخليجية في الإقليم وبناء اصطفافات إقليمية جديدة للحيلولة دون سقوط بعض النظم الخليجية –البحرين مثلاً- باعتبار أن ذلك قد يشكل مقدمة لسقوط الأنظمة الملكية في الخليج.

 

ومن بين المخرجات الأخرى قرار المجلس عقب موجة الثورات قبول انضمام عضوية مملكتي الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون، وما دعا إليه العاهل السعودي إلى تحويل مجلس التعاون لاتحاد خليجي. لقد انتقد البعض هذه الفكرة بذريعة أنها خيار ضعيف مقارنة بالخيارات الأخرى الأنجع في التعاطي مع التحديات الجديدة. ومع ذلك، تشكل هذه المخرجات إدراكاً مضمراً من قِبل الملكيات الخليجية مفاده لا يمكن الاستمرار والثبات وفق صيرورة مرحلة ما قبل (الربيع العربي)، وأن ما كشفه الأخير من مطالب جديدة بحاجة إلى صيغ سياسية جديدة تتناسب والواقع الجديد. بيد أن هذه الصيغ الجديدة لا تزال مقيدة وترتد إلى حماية النظام القائم وقاعدته الاجتماعية الضيقة، بدلاً من توسيع قاعدته الاجتماعية من خلال الانفتاح الإيجابي على مطالب الاحتجاجات في الخليج والتعاطي معها وفق منظور جديد يشرك الشعب في عملية صنع القرار من خلال مشاركة سياسية أوسع، فوسائل الكبت لن تستمر طويلاً لدى شعوب مجلس التعاون الخليجي. 

 

وثمة متغير أساسي سوف يعكس مفعوله على معادلة الأمن في الخليج، وهو حدود تأثير المتغير الخارجي. فالخليج أوكل أمنه لحليفه الخارجي الأمريكي. فقد ولّد تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع (الربيع العربي) هواجس لدى الأنظمة الخليجية بسبب الأداء السلبي للإدارة الأمريكية تجاه (الربيع العربي) والتي أدت إلى سقوط  نظامي زين العابدين ومبارك. وبات اليوم على مجلس التعاون أن يفكر جدياً في مسألة المساومة، في حال أجبرت أمريكا عليه، بين المد الديمقراطي في العالم العربي والخليج وعلاقة الأنظمة الخليجية بالإدارة الأمريكية. هذا الإدراك سوف يؤثر في منظور الأمن الخليجي وحدود الارتهان للحليف الخارجي.

 

لا تزال فرصة الإصلاح السياسي في الخليج قائمة في ظل غياب المعارضة الراديكالية في الخليج، وهيمنة الثقافة المحافظة، والوفرة المالية، والاستقرار النسبي، والعلاقات الخارجية الجيدة، كل ذلك يسمح بالسير نحو الإصلاح التدريجي الذي قد تفتقده الملكيات الخليجية في حال عجزها عن استشعار آفاق المستقبل، الأمر الذي يكرر ما حصل مع (الجمهوريات العربية) عندما افتقدت استشعار الحاجات المجتمعية، حيث أثبتت تلك الجمهوريات أنها عصية على الإصلاح والتغيير، وأكدت لشعوبها وقواه الحية أن الثورة هي الطريق الوحيد لعبور المجتمع من الماضي إلى المستقبل، حتى يمكن التخلص من الأغلال التي كبلت المجتمع، ومن الرواسب التي أثقلت كاهله، من خلال التخلص من عوامل القهر وإفقار الطبقات الشعبية الذي مارسته تلك الجمهوريات، مما ولد اندفاعة ثورية اقتحمت  كل العوائق والموانع التي تعترض طريق الحياة من خلال إسقاط هذه الجمهوريات المزيفة.

 

كما أن الأنظمة الملكية الخليجية أوجدت طبقة وسطى مثقفة ومتعلمة بفعل برامجها في التحديث الاقتصادي، من خلال توظيف عائدات النفط. وتشير الخبرة التاريخية للملكيات في (الشرق الأوسط)، ولتكن الملكية السنوسية الليبية (1951-1969) على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن التحديث الاقتصادي ينمي طبقة وسطى متعلمة ومثقفة، وهو تحديث غير كاف بما أنه تحديث اقتصادي من دون تحديث سياسي، ما أصبحت معه بعض الملكيات ضحية برامجها التحديثية عندما ولدت حركات احتجاج ضدها تطالب بالمشاركة السياسية، كما حدث مع الملكية السنوسية في ليبيا. وهو ما يطلق عليه علماء الاجتماع (التداعيات غير المتوقعة للفعل الاجتماعي).

 

ما أقصد قوله إنه ليس الحرمان الاقتصادي وحده ما يولد ديناميات ثورية، بل- وهذا ما تشير إليه خبرة الملكيات العربية- إن التحديث الاقتصادي، وارتفاع نصيب الفرد من الدخل، والرفاهية الاقتصادية، وتحسين الأوضاع المعيشة، في ظل أنظمة سياسية منغلقة، كل ذلك يولد اندفاعات ثورية وحركات احتجاجية لإنفاذ مشروع التحديث السياسي، حين تصبح الفئات الوسطى التي استفادت من التحديث الاقتصادي غير راضية على وضعيتها المجتمعية، وتندفع بعد مقارنة نفسها بالفئات الحاكمة وأصحاب النفوذ السياسي إلى المطالبة بالمشاركة السياسية.

 

 ولذلك تشهد الملكيات العربية تجديداً لعوامل عدم الاستقرار والأسباب الدافعة له بفعل سنن التطور. تضع هذه الوضعية الجديدة الملكيات الخليجية أمام مسؤولية تاريخية نحو ترسيخ المشروعية والشرعية، وتجديد الأسس الاجتماعية للدولة، والأخذ بالتحول مع الوقت إلى ملكية دستورية قبل فوات الأوان حين تتصاعد المطالب من ملكية دستورية إلى مطالب إلغاء الملكية وإقامة جمهورية بديلة.

 

المفاهيم الجديدة.. الروح البازغة

 

سيجد مجلس التعاون الخليجي نفسه مضطراً للتعامل مع مفاهيم جديدة تعكس ديناميات (الربيع العربي)، من قبيل (خصخصة السياسة الخارجية)، وبروز (فاعلين من غير الدول)، وصعود (الرأي العام العربي)، و(سياسات الشارع). وهي مفاهيم جديدة على السياسة العربية.

 

قبل ذلك كانت السياسات العربية سياسات نخبوية، نطاق ممارستها وأبعادها ومضامينها محصور في نطاق القيادة السياسية ومصالحها وتصوراتها.

 

وتعكس هذه المفاهيم الجديدة روح الأمة وهويتها، وهو ما يشي بإعادة التوازن المختل بين الدولة والمجتمع.

 

وهكذا، مع هذه المفاهيم الجديدة، أصبحت هناك أولوية لا يمكن تجنبها، في سياق حالات عدم الاستقرار واللايقين التي يعيشها الإقليم، وهي الداخل أولاً وأخيراً. وسيبقى الداخل هماً طاغياً على الحوارات الداخلية، وستنعكس على التفاعلات العربية - العربية في حدود تأثيرها على الحوارات الداخلية، بينما ستبقى العوامل الأخرى غير المؤثرة  مباشرة على الداخل غير مكبلة الحركة على الصعيد الخارجي.

 

وتأسيساً على هذه الحالة، هل من المقبول أن ينصاع مجلس التعاون الخليجي لاعتبار الداخل في الإقليم، وتحدياً للمجتمعات التي نشبت فيها الثورات، ويستثني اعتبارات الداخل للمجتمع  الخليجي؟ الأمر الذي يولد صورة سلبية لدى المجتمع الخليجي عن السلطة السياسية التي تحكمه.

 

ولذلك فرسالة (الربيع العربي) واضحة للأنظمة الملكية، وهي أن استمرار الأمور على الوتيرة نفسها هو من باب الوهم. وبناء على هذه النتيجة قد تقدم هذه الأنظمة تنازلات ترمي إلى توسيع قاعدة الشرعية من خلال فتح المجال العام وتوسيع نطاقه من خلال مشاركة شعبية واسعة، وتمثيل الشعب في هيئات سياسية منتخبة، تعكس الروح الجديدة البازغة. آنذاك من المحتم أنه سوف ينعكس ذلك في بيئة العلاقات العربية – الخليجية وعلى نسق هذه العلاقة.

 

حدود التمأسس

 

إلى أن يكتمل مسار التغيير بفعل الزمن وعامل التراكم في إنتاج التحول، فإن التغيير الجاري لم يتمأسس بعد. فالبنية المؤسساتية للأنظمة السياسية في الدول التي نشبت فيها ثورات لم تتبدل كلياً وبخاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

 

ولا تزال آليات صنع القرار السياسي تسير وفق القواعد التي كانت تعمل من خلالها النظم السابقة في الدول التي اندلعت فيها ثورات. وهذا يعني أن التغيير ما زال محدوداً لم يتأطر بعد، ولم يُستدخل في البنى، ولم تستبدل الأسس والمنطلقات التي كانت تعمل وفقها السياسات العربية، فلا تزال الأجهزة السياسية، وآليات صنع القرار السياسي، ودور القوى السياسية الرسمية هي ذاتها لم يطالها التبدل.

 

وبالتالي فإن العلاقات العربية - الخليجية حتى الآن لم يجر عليها أي تبديلات جذرية، وقد يستمر هذا الوضع في المدى القريب. فحجم التغيير في السياسات الخارجية محدود أو بالكاد هناك تغيير في توجهات العلاقات الخليجية- العربية. وحتى اللحظة لم تحدث استقطابات بين الدول التي انهارت فيها السلطة الرئاسية وبين الدول التي مازالت مستقرة والتي لم تمتد إليها الاحتجاجات.

 

ولذلك لا تزال الأولويات الموجهة لنسق العلاقات الإقليمية والدولية مستقرةً في الثقافة السياسية للنخب العربية - الخليجية الحاكمة.  وتشير الملاحظة إلى أن الملفات المهمة للسياسة الخارجية لم يطالها أي تغيير، حيث لا تزال المواقف متقاربة من العامل الأمريكي ومصالحه، ولم تتغير المواقف من الصراع العربي-الإسرائيلي، والملف الفلسطيني، وتحديداً المبادرة العربية للسلام. أما المواقف من الدول الإقليمية، فتشير المتابعة لمرشحي الرئاسة المصرية إلى تقارب مواقفهم من مواقف الأنظمة الخليجية إزاء إيران وتركيا. وبالتالي فإن هذه الملفات لم تشهد تغيرات في تطورها منذ اندلاع حركة الاحتجاجات العربية، الأمر الذي يعني استمرار نمط العلاقات العربية-الخليجية، كما أنه من المبكر بروز تحالفات جديدة تنقلب على تلك القديمة. وإلى أن تبزغ الخلافات حول هذه الملفات وطرق إدارتها أو في ترتيب أولوياتها، أو تغيير المضامين والأسس التحالفية بعد تبدل البنى والمؤسسات والأدوار والأطراف، إلى أن يحدث ذلك فإن المرء لا يستبعد انقلاباً في نسق العلاقات الخارجية وبروز تحالفات سياسية جديدة بين دول المنطقة تنقلب على تلك القديمة.

 

إن انهيار بنى ومؤسسات النظام السياسي يتبعه حتماً انهيار في دور النخب السياسية وطبيعتها وأصولها وتوجهاتها السياسية وتحالفاتها الخارجية، وتستتبع ذلك إعادة تشكَل جديدة. وإلى أن يحدث هذا فإن نمط العلاقات السياسية العربية - الخليجية سوف يبق ثابتاً على الوتيرة نفسها.

 

 فالتغيير له عدة مستويات، فما جرى هو تغيير في رأس النظام، وليس في القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يطول فيها التغيير، وتحتاج إلى فترات زمنية أطول، وهو ما يجعل التغيير على صعيد العلاقات السياسية الخارجية محدوداً. وحتى الآن لم يكشف (الربيع العربي) عن توجهات ومواقف جديدة إزاء القضايا الجوهرية في المنطقة، ما يعني بالضرورة سير العلاقات  العربية – الخليجية وفق نسقها المتواتر.

 

أما على الصعيد غير الرسمي، فمن الملاحظ أن ثمة تزايداً في الدبلوماسية الشعبية من خلال سيولة الوفود العربية والشخصيات غير الرسمية تجاه الدول التي نشبت فيها ثورات. ومع ذلك لا تزال الدول التي تعاني مخاضاً ثورياً لم تنضج الصورة فيها، ولم تكتمل ما جعل أثر (الربيع العربي) محدوداً على العلاقات العربية - الخليجية.

 

 وهذا لا يعني أن الأمور سوف تترك لعامل المصادفة في تشكيلها، فالزمن محايد يستغله من يخطط ويتدبر أموره وفق العقلانية السياسية، كما يجيره الأقوياء لمصالحهم. وهذا يعني أن مجلس التعاون الخليجي لن يترك الحالة الثورية العربية تشتغل وفق منطقها الخاص، وإنما سوف يعمل على توظيف ما أمكن  لمنع انتقالها إليه من خلال توظيف أدواته وموارده وهو ما تكشفت ملامحه من دعم بعض الجماعات في داخل الدول التي اندلعت فيها ثورات، فضلاً عن التوظيف الإعلامي والمالي. وخير مثال على ذلك، زيارة (عمر سليمان) رئيس المخابرات المصرية السابق، وأحد أركان نظام مبارك، إلى السعودية، إثر هذه الزيارة  ترشح سليمان للرئاسة المصرية، ويبدو لي أنه مقترح سعودي في الأساس، وهي محاولة للتأثير على مجريات الأمور في مصر. ومثال آخر، نشاط مجلس التعاون الخليجي وكثافة حضوره في المشهد الإقليمي بغية التأثير في ديناميات الثورة. كما يأتي هذا التمدد لإحلال المجلس محل تراجع دور بعض عناصر النظام الإقليمي العربي بفعل التركيز على أولوية الداخل. 

 

 

التحالف السوري- الإيراني: تاريخه، حاضره، مستقبله

بقلم : عياد البطنيجي

الناشر: المجلة العربية للعلوم السياسية، بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

العدد : 21

تاريخ النشر: شتاء - 2009

ملاحظة: الدراسة مرسلة الى المجلة في 21 ديسمبر/ 2007

المضمر في خطاب المؤامرة

بقلم: عياد البطنيجي

الناشر: منبر الحرية

تاريخ النشر: 14-13-2012

 

 

 

 

 شاع في العالم العربي خطابٌ نمطي تبريري يستند إلى مقولة المؤامرة لفهم وتفسير طبيعة ما يجري من تحولات بنائية دخلها العالم العربي متأخراً، حتى بات يمكن إطلاق نعت (الظاهرة) بالمعني السوسيولوجي الدقيق على خطاب المؤامرة، الأمر الذي يحتاج إلى تأويل.

 

ينطلق المقال من مقولات يحاول البرهنة عليها، وهي: يحمل خطاب المؤامرة رؤية معرفية للإنسان والمجتمع العربيين، إذ يراهما وفق رؤية معرفية كامنة غير معلن عنها تكشف عن تصورات معينة للوجود السياسي. وتتسم هذه التصورات المضمرة بأنماط ثابتة وجوهرانية، فالمضمر هنا هو أن بنية المجتمع العربي تتسم بالركود والثبات، والسرمدية، تعيد إنتاج ذاتها، وتدور في حلقة دائرية مغلقة من التطور، لا مجال لتحولات نوعية من نظام مجتمعي إلى نظام مجتمعي آخر. وفق هذه المقولة، فالإنسان العربي خارج التاريخ، وخارج الصيرورة الكونية، يتسم بفرادة استثنائية. وترى الرؤية المعرفية هذه، أن عقل الإنسان العربي عاجزٌ عن إدراك العالم وتحديد خياراته، فهو عقيم معرفياً، بحاجة إلى عقل يدرك بدلاً منه، ويحدد له خياراته وطريق الهداية والرشاد. هذه التصورات هي تمظهرات لوعي يشتق معرفته من مصادر ذاتية، أي وعي ذو اتجاه واحد لا يرتد إلى نفسه. كما يخدم خطاب المؤامرة مصالح طغمة ترتبط ببنية السلطة المحافظة، ويستبعد إدراك الآخرين ويهمل مصالحهم. ويؤدي هذا النمط الخطابي وظيفة معينة هدفها الأسمى هو استبقاء النظام الكائن، وإعادة سيادته على الواقع، وإبقاء وتقوية الحاكم أبدياً على السلطة، فضلاً عن مقاومة التغيير المنشود. أما المواطن فلا قيمة له يترك لمصيره المشؤوم. وأخيراً، يعكس خطاب المؤامرة في هذه المرحلة الثورية، التي دخلها العالم العربي أزمة وجود، فهو يعكس مجموعة من العوائق والمشكلات والعراقيل والتوعكات، التي تعاني منها الأنظمة الحاكمة ومن دار في فلكها من الطبقات المستفيدة، والتي تشل حركته العادية وتخلخل صيرورته، وتجعله محدود القدرة والفعل، غير مستجيب بشكل فعال لمجمل المطالب والغايات والمقاصد، التي من المفترض أن يسير في اتجاه تحقيقها. وعليه فهو خطاب مأزوم ويعبر عن أزمة هيكلية تمس صميم وجوده، وغير متسق مع احتياجات ومطالب الوجود السياسي العربي، وما خطاب المؤامرة إلا أحد مكينزمات الدفاع عن صيرورة وجوده الزمانية والمكانية.

 

وسوف يتم تفكيك نظام خطاب المؤامرة من خلال جملة من التساؤلات، نراها تشكل نظاماً يلملم المشتت ويجمع المتفرق داخل خطاب المؤامرة، وتجعل منه بنياناً قائماً، وهي على النحو التالي:

 

1- من هم الفواعل المتشاركة في خطاب المؤامرة؟

 

إنه الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي ومن يدور في فلكه الذي يروج مجموعة من الأفكار السطحية والمتهافتة حول المؤامرات التي تحاك ضد البلدان التي خاضت شعوبها ثورات متتالية ضد الأنظمة العربية الحاكمة، وأن القيادات السياسية المتحكمة في مفاصل النظام السياسي هي من تتصدى لهذه المؤامرة بالحكمة والتعقل والذكاء الاستثنائي. هنا افتراض، أو إن شئت الدقة، مسلمة مضمرة، تصور الطرف المتلقي (الشعب) كأنه قاصر لا يمتلك أهلية الفهم والإدراك، يمكن التلاعب به وتغريره، وطرف آخر (الفاعل الرسمي أو الأنظمة الحاكمة وأتباعها) يصور نفسه بالرشد والذكاء، طرف عاقل مطلع على الأمور ما ظهر منها وما بطن، يتحدى العالم بغية حماية شعبه، وطرف قاصر ضعيف الإدراك بحاجة لمن يرشده إلى طريق الصواب.

 

2- ما هي تمثلات أطراف الخطاب؟

 

لأطراف أي خطاب تمثلات مشتركة للمعايير والتخطيطات والسيناريوهات والأدوار التواصلية في عملية (التبادل) التواصلي بين أطراف التواصل الخطابي، لكل طرف هويته يقوم بدور معين في النسق التواصلي (فعل- رد فعل). ولكن الحاصل أن هذه القاعدة، يصعب تماهيها بالكامل في خطاب المؤامرة، حيث نجد أن الحوار التواصلي بين أطرافه (المرسل- المستقبل) مفقود، بل إن الحاصل هو أن الخطاب ليس تواصلياً يتضمن فاعلين يدخلان في عملية تبادل تواصلي، وإنما بين هويتين منفصلتين مكتملتين مصمتتين تماماً، تفترضان ضمناً غياب التبادل والتفاهم المشترك، ليس هنا فعل – رد فعل، وإنما فعل أحادي قاطع متعال يستبعد الطرف الآخر ويطمسه ويهيمن عليه، ويمسي خطابه واحدياً قاهراً، يصور نفسه كأنه يتمثل الكل والعام، ويغيب الخاص الذي لا وجود له، إنه الكلي الذي يطمس الحدث، والمتعالي الذي ينكر الواقع ويتجاوزه، يمسي ذاتاً كلية الحضور. وتنتفي هنا التغذية الراجعة، حيث سيادة الأحكام النهائية القاطعة الثابتة، تنفي الآخر وتهمشه وتقصيه من عملية التفاعل التواصلي، ليس هنا إلا الذات المتعالية الكاملة. فتغيب الاستجابة الطبيعية ضمن نظام يعيد للمعطى جزءاً من نتائجه، فينقطع سير الفعل التواصلي الطبيعي والسليم، وينتفي التعديل والتقويم وتصحيح مسار العمل الجماعي ليستجيب إلى هوية الفاعلين في ممارسة أدوارهم داخل نسق التواصل الإنساني، وتحديد ما يمكن أن يفعلوه معاً، أي أهداف التفاعل وتصوّرها بطريقة تجعلها تزداد توافقاً، تمكن الوصول إلى أهداف مشتركة لتحديد مسار العمل الجماعي، وإعادة بناء وجودهم. لكن خطاب المؤامرة ينفي هيكلة العمل التواصلي، أي ينفي المشاركة الجماعية، يلغي المعنى، والتأثير المتبادل بين الفاعلين، تنتفي العلاقة بين الدال والمدلول، فلا يحصل المعنى ولا تتحصل المعرفة، ولا تضبط الهوية، فتغيب سياسات المعايير المشتركة، ويبقى الفعل التواصلي مصوباً بلا أهداف جماعية، وبلا تعديل أو تصويب لتعرجات عملية التواصل، وبلا مشروع محدد الغايات، لأنه يبدأ من أعلى ولا يرتد إلى ذاته.

 

3- ما آليات الحجب والستر في خطاب المؤامرة ؟

 

يمارس خطاب المؤامرة حجباً ثنائياً، يحجب ذاته الحقيقية ويتوارى خلف مقولات تخفي ماهيته، ويحجب ما يتكلم عليه، أي ما يتصور أنه الحقيقة المتعالية. فهو يحجب طبيعة السلطة الاستبدادية، ويخفي حقيقة التمركز الذاتي حول الحقيقة والعقيدة والهوية والذاكرة التي يدافع عنها، وهي حقيقة خاصة وشخصية، أو حقيقة جزئية وفردية، ويقدمها بوصفها الحقيقة الكلية والعامة أو المجردة. وهكذا، ففي الوقت الذي يحجب الخطاب ذات الفاعل ويستغرقه في الذات الجماعية أو الكلية المزعومة، يخفي مبنى قوله، أي ما يسكت عنه في أنه يدافع عن الذات المتعينة وليست المجردة، والفردية وليست الكلية، والخاصة وليست العامة، يخفي شهوته بالسلطة، ويدافع عن مصلحته الفردية، يدافع عن مرجعيته، عن سلطانه، ويتصرف إزاء الطرف المتلقي، وهنا هو الشعب الثائر، بوصفه أولى منه بنفسه، يمارس سلطته عليه، يمثل مصدر النهي والأمر، يمارس سلطته على غير ما هو يدعو، يمارس الاستبداد في الواقع، ويدعو إلى ممارسة الحرية، يخفي ذاته وراء بنية استبدادية، يمارس إمبرياليته وراء تصورات خطابية لا تنفك تحجب حقيقة الخطاب، يتفوه بالحرية من وراء بنية استبدادية. والحجب الثاني الذي يمارسه خطاب المؤامرة، هو ما يبغي إيصاله، أو ما يتكلم عنه وما يتصور أنه الحقيقة ذاتها التي لا يعلمها إلا هو، ويحولها إلى شيء أحادي مطلق يتعالى على حديثه، يدعي أن المستهدف هو الوجود الجماعي العروبي أو القومي أو الإسلامي، من قِبل الآخر الصهيوني أو الغربي الإمبريالي أو الصليبي، وما يقوم به الفاعل أو الخطاب بالذات المدافعة عن كينونة الجماعة ووجودها الزماني والمكاني، دعوى لالتحام الفردي بالكلي، والخاص بالعام، والشعب بالنظام، والنظام بالحاكم.

 

4- ماهية الإدراك ومصدر المعرفة في خطاب المؤامرة

 

يستبطن خطاب المؤامرة منظومة معرفية ذات سمات معينة، تجد مركزها في الذات المطلقة، تجد مرجعيتها في إطار الواحدية، تأخذ مصادر المعرفة من الذات المتعالية المنفصلة عن الموضوع، ليست المعرفة هنا تمثلاً للموضوع كلياً أو جزئياً، أو هي علاقة تفاعل جدلي بين الذات والموضوع، وإنما هي معرفة تُغّيب الموضوع وتدور حول ذاتها ولذاتها، إذ تلتقي حول الذات الأبعاد الجزئية والفردية، ولا تراها في تواصلها مع سياقها التاريخي الموضوعي الكلي، تلغي الموضوع لحساب الذات، والعقل لحساب الحدس، وتغرق في خطاب الخصوصية والتفرد، وتضفي عليها صفة الإطلاق، وتصبغ على موضوعها صبغة النسبي والمزيف، وتفرض الذات على الموضوع قسراً، بحيث يصبح المواطن العربي مدمجاً مع غيره في كتلة واحدة صماء لا تمايز فيها. وهنا يتحول الموضوع إلى كتلة مصمتة بلا كينونة وبلا هوية متوحدة بالذات المتعالية، وفق شروطها ورهاناتها ومنطق اشتغالها. وطبقاً لهذا المنظور، فإن السلطة والطاعة والخضوع إنما ينحسر لها حتماً ومطلقاً أبداً في إطار عقيدة جامحة، وهو ما يشكل إطار التعامل مع موضوعها الذي هو الأمة المحكومة لها أبداً، فالخضوع داخل شبكة العلاقات الاجتماعية ليس مرتبطاً بالشرعية ودولة القانون والمواطنة ومجمل قيم الحداثة السياسية، وإنما يتمركز حول هذه الذات المتعالية التي يستسلمون لطاعتها بالإكراه أو من دونه. ليست المعرفة هنا انعكاساً لشيء ما في الوعي، أو هي تتشكل وفق عملية تفاعل جدلي وإنما هي تدور في الذات وحولها بمعزل عن موضوعها، إدراك متعال غير تجريبي، وإنما فطري محض، من دون ترابط التصورات الإنسانية والاحتفاظ بها وإعادة تقويمها، فهي حالة فطرية تتمركز على مصالح الذات الشخصية، وليست على مصلحة الكل أو مصلحة الآخر أو المجتمع، إنها مثالية مغرقة في ذاتيتها، إذ يملك أصحاب هذه الخطاب والمنافحين عنه، وعياً ذا اتجاه واحد لا يرتد إلى نفسه. يترتب عل كل ذلك، استبداد سياسي، ودولة كلانية أو شمولية، يتوحد فيها الشعب (الموضوع) مع الحاكم (الذات)، وتمسي الدولة هي ذات الحاكم، والحاكم إلى الأبد. ويمسي المجتمع مختزلاً في الدولة، والدولة مدمجة في بنية النظام، والنظام متوحداً مع الحاكم، ويمسي النظام أقوى من الدولة والمجتمع والحاكم أقوى منهم جميعاً. وهكذا يستأثر الحاكم بالمؤسسات السياسية ويسخرها لصالحة، أما المواطن فهو ضعيف، ملحق، فقير، متهالك.

 

5- ما تصورات الأمة في ذهنية خطاب المؤامرة؟

 

يترتب على ماهية الإدراك ونسق المعرفة في خطاب المؤامرة، نتائجٌ خطيرة، تدور حول تصورات ذهنية تلصق بالأمة والإنسان العربي القابع تحت نظم حاكمة لا ترى إلا في خطاب المؤامرة كتبرير لوجودها، ولإعادة تكريس شرعيتها المفقودة، وإنكار لواقعها الحقيقي الذي يبغضها. فطالما أنها تؤمن بوجود مؤامرة خارجية ترمي إلى تقويض النظام وهدم الدولة، فهذا لا يعني إلا استبعاد وعي الأمة والمواطن العربي وإنكار لحاجاته ومطالبه الإنسانية، وكأن الطبيعي الذي ينسجم مع طبائع الإنسان العربي هو أن يقبل من يحكمه مرة واحدة والى الأبد، أما إن تحركت الشعوب ضد أنظمتها وثارت عليها فهذا ليس من شيم الإنسان العربي وطبائعه. فهو حسب منطوق هذا الخطاب خارج التاريخ، لا بل خارج الإنسانية، له خصوصيته المتفردة حتى اقتربت هذه الخصوصية إلى حد أن تنزع عن الإنسان العربي إنسانيته وحاجاته الطبيعية. فالديمقراطية ومجمل قيم التنوير والحداثة تخالف (طبائعه) الثابتة التي تشكلت واكتملت منذ عصر التدوين ولا تزال حتى تاريخه. فالمواطن العربي، وفق هذا المنظور، هو حيوان اقتصادي خالص لا يهمه إلا إشباع غرائزه، وطالما أن الاقتصاد الريعي والنفطي أشبعها لماذا يطالب بحقوقه السياسية؟ ولماذا يثور إذن طالما أنه يعيش في بحبوحة اقتصادية؟ وعندما يثور تصبح ثورته غير مفهومة. وهنا يتم اختزال أبعاد الوجود الإنساني في بعد اقتصادي غريزي محض، كأن ليس للإنسان العربي حاجات أخرى كالحقوق السياسية، هنا ثمة تسوية بين الإنسان والأشياء. وهكذا، يضمر الخطاب صورة ذهنية مصمتة ومكتملة لبنية الشخصية العربية، حيث تتسم هنا بجوهر ثابت لا تتغير، فالنتيجة المترتبة على خطاب المؤامرة، أن بنية المجتمع العربي بنية سرمدية، ثابتة، راكدة، تعيد إنتاج الركود والتخلف وتدور في حلقة دائرية مغلقة من التطور، لا مجال لتحولات ديناميكية تحمل التحول، أو التغيير تماماً كخطاب الاستشراق العنصري. هذه الصورة الذهنية، لا يقدر لها أن تستوعب التحولات الثورية في العالم العربي إلا وفق مقولة المؤامرة التي تمارس التعتيم والحجب والإنكار لطبيعة التحولات التي شهدها المجتمع العربي في العقود الأخيرة، فضلاً عن التحولات العالمية في عالمنا المعاصر من (ثورة الميديا) وتدفق الفضاء المعلوماتي، الذي ساهم بتشكيل العقل التواصلي، أي التواصل بين الشعوب والثقافات والتجارب واللغات والسياق الكوني الذي يشكل الركن الأساسي في إتمام النشاط التواصلي عبره، ناهيك عن طبيعة الأنظمة العربية الحاكمة وإخفاقها في مسيرة التطور والتحديث.

 

ولا يمكن لمنطوق خطاب المؤامرة أن يستوعب كل ذلك؛ لأنها مقولة تشتغل وفق صورة ذهنية ونظرة إلى العالم العربي، لا تولد إلا العقم الفكري والمعنوي. فثوران الشعوب ضد نظمها لا يعود إلى هذه الأخيرة، وإنما إلى فعل خارجي خبيث يتآمر على النظام الممانع الصلب الذي يتصدى للمشروع الكوني الإمبريالي الساعي لإلغاء الأمة الواحدة، والوحدة العربية وتحرير فلسطين، وما إلى ذلك من شعارات يتوارى خطاب المؤامرة خلفها لإعادة مركزة ذاته. وهذا يرتب عدم الاعتراف بقواعد ومرجعية تؤطر الفعل في الوجود السياسي، بل تصبح إرادة الأعلى أو الملك أو الرئيس هي القانون وهي المرجعية، ولا يخضع للمساءلة ولا للمحاسبة، ولا للمراقبة من أي نوع، ومع على الأدنى أو المواطنين سوى الطاعة والامتثال. هكذا يقترب خطاب المؤامرة من التأليه، فهو يرهب الناس بالتعالي والتعاظم. ويتصور أصحاب الخطاب والمنافحون عنه من الحكام والملوك ومن حالفهم، أن بغيابهم تنتهي الحياة، وبانهيار أنظمتهم ينهار المجتمع، فحيوية الشعب من حيوية الحاكم، فهنا يتم التوحيد بينه وبين الناس في هوية واحدة، ويصبح الكل في واحد، وأي نقد لسلوك الواحد أو هجوم على سياسته، هو نقد وهجوم على البلد بأسره، لأنه هو البلد، واستهداف هذا البلد أو ذاك يعني، وفق هذا الخطاب، إحداث زلزال في المنطقة، وأن حرباً ضد هذه الدولة أو تلك تعني حربا شاملة.

 

6- كيف يتصور خطاب المؤامرة العالم؟

 

النظرة إلى العالم هي مجمل المعايير والقيم والتصورات التي تشكل مرجعاً لجماعة معينة في فترة تاريخية معينة، وهي صورة ذهنية عن الوجود أو الواقع الاجتماعي ترشد التوقعات وتحدد المواقف وتؤطر الفعل.

 

ولخطاب المؤامرة تصوره للعالم، وهو تصور رأسي، إذ يتجسم فيها علاقة ثنائية، طرف أعلى وآخر أدنى، الأعلى أكثر قيمة وشرفاً وعلماً وهداية ورشاداً، والأدنى أقل قيمة وأقل علماً وأقل معرفة. الأعلى معصوم من الخطأ، مقدس، على صواب مطلق، والأدنى يخطئ، وهو مدنس، وبحاجة إلى من يرشده إلى طريق الصواب. الأعلى يحكم، ويأمر وينهي، وعلى الأدنى السمع والطاعة والامتثال مطلقاً. ويظهر هذا التصور الرأسي في لحظات الضعف وعدم الثقة بالذات، وهذا ما نجده بالفعل من انتشار وهيمنة خطاب المؤامرة في لحظات الأزمات والخطر والتحديات الوجودية، وهو ما يعكس انعدام الثقة، وغياب العقل، أي غياب التمييز بين الحق والباطل، أو الخير والشر، أو في المعرفة السليمة، أو ملكة الرؤية النقدية، أو في إدراك الواقع.. إلخ من معاني العقل.

 

 وهكذا تسير الحياة وفق هذا الخطاب من دون اقتناع ومن دون أمل حقيقي، ويمسي الفكر بلا قيمة، يحل محلة الاستبداد والطغيان والعنف الجسدي والمعنوي، ويستوي الخير والشر، ويتفشى الانحلال، والنتيجة المؤكدة هي الهزيمة البشعة. وهكذا فالنتيجة المترتبة على التصور الرأسي لخطاب المؤامرة هي الاستبداد والطغيان ومن ثم غياب الحرية، وبغياب الأخيرة يغيب العقل والتفكير، وبالتالي الهزيمة الحتمية.

 

إضافة إلى التصور الرأسي، ثمة تصور آخر، وهو التصور الهرمي للوجود، حيث يوجد في القمة الملك أو الأمير أو الرئيس ولا يوجد سواه، والباقي هم مأمورون. فالحاكم يمثل الكل والباقي ما هم سوى أجزاء ملحقة به، فالكل واحد جامع مانع، فهو الأصل وما سواه يدنو من العدم، هو الأعلى وعامة الناس هي الأجزاء المتعددة المتشابهة، المتراصة المتجاورة، هم مأمورون، رعايا، ذرات تراب. هو الواحد والمؤله، والخير، والجمال، والحب، واليقين، والمقدس، والقمة. والقاعدة أو عامة الناس، مخلوقات أدنى، هم الحس، والعرفان، والمدنس، والقبيح. وهكذا، ويعكس خطاب المؤامرة تصوراً ثنائياً للوجود، بينهما تناقض وتنافر لا يجتمعان، حق مقابل باطل، أعلى مقابل أدنى، جميل مقابل قبيح، كامل مقابل ناقص، فضيلة مقابل رذيلة، لا تعايش بينها ولا انسجام، إذ بينهما هوة ساحقة. ويتولد عن ذلك انفصام وانفصال، بينهما عزلة أبدية. وهذا ما يفسر العنف والعنف المضاد بلا رحمة أو شفقة فليس هناك ما يربط بينهما. ويترتب على ذلك خلل في علاقة الذات مع الغير، فتختل علاقة النحن، وتتحول علاقة المجتمع بالدولة إلى إقصاء، ويتحول الأفراد إلى كتلة مادية صماء خالية من المشاعر والعواطف والقيم الإنسانية، يستوي فيها الإنسان مع الأشياء. وتتفشى ثقافة المكر والحقد والتشكك والضغينة ولغة التكفير والتخوين والإقصاء. هذه التصورات للعالم يحتكرها الخطاب ويوظفها بغية إعادة إنتاج نفس البُنى والأوضاع والتراتُبيَّات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية القائمة.

 

7- النتائج الأخلاقية المترتبة على خطاب المؤامرة ؟

 

يترتب على كل ما ذكر أعلاه نتائج أخلاقية، إذ يتولد عن مصدر اشتقاق المعرفة الذي يسم خطاب المؤامرة، أي الوعي ذو الاتجاه الواحد، أو أن شئت ملكة الإدراك والفهم التي تسير باتجاه واحد من أعلى إلى أسفل ولا يرتد إلى الوعي مرة أخرى، وافتقاد الخطاب إلى النسق التواصلي الطبيعي، فضلاً عن تصوره الرأسي والثنائي، نقول يتولد عن ذلك، نظام سياسي كلاني أو شمولي، يعمل في خدمة أجزاء معينة من المجتمع ويخصها وحدها بالامتيازات، ويسلب المواطنين حريتهم، ويفقدهم فرديتهم، واستقلالهم وتمايزهم، ويؤدي إلى عجن المواطن مع غيره من المواطنين في هوية واحدة، ليتحول الجميع إلى قطيع من الغنم. فيغيب الآخر من أفق الأنا، ويتحول إلى شخصية مستبدة تريد أن تفرض رأيها على الغير، لأن الفكر في خطاب المؤامرة (يسير باستمرار من طريق واحد من أعلى إلى أسفل ولا يرتد أبداً ليكون حواراً بين شخصيات متكافئة)، وهو ما ينتج نظاماً مضاداً للعلاقات التواصلية الإنسانية والعاطفية. وغياب التواصل بين الدولة والمجتمع، أو بين أصحاب الخطاب وموضوعه، أو تصبح درجة التواصل في أدنى مراتبها، من حيث القوة والتشابك والعلاقات، هو ما يولد انعزال المجتمع عن الدولة، وتقوم العلاقة بينهما على العداء أو إيثار العزلة والضغينة، فينتشر الفساد والزبائنية. وتختفي في هذا النظام المتمثل في خطاب المؤامرة، القيم الأخلاقية التي تميز الإنسان عن الحيوان باعتباره كائناً أخلاقياً. وهكذا، يحل الكذب محل الصدق، والرياء والنفاق محل الإخلاص والوفاء، والجبن محل الشجاعة.. إلخ.

 

وفي الختام، نطرح التساؤل التالي: أليس ما يتضمنه خطاب المؤامرة من تصورات مضمرة، والتي بيناها أعلاه، هو أخطر من المؤامرة ذاتها - بافتراض وجودها- على الأمة العربية؟

أنماط السياسة الخارجية الإيرانية


عياد البطنيجي

الناشر: مجلة أراء حول الخليج، مجلة شهرية تصدر عن مركز الخليج للأبحاث-

 العدد 77- فبراير- 2011

ملاحظة: تجدر الإشارة إلى أن مركز الخليج للأبحاث قام برفع المراجع التي استندت إليها الدراسة، حيث إن الدراسة نشرت في مجلة آراء حول الخليج العدد 77 دون الإشارة إلى المراجع، وهذا إجراء مخالف لأصول البحث العلمي وأخلاقياته. وعليه، فقد ارتأيت نشر هذه الدراسة كاملة عبر هذه المدونة مع الإشارة إلى المراجع التي استندت إليها الدراسة، التزاما مني بفضل هؤلاء الكتاب والمؤلفين، واحتراما لهم، فلولاهم لما تمكنت من كتابة هذه الدراسة.

إضافة إلى ذلك، فد أرسلت إلى مدير تحرير المجلة الأستاذ فالح العنزي، قلت فيها مايلي:

 

  الأخ العزيز / فالح العنزي          مدير تحرير مجلة آراء حول الخليج

 

    تحية طيبة وبعد،،،

      بالإشارة إلى دراستي المنشورة في مجلة آراء العدد الأخير، رقم  77 فبراير 2011، والموسومة بالعنوان" أنماط السياسة الخارجية الإيرانية"، فأنني سعدتُ جدا على نشركم الدراسة في مجلتكم المحترمة، فهي  تعد بحق منبرا علميا جديرا بالاحترام والتقدير. ولكن بكل أسف سعادة لم تكتمل؛  فقد لاحظتُ أن الدراسة نشرتبدون المراجع، رغم أنها اُعتمدت على عددٍ من المراجع، التي استندت إليها في كتابتيللدراسة، وهذا موقف يخالف أخلاقيات البحث العلمي. وفي الحقيقة إنني محرجٌ شديدالحرج على نشركم الدراسة دون الإشارة إلى المراجع؛  لأن الكتاب والمؤلفين هؤلاءاُعتمدت الدراسة عليهم  واُقتبست منهم  اقتباسا حرفيا وأشرتُ إلى ذلك بين مزدوجين، اقتبست اقتباسا ضمنيا أيضا وأشرت إلى ذلك  بدون مزدوجين، وذلك حسب أصول البحث العلمي، فلهؤلاء جميعا الفضل الكبير، فلولاهم  لما  تمكنت من كتابة الدراسة . ثم على فرض أنهم سوف يقرأون  الدراسة،  فسوف أُتهم بالسرقة وعدمالالتزام بأخلاقيات البحث العلمي، وهذا اعتداء على حقوق الملكية، وإثراءٌ بلا سبب يحاسب عليه القانون، وهذا موقف لا استطيع احتماله.

وبناء على رسالتي المذكورة أعلاه فقد تكرم سيادته مدير تحرير المجلة، ورد برسالة قال فيها ما يلي:

 

  الاخ الأستاذ / عياد البطنيجي       الموقر

 تحية طيبة وبعد ..

 بداية أشكر لك تواصلك معنا واهتمامك بالنشر في مجلة آراء حول الخليج .. كما أشكر لك حرصك على الأمانة العلمية وهذا ما نتمناه ونرجوه من كل الكتاب الذين يشاركون معنا في المجلة (ولاأخفيك سراً بأننا نعاني من هذه المشكلة للأسف)، ولكني اود التوضيح بأن المجلة ومنذ عددها الأول لم تنشر أي هامش في أي مقال (على الرغم من اشتراطنا على الكاتب ذكر المصادر والهوامش بالتفصيل)  وذلك لأن الهوامش أحياناً تأخذ مساحة كبيرة من المجلة ، وتسبب لنا اشكالية في التنسيق ، خصوصاً وأن المواد المنشورة هي في العادة مقالات قصيرة وليست دراسات مطولة تحتاج الرجوع فيها لمصادر تفصيلية .. ومع ذلك كنا نؤكد دائماً على الكتاب بان الإقتباسات المهمة يمكن الإشارة إليها أو إلى قائلها في متن المقال وليس في الهامش، وأصبحت هذه قاعدة يتبعونها في كل المقالات .. وأنا اعتذر إن لم نحطك علماً بهذه المعلومة لأننا كنا نظن بأنها أصبحت معروفة لقراء المجلة بعد 77 عدد .

 على العموم نعتذر إن كان هذا الإجراء قد تسبب لك في بعض الإحراج ، وأؤكد لك بأنك لاتتحمل مسئولية حذف الهوامش من قبل المجلة، ويمكن لأي معترض (إن وجد) أن يتواصل معنا عبر أي وسيلة اتصال، للتأكد من ذلك.

 تقبل مني التحية والتقدير

 فالح العنزي

مدير تحرير مجلة آراء حول الخليج

 

 

أنماط السياسة الخارجية الإيرانية

 

يفترض التحليل العلمي للسياسة الخارجية للوحدات الدولية أنها سياسة نمطية. فالعلم، سواء أكان طبيعياً أم اجتماعياً، يهدف إلى البحث عن الثابت والنسقي والمتكرر. وهكذا، فمن بين اهتمامات علم السياسة الخارجية معرفة الخصائص المتميزة للسياسة الخارجية للوحدة الدولية التي تحدث بطريقة تكرارية، والتي يمكن رصدها والتنبؤ بها.

تحدث السياسة الخارجية في شكل أنماط يمكن تفسيرها وتوظيفها للتنبؤ بمساراتها المستقبلية. ومن هنا يتطلب فهم السياسة الخارجية الإيرانية استخلاص الأنماط الرئيسية لتلك السياسة.

توصيف السياسة الخارجية الإيرانية:

حتى يمكن رصد أنماط السياسة الخارجية الإيرانية، يتعين بداية توصيف أبعاد عدة رئيسية(1):

أولاً: أهمية السياسة الخارجية بالنسبة لإيران

تحتل السياسة الخارجية الإيرانية موقعاً مركزياً، ويزداد موقعها أهمية عبر الزمن. يتجلى هذا الاهتمام من خلال عمليات استحداث دائمة ومستمرة لوزارة الخارجية من خلال استبدال للدبلوماسيين بغيرهم وبوجوه جديدة وشابة، وإنشاء مراكز للتخطيط الاستراتيجي والدراسات السياسية والدولية، بهدف تحسين آلية اتخاذ القرارات، وجمع المعلومات، وغيرها من المراكز والفروع التي ترمي إلى تنشيط السياسة الخارجية وتحسين أدائها. ورغم عدم وجود رقم معلن لمعرفة ميزانية وزارة الخارجية من الموازنة العامة للدولة، إلا أنه يمكن أن نستنبط أن الدولة تخصص ميزانيةً ضخمةً تُصرف على نشاط سياستها الخارجية. ومن مؤشرات ذلك، الانخراط الواسع بالسياسة الإقليمية والعالمية، ودعم جماعات وقوى الممانعة(سوريا، حزب الله، حماس، الجهاد الإسلامي، وأفراد متعاطفين مع سياساتها، والخلايا الإيرانية المنتشرة في العالم، فضلاً عن الشيعة خارج إيران، قوى وأحزاب عراقية وأفغانية). وقد انتقدت المعارضة الإيرانية هذا النشاط المتزايد في الخارج بحجة أنه يبدد أموال الشعب الذي هو بحاجة إليها للتنمية في الداخل.
هذا النشاط الواسع لإيران في الخارج يبين أن السياسة الخارجية لدى النخبة الحاكمة تحظى بأهمية بالغة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن إيران تسعى إلى أن يكون لها دورٌ أكبر على المستويين الإقليمي والدولي، وقوة إقليمية عظمى مرهوبة الجانب.

ثانياً: العوامل الأكثر تأثيراً في رسم السياسة الخارجية الإيرانية

يتسم النظام السياسي الإيراني بتعدد الأقطاب التي تؤثر في نظام السياسة الخارجية أو لها الحق في إبداء آرائها أو في اتخاذ القرار. ورغم تعدد القوى المؤثرة إلا أن منصب المرشد الأعلى يعد أعلى منصب في اتخاذ القرارات الكبرى بشأن السياسة الخارجية لإيران، وهذا ما تؤكده التجربة العملية. وبالتالي تشكل ولاية الفقيه أحد أهم مصادر السياسة الخارجية، بوصفها تجسيداً للإطار الفلسفي للحكومة الإسلامية القائمة على فكرة الحاكمية. ومن المهم في هذا الإطار أن نعرف أن ولاية الفقيه والأسس الفلسفية التي تستند إليها فكرة الحاكمة، تؤديان إلى توسيع حدود سلطة المرشد ونطاقها في السياسة الخارجية، بمعنى أن مفهوم السلطة حسب مضامين هذه المفاهيم لا يتقيد بقيود دستورية أو قانونية. وعليه من الخطأ اعتبار أن الدستور قد حصر صلاحيات المرشد واختصاصاته في نطاق معين، فمضامين سلطته وأبعادها أوسع بكثير مما حدده الدستور. فعند تحليل مضمون خطب الخميني وكتاباته نقف بوضوح على ما ذكره حول حدود سلطة الولي الفقيه بوصفها أوسع مما حدده لها الدستور، ويكفي مراجعة كتبه: "ولاية الفقيه" و"الحكومة الإسلامية"، يتجلى لنا بوضوح أن سلطة الولي الفقيه لا حدود لها، وأن الدستور لا يحدد صلاحيته ولا يقيد سلطته أو يضبطها، بل الصحيح هو أن المرشد فوق الدستور، يحذف أو يجمد أو حتى يسقط ما يشاء من موادهِ ومبادئه، وحسبما يرى، فما ذلك عليه بعسير.

وهكذا يصبح المرشد صاحب السلطات الأوسع في تقرير الملامح العامة للسياسة الخارجية، واتخاذ القرارات بشأنها. وجدير بالذكر أن تأثير القيادة السياسية في صنع القرار يتعاظم في إيران بوصفها دولة نامية، على عكس ما يكون في الدول الديمقراطية والمتقدمة. وجدير بالذكر أيضاً أن التاريخ السياسي لإيران في الحقب الماضية يؤكد أن صانع القرار في السياسة الخارجية كان دائماً محصوراً في الملوك إلى درجة اندماج تلك القرارات بطبيعة ومزاج الملوك وصفاتهم الشخصية من دون اعتبار لأي مصلحة خارج ذواتهم وطموحاتهم(2). وهذا يعنى أن السلطات المطلقة للمرشد الحالي لها جذور. وهكذا فمنصب الولي الفقيه يشكل أحد المحاور والأركان الأساسية المؤثرة في توجهات السياسة الخارجية، فمكانته تلعب الدور الأكبر الرئيسي والحاسم في توجيه السياسة الخارجية، وخصوصاً في القضايا العليا.

ثالثاً: الاستمرار والتغير في السياسة الخارجية الإيرانية

يلحظ المتابع للسياسة الخارجية الإيرانية أنها تتسم بقدر كبير من الاستمرارية والتواصل في مضامينها وأبعادها وأهدافها، ليس في حقبة الثورة فحسب بل ما قبلها. بعبارة أخرى ثمة عناصر للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية مستمدة من حقب تاريخية قديمة

1-   سعي إيران إلى امتلاك التكنولوجيا النووية، هذا السعي دشن زمن الشاه، وما زالت إيران تسعى إليه حتى الآن، واحتلالها للجزر الإماراتية.

2-  جعل البلد ذا شأن في السياسة العالمية. فمنذ أن فرض المذهب الشيعي عليها في مطلع القرن السادس عشر، وهي تسعى إلى جعل البلد ذا مكانة مرموقة في النظام الإقليمي والدولي، وقوة عظمى لا تضاهى. هذا الطموح دفع صناع القرار في الحقب الماضية إلى الدخول في "مغامرات حربية لم يكونوا أهلاً لها، وجريهم وراء خيال لاسترجاع ممتلكات الإمبراطورية القديمة وأمجادها"(3)، ما جر ويلات على إيران.

3-  ميل صانعي السياسات إلى تبني أهداف لا تتناسب مع الإمكانات والقدرات والوسائل المتوفرة لديهم. هذه الصفة لها جذور تاريخية وهي ما زالت حاضرة إلى الآن. فإيران المعاصرة ترغب في إنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب، تكون فيه قطباً دولياً محورياً يتحدى الهيمنة الأمريكية. لكن هناك فرقاً بين الرغبة والمقدرة(4). فإيران لديها موارد تؤهلها للعب دور إقليمي، لكن بخصوص التصور والتمثلات(الإيديولوجية الحاكمة) التي تؤثر بالضرورة في نظام السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، يكتنفها قدر كبير من الـمبالغة، فهي تعمل على تعظيم الذات وتضخيمها، وترسم لنفسها دوراً يفوق دورها كدولة دنيوية يقودها بشرٌ، فهذه الشمولية في التصورات تتضمن بالضرورة الفراغ. فهي تفترض أن العالمَ فراغ تسعى إيران إلى ملئه. هذه التصورات جعلت السياسة الخارجية الإيرانية في كثير من المراحل تتسم باللاواقعية التي تميزت بها السياسة الخارجية التقليدية لإيران، واستمرت حتى عهد الثورة، إلا أن إيران شهدت في عقد التسعينات تغيراً بالاتجاه نحو الواقعية وخاصة مع صعود التيار الإصلاحي. بيد أن ليس هناك ضمانة بأن يستمر هذا الاتجاه، وعندما تتحرر إيران من الضغوط الخارجية قد تعود مرة أخرى إلى ممارسة سياساتها اللاواقعية، وربما تجد الطموحات الشخصية للولي الفقيه التي تنطلق من مبدأ عالمية السياسة الإيرانية، كما هي مدونة في كتاب "ولاية الفقيه"، منفذاً للتعبير عنها والعودة إلى الطموح القومي المتزايد الذي أصبح راسخاً في الثقافة السياسية الإيرانية. وهذا ما يذكرنا بحقبة الشاه الذي أدخل أسلوباً جديداً في السياسة الخارجية الإيرانية يتسم بالعقلانية والواقعية، وخصوصاً في صراعه مع الاتحاد السوفييتي، ومنازعته مع بريطانيا، وحقق ما كانت تصبو إليه إيران من الاستقلال والتحرر من قبضة روسيا وسيطرتها التي دامت لفترة طويلة من الزمن، وتخلصت من الاستعمار الاقتصادي لشمال إيران واحتكار روسيا للتجارة في الأسواق وتجارة الترانزيت. كما استغل الشاه بذكاء حاجة الدول العظمى آنذاك في تحقيق مكاسب سياسية، من خلال استعماله سياسة ضرب الأطراف المتنافسة مع بعضها بعضاً، فكان يتقرب إلى ألمانيا وروسيا ليدفع بريطانيا إلى إرضاء الشاه للحد من تماديه في التقرب من خصومها. كما استعاض عن التصادم المسلح والحروب بالدبلوماسية لحل المشكلات العالقة مع الجيران "وكان ذلك للمرة الأولى في تاريخ إيران"(5). لكن هذا التحول لم يستمر طويلاً، لم يستطع الشاه التحرر كلياً من عناصر السياسة الخارجية التقليدية لإيران، فهذه المنجزات الجيوسياسية والاقتصادية التي حققها دفعته إلى المبالغة في التعبير عن طموحاته الشخصية، وعادت الرواسب مرة أخرى إلى التسلل لسياستها الخارجية، فبالغ في الاكتفاء الذاتي، والاستقلال المطلق، وتحويل إيران إلى قوة عظمى تقف كند أمام روسيا وألمانيا وبريطانيا، وتجاهل الشاه الواقع الدولي وموازين القوى، فجرت ويلات على إيران.

4- تحكم القيادة وشخصية الملوك في السياسة الخارجية. فأهداف الدولة ومصلحتها القومية دائماً ما تعبران عن الرغبة الشخصية للملوك، ولا تزال حاضرة إلى الآن. فالخميني هو من قرر طبيعة عالمية السياسة الخارجية لإيران، كما حددها في كتابيه "ولاية الفقيه"، و"الحكومة الإسلامية". وحتى الدستور فإنه يعكس قناعاته وتصوراته وفلسفته الخاصة. وأي تغيير في الحياة السياسة الإيرانية سواء كان على الصعيد الداخلي أو الخارجي يجب أن يتم بموافقة المرشد، ولا يمكن أن نتوقع أية قطيعة سياسية مع سياسة إيران التقليدية إلا إذا مست المرشد الأعلى وصلاحيته، وهو أمر في غاية الصعوبة.

5- الحياد أو عدم الانحياز وسياسة عدم الانضمام إلى التحالفات الدولية، وهي سياسة ترتبط بالجذور الثقافية والحضارية الفارسية(6).

رابعاً: مضمون الأبعاد الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية

تأسيساً على ما تقدم، وبالإشارة إلى التصورات والتمثلات التي تعتمل في الذات الإيرانية وتداعياتها على نظام السياسة الخارجية، يمكن القول، كنتيجة منطقية مستنبطة من المقدمة السابقة، إن السياسة الخارجية لإيران تتسم بأبعاد متعددة، تتأثر بالعوامل الداخلية والبيئة الإقليمية والدولية، وما يحدد تجاه هذه الأبعاد متغيرات عدة منها البيئة النفسية لصانع القرار، والضغوط الاجتماعية الداخلية أو الحراك الاجتماعي والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، والبيئة الخارجية (النسق الإقليمي والدولي). هذه المتغيرات بمجملها تشكل المحددات التي تعين أبعاد السياسة الخارجية.

1- البعد العالمي للسياسية الخارجية لإيران

تتميز إيران بتعاظم تأثير النسق الدولي على سياستها الخارجية، فهي تتأثر بشكل كبير بالواقع الدولي ومعطياته، وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية تولي اهتماماً كبيراً بإيران. كما تحاول الأخيرة مقابلة السياسات الأمريكية في المنطقة بسياسات أخرى مقابلة لفرض معادلة التوازن الإقليمي. كما أن شخصية المرشد الأعلى، والفلسفة السياسية المتجسدة في كتابي "ولاية الفقيه" و"الحكومة الإسلامية"، فضلاً عن الدستور الإيراني، كل ذلك يبين تبني البعد العالمي هدفاً للسياسة الخارجية الإيرانية، وبالتالي فهي تقوم على الأفكار اللاحدودية والأهمية واللاقومية. فمنظّر السياسية الخارجية الدكتور جواد لاريجاني يوضح أن من بين أهداف السياسة الخارجية لإيران "العمل على إيجاد الوحدة بين الأمم الإسلامية في العالم" و"الدفاع عن أراضي المسلمين ومصالحهم" و"الدعوة إلى الإسلام"(7).

 

وثمة مواد في الدستور الإيراني توضح البعد العالمي في سياستها الخارجية نكتفي بذكر بعضها. تنص المادة (152) "الدفاع عن حقوق جميع المسلمين". والمادة (154) "دعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة في العالم". والمادة الثالثة الفقرة الخامسة تنص على: طرد الاستعمار ومكافحة الوجود الأجنبي. هذه المواد توضح الهوية الإسلامية لإيران، ومهمة الدفاع عن المسلمين باعتبار إيران بداية المشروع الإسلامي على حد قول الخميني. وهكذا فإن سياستها تمتد لتشمل كافة المسلمين بهدف توحيدهم تحت راية ولاية الفقيه، وهو المعنى الذي أكده لاريجاني في كتابه "أم القرى" كما سبقت الإشارة. وتعطي هذه المادة الحق لإيران في التدخل في شؤون الدول الأخرى لتحقيق هذا الهدف. وبالتالي "أياً كانت هذه الوسائل لن تخرج عن إطار التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى التي يوجد فيها هؤلاء المسلمون"(8). أما المادة (154) فهي تتجاوز إطار الهوية الإسلامية لتمتد وتشمل كافة المستضعفين أينما وجدوا في هذا العالم الواسع.

ومن خلال متابعة السياسة الخارجية الإيرانية نجد بالفعل أنها تتسم بنشاط وحيوية تختلف عن دول المنطقة، فنجد لإيران تواجداً في كل الدوائر الجيوسياسية المهمة: إفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية. هذا النشاط العالمي المتزايد لإيران بالفعل آثار رد فعل استنكارياً من دول العالم أهمها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فمثلا استنكر الجانبان، واشنطن وتل أبيب، النشاط الواسع لإيران تجاه أمريكا اللاتينية واعتبروه غزواً إيرانياً لأمريكا اللاتينية، وقررت إسرائيل زيادة حملتها الدبلوماسية للتصدي لتنامي نفوذ إيران، من خلال حرب دبلوماسية ضد طهران تشعلها في أمريكا اللاتينية، لتنضم إلى الجهود الأمريكية والأوروبية(9). وأيضاً تحفظت كل من إسرائيل وأمريكا على سياسة إيران تجاه إفريقيا وآسيا الوسطى. فقد شنت إسرائيل حملات سياسية ودبلوماسية في آسيا الوسطى لمحاربة النفوذ الإيراني. نخلص من ذلك ونقول إن البعد العالمي للسياسة الخارجية الإيرانية حاضر وبقوة على المستويين الدستوري والواقعي.

2- البعد الإقليمي للسياسة الخارجية لإيران

يشكل الخليج بعداً حيوياً من أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية، فهو من المصالح الحيوية التي تؤثر في الأمن والراحة العامة واستقرار نظامها السياسي. وتحقيق مصالحها في الخليج يحظى بالأهمية القصوى لضمان أمنها. وحتى الدور الإيراني يسعى إلى جعل إيران قوة إقليمية عظمى مهيمنة على النظام الإقليمي الخليجي حيث تفرض رؤيتها الاستراتيجية وتحدد من خلالها العدو والصديق.

أما البعد الثاني للسياسة الخارجية الإيرانية، فيتجلى في منطقة بحر قزوين والمصالح الناتجة عن انتقال خطوط الطاقة من بحر قزوين وآسيا الوسطى عبر إيران إلى العالم الخارجي. وهو بعد استراتيجي ترى إيران أن في تحقيقه مصلحة استراتيجية لضمان مصالح المجموعة الأولى، وتؤثر بشكل غير مباشر في الأمن الإيراني.

والبعد الإقليمي الثالث المهم للمصالح الإيرانية ونظام السياسة الخارجية يتجسد في مصالحها تجاه لبنان وفلسطين، وهما من المصالح القومية المهمة بالنسبة لها.

3- البعد المحلي للسياسة الخارجية الإيرانية

 يعتبر البعد المحلي في غاية الأهمية، حيث تسعى إيران إلى التنمية الاقتصادية والاكتفاء الذاتي، والحصول على التقنية لتلبية احتياجاتها الداخلية. وبينما زاد الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران في تردي الوضع الاقتصادي وتعميق مأزقه، بالإضافة إلى حالة الحراك الاجتماعي الذي يكشف عن حالة الخنق والاهتياج الشعبي فيها، كل ذلك يدفعها إلى جعل البعد الداخلي في سياستها الخارجية ذا أهمية قصوى.

وهكذا تؤثر التنمية الاقتصادية والسياسية الداخلية الإيرانية في تفاعلاتها الدولية ونظام سياستها الخارجية. وهو تأثير ليس سطحياً أو محدوداً بل تأثير جوهري وعميق. فالبرنامج النووي الإيراني، الذي يعتبر بحق مصلحة قومية عليا لا يمكن التراجع عنه، فهو يقدم علاجا للمأزق الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، وإيران تعلم ذلك جيداً، وهي لذلك لا يمكن أن تتراجع عنه قيد أنملة(10).

خامساً: التوافق والتفاوت بين الأبعاد الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية

يمكن القول إن مضمون أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية، يهدف إلى جعل إيران قوة عظمى لها مكانتها الدولية المرموقة، ومصوبة خصوصاً تجاه العالم الإسلامي وخاصة إلى قلب منطقة الخليج العربي، وتأخذ أشكالاً متعددة منها العمل العلني من خلال البعد الدبلوماسي وتنمية العلاقات الودية، ومنها الخفي ممثلاً في دعم القوى المعارضة للنظم السياسية العربية، ودعم الشيعة في المنطقة. وتتدرج أهمية توجهات سياستها الخارجية، حيث تحظى الدائرة الخليجية بأهمية حيوية، بغية أن تكون لها اليد الطولى فيه، واستبعاد الأطراف التي يمكن أن تزاحمها النفوذ فيه لاسيما الدول العربية غير الخليجية، تليها دول الجوار الإقليمي مثل لبنان وسوريا وفلسطين، ثم تأتي دائرة قزوين- آسيا الوسطى، تليها الدائرة الإفريقية والأوروبية وأمريكا اللاتينية. وتعتمد على استراتيجيات عدة لتحقيق هذه الأهداف(11):

 1- استراتيجية التبني: يقصد بها الالتزام بالأعراف والشرعية الدولية. وقد ظهرت هذه الاستراتيجية بوضوح في السلوك الإيراني الخارجي أثناء فترة الغزو العراقي لدولة الكويت، حيث التزمت إيران بما تمخض من قرارات دولية.

2-  استراتيجية التحفيز الذاتي: ترمي إلى تأكيد دور إيران الإقليمي وضرورة احتسابها في المعادلة الإقليمية.
3-  استراتيجية المساومات: من خلال المناورة الدبلوماسية، وتحقيق درجة من الربحية. وقد تبلورت هذه الاستراتيجية إبان الغزو العراقي للكويت، عندما وافقت على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه استطاعت إيران الحصول على قرض من البنك الدولي

4-  استراتيجية التصلب: ترمي إلى إظهار استقلالية إيران عن التبعية للغرب، من خلال التأكيد على قوتها الإقليمية المقاومة لكافة أشكال الهيمنة العالمية على منطقة الخليج.

كما تتفاوت هذه الأبعاد في مضامينها الرئيسية. إذ يتفاوت نمط السلوك الخارجي مع نمط التبادل التجاري، فإيران تتبع سلوكاً معادياً لبعض الوحدات الدولية، وفي الوقت ذاته تستمر في تبادلها التجاري والاقتصادي معها. مثلاً تتبع إيران سلوكاً معادياً تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة فهي لا تزال محتلة للجزر الإماراتية، في الوقت الذي تستمر فيه تجارتها معها. ونجد أن سلوكها تجاه أمريكا اللاتينية، والدائرة الأوروبية يقتصر على البعد الدبلوماسي، أي يأخذ طابعاً رسمياً، بينما نجد سلوكها تجاه دول الخليج والعالم العربي، يأخذ طابعاً سرياً لبناء تحالفات مع القوى غير الرسمية المعارضة للنظم السياسية في بلدانهم. وهكذا فإيران تتبع سلوكاً تجاه العالم العربي مختلفاً تماماً عما تتبعه مع دول أخرى، أي أن إيران بعيداً عنا نحن العرب ليست كإيران القريبة منا، هنا مشروع للهيمنة وبسط النفوذ، وهناك مشروع للتعاون الاستراتيجي. فتمثل إيران بالنسبة للعالم العربي، وخاصة الجوار منها، مشروعاً دينياً أيديولوجياً للهيمنة وبسط النفوذ، وبث الشقاق الطائفي، لكنها بعيداً عن دول الجوار تقدم وجهاً آخر للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. إيران بالنسبة للإمارات العربية المتحدة قوة احتلال عسكري، رغم التبادل التجاري بينهما، وبالنسبة للعراق قوة احتلال سياسي، وبالنسبة للمملكة العربية السعودية خطر يهدد بالتقسيم والاضطراب على أسس طائفية. وفي حين تتعاون مع الاحتلال الأمريكي للعراق، فإنها تدعم مقاومة حزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، لكنها بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية قوة مختلفة تماماً.

هذا التفاوت في الأبعاد والمضامين ليس تعبيراً عن عدم الرشد، إذ إنها سياسة قصدية متعمدة بغية إيجاد هذا التفاوت تحقيقاً لمصلحتها. وهكذا تتبع إيران سياسة مزدوجة، واحدة للعرب، وأخرى مختلفة تماماً للعالم اللاتيني والأوروبي. وواحدة موجهة للتعامل مع الحكومات العربية، وأخرى للتعامل مع الشعوب العربية، وثالثة للقوى غير الرسمية. كما قد تضطر إيران أحياناً إلى قبول مواقف كانت ترفضها، مثل قبولها قوات دولية في الخليج إبان الغزو العراقي للكويت، رغم أنها كانت تعتبر ذلك تهديداً لأمن الخليج.

وهكذا تتفاوت سياسة إيران الخارجية بتفاوت الوحدات الدولية الموجهة إليها تلك السياسات، ورغم أن سياستها تتسم بخصائص عامة، بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة تماثل تلك الخصائص بالنسبة لكل الوحدات الأخرى، فالسياسة الخارجية الإيرانية تجاه الجوار الإقليمي تختلف عن سياستها تجاه منظومة الدول اللاتينية أو آسيا الوسطى. ولا يعني أن عدم التماثل في سياستها أن تلك السياسات تتفاوت باختلاف كل وحدة دولية. لكن الأمر هو أن سياستها تتشابه نحو مجموعات معينة من الوحدات، فنجد نمطاً سلوكياً معيناً تجاه العالم العربي، ونمطاً آخر تجاه الدول اللاتينية، وثالثاً تجاه الدول الأوروبية. من هنا نرى أنماطاً فرعية متعددة للسياسة الخارجية الإيرانية، وتوزيعاً مختلفاً لحركة السياسة الخارجية، ومتفاوتاً من وحدة دولية إلى أخرى.

سادساً: استقلالية السياسة الخارجية الإيرانية

نقصد بالاستقلالية هنا ليست كمقابل لمفهوم التبعية، بل ما نقصده هو مدى حساسية إيران تجاه بيئتها الخارجية. فإيران تتسم بدرجة حساسية عالية، فكثير من دوافع سياستها الخارجية تجاه وحدات معينة يكون سببه الرئيسي عامل خارجي، وكثير من الدوافع الداخلية مرتبط باحتياجات إيران الداخلية(12). إن وجود واشنطن في جوارها الإقليمي أشعرها بالتهديد المباشر، فحاولت أن تواجه ذلك بسياسات أخرى مقابلة لفرض معادلة التوازن الإقليمي. كما أن نجاح إيران في حماية نفسها من الضغوط الدولية بخصوص المسألة النووية مرهونٌ بمدى مساعدة روسيا والصين ودول أخرى. وحتى الهدف الإيراني الرامي إلى إحداث نظام دولي متعدد الأقطاب، كما تدعي، مرهون أيضاً بتقبل الهند والصين وروسيا لمطالبها.

سابعاً: أدوات السياسة الخارجية الإيرانية

تتعدد الأدوات التي تنفذ من خلالها إيران سياستها الخارجية، فكل نمط من الأنماط الفرعية له أدوات محددة تتناسب معه. فمثلاً لا تستخدم إيران الدعم العسكري والتدخل السياسي والقوة العسكرية إلا مع الدول العربية والإسلامية. بينما تستعمل أداة الدبلوماسية مع المنظومة اللاتينية والأوروبية. وبالتالي هناك عدم تساو في استعمال هذه الأدوات تجاه مختلف الوحدات الدولية. كما أن استعمال أداة معينة يؤثر في سياستها الخارجية، فالدعم المالي والعسكري للقوى المعارضة في النظم العربية يؤدي إلى توتير العلاقة بين هذه الدول وإيران.

ثامناً: قضايا السياسة الخارجية الإيرانية

ثمة قضايا عدة تهتم بها إيران، وإن كانت تتغير أولوياتها بتقادم الزمن، وبتغير البيئة الدولية والإقليمية، كما تختلف الأدوات التي تستخدمها للتعامل مع كل قضية، وكذلك تختلف الدول التي يتم التعامل معها بشأن تلك القضية
كانت قضية تصدير الثورة ذات أهمية قصوى إبان نجاح الثورة في القضاء على الشاه، لكنها تراجعت إبان عقد التسعينات، وتقدمت القضية الاقتصادية وأمست القضية المركزية في نظام السياسة الخارجية لإيران، ومع تحسن الوضع الاقتصادي تقدمت القضية الأمنية كقيمة مركزية، ومع الاحتلال الأمريكي العراقي أمست قضية الملف النووي القضية المركزية الأولى في السياسة الإيرانية، بالإضافة إلى تحويل إيران إلى دولة إقليمية مركزية، كما أمسى الحصول على القوة والمكانة المرموقة في النظام الإقليمي من أولويات السياسة الخارجية الإيرانية. وتختلف الأدوات التي تستعملها إيران باختلاف القضايا، فلتحسين الوضع الاقتصادي استعملت الأداة الدبلوماسية، ولتصدير الثورة استعملت الأداة العسكرية والدعم المالي وبدرجة أقل القوة اللينة (الإقناع والدبلوماسية) . وفي مسألة الملف النووي تستعمل أدوات عدة مباشرة كأداة الدبلوماسية من خلال التفاوض، وغير مباشرة مثل الدعم المالي والعسكري للقوى والجماعات في المنطقة حتى توازن قوة الولايات المتحدة الأمريكية لفرض قبولها بالمشروع النووي في النهاية والاعتراف بها كقوة إقليمية.

أنماط السياسة الخارجية الإيرانية

بعد توصيف السياسة الخارجية الإيرانية من خلال الأبعاد الثمانية السابقة، يمكن رصد أنماط عدة تتضمن مجموعة من السمات تتجمع لتشكل نمطاً معيناً للسلوك السياسي الإيراني، هي على النحو التالي

أولاً: نمط توسعي إمبراطوري أو حركي نشط: وهو نمط يقف على النقيض من النمط الانعزالي، يتضمن هذا النمط سمات عدة: المشاركة الخارجية الواسعة، الانخراط بالسياسات الإقليمية والدولية، التوسع والسيطرة والتدخل في الشؤون الداخلية، المثابرة أي السير نحو الهدف رغم الصعوبات، الغرور والعناد، الجمع بين الفظاظة والتهور والتغطرس، وبين الحذر والتوازن، ويعزى تنوع هذه السمات المتناقضة إلى تنوع الحياة السياسية الداخلية التي تحتوي على تيارات متشددة وأخرى معتدلة، ولذلك نجد أن إيران دائماً تتحدث بصوتين. ويتفق هذا النمط مع الفلسفة السياسية لإيران كما تبينها ولاية الفقيه. وفي هذا النمط ركزت إيران على المشاركة النشطة في المنظمات الدولية، والعمل على تغيير النسق الدولي بالمشاركة مع القوى الوسيطة الأخرى، والاستقلال عن الولايات المتحدة. ويعود هذا النمط إلى العصر الساساني، وتطور مع إحداث إسماعيل الصفوي 1501م (نقلة نوعية)، فمزج النمط التوسعي الإمبراطوري بطابع عقائدي مذهبي، وذهب إلى إنشاء إمبراطورية فارسية شيعية. وعندما تبوأ الشاه العرش سعى إلى إنشاء طموحه الإمبراطوري بل بالغ فيه، وعندما انقلب عليه الخميني سعى الأخير إلى إعادة مجد الفرس وتدشين مشروع إمبراطوري مصوب إلى قلب الجغرافيا الإسلامية (الخليج العربي). وترى إيران نفسها أن لها دوراً محورياً في ملء الفراغ في المنطقة، وهي تملك مشروعا عقائديا عالميا، يحمل تفويضا دينيا يسمح لها بالتدخل والتمدد في جغرافية المنطقة، وترسيخ نفوذها واثبات تفوقها على دول المنطقة. وجدير بالملاحظة أن النظام الداخلي لإيران يؤثر في ملامح سياسته الخارجية فنظامها الدستوري وفلسفتها السياسية يعكسان هذا النمط بوضوح.

ثانيا، نمط عدم الانحياز أو الحيادي: لا اقصد بالحيادي الموقف السلبي تجاه البيئة الدولية،  بل ما اقصده بالتحديد هو رفض الانضواء في تحالفات تحت مظلة دولة كبرى. يتضمن هذا النمط عدة سمات: التمركز حول الذات، أو بمعنى آخر المركزية الشديدة التي تتسم بها رؤية إيران للعالم، والمبالغة بالاكتفاء الذاتي وقوة الأنا وتضخم الذات، والغموض وخلق حالة من الالتباس المتعمد في سلوكها، التمايز الحضاري.

بناء على ما سبق يمكننا القول إنه بعد تحديد أنماط السياسية الخارجية لإيران، يمكن التنبؤ بمستقبلها، وكذلك وضع إستراتيجية عربية لموجهتها، وإن كان وضع هذه الإستراتيجية ليس من موضوع هذه الدراسة، إلا أنني سوف أقدم رؤية عامة تقوم على أساس فكرة الاشتباك أي التي ترتكز على قاعدتي الحوار وبناء القوة الذاتية. بعبارة أخرى، إن حركة السياسة الخارجية الإيرانية تكون منتظمة أو مستقيمة عند استبعاد كل عائق، ولكنها تتغير عندما تؤثر فيها قوة مماثلة. فهذه الأنماط تنطوي ضمنا على فكرة غياب الطرف ا

زمان “حماس” ومكانها

 

 

 

تاريخ النشر: 26/11/2009

الناشر:  الحياة

بقلم: عياد البطنيجي

 

 

 الفكر هو صياغات عقلية نفسر من خلاله الواقع ونحاول فهمه، وحيث إن الواقع يتطور ويتبدل، والعقل الإنساني المنتج للفكر والمتفاعل بالواقع يتطور بدوره، فإن الفكر الإنساني في حالة صيرورة وتحول؛ لأنه يفعل بالواقع وينفعل به في نفس الوقت.

   إن المتأمل في التاريخ الإنساني يرى أن مصير الفكر حين يدخل في الزمان لابد أن ينتهي بصاحبه إلى فاجعة. فالحقيقة تنتمي إلى عالم الأزل والأبدية، عالم الثبات والدوام الذي يعلو على وقائع التاريخ ويفارقه. وحين تتجسد الحقيقة في الإنسان، وتلتحم في الواقع فإنما تعانق الزمان وتحل فيه، والزمان يدخل في دائرة الحركة والصيرورة، فهو إذن خاضع  للتغير دائما ولا يعرف الثبات، فالتغيير هو قانون وسنة الكون. والنتيجة المترتبة على ذلك، هي أن الحقيقة تقع ضحية هذا التجسد؛ لأنها ستفقد براءتها وطهوريتها وجمالها وبريقها؛ لأنها تجسدت في الواقع والتحمت به، مما يترتب عليه جملة من الإشكالات التي يمكن أن تعتري أي إنسان تحل فيه؛ لأنها تحولت من أفق المطلق وتجسدت في النسبي والآني، مما يترتب عليه فقدان جزء من بريقها، بل أهدافها وقوتها، مما يمهد الطريق إلى أفولها وذوبانها، ليس كلها بالطبع؛ بل ثمة ما يبقى منها القادر على البقاء والاستمرار. وهكذا فإن كل فكرة تحمل بين طياتها بذور فنائها. 

    إن ما حدث لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية لا يشذ  عن هذه القاعدة، وإلا كيف نفسر ما حدث وما أصاب هذه الحركة من حوادث ضخام جسام؟! وكيف نفسر تلك الانحرافات المتفاوتة الخطورة والعمق التي حدثت مع كل التيارات السياسية التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية؟ وكيف نفسر ما وصل إليه مصير الحركة الوطنية من فرقة وانقسام وتشرذم؟

 إن الفــوز الذي حققته «حماس» في الانتخابات البرلمانية في العام 2006، جعلها التيار الرئيس في الساحة الفلسطينية. فللمرة الأولى في التاريـــخ الفلسطيني تتحقق الغلبة لحزب إسلامي. قبلها كانت «حماس» عبارة عن فكرة غير ملتحمة بالــواقع وغير متجسدة، إلا كحركـــة مقاومـــة فقط وهـــذا جــزء يسيـــر مما باتت عليـــه الحركــــة اليوم. وحتى فكرة المقاومة التي بنت «حماس» نفسها عليــها، كانت مقاومة مفارقة للحسابات العقلانية والمصلحية، أي أنها بقيت محكومة في إسار الأزل والمطلق بعيدة عن الواقع وتعقيداته، لأن الحركة نفسها لم تعانق الواقع بعد، لا سيما أنه ليست من مسؤوليتها إدارة أمور الفلسطينيين، فهذا الأمر لم يكن ضمن حسابات الحركة.

    لكن بعد تبوؤها النظام السياسي الفلسطيني، باتت «حماس» التيار الرئيس المتحكم بمفاصل الحركة السياسية الفلسطينية، على الأقل في قطاع غزة، وما يترتب عليه من تحمل أعباء الحكم والسياسة وإدارة الشؤون العامة، باتت «حماس» أداة لمختبرات السياسة وشؤون الحكم. وهكذا تعانقت «حماس» الفكرة مع الزمان وتجسدت في الواقع وباتت ملتحمة بالنسبي متجاوزة المطلق، بما يترتب على هذا التحول من تداعيات كبيرة تنعكس بدورها على «حماس» الفكرة، فتمسي الأخيرة متجاوزة لقناعات الناس السائدة عنها من قبل. وبذا تتبدل الرؤى والأفكار عنها وتبتعد هذه القناعات وتتحول لجهة أخرى قادرة على أن تلبي ما عجزت عنه «حماس» من حاجات إنسانية بحسب متطلبات الواقع وخصوصيته. هذه هي العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان بين الحقيقة والتاريخ بين المطلق والنسبي. هذا هو قانون الجدل.

   وعليه فحين عانقت «حماس» الزمان انتقلت من الفكرة المطلقة التي تحرم التفاوض مع إسرائيل، إلى قبول التفاوض معها، وهو ما بدأت ملامحه من الظهور حيث هناك فتوى دينية أباحت التفاوض مع إسرائيل؛ لأنه من منظور هذه الفتوى " الحمساوية" أنه ليست المشكلة في التفاوض  لكن المشكلة فيمن يتفاوض! السلطة الفلسطينية ليست عندها حصانة "إيمانية" ولا حصانة "وطنية"! أما حركة "حماس" فلديها الحصانتين: الدينية والوطنية. ومن هنا قبلت «حماس» ما كانت ترفضه في الماضي. ليس ذلك فحسب، بل قامت بالاعتداء على جماعة «جند أنصار الله» حين تمردت على سلطة «حماس» ورفضت الانصياع لمطالبها بوقف إطلاق الصواريخ و «المقاومة» فكانت مأساة مروعة. إضافة إلى أنها في حال من التوتر والخلاف مع باقي الحركات الأخرى المقاومة لإسرائيل، فـ «حماس» في حالة حرب ضروس لإقناع هؤلاء بقبول التهدئة على رغم عدم احترام إسرائيل لها، وهو موقف مخالف لمواقف «حماس» في الماضي. ناهيك عن المتطلبات المعيشية لأهالي قطاع غزة.

 إن «حماس» تقترب من طور الشيخوخة وإنها بصدد الدخول في محنة ناتجة عن التحامها في الزمان. وهذا هو مصير الفكر عندما يدخل الزمان، فينتهي بصاحبه إلى فاجعة. و «حماس» دخلت في مرحلة ستخرج منها في حالٍ غير حالها التي كانت عليه في الماضي، وسيؤول مصيرها إلى ما آل إليه غيرها ولكن على أسوأ وبشكل أسرع. وهو ما يمهد الطريق لبروز تيار آخر يقود الحركة الوطنية الفلسطينية مجدداً، يتجاوز سلبيات "حماس".

القضية الفلسطينية الآن

 

بقلم : عياد البطنيجي 

الناشر: مجلة مدارات استراتيجية تصدر عن مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية.

تاريخ النشر: العدد 2، يناير/ فبراير 2010

 

 

alt



من الصعوبة بمكان الإحاطة بقراءة تحليلية لوضع القضية الفلسطينية واستشراف آفاقها المستقبلية عبر هذا المدخل الموجز، دون الأخذ بعين الاعتبار عددا من المتغيرات الداخلية والخارجية التي أثرت في تكوين القضية الفلسطينية، والتي ستؤثر في تطورها. وقبل ذلك حري بنا أن نضع عددا من  المحددات:

 أولها: الفترة الزمنية، فنحن نقدم هذا التحليل في حدود الفترة التي تبوأت فيها حركة حماس النظام السياسي في 25 كانون الثاني/ يناير 2006، حتى كتابة هذا المقال. بالإضافة إلى تقديم رؤية مستقبلية في حدود المستقبل المنظور.

 ثانيها: تعقيد القضية وتشابك  العوامل المحلية والإقليمية والدولية في صياغة معادلتها، في ظل اختلال هائل في موازين القوى يعمل في غير صالح القضية. فضلا عن أزمات عالمية وإقليمية تصرف الانتباه عن الموضوع الفلسطيني كالأزمة المالية العالمية، والأزمة النووية الإيرانية،  وأزمة واشنطن في أفغانستان والعراق. أضف إلى ذلك صعود اليمين الإسرائيلي.

 ثالثها: ضعف النظام الإقليمي العربي. فالمشهد العام لهذا النظام يشير إلى أن آليات العجز داخل النظام قد تكلفت بوأد إمكانات تحقيق نقلة نوعية في أدائه، سواء في شقه الرسمي أو من منظور قوى "الممانعة والمقاومة" وحركة الجماهير العربية. باختصار فهو في عجز مستدام واستحقاقات مؤجلة  .

 رابعها: ضعف العامل الفلسطيني، فهو في أسوء أحوله، ونذكر منه: أزمة نخب سياسية، فهي بدون رؤية وبدون مرجعية وطنية موحدة وبدون برنامج وطني، ضيق وانشطار العقل السياسي الفلسطيني،  فضلا عن الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني، في ظل حصار سياسي واقتصادي.

 أولا، تفكيك المشهد الراهن:

 1.      بعد وصول حركة حماس إلى السلطة في 25 كانون الثاني/ يناير 2006، واستمرارها طوال فترتها الدستورية الكاملة، بل وتجاوز دورتها الانتخابية، إذ إن الاستحقاق الدستوري يفترض إجراء انتخابات تشريعية في 25 كانون الثاني/ يناير2010 ولم يجر هذا الاستحقاق حتى الآن. نقول من الصعب الحديث  عن نجاحات ذات أثر لحركة حماس، فهي لم تتمكن من تحقيق أي من أهدافها بل غيرت الحركة من خطابها السياسي وعلقت المقاومة وبدأت تركز على المقاومة الثقافية باعتبارها لا تقل أهمية عن المقاومة المسلحة حتى تتقرب من المجتمع الدولي. فالحصار والعزل من منظور المجتمع الدولي أتى بنتائجه وروض الحركة وعقلن سلوكها. وهذا يعني أن المجتمع الدولي سوف يستمر بسياسته هذه تجاه الحركة وستزداد ثقلا طالما أن الضغوط تؤتي أكلها، لذا فإن المقاومة سوف تبقى معلقة إلى أمدٍ غير معلوم.

   وليس من السهل أن تصبح الحركة جزءا من النظام السياسي الفلسطيني؛ ذلك لأنها محكومة برؤيتها الإستراتيجية التي ترمي إلى تحقيق مشروع الإسلام السياسي ليس في فلسطين فحسب بل في البلدان العربية الأخرى ضمن إستراتيجية الحركة الأم : الأخوان المسلمين. وتشير التقارير بان الإدارة الأمريكية بصدد تشكيل شبكات من الإسلاميين المعتدلين من أجل مواجهة المتطرفين الإسلاميين حفاظا على مصالحها في المنطقة، وهو ما ينبئ عن استعداد واشنطن للاعتراف بالإسلام السياسي المعتدل. وهذا ما تراهن عليه حماس في إبقاء سيطرتها المنفردة على قطاع غزة، تمهيدا للاعتراف بها كحركة بديلة عن السلطة والمنظمة معا، لتمسي عنوان القضية الفلسطينية.

 من الثابت أن ظهور الإسلام السياسي جاء مع انهيار الحركة الوطنية، وبالتالي فان مقومات انتشاره لا تزال موجودة، ويبقى المتغير الخارجي هو المتغير الوحيد الذي يمنع وصول هذه الحركات إلى سدة الحكم، وإذا تم الاعتراف بها ستكون الفاعل الوحيد ليس فحسب في فلسطين بل في المنطقة العربية. هذا الاحتمال وارد في المستقبل وبخاصة أن واشنطن لا تمانع من الاعتراف بدور الإسلام السياسي المعتدل كما سبق الإشارة. إن بداية تحقيق هذا السيناريو هو إدخال حماس في النظام السياسي بعد الموافقة الإسرائيلية والأمريكية، لدفع الإسلام السياسي في المنطقة من الاعتراف بإسرائيل من البوابة الفلسطينية، بعد أن أقرت القوى الأخرى بهذا الوجود ولم يبق الممانع سوى الإسلام السياسي. قد يكون الصعود التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي،  ودخوله على خط الصراع العربي- الإسرائيلي والمُعترف بإسرائيل مشجعا على ذلك.

 2.     بعد عقدها مؤتمرها السادس لا تزال حركة فتح بثوبها القديم؛ فلم تُجـر الحركة إعادة قراءة لمسيرتها السياسية وبخاصة مسيرة التسوية بعد وصولها إلى طريق مسدود، ويُخشى أن لا يكون في وسع النخبة السياسية "الجديدة" أن تقدم جوابا سياسيا عن المسألة الوطنية. الهاجس الذي يؤرق حقيقة هو أن لا يكون بوسعها الصمود أمام الضغوط الإسرائيلية، وأمام تراجع الإدارة الأمريكية على الضغط على الحكومة الإسرائيلية، أن تقدم التنازلات في الملفات العالقة أمام صعود قضايا دولية وإقليمية أخذت تجذب الاهتمام إليها على حساب المسألة الفلسطينية.

  وفي ظل البيئة النفسية، أي مجموعة المدركات والتمثلات التي تهيمن على النخب السياسية الفلسطينية وبخاصة حركتي فتح وحماس، غير المؤازرة لسلوك الديمقراطي ولا للمصالحة الوطنية، فالتخوين والإقصاء وشخصنه النزاع، هذا الخطاب ما انفك يهيمن على عقليتي فتح وحماس. نقول في ظل هذه البيئة النفسية معطوفة على جملة من الضغط الدولي والانقسام العربي؛ كل هذا أدي إلى فشل الحوار بين حركتي فتح وحماس. ولا يبدو في الأفق ما يشي بإمكان إنجاز المصالحة في المستقبل المنظور.

   وبالتالي، فإن حركة التحرر الوطني الفلسطيني وصلت إلى مأزق عميق تتجلى ملامحه في فشل نهج التسوية من ناحية، وعدم قدرة نهج المقاومة والممانعة من تحقيق نتائج ملموسة، في ظل طغيان العوامل الخارجية، والعجز عن التكيف مع البيئة الدولية؛  كل ذلك يرتد إلى صراع داخلي. هذا المأزق حرف بوصلة الصراع إما باتجاه صراع داخلي، وإما بتوجيه أنظار الفلسطينيين إلى مصر وتحميل الأخيرة الحصار حتى لا تُجبر حماس من التعامل المباشر مع إسرائيل وإراحة الأخيرة من مسؤولية الحصار.

 3.  يمثل تحول المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين ضربة قاصمة لمشروع السلام. فتشير استطلاعات الرأي أن أغلبية المجتمع الإسرائيلي يرفض إعطاء دولة للفلسطينيين، وثمة قناعة راسخة بأن كيانا فلسطينيا سوف يشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل ويعزز مقاومة الفلسطينيين وصمودهم. وثمة قناعة أخرى لدى النخبة السياسية الإسرائيلية بأنه لا سبيل إلى العودة للخيارات القديمة، أي لا للدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران، ولا تنازل عن القدس فستبقى الأخيرة عاصمة أبدية لإسرائيل، ولا لمشروع الكونفدرالية بين الفلسطينيين والأردن. كل ما هو مطروح الآن لا يخرج عن طرح الدولة ذات الحدود المؤقتة بعد قضم المستوطنات للأراضي في الضفة واستمرار بناء الجدار الفاصل. إذن كل ما يتبقى هو مجموعة من الأراضي التي تفصل بينها المستوطنات الإسرائيلية، ولا يربط بينها أي رابط.

 4.  شكل مجيء إدارة أمريكية جديدة عقب دخول باراك اوباما البيت الأبيض مصدر تفاؤل راهن عليه الكثيرون في دفع مسيرة التسوية إلى الإمام ورفدها بمقومات الحياة حتى لا تذبل وللحيلولة دون حصول فوضى لا يمكن السيطرة عليها. بيد أن بعد مرور عام على اوباما لم ينجح في الضغط على إسرائيل لوقف بناء المستوطنات، دع عنك تحقيق السلام. وتحاول الإدارة الأمريكية عبثا إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين بالعودة إلى المفاوضات المجمدة منذ عام. ولا تزال الفجوة بينهما شاسعة. وفي مقابلة نشرتها مجلة "تايم" الأمريكية، قال الرئيس الأمريكي إنه بالغ في تقدير فرص السلام في الشرق الأوسط، وهو ما يعني عجز "الوسيط" الأمريكي عن إحياء عملية السلام والضغط على الجانب الإسرائيلي في تقديم استحقاقات التسوية. ناهيك عن إغفاله في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونجرس في 27 كانون الثاني/ يناير الماضي،  للقضية الفلسطينية، وثمة رفض قاطع من اليمين الإسرائيلي من قبول نهج اوباما؛ لأنه لن ينجح مع الفلسطينيين ولا مع العرب ولا مع إيران ولا مع روسيا ولا مع الصين. وهو مؤشر صارخ على عقلية القوة والهيمنة كأسلوب وحيد لإدارة الصراع. وجدير بالذكر أن علم السياسة الإسرائيلي ينطلق من منظور إدارة الصراع وليس حله. وقد عبر عن ذلك مناحيم بيجن في كتابة" الثورة: قصة الارجون": "ستستمر الحرب بيننا وبينهم[العرب] حتى ولو وقع العرب معنا معاهدة صلح".   

 5. منذ تشكيل جامعة الدول العربية والوضع العربي في حالة انقسام متعدد، بما في ذلك تشكيل محاور متصارعة كل محور في مواجهة المحور الآخر، واستمرار حالة التجزئة،  وتنافس على القيادة والزعامة، واستمرار الإستراتيجية الدولية المتعارضة مع مصلحة الوحدة العربية، وما يتولد عن هذه الإستراتيجية من تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ وسيطرة بما يضعف التضامن العربي- العربي إزاء القضايا المصيرية ولاسيما القضية الفلسطينية، بما يعني استمرار العجز العربي بما يضعف قدرة الأنظمة العربية من تحقيق الطموحات الفلسطينية بسبب المحددات والسقوف المنخفضة لحرية الحركة. وعليه لم يعد احد يراهن على الحالة العربية الراهنة لتكون رافعة للموقف الفلسطيني.

 

 

 

 

 

ثانيا، تركيب المشهد: 

 في ظل هذه المعطيات البنيوية، تكون صورة الوضع أكثر قتامة من ذي قبل، وستزداد الأمور قتامة أمام المنحنى التراجعي الذي دخلته القضية الفلسطينية، ومست مفاعيله الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحولت من "حركة تضحية ومقاومة إلى حركة تسوية ومساومة".

 وفي المحصلة لا يبدو في الأفق بصيص أمل في تحقيق حل عادل للقضية، ولا يبدو أن الحركة الوطنية الفلسطينية، بخياراتها الراهنة، قادرة على طرح مقاربة جديدة لتفادي حالة التراجع هذه. وحتى الترتيبات التي دشنت منذ اتفاقية كامب ديفيد مرورا باتفاق أوسلو ووادي عربية والقرارات الدولية ذات الصلة وانتهاء برؤية بوش وخارطة الطريق، فقد رتبت أوضاعا قلقة، وهو ما ينبئ بفصل جديد من العنف والتوتر.

 وحتى إن تحققت المصالحة العربية والفلسطينية–رغم أهميته – لن يُحقق الطموحات الفلسطينية كاملة؛ لأن ثمة عاملا خارجيا ما يزال طاغيا وفاعلا في تشكيل الحالة العربية والفلسطينية معا. إن المصالحة العربية والفلسطينية تشكل عاملا مهما في منع منحنى التدهور والانهيار على مستوى القضية، وتشكل رافعة قوية فضلا عن أنها ترفد السياسية الفلسطينية وتمنحها المناعة والحصانة الذاتية بما يضمن تجاوز حالة الانقسام. وما يدفع نحو الحصول على الحقوق الفلسطينية هو مساحة معينة من الصيغ والشروط السياسية التوافقية بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية، أي بين صياغة يتفق عليها الإسرائيليون والأمريكيون والعرب والقيادة الفلسطينية. دون أن يعني ذلك  انسجاما أو توافقا كليا بينهما، بل بما يضمن تحقيق المصالح المشتركة. ولا يبدو في الأفق ما يشي بهذه الصياغة التوافقية.

 المطلوب فلسطينا في ظل هذه المعطيات القاتمة، هو المحافظة على الانجازات الوطنية ومنع تدهور الأوضاع والنكوص إلى نقطة الصفر  أو المربع الأول، من خلال إطلاق حوار وطني حقيقي بين فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، حول مستقبل هذه الحركة، في ضوء مكتسباتها وإخفاقاتها السابقة، وضرورة انجاز عقد اجتماعي وسياسي وطني يشكل مرجعية للفلسطينيين لصون انجازات الثورة من التبديد، واستعادة منظمة التحرير، والتحرر من العقلية الحزبية الضيقة باتجاه عقل سياسي مستنير ومنفتح ومركب، وتطوير أساليب نضالية وطنية وتكييفها مع التطورات والحقائق الإقليمية والدولية الجديدة.

 ختاما: رغم كل ملامح هذا المشهد القاتم الذي يعكسها هذا التحليل، تبقى ثمة حقائق لا يمكن إنكارها قد تصل بنا إلى استنتاجات مختلفة، وهو سياق صمود الشعب الفلسطيني البطولي، الأمر الذي من شأنه أن يغير أبعاد المعادلة الدولية التي تدفع نحو الانزلاق باتجاه استسلامي ليس من بعده نهوض قريب. وعليه لا سبيل آخر غير بناء المقومات الذاتية، وتمتين الوحدة الوطنية، والقطيعة مع العقل الحزبي الضيق، وإلا سوف يستمر الحال السياسي في التدهور والانزلاق.

 

العلاقات الإيرانية – الأمريكية اللاتينية

 

 

 

بقلم : عياد البطنيجي 

الناشر: مجلة شؤون الأوسط، العدد 133، صيف/خريف 2009. مجلة محكمة فصلية تصدر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، تعنى  بالاستراتيجيات الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط.

 


alt

alt

 

 
تعمل إيران على تعزيز علاقاتها التجارية والعسكرية وتوطيد التعاون المشترك على أصعدة متعددة مع عدد من الدول اللاتينية في طليعتها فنزويلا وبوليفيا ونيكاراجوا والإكوادور. حيث إن تطوير وتفعيل التعاون الإيراني مع هذه الدول أمسيا من أولويات السياسة الخارجية الإيرانية، بغية تشكيل تحالف سياسي مضاد للهيمنة الأمريكية.  هذا التحالف، الذي يقع ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية، يضم إيران وعددا من دول أمريكا اللاتينية، وبخاصة مع قيادات اليسار الجديد المناهض للعولمة، وسياسات الليبرالية الجديدة، والرأسمالية المتوحشة.

 يثير التقارب الإيراني مع المنظومة اللاتينية استياء ومخاوف أركان الإدارة الأمريكية والإسرائيلية. فحصول إيران على الدعم الدبلوماسي من هذه الزعامات السياسية اليسارية التي وصلت إلى سدة الحكم في أمريكا اللاتينية، خلال السنوات القليلة الماضية،  يشكل رافعةً سياسيةً ودبلوماسيةً لطهران فيما يخص المسألة النووية فضلا عن الطاقة. زد على ذلك، إن هذا التقارب يعتبر كسرا لمساعي العزلة الدولية التي ترمى الولايات المتحدة والدول الغربية من ورائها إلى إجبار إيران على وقف تخصيب اليورانيوم. لذا فهو من المنظار الأمريكي يشكل تحديا سافرا لسياستها هذه.

والحقيقة ليس التقارب الإيراني مع الدول اللاتينية هو فقط ما يثير المخاوف الأمريكية والإسرائيلية، بل يمكن القول إن حركية ونشاط السياسية الخارجية الإيرانية في هذه الغضون يؤرق واشنطن وتل أبيب معا، فكلاهما يعمل على مراقبة ورصد سياسة إيران الخارجية ودبلوماسيتها في شكل كبير جدا، وكلاهما يرصد موازنات ضخمة لهذا العمل.

هذا التطور الجديد في العلاقات بين إيران ومنظومة الدول اللاتينية، جعل الولايات المتحدة وإسرائيل تدقان ناقوس الخطر، ولا تترددان في التحذير العلني مما يعتبره الجانبان "الغزو الإيراني لأمريكا اللاتينية".

 ومن المقرر أن يزور ليبرمان أميركا اللاتينية وأفريقيا أيضا في إطار «حملته الدبلوماسية للتصدي لتنامي نفوذ إيران». ويعتزم  نائب وزير الخارجية، داني ايالون، بالتوجه إلى واشنطن لإجراء محادثات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية بغرض محاربة النفوذ الإيراني الذي يزداد باضطراد. وحتى وزير الخارجية الإسرائيلية الجديد، أفيغدور ليبرمان، "فقد دق ناقوس الخطر في وزارة الخارجية حينما طلب من موظفي الوزارة التركيز أكثر على تعميق وتوطيد الصلات والعلاقات المثمرة مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب تحولهما إلى مناطق صديقة لإيران". لذا، يعكف مكتبه حاليا على إعداد خطة شاملة من خلال تجميع ملفات كاملة عن عدد من الدول التي سوف تشملها جولات ليبرمان القادمة، لإمكانية إقناعها بما تقوم به إسرائيل ضد طهران، ومن ثم الحصول على تأييدها بطرق مختلفة، تبدأ من إبرام صفقات سياسية إلى عرض مساعدات إسرائيلية في مجالات مختلفة، بحسب ظروف كل دولة، والهدف الوحيد من ذلك هو الحصول على موقف داعم للسياسة الإسرائيلية ضد البرنامج النووي الإيراني، والذي تراه إسرائيل موجها ضدها في المقام الأول.

    ويبدو أن التحفظات والمخاوف الأمريكية مفهومة بحكم ضغوط الجغرافيا السياسية، لاسيما وأن التمدد الإيراني يقع في الحديقة الخلفية والمجال الحيوي التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية، وفي خاصرتها التي تكنّ لها مشاعر الغضب والكره والإحباط الذي يسود دول أمريكيا اللاتينية جراء سياسات واشنطن إزاء هذه البلدان التي ما فتئت واشنطن تتعامل معها باستغلال وعنصرية واستعلائية.

   إن عامل الجغرافيا السياسية الذي يثير مخاوف واشنطن هو نفسه يثير مخاوف تل أبيب. فالمسافة بين إسرائيل وإيران 1200 كم2 تقريبا، والهواجس التي تؤرق العقل الاستراتيجي الإسرائيلي تتجسد فيما كشفته وثيقة رسمية إسرائيلية نشرت في    27  أيار / مايو 2009، إذ يشتبه بأن فنزويلا وبوليفيا زودتا إيران باليورانيوم، ومن هنا تأتي ضغوط وكثافة عامل الجغرافيا السياسية. ولكن هل هذا هو العامل الوحيد والمحدد للسياسة الإيرانية تجاه بلدان أمريكيا اللاتينية، أي الحصول على اليورانيوم، أم هناك عوامل أخرى ؟ وهل المخاوف الإسرائيلية محصورة فقط بالجانب النووي، أم أن للمسألة جونب أخرى؟

   يمكن  القول إن السياسة الخارجية الإيرانية تتشكل بعدة محددات، تلعب دورا في تشكيلها واتخاذها هذا المنحى وذاك الشكل. فثمة محددات تنبع من البيئة الإقليمية، وأخرى تنبع من البيئة الدولية، وثمة محددات تنبع من الايدولوجيا، والقيادة، والمصلحة القومية التي تؤثر في عملية صنع السياسة الخارجية. وهنا نطرح التساؤلات الآتية نحاول الإجابة عنها في هذا المقال، وهي: ما هي  المحددات الرئيسية في توجيه السياسة الإيرانية تجاه منظومة الدول اللاتينية؟

    لعبة القط والفأر

   لا شك في أن إيران لم تَعُد دولة عادية كباقي دول العالم، لكنها أمست قوة إقليمية لا يستهان بها، وأمست دولة مثيرة للجدل بسياساتها الخارجية وكثافة هذه الأخيرة، وبخاصة أن طهران لم تَعُد تكتفي بمحيطها الإقليمي، بل صارت تسعى لتوطيد علاقاتها مع كل دول العالم، وفي شتى أرجاء الأرض.

 

وفي ضوء هذه الرؤية،  استطاعت إيران أن تنشئ منظومة علاقات دولية في عدة دول مهمة ومحورية في نظام السياسية الخارجية لواشنطن وتل أبيب: فثمة تنافس بين هذه الأطراف الثلاث (إيران، أمريكا وإسرائيل)  في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، حيث تظهر طهران كمنافس  على خط النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في هذه الجمهوريات الغنية والقابعة على ثروات هائلة. فكل من واشنطن وتل أبيب تعملان على الحيلولة دون سقوط هذه الجمهوريات الناشئة على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق  في يد طهران، ومنع تمدد النفوذ الإيراني هناك. وبالتالي، فمقابل الحضور الأمريكي القوي، نجد أيضا حضورا إيرانيا منافسا وقويا يتحدى نفوذ كلا من واشنطن وتل أبيب.

 

فالتنسيق العسكري والاستخباراتي الأميركي - الإسرائيلي يبدو جلياً في بعض بلدان آسيا الوسطى ضمن النشاط المضاد ليس فقط  لإيران بل أيضا لروسيا والصين. فإسرائيل مثلا تتمتع بعلاقات متينة ووثيقة بأذريبجان وأوربكستان، وجورجيا وتركمنستان، كمنافس لإيران في هذه الدول ودول أخرى تقع ضمن أسيا الوسطي، لأهداف إستراتيجية بالطبع.

 

  وثمة تنافس آخر  في أفريقا، فإيران  تقوم بتحركات واسعة في القارة الأفريقية بما في ذلك دول حوض النيل، وذلك علي المستوي الثقافي والاقتصادي والسياسي، وهي تسعي لإقامة بعض التكتلات مثل التكتل الأفريقي الآسيوي، كما أن هناك تحركاتٍ إيرانيةً للعب دور محوري في أفريقيا من خلال بعض الدول مثل زيمبابوي.

وكذلك الحال مع إسرائيل، إذ تشكل أفريقيا مجالاً حيوياً لها من الناحية الإستراتيجية، فالدراسات تشير إلى أن هناك أهدافا قديمة للإسرائيليين في أفريقيا وتركز معظمها في إيجاد بيئة محيطة ببيئة الوجود لإسرائيل تضمن هذا الوجود وتدعمه، هذا التواجد الإسرائيلي قد يكون معيناً لا ينضب لما للقارة الأفريقية من مزايا إستراتيجية وثروات طبيعية. لذا، فإسرائيل تتابع بكل قلق تزايد النفوذ الإيراني على مقربة منها ومن الطرق البحرية المؤدية إلى ميناء إيلات، وتحديدا في الدول المشاطئة للبحر الأحمر.

وتحاول  إيران وإسرائيل  أن تفرضا هيمنة سياسية واستخباراتية على أفريقيا، وخصوصا  الساحل الشرقي لأفريقيا المطل على البحر الأحمر عبر بوابة اريتريا. وقس على ذلك في كلٍ من العراق وأفغانستان وغيرها من الدول التي تشهد منافسة إسرائيلية-أمريكية مع إيران.

   يبدو من هذا العرض أن ثمة قاعدةً تجرى عليها الأطراف الثلاثة، وهي: فأينما وجدت مواطئ الأقدام الإسرائيلية والأمريكية، لابد من أن يكون ثمة مواطئ للأقدام الإيرانية. العكس أيضا صحيح، أي أينما وجدت إيران يجب أن توجد إسرائيل وأمريكا. ومن هنا توضح لنا هذه القاعدة دوافع السياسية الخارجية الإيرانية تجاه المنظومة اللاتينية: تحدي الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، بغية خلق نقاط للتنافس مع كليهما (أمريكا وإسرائيل) يمكن استغلالها إما في اتجاه الحرب أو اتجاه التسوية.

  نحن إذن أمام لعبة قط وفأر. ومن هنا، ليس غريبا أن تنتقل المنافسة بين هذه الأطراف في إطار منظومة دول أمريكا اللاتينية. فما يحدد علاقة طهران بهذه الدول هو علاقة هذه الأخيرة بما تسميه طهران بقوى الاستكبار العالمي وأعداء الجمهورية الإسلامية، ومواقف الدول من جمهورية إيران الإسلامية، وهذا أصل من أصول السياسة الخارجية لإيران.

 وإيران تستغل في شكل كبير مشاعر الغضب والإحباط السائدة في أوساط الشعوب اللاتينية من جراء السياسات الأمريكية إزاء هذه البلدان، والاستغلال الاقتصادي والسياسي الذي وقع عليها تاريخيا بفعل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فضلا عن الاختراق المخابراتي والانقلاب على الأنظمة المناهضة لواشنطن، كل ذلك كان سببا في بروز ظاهرة اليسار الجديد الناقم على واشنطن وسياساتها، مما أدى إلى ظهور صداقات وتحالفات بين هذه الدول وإيران. ولعلها ليست مصادفة أن التقارب هذا يرجع إلى تشابه المعاناة ونفسها والظروف التي تكبدتها إيران بفعل سياسات واشنطن وغيرها من الدول الأجنبية، فظروف الاستغلال، والاستعلاء، والتدخل، والحصار، وإتباع استراتيجي فرض العزلة على دول أمريكا اللاتينية هي الظروف  نفسها التي تعرضت لها طهران من قِبل الدولة نفسها: أمريكا.

  لا شك أن طهران في سعيها لتنمية علاقاتها  بالدول اللاتينية لا تبدأ من فراغ، فهناك تعاون بالفعل في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والفنية والعلمية والثقافية والاقتصادية، وهو تعاون له تاريخ، إلا أنه أخذ زخما في الأونة الأخيرة، وخصوصا بعد بروز اليسار الجديد، وأزمة الملف النووي الإيراني، وحرب أفغانستان والعراق.

إذن هناك رغبة لدى  هذه الدول في التعاون وتوطيد العلاقة مع إيران، تتمثل في   الاستفادة من الخبرة الإيرانية في قطاع التكنولوجيا، والنفط، ومجال صيانة معامل تكرير النفط، إضافة إلى الخبرة الإيرانية في مجال الاستكشافات البترولية، واستغلال الإمكانات البتروكيماوية والغاز، وأيضًا الاستفادة من قدرة إيران المتطورة في مجال الدفاع والاستخدامات العسكرية.

دوافع السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول أمريكا اللاتينية

 

  التوجه الإيراني نحو دول أمريكا اللاتينية يأتي في سياق التحول في أهداف السياسة الخارجية الإيرانية، من مجرد محاولة مواجهة الظروف المحلية الطارئة وتلبية الاحتياجات في ظل معطيات الوضع القائم، إلى محاولة التعرف على المناخ الدولي المحيط وتهيئته بما يحقق أكبر قدر ممكن من المصالح الإيرانية، أي الانتقال من التسليم بالواقع إلى تغييره بما يخدم المصالح الإيرانية. وما شجع إيران على ذلك هو مأزق الإمبراطورية الأمريكية، وما رتبت له سياسات إدارة بوش إلى حد كبير من تحول إيران إلى لاعب أساسي، فضلا عن الحنكة والذكاء الذي تتمتع به القيادة الإيرانية التي استفادت بالفعل من الوضع القائم وخصوصا  أخطاء واشنطن. وبالرغم من أن  هذا الهدف يتجاوز القدرات والإمكانات الإيرانية، إلا أن إيران لا تكل ولا تمل من محاولة استغلال الثغر في النسق الدولي لخدمة إستراتيجيتها الشاملة، وإن عجزت عن تغييره فيكفيها الحفاظ على الذات، وخضوضا  في حالة الضعف بغية عدم تضييع انجازات الثورة، أي الانتقال من إستراتيجية الهجوم في حالة القوة إلى إستراتيجية الدفاع في حالة الضعف، وهكذا دواليك.

   إن أبرز سمة من سمات الموقف الإيراني من النسق الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، هي رفض الاعتراف بالتحول المثير في النظام الدولي لمصلحة أمريكا. فطهران ترى  أن النظام الدولي القائم على مبدأ الأحادية القطبية الذي يعكس التفرد وغطرسة القوة التي تنتهجها واشنطن يلحق بها أضرارًا بالغة ويهدد مصالحها القومية، ومن هنا ما فتئت طهران تسعى إلى بلورة  اتجاه يكرس التعددية القطبية، ومن ثَم فإنها ترفض الاعتراف بتفوق الولايات المتحدة الأمريكية عالميا وترفض تكييف سياستها على هذا الأساس.

 وفي ضوء ذلك، ترفض إيران النظام القائم المهيمن عليه أمريكيا، لذا فرضت هذه الأخيرة  حصارا اقتصاديا وسياسيا على إيران، هذا فضلا عن الطوق الأمريكي الملتف كالثعبان حول إيران. ومن هنا، ما فتئت إيران تبحث عن كل منطقة وكل ثغرة تسمح لها بأن تواجه الحصار الغربي والأمريكي بخاصة.ومن هنا أيضا سعت إيران مع أطراف دولية رئيسية ولاسيما الصين وروسيا ودول أمريكا اللاتينية بغية تخفيف الآثار السلبية للنفوذ الأمريكي على أمنها واقتصادها، أملا في أن تحول دون تعزيز قيام نسق دولي أحادي القطبية يقوم على التفوق العسكري والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية. وفي ضوء هذه الرؤية، دعا علي أكبر هاشمي رفسنجاني الصين والهند بالعمل سويا إذ قال لهما: " إذا عملنا معا فسيكون لنا القول الفصل في القضايا الدولية".

 واضح من هذا السياق أن متغير البيئة الدولية، أي ما يشكله التحدي الأمريكي لإيران، أحد المتغيرات الرئيسية في توجيه سياسة إيران الخارجية. وما محاولة إيران في منافسة واشنطن على النفوذ في أمريكا اللاتينية إلا ضمن هذا الإطار من المناكفة والتحدي لسياسة واشنطن ورفض الاعتراف بانفرادها كقوة عظمى.

 وهكذا،  أمسى الصراع الأمريكي- الإيراني على مناطق النفوذ اللاتينية لعبة صفرية، أي أن أي مكاسب إيرانية أو حتى روسية أو صينية في هذه المنطقة القريبة من البوابات الجنوبية لأمريكا، يعد بمثابة خسارة فادحة لأمريكا. وكلا الطرفين(إيران، ودول أمريكا اللاتينية) أيضًا يعانيان من تربص الدول الكبرى بهما وبثرواتهما، ويسعيان من أجل اللحاق بالعالم الأول والتغلب على المشكلات التي تعوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما دفع الطرفان إلى التعاون، وقد علت أصوات بالفعل من قِبل كلا الطرفين تطالب بــالتقارب مع بعضهما على اعتبار أن التعاون المتبادل سيسمح للطرفين بتشكيل جبهة في وجه العدو المشترك: أمريكا.

أهداف أخرى

 

من المنظور الإيراني، نجد بالإضافة للبحث عن قوى موازنة جديدة،  ثمة أهداف أخرى تتمثل في التالي:

 

1.  أهداف سياسية: تسعى إيران لنهج إستراتيجية توسيع دائرة الدول الصديقة، وتضييق دائرة الدول الأعداء. وبالتالي تتمثل  الدوافع السياسية في رغبتها في كسب تأييد دول أمريكا اللاتينية للمواقف الإيرانية في المحافل الدولية، وبخاصة أحقيتها في امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية. وتجدر الإشارة في هذا السياق، أن كوبا وفنزويلا كانتا من طليعة الدول التي صوتت بالرفض على قرار مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي كان يهدف إلى تحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، مؤخراً. وهذا ما  يعطي إيران مساندة وسط المعركة التي تختمر داخل الوكالة بشأن مصير مشروعاتها النووية .

    أضف إلى ذلك، رغبة طهران في القيام بدور يتجاوز الإطار القومي، بل حتى الإقليمي للبحث عن دور دولي مستقبلي، الأمر الذي يساعدها على امتلاك العديد من الأدوات التي تمكنها من المساومة في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة والملحّة عبر بناء عدة محاور وتكتلات مناوئة لواشنطن وترفض انفرادها وهيمنتها على النسق الدولي، بغية إعادة تشكيل توازنات القوى بما يساعد على بزوغ نسق  دولي جديد متعدد القطب تكون فيه إيران قطبا يحسب له الحساب. فضلا عن ذلك، إن إيران تسعى من وراء توطيد علاقاتها مع منظومة الدول اللاتينية إلى استبدال علاقات بعض هذه الدول مع إسرائيل وواشنطن وربط سياساتها بطهران، وهو ما يعد استفزازا وتحديا لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

2.  أهداف اقتصادية: لطهران أهداف اقتصادية من وراء تعاونها مع منظومة الدول اللاتينية، ومن بينها ، الحفاظ على علاقاتها بدول لاتينية فاعلة في منظمة الدول المنتجة للنفط ( أوبك) كـ فنزويلا التي تكاد تكون مواقفها متطابقة ومواقف طهران في كثيرٍ من الأمورِ، كل ذلك بغية التحكم في أسعار النفط  وتوزيع الحصص ورفع الإنتاج أو تخفيضه. زد على ذلك هدف تفعيل منظمة أوبك لتعبّر قراراتها عن الدول المنتجة وليس المستهلكة للنفط، حتى تمسي سياسة هذه الدول متطابقة وسياسة طهران. بالإضافة إلى رغبة طهران في الوقت ذاته في الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات اللاتينية إليها، وتعزيز التبادل التجاري والاتفاق على التنسيق في استكشاف الموارد الاقتصادية، فضلا عن ذلك، فإن دول أمريكا اللاتينية تعتبر سوقا مواتية لتسويق المنتجات الإيرانية.

  عراقيل وتحديات

   ليس معنى ذلك أن الطريق ممهد بشكل كامل أمام نمو العلاقات الإيرانية مع منظومة دول أمريكا اللاتينية، والتوجه الإيراني نحو  تشكيل تحالف وتكتل مع هذه المنظومة بغية إحداث صدع في النظام الدولي القائم لصالح إيران. فثمة العديد من العراقيل والتحديات التي تواجه الهدف الإيراني هذا، وخصوصا في ظل الأوضاع  الدولية القائمة. فبالرغم من  المساعي الإيرانية للتغلغل وتفعيل تواجدها في العديد من مناطق العالم ليس أمرًا جديدًا، إلا أنه بات أكثر حساسية ليس بالنسبة لأعداء إيران التقليديين(إسرائيل وأمريكا) فحسب، ولكن أيضًا بالنسبة إلى العديد من القوى الدولية والإقليمية التي أمست تخشى على مصالحها من جراء تمدد النفوذ الإيراني، مثل الصين والهند والعديد من الدول العربية والأوربية، وهذه الدول باتت تتوجس من جراء النشاط المتزايد للسياسة الخارجة الإيرانية، وهذا يعني أن هذه الدول لن تترك الساحة الدولية لإيران فارغة لكي تصول وتجول بها، لأن لهذه الدول مصالحها السياسية والاقتصادية وارتباطاتها الدولية. وبالتالي لا يمكن لواشنطن أن تقبل بالنشاط المتزايد لإيران ضمن مجالها الحيوي، وهي بالتأكيد سوف تحول دون ذلك، من خلال أساليبها المتعددة، فلواشنطن خبرة كبيرة في التعامل مع هذه البلدان القابعة جنوبها وضمن مجالها الحيوي، وهو ما يعني أن مسرح التنافس سوف يتزايد على هذه المنطقة: أمريكيا اللاتينية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أن هدف إيران المتمثل بإيجاد نظام دولي متعدد الأقطاب، وأن تكون إيران قطبا دوليا فاعلا في إطاره، في الحقيقة إن هذا الهدف يتجاوز الإمكانات والقدرات الإيرانية، وخصوصا إذا أدركنا أن الاقتصاد الإيراني يعاني من نقاطِ ضعفٍ كثيرة، بالإضافة إلى تدهور أسعار النفط في الآونة الأخيرة وتأثير ذلك على الاقتصاد الإيراني، ومن ثم في سياستها الخارجية. وهو ما يعني أن مساعي إيران لتعميق تحالفاتها مع الصين والهند ودول أمريكا اللاتينية وأسيا الوسطى بالإضافة إلى أفريقيا، كل ذلك ليس أمراً سهلا. فمثلا لا يمكن للصين والهند أن تضحيا بعلاقاتهما مع واشنطن من أجل سواد عيون إيران، فكل من الهند والصين يقدران السوق الأمريكية الضخمة بالنسبة إلى صادراتهما وأهمية رأس المال والتقنية الأمريكيين لنموهما الاقتصادي، لذلك فالصين والهند غير مستعدتين للتضحية بهذه المزايا لمجرد الوقوف في وجه واشنطن، ولو كانت السوق الإيرانية تعادل ثلث حجم السوق الأمريكية، وكانت الموارد المالية والتقنية التي تحتاجهما كلا من الصين والهند، لكان هناك احتمالٌ أن يغري ذلك الصين والهند بالانضمام إلى إيران في تحالفٍ مضادٍ لواشنطن،  وقس على ذلك باقي الدول.

خلاصة القول،  إن السياسة الخارجية الإيرانية تحاول في الآونة الأخيرة فتح المزيد من دوائر التعاون مع دول وتكتلات عديدة، سواء أكانت إفريقية أم عربية وخليجية أم لاتينية وغيرها، وأن هذا النشاط يسير بالتوازي مع الضغوط الغربية والأمريكية وخصوصا بسبب برنامجها النووي. إذ تهدف التحركات الإيرانية إلى كسب مزيد من التأييد الدولي لمواقفها، وكسر طوق العزلة المضروب عليها،فضلا عن تحدي ومنافسة واشنطن. وهذا ما أعطى العلاقات الإيرانية مع المنظومة اللاتينية في الأعوام الأخيرة زخما ملحوظاً في ظل التطورات الراهنة التي يشهدها العالم، وخصوصا صعود اليسار اللاتيني وتقارب وجهات النظر بين هذا الأخير وإيران فيما يخص النظام الدولي الرأسمالي، ومن هنا يأتي توطيد العلاقات بينهما بمثابة رسالة إيرانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية مفادها أن إيران لديها القدرة على الانفتاح على العالم لتغيير الصورة النمطية عنها، والتي تصفها دائمًا بالتشدد، ولديها القدرة  على تحدي الهيمنة الأمريكية ومنافستها في عقر دارها: أمريكيا اللاتينية.

  وبالرغم أن التعاون الاقتصادي والتجاري واضح في العلاقات الإيرانية- اللاتينية، إلا أن هذا العامل الاقتصادي ليس هو العامل الأهم، فهذه الدول سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية التقنية ليست بذات فائدة قصوى لإيران. بمعنى آخر أن المتغير الاقتصادي ما هو إلا متغير تابع لمتغيرين رئيسيين؛ وهما المتغير الإيديولوجي والسياسي.  فهذه العلاقة هي لأسباب إيديولوجية وسياسية، لأن طهران في حالة حرب باردة مع واشنطن. لذا تجدها تسعى للاستفادة من أقصى قدراتها وتبذل طاقاتها الاقتصادية في أن يكون لها أصدقاء سياسيون في أمريكا اللاتينية والعديد من الدول؛ بغرض تحدي ومنافسة الهيمنة الأمريكية. بالإضافة إلى غرض الاستفادة من نفوذهم أو مكانتهم وتواجدهم في أماكن مثل مجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وباقي المحافل الدولية  الأخرى، بغية التصدي للسياسات الأمريكية الموجه ضد  إيران.

 وفي الحقيقة، إن إيران تسعى للخروج من عزلتها السياسية والدبلوماسية بمحاولتها الانتصار بشكل ما على هذه العزلة المفروضة عليها من قبل واشنطن، وهذا  يشكل تحديا  للهيمنة الأمريكية ومنافستها حيث  وجدت. ولهذا السبب سعت إيران إلى إقامة وتوسيع العلاقات مع المنظومة اللاتينية، كرسالة وتحدٍ سافر للإدارة الأمريكية وهيمنتها، وبأن إيران قادرة على تحدي واشنطن، وهي  قادرة أيضا على أن تصل إلى العمق الأمريكي، ولف طوق سياسي وأمني حولها كما تفعل واشنطن مع إيران، في إشارة إيرانية مبطنة تدلل على المساواة والندية مع واشنطن، وهي انعكاسٌ لنظرة إيران لذاتها وقيمتها الحضارية المفعمة بتقدير الذات وتضخيمها. وهي لذلك ( إيران) قادرة على أن تلعب دورا ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية: أمريكا اللاتينية.

الانقسام الفلسطيني بين السياسي و الاجتماعي

 


بقلم: عياد البطنيجي

الناشر: . منبر الحرية. جريدة الاتحاد PDF.  صحيفة المراقب العراقي.  الوسط البحرينية . ميدل ايست اونلاين

تاريخ النشر: 16/3/2010


 

 

يفرض الانقسام الفلسطيني الحاصل منذ يونيو2007، عقب  المواجهات العسكرية بين "فتح" و"حماس" في قطاع غزة ، كثيرا من التساؤلات حول حقيقة هذا الانقسام، وخصوصا أنه  ما يزال يتعامل معه على أنه انقسام سياسي، أي انقسام في النظام السياسي  وعليه . ومنذ ذلك الحين  تجلت كثيرٌ من الوقائع  والأحداث الاجتماعية التي كان محركها الانقسام الفلسطيني، فالانقسام الذي بدأ سياسيا قد مست مفاعيله البنية الاجتماعية للفلسطينيين.  وفي استطلاع للرأي نفذه مركز معلومات وإعلام المرأة الفلسطينية في غزة، حول مدى تأثر العائلة الفلسطينية بحال الانقسام الداخلي، حيث أفاد النسبة الأكبر من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة تأثرت بشكل واضح بحالة الانقسام التي نتجت عن الصراع بين حركتي فتح وحماس، وأفاد84.6  %من أفراد العينة أن عائلاتهـم قد تأثرت بهذا الصراع والانقسام.  في حين أفاد62   % بأن حال الانقسام والصراع الداخلي الفلسطيني تسببت في حدوث مشاكل عائلية داخل أسرهم ، وأفاد  19.9% بأنها وصلت إلى حد استخدام العنف أو التهديد به. وفي كثير من الأحيان أدت هذه الانقسامات إلى  قطع الصـلات العائلية. وردا على سـؤال حول مدى التشـاؤم أو التفاؤل بالمسـتقبل؟  أفاد حوالي 50  % من أفراد العينة أنهم متشائمون حيال المسـتقبل، بينما أفاد 41  % منهم أنهم متفائلـون. ولمعرفة تأثير الانقسام الداخلي على الحياة الاجتماعـية الفلسطينية ومدى تأثر العلاقات الأسـرية من ناحية اختيار الزوجات والزواج بهذه المسألة أجاب 71.1% من أفراد العينة أنه أصبح للانتماء السـياسـي لفتح أو حماس تأثير كبير في اختيار الزوجات والأزواج بينما أجاب 25 % من أفراد العينة بأن الانقسام الداخلي لم يؤثر عليـهم من هذه الناحيـة، وأفاد 3.9% بأن لا رأي لهم . وردا على سؤال فيما إذا كانت علاقات أطفالكم مع أصدقائهم أو زملائهم في المدارس قد تغيرت جراء حالة الانقسام أجاب 68.1 % من أفراد العينة إن علاقات أطفالهم مع زملائهم في المدارس وأصدقائهم قد تضررت جراء الانقسـام الداخلي. والإجابة الأخطر الذي عكسها هذا الاسـتطلاع كانت حول الموقف من مسـألة الهجرة للخارج . فقد أفادت أغلبية كبيرة وبنسـبة 47.8 % بأنهم يفضلون الهجرة للخارج إذا سنحت لهـم الفرصة بينما فضل 45%من أفراد العينة البقـاء في الوطن حتى لو سـنحت لهم فرصـة الهجرة. بينما أفاد 7.2% بأنه لا رأي لهم. وتفيد تقارير صادرة عن المحاكم الشرعية الفلسطينية، عن ارتفاع نسبة الطلاق في العامين الأخيرين، خصوصاً في قطاع غزة، وبأن من بين أسباب ارتفاع هذه النسبة الخلافات الحزبية بين الزوجين، أو بين أحد الزوجين وأسرة الآخر(الحياة، 21 فبراير 2010).    التساؤلات التي تدور في مخيلة من يراقب هذه الصورة المأساوية التي تعكسها هذه البيانات: هل جذر الانقسام الفلسطيني سياسي أم اجتماعي ؟ وهل الفلسطينيون منقسمون اجتماعيا قبل انقسامهم سياسيا ؟ أم أن الانقسام السياسي أدى إلى الانقسام الاجتماعي؟ وإذا كان الأمر كذلك ألهذا الحد بلغت البنية الاجتماعية الفلسطينية  من الترهل والسوء مبلغا  لا يمكن تخيله أو تحمله؟ ألهذا الحد كان العامل السياسي طاغيا في تشكيل الاجتماعي؟ أم أن أسباب هذا الانقسام هو اهتراء البنيتين الاجتماعية والسياسية وترهلهما معا؟  وأين المجتمع المدني الفلسطيني الذي تشكل أبان تأسيس السلطة الوطنية وشهدنا فيها بزوغا لهذه المؤسسات المدنية وأخذت على عاتقها نشر القيم الديمقراطية وقيادة التحول الديمقراطي ومراقبة أداء النظام السياسي، فما فائدتها إذا كانت المحصلة صفر؟   من الصعوبة بمكان دراسة العمل السياسي بدون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية. لذا فإن هذه التساؤلات تقع ضمن اختصاص علم الاجتماع السياسي. ومن هنا فإن اكتشاف الضعف والترهل في الواقع الحالي يتطلب قراءة هذا الواقع من منظور علم الاجتماع السياسي الذي يربط بين  الوقائع السياسية بعضها بالبعض الآخر، ويربط بين هذه الأخيرة والوقائع غير السياسية، سواء أكانت هذه الوقائع اجتماعية أو اقتصادية أو دينية أو أخلاقية أو ثقافية.  فالتأثير بين المجتمع والنظام السياسي، بين البنى الاجتماعية والمؤسسات السياسية هو تأثير حتمي لا فكاك منه؛ لأن الواقعة السياسية هي واقعة اجتماعية؛ وأن المجتمع "كل" يتكون من مجموعة من العناصر التي يعتمد بعضها على البعض الآخر، فهذه العناصر لا تكون لوحدها عوالم منغلقة ومنعزلة بعضها بالنسبة إلى البعض الأخر.   وفي ضوء هذه الرؤية المنهجية يتعين قراءة هذه البيانات من خلالها. وعليه،  يمكن القول إن هذا الانقسام طال أهم بنيتين اجتماعيتين وهما: الأسرة والمدرسة.   فقد لعبت الأسرة الفلسطينية دورا بارزا في التنشئة السياسية، فتفجير الانتفاضة الأولي عام 1987 من شباب وأطفال الحجارة ما هو إلا تعبيرا عن الأسرة الفلسطينية وبدورها في التنشئة السياسية التي حافظت على الهوية القومية للطفل الفلسطيني بعد أن زيفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي كل المقررات الدراسية ونزعت منها أي بعد قومي، وبعد أن ركنت سلطات الاحتلال إلى أن الجيل الجديد نشأ وتربى في ظروف ستجعله أقل مقاومة ورفضا للاحتلال، إذا بها تفاجأ الأسرة الفلسطينية وقد أخرجت لهم جيلا أقوى وأصلب إيمانا وأقدر على المقاومة, ولم يكن ذلك إلا برهانا قويا على أن دور الأسرة في التنشئة السياسية  يمكن أن يكون هو خط الدفاع الوحيد أمام الشعوب والأمم في مراحل معينة من حياتها السياسية. وهنا تبرز التساؤلات في ضوء البيانات السابقة التي تبين ضعف الأسرة الفلسطينية وتراجع دورها: لماذا تأثرت الأسرة بهذه السرعة بالانقسام السياسي؟ ولماذا أصابها الانقسام والفرقة والتناحر؟ ألهذا الحد بلغت الأسرة  مبلغا من الضعف والترهل ؟! ألهذا الحد كانت غير محصنة ومخترقة ؟! لماذا فقدت دورها في أن تكون حاضنة ومصدر أمنٍٍ وأمان لأبنائها في الوقت الذي يفتقدون فيه للأمن النفسي والاجتماعي في ظل الاحتلال الصهيوني الإحلالي؟ ولماذا فقدت الأسرة هذا الدور التي لطالما كانت سداً منيعاً في السابق وحصنا دافئا لأبنائها ؟     تشير البيانات أيضا إلى  أن الانقسام طال طلبة المدارس والجامعات. ومن المعروف أن المدرسة هي البيئة الثانية التي يواجه فيها الفرد نموه وإعداده للحياة المستقبلية، ويأتي دورها بعد دور الأسرة حيث إن دورها لا يكتمل إلا بما تضفيه المدرسة من مبادئ تسهم في تشكيل شخصية الفرد، وذلك بما تحتوي عليه من المناهج وما يدرسون من المواد، وعن طريقها يستكمل المواطن ما بدأته الأسرة من تربية وتعليم . وهكذا تلعب المدرسة في الأعداد السياسي للنشء دورا مكملا للأسرة. ولكن واقع الحال وتأثر المدرسة والجامعة بالانقسام الفلسطيني يؤكد أن هذه المؤسسات لم تكن محصنة كما يجب؛ بل كانت سهلة الاختراق وسهل التأثير فيها وإقحامها في غياهب الصراعات الداخلية: فأين المؤسسة التعليمة ؟ أين النظام التعليمي الفلسطيني؟ أين المناهج الفلسطينية الحديثة التي شرعتها السلطة الفلسطينية واحتوت قيماً سياسية من قبيل العدل والتسامح والمساواة وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية؟ أين المؤسسات الفلسطينية المستقلة؟ ولماذا عجز الفلسطينيون عن تشكيل بنى مستقلة تتوسط بين النظام السياسي والعائلة وتكون حصنا منيعا وإطارا حاميا من توغل الاستبداد السياسي  وعند انهيار النظام السياسي ؟   والأنكى أن غالبية من شارك في الاقتتال الفلسطيني الداخلي هم من جيل المراهقين والشباب التي تتراوح أعمارهم ما بين 15- 25 سنة، هذا الجيل تربى في ظل وجود سلطة وطنية فلسطينية، فأين هذه المناهج الحديثة التي تواكب التطور والحداثة ونشأ عليها هذا الجيل إذا كانت المحصلة صفر؟ ألهذا الحد كانت المؤسسة التعليمة مهترئة ومتآكلة؟ أم أنها كانت مخترقة سياسيا تقوم بدور سياسي تحريضي تعبوي أكثر منه تعليمي وتثقيفي ؟ ولماذا عجزت المؤسسات التعليمية في المساهمة في تحقيق التكامل السياسي من خلال ما تغرسه من ثقافة سياسية قومية؟  ألهذا الحد افتقد هذا الجيل إلى القدوة الحسنة والنموذج الذي يحتذي به ؟ أين القيم التي تحث على التواصل والتآزر والتماسك؟ هل تحول المواطن إلى كائن استهلاكي أناني فردي؟  مما لا شك فيه أن الشعب الفلسطيني صمد صمودا بطوليا في وجه أعتى قوة في العالم، وقدم تضحيات وبطولات من أجل الوطن وفي سبيل الله. ولا يخامرنا أدنى شك في نبل وتضحيات وبطولات الشعب الفلسطيني في مواجهة التحدي الصهيوني. ولكن ما يثير الاستغراب هو ضعفه في مواجهة  الأخطار الداخلية ومواجهة الذات والعمل على نقدها وكشف عيوبها ومثالبها. فهذا التحدي الخارجي لم يقابله بنى  داخلية قوية رصينة توازيه في المقدار، بل ضعفا داخليا مشينا وعجزا فاضحا على مجابهة الأخطار الداخلية. إن المجتمع الفلسطيني في أمس الحاجة إلى امتلاك ثقافة النقد الذاتي وإلى الحرية الفكرية والجرأة الكبيرة. إذ تعاني المؤسسات الفلسطينية أشد المعاناة من ضآلة وضعف الإسهامات الفكرية في مجال النقد الذاتي. إن إخمادنا للنقد الذاتي وحرية الفكر يعني قتلا للعقل وتعطيل ثقافة النقد الذاتي وهي بداية الطريق إلى الانحدار والهزائم والتخلف السياسي والاجتماعي، فصعود المجتمعات وتقدمها  مرتبط بامتلاكها حرية التفكير والعقل والنقد الذاتي الذي يعتبر جزءًا أساسيا من عملية التطوير والتقويم المستمر وترشيد السلوك، وطالما كان الأمر كذلك، فما أحوج هذه المؤسسات إلى ثقافة النقد الذاتي، من أجل ترشيدها، وتخليصها من أمراضها.  والخلاصة التي تؤكدها هذه البيانات هي أن البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني هي بُنية عصبوية لم تتطور اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بما يؤهلها  إلى إنتاج نخبة  سياسية عقلانية. فالبنى الاجتماعية  ضاغطة على النخب السياسية، وناظمة للتفاعلات السياسية باتجاه ضمان نفاذ القواعد الدستورية، وبالتالي حاضنة للتحول الديمقراطي الذي يشهد تقهقرا في الأراضي الفلسطينية . وعليه، فإن الانقسام الاجتماعي يتفاقم ويتعزز  داخل البني الاجتماعية التي تصنع النخب والقيادات الفلسطينية، وهؤلاء ينقلون انقساماتهم وتشظيهم إلى النظام السياسي. وهكذا  فإن المجتمع الفلسطيني لم ينجح حتى الآن في إحداث تحولات بنائية شاملة والخروج ما إسار العصبوية الاجتماعية والسياسية وتشكيل بنى سياسية واجتماعية حداثية . إن الواقع الفلسطيني اليوم ملئ بالمشكلات التي تراكمت تاريخيا وأحدثت تفككا وترهلا في المجتمع والنظام السياسي معا معطوفا على انهيار أخلاقي وقيمي، فعندما يجرؤ فلسطيني على قتل أخيه الفلسطيني فنحن أمام انهيار أخلاقي وقيمي وليس انهيارا سياسيا فحسب؛ لأن ذلك نال من نظام القيم في المجتمع الفلسطيني . إن اهتزاز الثوابت الأخلاقية  التي تمثل المرجعية العليا وضمير الجماعة ومعايير السلوك التي تحدد ما يجب أن يكون عليه هذا الأخير فهذا مؤشر على عقم واهتراء كل المؤسسات الفلسطينية ابتداء من الأسرة مرور بالمدرسة والجامعة وانتهاء بالحزب السياسي، وتصبح هذه التشكيلات غير قادرة على التعامل مع الواقع وضبطه وتقنينه. فلا غرو والحالة هذه أن تكون النتيجة هي أن يمر المجتمع السياسي بحالة من الفوضى، مما يمهد الطريق إلى  البحث عن مطلقات وثوابت أخرى  تكون قادرة على أن تضبط واقع الاجتماع السياسي، فما يجري اليوم هو تيه وجهل سياسيين، نتيجة أن الأنساق الفكرية والأطر المرجعية والفلسفية والبنى الاجتماعية والسياسية تعرضت للاهتزاز .  ويتحمل مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع  كل من ساهم في تلك الحالة أو وافق عليها أو لم يعترض عليها  أو تواطأ معها، وهي مسؤولية تاريخية مستمرة مهما مضى من الزمان. والكل يتحمل المسؤولية بمقدار وظيفته ودوره في البناء الاجتماعي والوطني.   فبعد أن أثبت التاريخ أن لا وحشية الاحتلال الصهيوني وجبروته استطاع أن يلغي الشعب الفلسطيني أو يضعف انتمائه لوطنه، ولكن وصول الوضع الفلسطينية إلى حد التفكك سوف ينعكس على حالة الانتماء هذه،  وبخاصة أن البيانات المذكورة أعلاه تؤكد أن نسبة الهجرة هي نسبة عاليه وسوف تزداد إذا بقي الوضع على حاله، واستمر انشطار العقل السياسي والبناء الاجتماعي، فوطن يُهزم أمام سياسات فاشلة وعصبوية اجتماعية قاتلة. فضلا عن الانقسام السياسي بين قطبي النظام: فتح وحماس. كل ذلك يأتي في ظل انحسار اليسار الفلسطيني، وضعف التشكيلات السياسية الأخرى، وأخيرا الدور الضعيف وغير المؤثر للمنظمات الأهلية وباقي تشكيلات "المجتمع المدني الفلسطيني". وعليه لا مراء والحالة هذه أن البنيتين الاجتماعية والسياسية تعيش حالة اهتراء وخواء، وأن كلا البنيتين في حالة تفكك مستمر فضلا عن تآكلهما لا نورد هذه التحليل ليكون مبعثا على التشاؤم، بل لأن بداية المعالجة هو التشخيص السليم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لنبين تأثير الانقسام على البنى الاجتماعية التي  لم تنل الاهتمام الكافي؛ لطغيان التحليل السياسي، والاهتمام بالقضايا الكبرى، وتقديم الموضوع السياسي الوطني عل الهم الاجتماعي والديمقراطية، دون أن نعير الاهتمام بالقضايا الصغرى أي اهتمام. ومن ناحية ثالثة لتوضيح خطورة ما وصل إليه الوضع الفلسطيني ،  مما يتطلب إعمال العقل والنقد الذاتي والمراجعة الشاملة وبخاصة للعقدين الأخيرين من حياة الفلسطينيين، وضرورة إنجاز عقد اجتماعي وطني جديد. وأخيرا لتبيان أن ثمة أزمة بنيوية  ووظيفية شاملة تطال البنى الاجتماعية والسياسية والعلاقات والمفاهيم وأشكال العمل السائدة في السياسة الفلسطينية .

خطاب المثقفين العرب تجاه الصعود التركي.. بين الميثولوجيا والحقيقة

 

 

 

بقلم: عياد البطنيجي

الناشر: منبر الحرية. الاتحاد   pdf.  العرب القطرية (1) .

ملاحظة : كتب المقال قبل الاعتداء الإسرائيلي على اسطول الحرية.

 

في سياق الانشغال العربي على كل المستويات السياسية والنخبوية، فضلا عن المؤسسات البحثية ووسائل الإعلام، بالصعود التركي وتداعياته الإقليمية والدولية،  يثار التساؤل التالي: ما هي ملامح خطاب المثقفين العرب تجاه هذا الصعود التركي والتغير الذي لحق السياسة الخارجية التركية؟

 بعد رصد ومتابعة لما كتب حول هذا الانشغال العربي في خطاب المثقفين، نستعرض في هذا المقال، ملامح هذا الخطاب وقسماته، وبعد ذلك نقدم رؤية نقدية لهذا الخطاب، بغرض الكشف عن البنية الفكرية للمثقفين العرب.  وجدير بذكر أن هذا المقال يتناول بعض القراءات للمثقفين وليس كلها، فهناك قراءات معمقة وتستحق التقدير ولكنها قليلة ونادرة. وعليه فنحن هنا نقدم قراءة للصفة الغالبة لخطاب المثقفين تجاه الصعود التركي، فهذا ما يستحق الدراسة والبحث.

وفي هذا السياق، نجد بعض المثقفين من وصف تأثير الصعود التركي بأنه "خطف الأبصار وأسر القلوب". وآخر يقول: "إن الشرق الأوسط دخل العصر التركي". وثالث يناشد وزير خارجة تركيا بإنقاذ بلاده قائلا: " لا تتركنا يا داود أوغلو"، لأنك "تحمل في حقيبتك أفكاراً وتمنيات وحلولاً وضمادات وعقاقير". ورابع يرى بأن ثمة "تحولات إستراتيجية مهمة في المنطقة أسهم فيها الموقف التركي"، هذه التحولات جعلت "إسرائيل خالية من أي تحالفات إقليمية للمرة الأولى منذ تأسيسها". وخامس يقول: "أصبحت إسرائيل تسعى إلى استمالة تركيا عن طريق وساطة واشنطن" بعد أن كان العكس هو الذي يجري. وسادس: "فتركيا الخلافة ستعود بإذن الله قريبا"؛ لأن الجسد العربي صار بعد زوالها "هزيلا ومهترئا"، وبعودة تركيا "الخلافة" يعود "العز والمجد". وسابع يرد التغير في الموقف التركي من الحليف الاستراتيجي "إسرائيل" إلى "صحوة ضمير المسئولين الأتراك"، هذا الموقف الأخير في غاية الغرابة، كونه يرد هذا التحول في المسائل السياسية والإستراتيجية إلى الضمير، وبالتالي يسقط من اعتباره العوامل الموضوعية سواء أكانت داخل تركيا أو في محيطها الإقليمي والدولي، ويعزل المجتمع التركي بكامله عن هذا "التحول الكبير" ويحصره فقط في ضمير المسئولين الأتراك. أي دكتاتورية ورومانسية وليس أكثر من ذلك !. 

والأغرب وتحت تأثير "السحر التركي" يصف بعضهم الشعب التركي بأنه "شعبٌ من أفضل شعوب المسلمين"؛ لأنه " شعب يتميز بحميَّة إسلامية عالية، وبرُوح إيمانية رائعة". بأي مقياس  قاس ذلك ؟ لا نعلم. والأنكي أن هذا الموقف العنصري يأتي على لسان "رجل دين" يدعي بأنه مفكر إسلامي، ويحمل مشروعا فكريا لاستنهاض أمة الإسلام، هذا المفكر  يرد عودة تركيا  إلى حضنها الإسلامي بغية "الدفاع عن أهل السنة ضد الأحلام الصفوية الشيعية"؛ لأنه ليس للعرب، في ظل ضعفهم، غير " الاعتماد  على تركيا السنية(…) لذلك يُعَلِّق عليهم أبناء العالم الإسلامي آمالَ الوقوف أمام التغلغل الشيعي المؤَيَّد بالأنظمة الغربية". والأكثر غرابة عندما تساءل أحد المثقفين العرب: "هل توحد تركيا المشرق العربي ؟". وفي لغة مفعمة بالتمني والرغبات صور أحدهم تركيا بالقوة الرئيسية في المنطقة، وأنها ستلعب أدوارا " حيوية في كل الملفات المطروحة، رغم انف إسرائيل ولوبياتها" . 

 

 هذا على المستوى الفردي.   أما على المستوى المؤسساتي، فهذه مؤسسة تمنح أوردغان جائزة  العام 2010 " تقديرا للمنجزات الاستثنائية". وتلك تمنحه جائزة لـ"خدمة الإسلام "باعتباره أنموذجا" ولـ"قيامه بجهود عظيمة وبناءة". وأخرى تشيد بموقف أردوغان في مؤتمر دافوس، وتعتبر موقفه دليلا  على " زوال عصر قوة السلاح ".

وفي ضوء هذه الرؤى، يتبن أن بعض العرب الذين بدؤوا ملاحظة التحول في السياسة الخارجية التركية، تعاملوا  تعاملا ساذجا ومبالغا فيما يخص هذا التحول، والدور الموعود لتركيا، ليس الإقليمي فحسب بل والعالمي أيضا كما يجري تصويره. ورغم أن  ملامح السياسة  التركية  ما زالت قيد التشكل، وأن قسمات المشروع التركي لم تتبلور بعد، إلا أن البعض أصدر أحكامه قطعية ويقينية.

  والملفت للنظر أن هناك هالة كبيرة أحاطت هذا التغير التركي، ورسم دور يفوق طاقة تركيا وقدراتها وكأنها تعمل في فراغ دون أخذ قدراتها الفعلية وارتباطاتها الجيو-ستراتيجية، فضلا عن إضفاء نوع من الرومانسية والبطولة والشجاعة والمرونة الفائقة عليها. وبالتالي إحلال رغباتهم الذاتيّة محلّ الواقع، وكأننا لا نحلل هذا التحول المرتبط بدولة تتحرك في سياق إقليمي ودولي يضع عليها قيودا بقدر ما يفتح أمامها فرصا للتحرك، بل يتجاوز هذا "التحليل" وكأنك تقرا لعاشقة تكتب في عشيقها، أو عاجزا ينتظر المخلص . مع العلم أن  تركيا لا تملك إلا القليل من الوسائل الخاصة اللازمة لتحقيق مصالحها التي  لا تتناسب مع ارتباطاتها الإستراتيجية وتطلعاتها الإقليمية

هذا التبسيط هو هروب من الواقع وانحياز وتشويه لحقيقة هذا التغير في السياسة التركية، واستغراقا في الرومانسية والخيال، بعيدا عن ارتباطات الواقع وحدود الحركة. وهذا يؤكد أن الفكر العلمي والموضوعي لم يكن جزءا من خطاب هؤلاء، بل سيطر الفكر الرغبي، والرومانسية الفاقعة على العقلانية، والتمني على الواقع، والحلم على الحقيقة، وهو تعويض سيكولوجي عن نقص حاد يعتري هؤلاء،  وتعبير عن ضيقٍ من الأوضاع القائمة المزرية، وفي نفس الوقت يعكس حالة الفراغ الذي يعاني منه النظام  الإقليمي العربي. وبالتالي ثمة أزمة منهجيّة في تفكيرهم. وباعتبار أن ثمة علاقة بين المعرفة والأطر الاجتماعية، فموقف هؤلاء الفكري مرتبط بضعف وترهل وهشاشة البنى السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد العربية. ويؤكد موقفهم "الفكري" هذا بأن الميثولوجيا( الأساطير والزيف والأوهام)تبرز في الفكر السياسي الوضعي كما في الخرافة الشعبية، مكتسيا، في كل حالة، شكلا خاصا من "العقلانية" أو المعقولية، كما يقول فالح عبد الجبار في كتابة "معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي العربي، ص54). وعليه فهذه الميثولوجيا عميقة الجذور  في زوايا التفكير والوعي الاجتماعي . إذ تؤكد هذه القراءات أن هؤلاء المثقفين لم يتحرروا من إسار الايديولوجيا وأنها لا تزال فاعلة في وعيهم وتكوينهم الفكري، وبالتالي كل الحديث الذي قيل حول نهاية الايديولوجيا هو حديث ليس له أي سند واقعي. أضف إلى ذلك أن ولائهم السياسي لأنظمتهم كان طاغيا وعلى حساب التحليل الموضوعي المرتبط بالمصلحة القومية للعرب، وهذا يعني ضعف الفكر القومي لديهم. فمثلا نجد معظم المثقفين السوريين مرحبين بالصعود التركي، وفي المقابل نجد أن المصريين متوجسون وتنتابهم  نزاعات شكك عميقة من الدور التركي. وهذا يعني أن مواقف هؤلاء غير مستقل عن مواقف أنظمتهم السياسية، كون أن النظام السوري رحب بهذا الدور، أما نظيره المصري عبر عن مخاوفه العميقة من هذا الصعود. وهذا ينبئ بأن الدور التركي الصاعد قد يحدث المزيد من الانقسامات العربية- العربية.

ولكن  التساؤل هنا: هل توافق تركيا على هذه القراءات الساذجة ؟ بعبارة أخرى: كيف ترى تركيا نفسها ؟

إذا كانت تركيا بهذه القوة، كما يصورها هؤلاء، لماذا لم توفق حتى الآن في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟! ولو كانت تركيا بهذا "السحر" لكان الأولى أن  يستجدي الاتحاد الأوربي لكي تمن عليه وتقبل تركيا الدخول في الاتحاد بدلا من العكس!.  ولو كانت تركيا كذلك لما شعرت بأنها مهملة، ولا تم تجاوزها في عملية تشكيل الصرح الأمني للقارة الأوروبية، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، رغم أنها تعتبر نفسها داخله بعمق في نسيج الصرح الأمني الأوروبي، ولما انحاز الاتحاد الأوروبي إلى اليونان، خصم تركيا اللدود، ولما فضلها على تركيا في مجالات الأمن والدفاع وغيرها من المجالات الأخرى. ولو كانت بهذه القوة لحسبت واشنطن لتركيا ألف حساب قبل أن  تستخدم "قضية الأرمن" ضدّ تركيا، عندما قررت لجنة  الشؤون الخارجية بالكونغرس الأمريكي بوصف المجازر التي وقعت عام 1915، وراح ضحيتها آلاف من الأرمن، بـ"الإبادة الجماعية"، ولما صوت البرلمان السويدي أيضا على قرار يعتبر ما جرى مع الأرمن هو إبادة، بل ذهب البرلمان السويدي أبعد من ذلك حيث نص القرار أن "السويد تعترف بإبادة عام 1915 ضد الأرمن، والآشوريين، والسريان، والكلدانيين، واليونانيين، الذين كانوا مقيمين" في أراضي السلطنة العثمانية، وبالتالي كل الأقليات المسيحية التي كانت مقيمة هناك. وذلك  دون أن تعير العلاقات التركية-السويدية أي اهتمام. والغريب أن من الكتاب من اعتبر أن هذين القرارين  يعدان في الحقيقة "انتصارا لتركيا"، رغم أن تركيا سارعت إلى التنديد بهذا التصويت، وعبرت عن استيائها وامتعاضها. وقام الرئيس التركي، عبدالله غل، بالاتصال بالرئيس الأمريكي، باراك اوباما، وطلب منه التدخل  لحيلولة دون مصادقة الكونجرس على توصية اللجنة. كما وطالبت السويد أن "تتخذ خطوات للتعويض" عن قرارها الذي "لن يفيد العلاقات الثنائية وقد يلحق بها الضرر". بأي عقل قرأ كاتبنا هذا "الانتصار" ؟ بالطبع لا ندري، رغم أن تركيا لا تعتبره كذلك. وهكذا يتبن أن تركيا لا تشكل قيمة كبرى للاتحاد الأوروبي وبخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، الذي قلل من قيمة تركيا الإستراتيجية، ما أثار نقاشات داخلية حامية حول دور تركيا الإقليمي، لإعادة تقويم أهميتها الإستراتيجية، وإعادة تحديد مكانتها في المنظومة السياسية الجديدة على الصعيد الدولي. ولكن هذا لا يعني أنها فقدت قيمتها. نحن لا نقلل من قيمة تركيا، فلها مكانتها واحترامها، ولكن نقلل من قيمة المبالغة في الدور التركي، الذي يحاول أن يصوره البعض كـ"قبضاي إقليمي"، وكـ"عودة صلاح الدين". فأي مبتدئ في علم السياسة يدرك أن أية دولة تتبع سياسة ترمي إلى تحقيق مصالحها أينما وجدت. وعليه، فتركيا تعي جيدا دورها ولن تستطيع الذهاب بعيدا عن الخط المرسوم، ولن تتجاوز الخطوط الحمر؛ لأنها تدرك أن السياسة هي انعكاس لموازين القوى. وهذا ما نلمسه في تفكير أحمد داود  أوغلو  القائم على الموازنة بين "قوة الأمر الواقع"، و"قوة الحق الأصيل" في ضوء موازين القوى. هذا المبدأ يؤكد أن تركيا بلد يتبع مبادئ النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، بلد يؤمن بتوازن القوة وبضرورة السعي إلى تحقيق المصالح القومية حتى لو  اقتضت الضرورة تحقيق هذه المصالح على حساب دول أخرى. وفي ظل موازين القوى السائدة، ستتأثر سياسة تركيا تجاه المنطقة العربية بروابطها المصلحية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعلها أن لا تجرؤ على التعامل مع المنطقة بعيدا عن المشروع الأمريكي وسياسته في المنطقة.

 وهنا نستطيع أن نقدم فرضية أولية وهي: أن أولوية المشروع التركي في المنطقة ستكون اقتصادية، وسيبتعد قدر الإمكان عن الأبعاد السياسية والإستراتيجية التي تثير حساسية المشاريع الأخرى في المنطقة، وحتى لا يصطدم معها. فقد تبين أن تفاعلات تركيا حتى الآن محصورة فقط بإيران، العراق، سورية، لبنان، والأردن، بهدف تحرير التجارة بين تركيا ودول المشرق العربي خصوصا، بغية تدشين سوق مشتركة. وقد عبر أحمد داود أوغلو عن تطلعات تركيا  في تكثيف التفاعلات التجارية والاقتصادية والمالية بينها ودول المشرق العربي في العديد من محادثاته مع الجانب العربي. وعليه، فتركيا لن تضيف لنا نحن العرب إضافة إستراتيجية، ولن تقوم بأي دور بدلا عنا نحن معشر العرب.

تأسيسا على ما تقدم فإن الزعم، الذي يكثر ترديده، حول الدور الإقليمي والعالمي لتركيا، زعم  يقوم على قدر هائل من المبالغة، فإن المرء لا يستطيع أن ينفي حقيقة أن تركيا لها مكانتها الخاصة في السياق الإقليمي والدولي، ولكن ما نقره نحن أن تركيا تواجه مخاطر أمنية لن تستطيع مواجهتها وتعزيز استقرارها الأمني لوحدها ودون مساعدة واشنطن والغرب وحتى إسرائيل.كما أن تحقيق تطلعاتها الاقتصادية بحاجة إلى إسناد أمريكي وغربي.  لذا فإن سياستها سوف تأخذ بعين الاعتبار مصالح هؤلاء أكثر من غيرهم ، حتى لو تطلب الأمر ضرب مصالح العرب بعرض الحائط ، طالما بقي العرب غير مؤثرين في لعبة التوازنات السياسية، وبقاءهم أحد مكونات اللعبة السياسية، ولكنهم ليسوا المؤثرين الوحيدين أو اللاعبين الرئيسين، فقط هم قطعة شطرنج يمارس الضغوط عليهم من اللاعبين الرئيسيين.

وما يكشف عن  القدرة المحدودة لتركيا هو ما تكشفه المبادئ التي تقوم عليها سياستها الخارجية، أي  "الموازنة" و"المسالك المتعددة". هذان المبدءان صكا بفعل الموقع الجغرافي الحساس لتركيا، وسوف نتحدث عن ذلك في مقال آخر، ولكن المهم في هذا السياق، أن هذين المبدأين يكشفان عن ضعف بنيوي في تركيب السياسة التركية. إن  التركيز على مبدأ "المسالك المتعدد" وعدم القدرة على أن انتهاج سياسة ذات حد واحد ، وإضفاء صفة التعددية على سياستها الخارجية، هذا يشي بأن تركيا عاجزة عن العمل بمفردها، وبذا لا تستطيع أن تفرض نفوذها، ونجاح سياستها مرهون بقبول الآخرين بها، وأن لا تكون على حساب مصالحهم، واجتراح سياسات تحظى بموافقة الجميع. ولا أعرف دولة استطاعت أن تبنى علاقات متوازنة ومتكافئة مع الجميع، إلا الدول الضعيفة التي ليس لديها مشروع أو فلسفة سياسية خاصة، أو رؤية واضحة تسعى إلى تطبيقها، فالدول التي تسعى إلى التورط الإقليمي والدولي يجب أن تأخذ مواقف محددة وواضحة. كل ذلك يظهر مدى التحديات والمأزق التي تواجه تركيا، ومدى التحديات التي تظهر مدى صعوبة تحقيق هذه المبادئ؛ لأن تركيا سوف تضطر في النهاية لأن تُقدِم على خيارات واضحة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لن تقبل الدول المنخرطة معها في تفاعلات ومصالح متبادلة بأن تستمر بسياسة الموازنة هذه. وتدهور علاقاتها مع إسرائيل دليل على ذلك.  ورغم ما فعلته إسرائيل بتركيا، عن سابق دراية وتخطيط، بإهانة سفيرها، إلا أن الأزمة تم تجاوزها "فكان الاستقبال [التركي] الحافل لايهود باراك وتجديد الالتزامات الإستراتيجية تجاه إسرائيل" على حد قول أحد الكتاب النابهين. هذه هي لعبة التوازنات التي لا يدكها الكثيرون من المثقفين هؤلاء.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية