آفاق المصالحة الفلسطينية.. من منظور علم الاجتماع السياسي

كتبهاعياد البطنيجي ، في 19 تموز 2011 الساعة: 21:50 م

 

 

 

 

بقلم: عياد البطنيجي

   الناشر: مجلة مدارات استراتيجية

 تاريخ النشر: السنة الثانية، العدد 9 ، مايو/ يونيو 2011

 

 

 

 

 

alt 

أخيراً، وقعت حركتا فتح وحماس على اتفاق المصالحة الذي يفترض أن ينهي الانقسام الفلسطيني الذي دام زهاء أربع سنوات، وإعادة بناء الإجماع الوطني. بَيْدَ أن التفاؤل يبقى مشوبا بحذٍر مرغوب فيه؛ لجهة المعوقات الذاتية والموضوعية التي تقف حجر عثرة أمام ديمومة هذا الاتفاق بفعل ما يضمره ممن تعترض مصالحهم استمراره. ما زال الاتفاق يقف على أرضية متموَجة، إذ يُخشى أن يكون قد جاء ليلتف على جملة من المتغيرات الداخلية والخارجية التي تعيشها الساحتان الفلسطينية والعربية، والتي دفعت حركتي فتح وحماس إلى موضعة إرادتهما من خلال تعبيرات خارجية لا تمثل مكنون الذات، وبالتالي القبول الشكلي للمصالحة دون استبطان مضامينها من خلال تموضع حقيقي لإرادة وطنية خالصة ترمي إعادة الإجماع الفلسطيني.

على الصعيد الفلسطيني، تشكل الحركة الشعبية الفلسطينية إرهاصات تشي بانبلاج حركة وطنية جديدة من خارج الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية المستهلكة والمهترئة للأسف، مما يهدد وجودها إن لم تجدد لغة الخطاب السياسي، وتستوعب الجديد، وتبث دماءً جديدةً في أوردتها.

على الصعيد العربي، أفضت الثورات العربية إلى تغيير بعض النظم العربية وخطابها السياسي، ما افقد السلطة وحكومة حماس عتلة سياسية كانا يتكئا عليها، فأمسى الرئيس الفلسطيني بدون ظهير مصري، وخشيت حكومة حماس التثبت بمواقفها فيما الأوضاع في سورية قد تمس وجود النظام، الراعي الأول لحماس.

على الصعيد الدولي، رغم وعود الرئيس الأمريكي اوباما لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بَيْدَ أنه فشل في الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان، فمن باب أولى عجزه على حل الصراع.

 إذن، كثيرةٌ هي التساؤلات الجدية والمشروعة حول الدوافع وراء إجراء اتفاق المصالحة ومفاعيله على السياسة الفلسطينية بتجلياتها المتنوعة، ومدى قدرته على إعادة بناء الإجماع الوطني، وتجديد الخطاب السياسي التحرري الذي تحول إلى خطاب فتنة وحروب أهلية، ومدي قدرته على اجتراح قيادة واستراتيجية وطنية وسلطة واحدة، وإعادة الروح للمشروع الوطني بوصفه مشروعا تحرريا. والأهم مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية لاتفاق المصالحة الاتفاق، واستعداد حركتي فتح وحماس تضمينه في مبناهما وفعلهما السياسي بما يعني بناء المرجعية المُؤَسِّسَة للفعل السياسي الديمقراطي بما يساهم في معالجات سياسية فعالة، وبالتالي معالجة انسداد الأفق السياسي. باختصار، هل يصبح العقل المرجعية العليا الناظمة للفعل السياسي الفلسطيني؟

  

مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية

 

 

 

تستدعي دراسة اتفاق المصالحة فحص مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية، وهو أمرٌ أساسي وجوهري في الوصول إلى فهم موضوعي لطبيعة الفرص والمعوقات التي تواجهه. إن التعرض لسؤال مدى جهوزية البنية الاجتماعية والسياسية ليس اعتباطيا؛ لأن هذه البنية تمثل الحاضنة للاتفاق؛ فلا يمكن أن يدوم ويحقق أغراضه دون وجود بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية باعتبارها الشروط الضرورية لاستمراره.  ومن جهة أخرى، فالصراع العضوي العنيف بين حركتي فتح وحماس الذي أنتج انقساما سياسيا وجغرافيا لهو دليل على أن ثمة عيوبا خطيرةً تمس هذه الحاضنة التي أظهرت عجزا واضحا في تذليل التناقضات السياسية والحيلولة دون وصولها إلى صراع دموي عنيف مثل الذي حصل في يونيو/حزيران 2007. يكشف هذا الصراع أن الحاضنة الاجتماعية والسياسية والدستورية عجزت عن حل هذا التناقض، فهل يمكن أن تشكل رافعة لاتفاق المصالحة؟

البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني: كشف الانقسام الفلسطيني عن ضعف اجتماعي، وأظهر أن ثمة عجزا لناحية بناء التوافق الوطني بما يعمل على ترتيب مجال الصراع السياسي. فالبنية التحتية للمجتمع الفلسطيني مازالت بنية عصبوية لم تتطور اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بما يؤهلها لتكون حاضنة لعملية تحول ديمقراطي، وتدبير العلاقات السياسية وفق مرجعية عقلانية مستنيرة.

كشفت استطلاعات الرأي الفلسطينية التي أجريت عقب الصراع والانقسام الفلسطينيين، أن العائلةالفلسطينية تأثرت بشكل واضح بهذا الانقسام والصراع الداخلي، إذ شهدت حالات طلاق ونزاع داخلي حاد بين أفراد الأسرة الواحدة، وضعف في ديناميات التواصل بين أفراد الأسرة بسبب الانتماء السياسي، الذي أصبح محددا مهما في اختيار الأزواج.

 وعلى صعيد المؤسسة التعليمة، فقد أشارت استطلاعات الرأي أن المدرسة والجامعة تأثرتا سلبا بالصراع السياسي، إذ انتقل الصراع داخل هاتين المؤسستين.

 أما على صعيد المجتمع المدني فلم تكن الحالة أفضل، إذ كشفت الأحداث مدى هشاشة منظمات المجتمع المدني ومحدودية تأثيرها، وعجزها في أن تكون فاعلا ورافعة ديمقراطية.

 وعليه، فقد كشف الصراع الفلسطيني الداخلي مدى هشاشة هذه المؤسسات، وافتقادها للحصانة الذاتية وعدم قيامها بوظائفها كما يجب. والحاصل أن البنية الاجتماعية التحتية المترهلة والمنقسمة(لاجئ/ مواطن، فلاح /مدني، حرفي/ مهني، عائد/ ابن البلد، أو داخل/ خارج، مخيم/ مدينة)، صنعت نخبا سياسية نقلت انقسامها ومخيالها التي نبتت فيها وانحدرت منها إلى البنية الفوقية السياسية.

البنية السياسية والدستورية: ثمة أزمة في البناء السياسي الفلسطيني تتعلق بترهل بنية ومفاهيم ومتغيرات النظام السياسي، وغياب الفعل السياسي المسئول والعقلاني. فالنخب السياسية مصابة بمرضِ انحسار الرؤية. كما وتشير ملامح النخب وأصولها الاجتماعية إلى فقدانها للتجانس، ما أدى إلى  ضعف في أهلية القيادة، وعجزها عن استنهاض الحالة الفلسطينية، وانشغالها بتعظيم سلطتها الحزبية. وتتسم النخب السياسية بثقافة سياسية اقصائية تسودها قيم تقليدية غير مؤازرة للسلوك الديمقراطي مثل السلطة الأبوية والنزعة إلى التفرد والمركزية في النظام، وسيادة المعتقدات الجبرية مما يكبل بناء نظام سياسي ديمقراطي. وهي نخب غير خاضعة لإطار قانوني يضبط تفاعلاتها، وتعاني من العشوائية والترهل في نظامها، وعجزها على إنشاء نظام سياسي حيوي يتناسب مع احتياجات المجتمع الفلسطيني.

وتفتقر المؤسساتية الدستورية إلى الشرعية والمشروعية(حسب القانون الأساسي الفلسطيني يفترض أن تجرى الانتخابات الفلسطينية الاشتراعية والرئاسية في 25 يناير/ كانون الثاني 2010، ولم تحصل حتى تاريخه)، وتتسم بالضعف، وعجزها عن تمثيل المجتمع، فضلا عن غياب التفاعل الديمقراطي وضعف التزامها بالنظام الأساسي في علاقاتها وتفاعلاتها. وهيمنة السلطة التنفيذية على القرار السياسي. فضلا عن غياب المأسسة، فرغم وجود هيئات ووزارات وإدارات ومجالس إلا أن صناعة القرار لم تكن تتم فيها.

أما البني الحزبية والتنظيمات السياسية، فرغم أن التعددية من ملامح وسمات النظام الحزبي الفلسطيني، بَيْدَ أن الواقع الفلسطيني يشير إلى اتجاه النظام الحزبي إلى نظام ثنائي الحزبية. فثمة هيمنة شبه كاملة على المجال السياسي من قِبل حركتي حماس وفتح، وهما الأدوات الأبرز للتمثيل السياسي، مقابل ضعف فاعلية الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى.  ومن خلال معايشتنا للحياة السياسية الفلسطينية والوضع الحزبي الفلسطيني، تبين أن ثمة شرخا عميقا في الوعي وسيكولوجيا عناصر التنظيمات الفلسطينية، حيث الثقة معدومة، وتحكمها عقلية الهيمنة والإقصاء ونفي المختلف معها. فأي نقاش بين عناصر التنظيمات السياسية، إن حصل ذلك، تشعر وكأن ثمة حقدا دفينا راسخا ومتغلغلا في أعماق نفوسهم، حتى يستحيل معه أن تجد صداقة بين شخصين ينتميان إلى تنظيمين مختلفين، وذلك دلالة على أن شبكة الصداقة والاتصالات الشخصية معدومة بينها. وحتى على مستوى البنية الفوقية أو النخب والتنظيمات السياسية فهي تفتقر إلى اللغة المشتركة، وغياب التفاعل أو وشبكة الاتصالات الشخصية،  والإحساس المتبادل بالثقة شبه معدوم، وفي أدنى مراتبه من حيث القوة والعمق والعلائق التواصلية. وتبقى العلاقات بين النخب مبنية على أسس وغايات ذرائعية محضة يحكمها درجة عالية من الشك والضغينة والريبة.

 وعند تشخيص سلوك النخب أثناء الممارسة البرلمانية للمجلس التشريعي الثاني، يتبين حدة الخلافات بين الأعضاء(خاصة بين أعضاء فتح وحماس)، وتكرار مقاطعة جلسات البرلمان لعشرات المرات. وكانت النتيجة شللا تاما في الحياة البرلمانية الفلسطينية. وبعد الاعتقالات التي قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلي لنواب حماس في المجلس التشريعي، رفضت حماس حضور الجلسات البرلمانية بحجة أن كتلة فتح البرلمانية يمكن أن تستغل غياب النواب من كتلة حماس في إقرار تشريعات تخدم مصالحها، في دلالة واضحة على عدم الثقة بين أعضاء المجلس الذي يعكس غياب التجانس والإجماع والتوافق الوطني. وعليه، وقع المجلس التشريعي، الذي يعكس كافة ألوان الطيف السياسي الفلسطيني في فخ التجاذبات السياسية، وافتقر إلى روح الفريق، وحاولت الكتل الرئيسية في المجلس خاصة كتلة حماس وكتلة فتح انجاز أجنداتهما الخاصتين على حساب الأجندة الوطنية وقواعد التعاون الداخلي لانجاز المهام المنوطة به. هذا فضلا عن  حالة التوتر والمناكفة التي حكمت العلاقة بين المجلس التشريعي، الذي تهيمن عليه كتلة حركة حماس، والرئاسة. يتبين من ذلك أن رأس المال السياسي ضعيف في الحالة الفلسطيني، في الوقت الذي يمثل ضرورة لا غنى عنها لبناء الإجماع الوطني، وإعادة تصحيح مسار النظام سياسي بوصفه نظام حركة تحرر وطني.

أمام هذه الصورة البانورامية للمشهد الفلسطيني، والتي تكشف عن ضعفٍ خطير في المبنى الاجتماعي والسياسي والقانوني، فإن مقولة إن اتفاق المصالحة لا يعكس إرادة وطنية عند حركتي فتح وحماس، وإنما جاء بفعل عوامل خارجية من جراء التغير الجذري الحاصل في المحيط العربي بفضل استعادة الساحات العربية ديناميتها، فإن المشهد الفلسطيني الراهن، الذي بينا ملامحه، يؤكد هذه المقولة. وبالتالي يظل التفاؤل مشوبا بالحذر.

وعليه، فإن الانتقال من مرحلة الضعف هذه تستدعي توافر الوعي بجدل التطور والتقييم الاستراتيجي للتحولات التي طرأت على المشهد العربي والفلسطيني. فالوضعية الفلسطينية منذ الانقسام حتى تاريخه أضرت بالقضية الفلسطينية. كما أن لا المفاوضات ولا المقاومة استطاعتا أن تقدم ما يتأمله كل فلسطيني. فبندقية المقاومة تحولت إلى قاطعة طريق، والمفاوضات تحولت إلى  فعل عبثي أمام تعنت إسرائيل وضعف الجانب العربي ومحاباة الولايات المتحدة لإسرائيل. كما أن السيطرة المنفرد على قطاع غزة من قبل حماس أرهق الأخيرة وحولها من حركة مقاومة إلى جهاز خدماتي، مما ألب عليها الكثيرون من داخل الحركة. فاتفاق المصالحة يشكل طوق نجاة لإخراجها من المأزق الذي وضعت نفسها فيه، مع حفظ ماء وجهها. كما أن المجتمع بدأ بالتململ من سيطرة حماس الانفرادية التي أظهرت نواياها في الأسلمة من خلال المقاومة حسب مخيالها وتصوراتها وفهمها الديني الذي تحاول أن تفرضه على المجتمع. فقد تبين أن لحماس مشروعا للهندسة الاجتماعية ما أثار حفيظة الكثيرين، مثل فرضها على المتاجر التي تبيع الملابس الداخلية للنساء، إزالة دمى العرض، وأية ملصقات لملابس داخلية غير محتشمة، كما حظرت على مصففي الشعر الذكور العمل في صالونات الحلاقة التي ترتادها النساء، بالإضافة إلى تأنيث المدارس، وفرض الحجاب على المحاميات الخ. وبالتالي فإن ادعاءات حركة حماس في الدخول إلى السلطة سقطت: فلا قاومت ولا حافظت على المقاومة، وقمعت المقاومين من التنظيمات الأخرى، ولا استطاعت أن تجمع بين المقاومة والحوكمة. وهكذا وضعت الحركة الحكم فوق المقاومة وفوق الإسلام، مما أظهرها وكأنها تنتحل المقاومة والإسلام.

   

خصوصية التحليل في ضوء سوسيولوجيا الانتفاضة

 

 

 

الصورة التي رسمنا ملامحها لا تعني أبدا إطلاق صفة جوهرانية على المجتمع الفلسطيني، أي أنه مجتمعٌ عصي عن التغير والتحول، وبالتالي التشاؤم من قدرة اتفاق المصالحة على الديمومة والاستمرار، وإنما  قراءته ضمن خصوصيته أي في ضوء سوسيولوجيا الانتفاضة.

فثمة صعوبة في التحكم بالمجتمع الفلسطيني من قبل الحزب الواحد؛ فمجتمع الانتفاضة من سماته التعددية، وبالتالي إن احتكار الفعل السياسي من جهة معينة لن يؤدي إلا إلى أفقٍ مسدود. كما أن من سمات مجتمع الانتفاضة أيضا أنه مجتمع انتقالي فهو في صيرورة دائمة وتغير مستمر بفعل القوى الداخلية والخارجية. ومن هنا فإن ضعف الإمكانات والبنى الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تسم مجتمع الانتفاضة، وإرهاقها بثقل التبعية للآخر، والوضعية الانتقالية وفقا لتقلبات الظروف والمستجدات الزمانية، كل ذلك يحول دون القدرة على التحليل الاجتماعي السياسي العلمي بالاعتماد على مقاربات تفسيرية مألوفة وناجزة. وبالتالي يصعب التنبؤ بوضعية مجتمع الانتفاضة؛ لأن من سماته كما ذكرنا التحول والتبدل، ويكفي كدليل على ذلك الإشارة إلى التحول في لغة الخطاب السياسي لحركة حماس التي قبلت بحل الدولتين على حدود 1967 بعد أن كانت تطالب بتحرير كل فلسطين، وهو ما يعنى تقارب في الإستراتيجية بين فتح وحماس بعدما كان الشرخ الاستراتيجي عميقا بينهما.

وبالتالي فتوقع مآل اتفاق المصالحة يجب أن يبقى حذراً في ظل مجتمع الانتفاضة، لأن سماته تفرض على المحلل محاذير عدة من بينها الابتعاد عن الأحكام الحاسمة؛ لأنه مجتمع متحرك ومتبدل وفي حالة صيرورة مستمرة يصعب تأطيره في مقاربات ناجزة.

في ضوء ذلك كله، لابد من معالجة موضوع اتفاق المصالحة من كل جوانبه المتداخلة والمتشابكة بين كافة أبعادة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. والحاصل أن الاتفاق تغاضى عن تحديد الموقف من الإستراتيجية الفلسطينية، والمرجعية المؤطرة للفعل السياسي. فالحكومة الانتقالية هي لمدة عام فقط كي تمهد للانتخابات المقبلة، وبالتالي لم يحسم موضوع ماذا لو فشل خيار التفاوض في استجلاب الدولة الفلسطينية؟ كما أن الرئيس الفلسطيني له موقف تكتيكي من المصالحة، وهو استدراج حركة حماس إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والحصول على توافق وطني في الذهاب إلى الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة في أيلول المقبل. وثمة مشكلة أخرى تتعلق بالملف الأمني، أي باستيعاب عناصر الأمن الذين استحدثتهم  حكومة حماس في الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى سلاح التنظيمات الفلسطينية الخارج عن المؤسسة الأمنية الرسمية. فموقف حماس من هذه القضية هو رفض إعادة الأجهزة الأمنية إلى ما كانت عليه تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. وعليه ما يزال هناك عدم وضوح في اتفاق المصالحة وتخوفات لم تحسم بعد. 

كل ذلك يجعل آفاق اتفاق المصالحة مفتوحا على سيناريوهات عديدة، ومعلقا في نجاحه أو في فشلة على جملة من المتغيرات أو السيناريوهات وهي:

السيناريو الأول، وهو التكامل: تحقيق الإجماع الوطني. الاتفاق على الهدف والاستراتيجية الوطنية. بناء المرجعية المُؤَسِّسَة والمُؤَطرة للفعل السياسي الديمقراطي. إعادة تعريف النظام السياسي الفلسطيني بوصفه نظام حركة تحرر وطني، وإعادة بناء متغيراته وفق أسس وطنية وديمقراطية. تشكيل قيادة وطنية تكون حاملة للمشروع الوطني الفلسطيني، وقبل ذلك إصلاح مؤسسة القيادة. إذا كان اتفاق المصالحة يروم إلى تحقيق ذلك فإن مصيره النجاح والاستمرار. وفي حال فشل الفلسطينيون في انتزاع اعتراف بالدولة من الأمم المتحدة، أو عجزوا عن تحقيق اختراق سياسي في المفاوضات، فإن هذا السيناريو يشكل حاضنة لاجتراح بدائل أخرى ناجعة. وكذل الحال عند إجراء الانتخابات الفلسطينية المقبلة فلا مشكلة فيمن ينجح ويتبوأ النظام السياسي، طالما أن هناك ثوابت ومرجعية وطنية عليا مؤطرة للفعل السياسي.

السيناريو الثاني، وهو الصراع: أي أن يفشل الاتفاق والإرادة الوطنية في تحقيق السيناريو الأول، إذ يكون الهدف هنا من اتفاق المصالحة هو من أجل الانتخابات المقبلة. وقد جرب الفلسطينيون الانتخابات قبل تحقيق التكامل والإجماع الوطني وكان نتيجة ذلك هو إقحام المجتمع الفلسطيني في دوامة العنف السياسي.

السيناريو الثالث، وهو المراوحة في المكان: أي أن يبقى الوضع الفلسطيني على ما هو عليه، مع غياب العوامل الضاغطة الداخلية والخارجية. وأن المصالحة لا تشكل طوق نجاه.  وهنا قد يحدث تقسيم وظيفي بين حكومتي رام الله وغزة، بحيث تبقى الأولى مسيطرة على الضفة الغربية، والثانية على قطاع غزة، ويكون دور وزير الداخلية في الحكومة الانتقالية التنسيق بين حكومة الضفة وحكومة غزة، وبالتالي بقاء الأجهزة الأمنية في الضفة وفي غزة كما هي. وبالتالي عدم حدوث اختراق في الوضع الفلسطيني الداخلي.  واقعيا يبدو أن كفة هذا السيناريو هي الأرجح. ويبقى الرهان على استعادة القوى المجتمعية، وبخاصة قطاعات الشباب الفلسطيني، ديناميتهما لناحية الضغط ودفع القوتين، فتح وحماس، إلى تضمين اتفاق المصالحة في الفعل السياسي للحركتين.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية