النظام السياسي الفلسطيني.. في أزمة النخب السياسية

 

 

 

 

 

بقلم : عياد البطنيجي

 

 الناشر:   السياسة الدولية: دورية علمية محكمة، الأهرام، قليوب مصر ، العدد العدد174 ، أكتوبر 2008

 

 

 
لم يسبق للشعب الفلسطينى فى تاريخه المعاصر أن تعرض مصيره الوطنى للاهتزاز والتشرذم كما يتعرض له اليوم فقد مر على الشعب الفلسطينى حين من الدهر، تجرع فيه علقم الهزائم والطرد والتشريد والنفى والاضطهاد فى الداخل والشتات بيد أن ذلك لم يضع مصيره على مفترق طرق كما هو حاصل اليوم فبرغم فظاعة وهول ما تعرض له الفلسطينيون، إلا أن ذلك كان يدفعهم إلى تماسكهم الداخلى، واستنهاض وضعهم الذاتى، وتنمية أواصر وحدتهم أما اليوم، فقد أصبحنا على مفترق طرق خطير، بل هو من أخطر المفترقات التى مرت بها القضية الفلسطينية منذ بداية الصراع من المؤكد أن الفلسطينيين يمرون بمرحلة فاصلة وحاسمة تنعكس بظلالها على كافة القضايا المصيرية والمحورية للشعب الفلسطينى وقضيته الوطنية وفى ظل المرحلة الخطيرة التى يمر بها الفلسطينيون، أصبح كل شىء مهددا: النظام السياسى، المشروع الوطنى الهوية، الاستقلال، المجتمع، بل حتى الإنسان الفلسطينى أصبح مهددا فى مصيره ووجوده يعكس الوضع الفلسطينى الحالى بشكل واضح مدى الأزمة المزمنة التى يعانيها النظام السياسى الفلسطينى فالاستعصاء السياسى والأزمات المتلاحقة تعيد إنتاج نفسها عند كل مرحلة تاريخية مهمة، وإن كان بأشكال وعناوين مختلفة فهى أزمة بنيوية ووظيفية شاملة تطال البنى والعلاقات والمفاهيم وأشكال العمل السائد فى السياسة الفلسطينية فهى أزمة تطال الاستراتيجية، أى هدف النظام وغاياته، وهى أزمة تطال النخب السياسية غير المنسجمة وغير المتوافقة والتى هى فى حالة صراع مطردة فيما بينها، وأخيرا أزمة تشمل البنى المؤسساتية للنظام وعليه، فهى أزمة هيكلية فالفوضى والأشكال المتلاحقة من العنف المعنوى (اللفظى) والمادى، وعدم استقرار، وجمود المسار السياسى، والفجوة بين المواطن والسلطة المنقسمة إلى سلطتين (سلطة فى الضفة تابعة لحركة فتح، وسلطة فى غزة تابعة لحركة حماس)، وانشطار وشطط النخبة الفلسطينية، وغياب القيادة القادرة على توحيد مفردات النظام، ونخب سياسية عاجزة عن إدراك مصالح شعبها، فضلا عن مظاهر الفقر والبطالة وغيرها من الأوضاع المغلوطة التى تسير بالنظام السياسى وتدفعه بخطى واثقة وحثيثة نحو الكارثة والتدهور والانحطاط، هذه الأوضاع ما هى إلا انعكاس لتلك الأزمة البنيوية الشاملة التى تلف النظام السياسى بمجمله وعليه، لا مراء فى أن النظام السياسى الفلسطينى يمر بمرحلة فاصلة وحاسمة تنعكس بظلالها على كافة القضايا المصيرية والمحورية للشعب الفلسطينى فالمشروع الوطنى الفلسطينى والهوية الفلسطينية لم يعرفا عبر تاريخ القضية خطرا مهددا لهما كما هو حاصل اليوم فالمشروع الوطنى الفلسطينى والنظام السياسى أمام طريقين لا ثالث لهما، إما الموت والتيه والضياع فى غياهب الصراعات الداخلية، وإما الصحوة من بين الركام، وإما عناق الموت أو عناق الحياة هذه الصورة المأساوية للنظام السياسى الفلسطينى، وهذا الوضع المأساوى الذى يعيشه المواطن والوطن ليسا أوهاما أو مجرد اسقاطات نفسية أو مجرد كلمات بعيدة عن الواقع، بل هى الواقع حقا بكل ما يحمله هذا الوصف من معنى ودلالة وعليه وبعد وصف صورة الوضع المأساوى للنظام السياسى، ننتقل إلى التحليل العلمى لتلك المأساة وحالة التردى فى كافة مناحى الحياة الفلسطينية وفى هذا المقام، لا نسعى لتقديم رؤية تحليلية شاملة تفصيلية لأزمة النظام السياسى الفلسطينى، بالرغم من أهمية ذلك، ولا إلى أن نتحدث عن الدور الإسرائيلى أو المتغيرات الخارجية فى أزمة النظام السياسى الفلسطينى، بالرغم من أهمية ذلك أيضا، بل ما نود الحديث عنه هنا هو أزمة النخب السياسية الفلسطينية، التى تعد مدخلا مهما ومتغيرا رئيسيا فى فهم وتحليل وتفسير أزمة النظام السياسى بشكل كامل، وحالة الاستعصاء السياسى التى تكتنف العلاقات الرأسية والأفقية للمجتمع الفلسطينى فهذه الأزمة ما هى إلا انعكاس لأزمة النخب السياسية الفلسطينية وخصوصا فى هذه المرحلة الحاسمة التى يمر بها النظام السياسى ومشروعه الوطنى، والتى أصبحت فيها القضية الفلسطينية على مفترق طرق خطير، وبالتالى تحتاج إلى قيادات سياسية عقلانية قادرة على التعامل مع المرحلة الخطيرة والحاسمة فى تاريخ القضية، بدلا من حالة التدمير والإقصاء ومفردات التحشيد والتجييش والشتم والتخوين ولغة التحريض وكيل الاتهامات السائدة بين النخب السياسية، أو هكذا يفترض أن تكون وهنا، ننطلق من فرضية تعد مدخلا للدراسة هذه، وهى أيضا مدخل لتفسير حالة الاستعصاء السياسى، وأزمة النظام السياسى مؤداها: ـ أن النخب السياسية الفلسطينية هى المتغير المستقل فى النظام السياسى الفلسطينى، وهذا الأخير هو المتغير التابع وعليه إذا كان المتغير المستقل هو الذى يفسر المتغير التابع، فأزمة النظام السياسى وحالة الاستعصاء الذى يعانيها تعزى إلى أزمة النخب السياسية فكافة مكونات وأجزاء النظام السياسى: السلطات الثلاث، وجماعات المصالح والنفوذ، والفصائل والقوى السياسية، والعشائر والعائلات وغيرها، كل هذه الأجزاء المكونة للنظام السياسى هى توابع لا تعمل باستقلالية ولا ضمن إطار قانونى وقضائى يحكم تفاعلاتها ويضبط إيقاعها، وبالتالى تحدث الاستقلالية والتوازن والتكيف، بل هى توابع للنخب والقيادات السياسية، وهذه الأخيرة غير محكومة بأى إطار مؤسساتى أو قانونى يحكم تفاعلاتها ويضبطها، بل هى مستقلة عن كل ذلك وتخضع كل مكونات وأجزاء النظام لنزواتها وأهوائها ونزاعاتها تجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن هذه الدراسة تبحث عن العطب والخلل الذى يلف النظام السياسى، وفى علائقه البينية، أى بين أجزاء ومفردات النظام، فى بيئته الداخلية ومسئولية هذه الأخيرة عن الخلل بمعنى آخر، هى دراسة فى النقد الذاتى والمسؤولية الذاتية وأثر العوامل الداخلية عن هذا الخلل الذى يلف النظام ونخبه السياسية.

أولا ـ الإطار النظرى للدراسة:

أولا: تختلف مناهج البحث فى التحليل السياسى باختلاف الجوانب التى يمكن التركيز عليها ثمة مداخل وأطر نظرية عديدة فى التحليل السياسى وهنا، نعرض لأهم مقتربات النظر فى التحليل العلمى للسياسة:

1 ـ المقترب النظمى: فهو من أكثر المناهج استخداما فى دراسة النشاط السياسى فقد أدخل التحليل النظمى فى التحليل السياسى منذ أوائل القرن العشرين، نقلا عن علماء الفيزياء والفيزيائيون حين يستخدمون مفهوم النظام كأداة ذهنية لفهم وتفسير العلاقات التى تجرى عليها الأجسام فى الطبيعة، وعلى أساس أن أية مجموعة من مجموعات الأجسام فى الطبيعة هى مجموعة من القوى، حيث يعمل كل جسم فى عالم الطبيعة قوة فى ذاته، فتتفاعل هذه القوى فيما بينها بعامل قانون الفعل ورد الفعل تفاعلا ميكانيكيا، وتتبادل التأثير والتأثر فيما بينها على وضع يهيئ لحالة الاتزان الكلى لهذه المجموعة (1) وفى ضوء ما تقدم، فإن النظام السياسى لا يعنى أكثر من مجرد ـ تمثيل تصورى لمجموعة العلاقات السياسية التى تميز مجتمعا ما فى فترة ما من الزمن (.) التى يظن المراقب نفسه قادرا، فرضا، على تحديد معقوليتها وفهمها هذا الفهم يتوقف على الثقافة والمسار السياسى، ونمط تقسيم العمل فى مجتمع الدراسة (2) وضمن هذه الرؤية، عرفت موسوعة العلوم السياسية النظام السياسى بأنه مجموع التفاعلات والأدوار المتداخلة والمتشابكة التى تتعلق بالتخصيص السلطوى للقيم، أى بتوزيع الأشياء ذات القيمة بموجب قرارات سياسية ملزمة للجميع (ديفيد استون)، أو التى تتضمن الاستخدام الفعلى أو التهديد باستخدام الإرغام المادى المشروع فى سبيل تحقيق تكامل وتكيف المجتمع على الصعيدين الداخلى والخارجى ـ (جابرييل الموند)، أو التى تدور حول القوة والسلطة والحكم (روبرت دول)، أو التى تتعلق بتحديد المشكلات وصنع وتنفيذ القرارات السياسية (3).

2 ـ المقترب الحقوقى: الذى ينظر إلى الظواهر السياسية وقضاياها من خلال النصوص الناظمة لها وهو مقترب تقليدى، إذ تعود جذوره إلى اليونانيين فقد درس أفلاطون وأرسطو السياسة من خلال ما افترضه كل منهما قانونا ناظما للاجتماع السياسى (4) وينظر هذا المقترب للسياسة من منظور ـ استاتيكى ـ جامد، حيث يفترض به التعامل مع الحياة السياسية من خلال تفسير الدستور ومعالجة قضاياه، وبالتالى وصف المؤسسات التى بنيت على أساس الدستور، ووصف السلوك السياسى للهيئات وللأفراد من خلال النصوص الدستورية والقانونية فهو يحكم على الممارسة السياسية من خلال النصوص، وتقاس الممارسة السياسية ويحكم عليها من خلال مدى تبعيتها للنص فيكون هذا العمل أو ذاك دستوريا أو غير دستورى، شرعيا أو غير شرعى.

3 ـ المقترب البنائى ـ الوظيفى: الذى ينظر إلى الظواهر السياسية وقضاياها من خلال البنية التى تكونها وتحكمها ومفهوم البنية الذى يقوم عليه هذا المقترب يعنى الوحدة المكونة بطريقة ما من أجزاء، والدور أو الوظيفة التى يقوم كل جزء بها داخل البنية وضمن النظام السياسى ومفهوم الوظيفة الذى يقوم عليه هذا المقترب مأخوذ من الحياة العضوية وعلومها ويذهب هذا المقترب إلى اعتبار الكل مكونا من أجزاء ويقوم كل جزء (وحدة) بوظيفة فى هذا الكل الذى يقوم بدوره بوظائف فى بيئته الأوسع، فتؤثر الأجزاء فى بعضها بعضا، بحيث يكون هناك اعتماد متبادل، وتأثير وتأثر، أى أن أى تغير يشهده الجزء يؤثر على باقى الأجزاء وينظر هذا المقترب إلى المجتمع بوصفه نسقا من المتغيرات المتداخلة والمتساندة وظيفيا (5).

4 ـ المقترب الاتصالى: الذى يدرس عملية الاتصال وتبادل المعلومات بين الحاكم والمحكوم ويحلل قنوات الاتصال، والمعلومات التى تنساب فيها، والإجراءات المنظمة لها، وردود الأفعال المتوقعة إزاءها تجدر الإشارة فى هذا المقام إلى أن هذه المقتربات لا يمكن فصلها عن بعض فى أى تحليل سياسى للظاهرة السياسية، فهى تترابط وتتشابك، وتشكل منظومة متكاملة ضمن التحليل النظمى والبنائى الوظيفى ثانيا ـ خصوصية الحالة الفلسطينية: تختلف هذه المقتربات ودرجة تماهيها مع الواقع الفلسطينى، بل يمكن القول إن المحلل لواقع الحياة السياسية الفلسطينية يشعر بأن تلك المقتربات وأدوات التحليل لا تصلح لمقاربة وتحليل الواقع السياسى الفلسطينى إنها كمفاهيم وصياغات عقلية نتجت أو كانت وليدة بيئة غير بيئتنا فالنظام السياسى الفلسطينى بخصائصه الحالية، والجهاز الإدارى للحكومة، إضافة إلى المحاكم، وجهاز القضاء، والمجلس التشريعى، والجماعات السياسية غير الرسمية، كالفصائل السياسية وجماعات الضغط والمصالح والعشائر والعائلات وكافة عناصر بنية الدولة ـ لا تزال ـ قيد التشكل والبناء وتشير توجهات النظام السياسى الفلسطينى، منذ تأسيسه، إلى أنه يسير بخطى واثقة نحو نظام حكم يقدر الشخص وليس المؤسسة وبالتالى ينتج مؤسسات متوحدة مع شخص الحاكم، هذا فضلا عن تقديسه للفهلوة بدلا من القانون، وبالتالى تغيب المساءلة والمحاسبة وتعزز الفئوية والاستئثار لمن هو أقوى وبناء عليه، لابد من تكييف هذه المقتربات مع الواقع وخصوصية الحالة الفلسطينية ومن هنا، فقد اعتمدت الدراسة على المقترب النخبوى كإطار تحليلى لدراسة النظام السياسى وأزماته المتلاحقة وأزمة نخبه السياسية، وذلك بعد تكييف المقتربات السابقة مع خصوصية الحالة الفلسطينية فالمقتربات السابق ذكرها (النظمى، الحقوقى، البنائى ـ الوظيفى، الاتصالى) تفترض وجود نخب سياسية، وهذه الأخيرة تعتبر متغيرا ضمن متغيرات أخرى ضمن هذه المقتربات، ولكنها ليست المتغير الرئيسى فالمقترب النظمى والحقوقى، والبنائى ـ الوظيفى، والاتصالى وغيرها من المقتربات التى تقع ضمن التحليل النظمى، كلها تشرح التركيبة أو الظاهرة السياسية وتفككها إلى أجزاء، وكل جزء من هذه الأجزاء يعتمد على الجزء الآخر، أى يقيده ويضبط حركته وتفاعلاته ومن هنا، يحدث التوازن بين الأجزاء ولا يطغى أحدهما على الآخر، وبالتالى التوازن والتكيف والاستقلالية والاعتماد المتبادل ضمن منظومة متناسقة مترابطة منطقيا يمكن التنبؤ بحركتها ومستقبلها فمثلا عند تحليل الظاهرة السياسية فى أى من المجتمعات الغربية، تفترض هذه المقتربات أن هناك نظاما قانونيا تخضع له النخب السياسية، ويكون سلوك تلك النخب ما هو إلا انعكاس لنظام مؤسساتى وقانونى معين كما يفترض أن هناك مؤسسات لها أدوار معينة لا تحيد عنها تؤدى وظيفتها ضمن حدود مضبوطة ومقيدة وبالتالى هناك تقسيم للأدوار والتخصص وتحديد وظيفى لكل جزء وهذه النخب السياسية والنظام القانونى والمؤسساتى والوظائف أو الأدوار كلها تترابط وتتشابك ضمن نسق معين، وعليه يكون هناك توازن بين الأجزاء والنتيجة تحقق هدف هذه المقتربات، أى التكيف والتوازن والاستقرار والانسجام بين مكونات ومفردات النظام وتصبح الحياة السياسية مقطوعة سيمفونية ونموذجا رائعا وجميلا، أو كما ينبغى أن تكون عليه الحياة السياسية، وإن لم تكن كذلك فمهمة النخب السياسية وكافة مفردات النظام أن تجعلها جميلة منسجمة ومتناغمة ولكن الأمر مع الحالة الفلسطينية جد مختلف فالمتغير القانونى والمؤسساتى والبنائى ـ الوظيفى والاتصالى لا قيمة لها أمام متغير النخبة السياسية ففى النظام السياسى الفلسطينى، كل هذه المتغيرات هى تابعة لمتغير مستقل هو متغير النخبة الذى يحرك كل هذه المتغيرات ويتحكم بها وبناء لما سبق، تعتمد الدراسة على المقترب النخبوى، من حيث استقلاليته عن الأجزاء الأخرى المكونة للنظام السياسى التى هى متغيرات تابعة للمتغير النخبوى، فهذه الأخيرة تعمل باستقلالية كاملة ومطلقة وغير مقيدة بأى ضابط أو حدود فلا القانون ولا المؤسسات ولا الأدوار ولا الوظائف تقيد النخب السياسية، بل هى نخب مستقلة عن كل ذلك وهى تتحكم بها وعليه، تتعدد المحاور السياسية والإدارية ومراكز القوى وآليات اتخاذ القرار، فهذا كله لا يعمل عملا داخل المؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية ومن خلال احتكامها لإطار قانونى وقضائى يضبط تفاعلاتها وآلية اتخاذ القرارات فكلها تتبع للنخب السياسية ومواقفها وعقائدها وتصوراتها غير المنضوية تحت أى نظام قانونى مؤسساتى، وبالتالى فوضى فى الأدوار والوظائف وتداخل فى الصلاحيات ومن هنا، فإذا كان هناك نظام رسمى يخضع لنزوات نخبه وتوجهاتهم الخاصة بدلا من المؤسسية، فهناك أيضا نظام غير رسمى مواز للنظام الرسمى يطغى فى معظم الأحيان على النظام الرسمى ويخضع أيضا لتوجهاته الشخصية أو نخبه السياسية وعليه، فالنظام الرسمى، بمسمياته ومناصبه ومدرائه ووحداته وأقسامه ومكاتبه، لا يعكس آليات اتخاذ القرارات الفعلية أو صلاحية وسلطة المناصب والمسميات الرسمية، وبالتالى وجود مدير عام له نفوذ أكبر من الوزير، أو مدير دائرة له نفوذ أكبر من المدير العام، على سبيل المثال (6) كل هذه المعطيات تفسر لنا أزمة المؤسسات السياسية الرسمية كالمجلس التشريعى ـ على سبيل المثال ـ وغياب دوره الوظيفى فى النظام السياسى، فضلا عن أزمة الأحزاب والفصائل السياسية والعسكرية ومنظمة التحرير الفلسطينية النظام الفلسطينى يعمل ضمن المحاور وضمن الارتباطات الشخصية الرأسية والأفقية التى تشكل قيدا على العمل المؤسساتى والقانونى، ومن هنا، كان دور الفرد القائد البطل الملهم فلا غرو والحالة تلك أن الرئيس الفلسطينى الراحل ـ أبو عمار ـ كان هو الصمغ اللاصق للنظام السياسى والإدارى كما أن قادة كل الفصائل السياسية والعسكرية والتنظيمات الفلسطينية تمكنوا من تعزيز سلطاتهم وتكريس نفوذهم لدرجة مكنتهم من شخصنة الفصائل والتنظيمات الفلسطينية لقد أصبحت السياسات خاضعة لنزوات وأهواء قائد الفصيل، حتى لا يمكن القفز على سطوة القائد أو الأمين العام عند التعامل مع الفصيل أو التنظيم فالسلطة والموارد والمكانة تجمعت بيده وعليه، أصبح الفصيل السياسى تجسيدا لإرادة القائد وانعكاسا لرغباته أما الجمهور، فهو حبيس موروث طويل من القيم والمفاهيم الإقصائية والإلغائية التى تقوم على الحقائق المطلقة وعلى الإحجام عن نقد الذات والإمعان فى تسفيه الآخرين ونبذهم، فضلا عن عدم رسوخ قيم العدالة والمساواة (7) هذا فضلا عن أن هذه القيادات والنخب السياسية تتبع نمطا تعبويا مميزا وفريدا فى تنشئتها السياسية وغرس القيم السياسية لأفرادها، فهى تعبئ أفرادها بصورة مبالغ فيها، حيث تعظم وتضخم من أهدافها ومقاصدها وغاياتها دون أن تملك هذه القيادات والفصائل السياسية والعسكرية وسائل أو آليات تنفيذ تلك الأهداف الطموح والمثالية وهذا النمط التعبوى إما أن ينتج أفرادا غير عقلانيين تابعين تبعية مطلقة للقائد أو للفصيل أو للمسئول، ويؤمنون بقيم مطلقة تغيب عنها الوسطية والاعتدال والمرونة، أو أن ينتج حالة من الإحباط والعزوف عن الشأن العام وعدم الثقة فى قيادات الفصائل والنخب السياسية، وكلاهما موجود فى المجتمع الفلسطينى وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط التعبوى وأساليب التنشئة السياسية للفصائل السياسية الفلسطينية أفرزا أفرادا يخضعون وبشكل مطلق لأهداف وأفكار وميول قياداتهم السياسية، فأصبح هذا القائد أو ذاك المسئول هو الذى يعزى إليه الفضل فى تماسك الفصيل السياسى ووحدته، ليس ذلك فحسب بل أصبح هذا القائد أو ذاك المسئول يجسد إرادة الله فى الأرض بالإضافة لذلك، هناك اعتقاد سائد عند النخب السياسية لحركات الإسلام السياسى وأفرادها (حماس والجهاد الإسلامى) هو: أن الأمة العربية جربت نماذج مختلفة ما بين حركات وأحزاب وأنظمة وأيديولوجيات كلها فشلت فى الفكر والممارسة، والبديل هو الإسلام السياسى، أى أن الحركة الإسلامية هى المعقل الأخير وبالتالى يجب أن تنجح، مما ترتب على ذلك عدم الاعتراف بأى فشل بل هذا الأخير لا مكانة له فى منظومتها الأيديولوجية وأنساقها العقدية، وعلى الجميع أن يلحق بقطار تلك الحركات وإلا جرفه القطار وعليه، فهى ترفض المشاركة مع القوى السياسية الأخرى المخالفة لفكرها السياسى، لأن التاريخ أثبت فشلها حسبما تعتقد هذه النخب ترتب على هذا النمط التعبوى وأسلوب التنشئة السياسية غياب المعايير العقلانية والموضوعية، والتى من خلالها يمكن أن تحكم على الوقائع والأحداث والسلوك بالفشل أو يشوبه الخلل، وبالتالى يمكن تصويب الواقع والسلوكيات الخاطئة وتعديلها، بل الحاصل هو أن النجاح دائما حليف هذا القائد أو هذا الفصيل أو ذاك المسئول ومن هنا، تضيع الرؤية المستقبلية والقدرة على استشراف المستقبل، وهذا ما وقعت فيه حركة حماس عند دخولها الانتخابات التشريعية، والتى أثبتت الوقائع والأحداث أن حماس لم تدخل الانتخابات ولديها رؤية مستقبلية ولا بناء عن تخطيط مسبق تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤسسات الرسمية كالمدرسة ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ والتى من المفترض أن يكون لها الدور الرئيسى فى عملية التنشئة السياسية وغرس القيم والمفاهيم والتوجهات السياسية، لم تكن بالفاعلية والقوة والتأثير مقابل التنشئة التى تقوم بها الفصائل والقوى السياسية وقياداتها، حيث بعد عملية مسح أجراها الكاتب لعينة من الكتب المدرسية وخصوصا كتب التربية الوطنية، والتاريخ، والتربية المدنية، خلال مراحل تعليمية مختلفة وباستخدام منهج تحليل المضمون، فقد تبين من خلال عملية المسح وتحليل المضمون هذه أن عملية غرس القيم السياسية ركزت على القيم السياسية التالية: الحوار، وقيم التسامح والعدالة والحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والدولة الفلسطينية المستقلة، وحرية الرأى والتعبير، وحرية تشكل الأحزاب والمشاركة السياسية بيد أن هذه القيم التى تم غرسها فى الطلبة لم تكن بقوة التأثير والفاعلية مقابل قوة وتأثير وفاعلية الفصائل والقوى السياسية بغرس قيمهم السياسية فى الطلبة والمجتمع الفلسطينى حيث وجد الكاتب أن قوة تأثير القائد أو المسئول لهذا الفصيل أو ذاك هى بالفاعلية والقوة التى تفوق فاعلية وقوة تأثير المدرسة على الطلبة هذا فضلا عن أن عملية التسييس التى تقوم بها الفصائل والقوى السياسية تقوم على غرس قيم سياسية تركز على: التبعية والخضوع المطلق لقائد الفصيل، وتنمية التفكير الاتباعى بدلا من تنمية التفكير العقلانى والموضوعى الذى ينمى استقلالية الفرد والقدرة على التفكير الإبداعى، وغرس قيم الطاعة والخضوع بدلا من قيم الحرية والإبداع والنقد، وغلبة التفكير الإطلاقى على النسبى، والتعبئة نحو أهداف وغايات قصوى ومثالية دون امتلاك الأدوات والموارد لتحقيق ذلك، الأمر الذى أدى إلى استشراء العنف السياسى فى النظام السياسى الفلسطينى (8) خلاصة ذلك أن هذه المعطيات تدلل على أن تلك المقتربات لا تتواءم والحالة الفلسطينية، حيث يسود هذه الأخيرة حالة من التشويش والفوضى والاضطراب وعدم وضوح التخوم الفاصلة فيما بين مكونات نظامه السياسى، نتيجة التشابك والتعددية فيما بين كافة مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، تصل إلى حد تهديد أداء تلك المؤسسات والمجالس وكافة مكونات النظام الأمر الذى يتنافى مع تلك المقتربات ويعزى ذلك إلى تحكم النخبة والقيادات السياسية الفلسطينية (المتغير المستقل) فى كل المؤسسات ومفردات النظام (المتغير التابع) وهذه الأخيرة تخضع خضوعا مطلقا للقيادات والنخب السياسية غير المنضوية تحت أى إطار قانونى أو قضائى أو مؤسساتى يضبط حركتها وتفاعلاتها، والنتيجة هى أزمة تلف أطراف النظام ثالثا ـ فى مفهوم النخبة: تحول مفهوم النخبة إلى مفهوم محورى فى التحليل السياسى المعاصر ولا يتوقع فى هذا الحيز الضيق أن نتناول كافة الإشكاليات النظرية المصاحبة للمفهوم، ولا تحديد مؤشرات دقيقة أو موضوعية لتوضيح من يمكن أن يندرج فى النخبة ولكن ستعرض الدراسة لطبيعة وخصائص وتوجهات النخب السياسية الفلسطينية ويمكن القول إن كل تركيب اجتماعى هيراركى يقتضى أن يكون داخله نخبة عامة تقف فوق قمة المجتمع، ونخب نوعية تقف على قمة كل قطاع من القطاعات الفرعية داخل المجتمع، هذا فضلا عن أن الفرز النخبوى حقيقة من حقائق الحياة الاجتماعية والسياسية وهنا، يمكن تعريف النخبة بأنها ـ جماعة (أو جماعات) من الأفراد لهم خصائص مميزة تجعلهم يقومون بأدوار أكثر تميزا فى حياة مجتمعاتهم، ومؤشر هذا التميز فى الأدوار هو تأثيرهم البالغ على مجريات الأمور وتوجيهها، كما ينعكس تأثيرهم على عمليات صنع القرارات الهامة فى مختلف مجالات الحياة ـ (9) وعليه، فاستعمال كلمة نخب سياسية هنا يقصد بهم القادة السياسيون، أى من فى يدهم مقاليد السلطة السياسية دون ربط النخبة بالأفضلية والتفوق، أى أنه ليس بالضرورة أن يكون من هو فى جهاز السلطة السياسية أفضل ما فى المجتمع إذن، فكل من هم فى السلطة أو مقربون إليها يدرجون كنخب سياسية، هذا فضلا عن القوى الأخرى التى تقع خارج بناء السلطة الرسمية كالأحزاب وجماعات الضغط وأصحاب النفوذ السياسى والقادرين على التأثير فى صنع القرار إذن هناك نخب سياسية داخل الحكم، ونخب سياسية خارج الحكم، الأولى يطلق عليها نخب سياسية رسمية، والثانية يطلق عليها نخب سياسية غير رسمية وتجدر الإشارة إلى أن الواقع الفلسطينى قائم على أساس تعدد النخب وبالتالى تعدد مراكز القرار فى المجتمع السياسى الفلسطينى، وتعدد المحاور السياسية والإدارية ومراكز القوى وآليات اتخاذ القرار وهذه النخب قد تتواجه وقد تتعاون، وإن كانت هذه النخب فى المجتمع السياسى الفلسطينى هى أقرب إلى النمط الصراعى منه إلى النمط التعاونى، بالرغم من أن كارل مانهايم ـ عالم الاجتماع ـ اعتبر أن وجود تعددية فى النخب يخلق فيما بينها ميزانا للقوى ويبحث عن مساندة الجماهير، وهو شرط لا غنى عنه من أجل الديمقراطية وحرية الرأى والتعبير والتداول السلمى للسلطة رابعا ـ النخب السياسية الفلسطينية: هناك عوامل أخرى، إضافة لما ذكرناه سابقا، تبرر لنا اعتماد المدخل النخبوى فى فهم وتفسير حالة الاستعصاء السياسى والأزمات المتلاحقة التى أصابت، ولا تزال، الجسد الفلسطينى، وهى:

1 ـ تخلف البنى الاجتماعية وسيادة النسق الأبوى والعائلى والعشائرى فى المجتمع الفلسطينى وهذا المجتمع لم يتعرف على مؤسسات سياسية حزبية متطورة إلا فى فترات قصيرة من تاريخه (10) فأصبحت العملية السياسية والحياة السياسية تدار بعقلية زعيم قبيلة والفصائل الفلسطينية هى أقرب إلى فصائل قبلية عشائرية منها إلى أحزاب وحركات سياسية بالمعنى الحقيقى للأحزاب السياسية.

2 ـ حرمان الفلسطينيين من الدولة التى هى عماد السياسة ـ إن الدولة هى مدرسة السياسة ومحور فعاليتها وأنشطتها وتنظيمها (11) فبدون الدولة، لا تستقيم الحياة السياسية، بل لا معنى للسياسة فى غياب الدولة وعليه مع غياب الدولة هذه، غابت العملية السياسية السليمة فالحياة الديمقراطية والتنافس السلمى على السلطة والعملية السياسية والتداول السلمى للسلطة هى مغيبة عن النظام السياسى الفلسطينى، هذا فضلا عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتباينة والتى رسختها علاقات الاحتلال واللجوء والشتات المفروضة عليهم ولا شك فى أن هذا التشوه حال دون بناء مؤسسات طبيعية متطورة وبالتالى تشكيل أحزاب وبنى سياسية متطورة قادرة على إفراز نخب سياسية تكون قادرة على التكيف والمرونة والاستقلالية وتحقيق الانسجام والتوافق بين مفردات النظام بدلا من الصراع والإقصاء.

3 ـ التدخلات الخارجية والضغوطات التى تمارس على الفلسطينيين وعلى قياداتهم ونخبهم بوسائل مختلفة لإجبارهم على التماثل مع المعطيات السياسية التى تخدم الأطراف الخارجية.

4 ـ غياب الإجماع الوطنى حول الأهداف والقضايا الأساسية والمصيرية بين النخب الفلسطينية ويظهر غياب الإجماع من خلال تعدد البرامج والاستراتيجيات على الساحة الفلسطينية تجدر الإشارة فى هذا المقام إلى أنه بالرغم من الظروف الموضوعية (المتغيرات الخارجية وطبيعة الاحتلال الإسرائيلى) والتى تتحمل قسطا من المسئولية عن الخلل فى النظام السياسى، فإن القسط الأكبر بالتأكيد تتحمله النخب القائمة على العمل العام فهناك خلل واضح وهيكلى، من مؤشراته ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ العجز الفاضح عن إدارة النخب لأوضاعها الداخلية وفقر فى بناء مؤسساتها وعلاقاتها وشعاراتها التى تكشف عن حالة التدهور فى النخب الفلسطينية التى أوصلت المجتمع الفلسطينى وأدخلته فى أتون حرب أهلية لقد جاء النظام السياسى الفلسطينى تتويجا لقاعه الاجتماعى المشوه والمضطرب فالنخب السياسية ـ نتيجة للاحتلال والشتات الفلسطينى وهشاشة البنى الاجتماعية والاقتصادية وسيادة بنى عشائرية قبلية أبوية وغياب التواصل المجتمعى ـ لم تنشأ نشأة طبيعية عبر عملية تطور اجتماعى ـ اقتصادى طويل المدى بما يكفى لتراكم التقاليد السياسية والمؤسساتية فعند مجىء السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أسلو، الذى وقع فى سبتمبر 1993، حيث بدأت تدشن نظامها السياسى الرسمى، فإنه سرعان ما اصطدم مع القاع السوسيولوجى للمجتمع الفلسطينى القبلى العشائرى، وهشاشة البنى الاجتماعية ـ الاقتصادية، هذا بالإضافة للجماعات المسلحة والقوى والفصائل السياسية التى كانت تعمل فى اتجاه معاكس للنظام السياسى الرسمى المتشكل للتو إن هذه الظروف والمعطيات أنتجت نخبا غير موحدة، لا تتمتع إلا بقدر يسير من التكامل والإجماع القيمى وقد ترتب على ذلك تعزيز مجموعة من التقاليد والقيم غير المؤازرة للسلوك الديمقراطى، كرؤية العلاقات السياسية فيما بين الشرائح المختلفة للنخب السياسية من منظار الغالب والمغلوب والتشكك والارتياب والنظرة السلبية لمبدأ الحلول الوسط والنزوع إلى إقصاء الآخرين وتضييق حيز التسامح معهم فهذه النزاعات لا تزال تميز المساحة الأكبر من الحياة السياسية الفلسطينية (12) وهذه القيم والتقاليد تعبر عن نفسها على الدوام فى سياق العلاقات بين النخب السياسية، سواء الرسمية أو غير الرسمية، خاصة النخب السياسية الإسلامية ـ فالعلاقات بين هذه الأطراف تحكمها درجة ملحوظة من التوتر وتثقلها تباينات سياسية وأيديولوجية وعقدية مهمة ـ (13) فى هذا الإطار، تعاظم دور الفرد، بل أصبحت شخصنة المؤسسة هى السمة الغالبة على القوى والمؤسسات السياسية وأصبح الفرد الذى يملك مجموعة صغيرة جدا من المسلحين يحكم أكثر من الأجهزة الأمنية الرسمية، وله تأثير على المسار السياسى أكثر من المثقفين والمتنورين وأصبحت العائلة والعشيرة والفصائل السياسية الفلسطينية أكثر قوة وتأثيرا فى المجتمع من المؤسسات السياسية الرسمية للنظام، بل حتى تجرأ البعض على الاعتداء على مؤسسات السلطة الرسمية، ولم يستطع التجرؤ على الاعتداء على عائلة أو عشيرة هذا فضلا عن غياب التكامل السياسى وضعف الثقافة السياسية التى ينتابها التوجس وعدم الاعتراف بالآخر والضغينة، وبالتالى غياب الثقة بين النخب السياسية، وإدارة هذه الأخيرة الحياة السياسية بعقلية زعيم قبيلة، مما أدى إلى حالة من العنف اللفظى والمادى وفساد سياسى وغياب الفعل السياسى المستقل والقادر على انتشال النظام السياسى من كبوته من هنا تأتى أهمية دراسة النخب والقيادات السياسية الفلسطينية لما لها من دور رئيسى فى عملية صنع القرار، وما يقع عليها من مسئولية عن سياسات العنف، ولما لها من دور فى عملية استقرار أو عدم استقرار النظام السياسى هذا بالإضافة لما للنخبة الفلسطينية من تأثير كبير على الجماهير، وبالتالى توجيهها كيفما ترى لتحقيق مصالحها وغاياتها إن غياب الانسجام والوحدة أو التنسيق والانسجام عن النخب السياسية يعد من أبرز الإشكاليات السياسية التى تواجه النظام السياسى الفلسطينى هذا فضلا عن غياب الشعور بالثقة والتسامح والقيم الديمقراطية عن العمل السياسى وفيما بين مختلف السلطات والهيئات والمؤسسات المكونة للنظام السياسى، والتى يحكمها قدر من المنافسة والرغبة فى التهميش والإقصاء ودرجة مقلقة من الازدواجية والتشابك وغياب التنسيق (14) وقد برزت هذه الإشكالية بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات عن النظام السياسى وقد اتضح عمق هذه المعضلة خلال انتفاضة الأقصى، حيث كشفت هذه الانتفاضة عن أن قيادة النظام السياسى الفلسطينى، ممثلة بشخص ـ أبو عمار ـ استمدت قدرتها على إدارة النظام السياسى الفلسطينى بحكم شرعيتها الكاريزمية والتاريخية، وليس على أنها تجسيد لمؤسسة القيادة إن تعدد مراكز القوى وتعدد النخب والقيادات السياسية، سواء فى مؤسسة السلطة أو المعارضة أو الفصائل، وعملها وفق برامج واستراتيجيات وسياسات متناقضة، عمق من أزمة النظام السياسى هذا فضلا عن المنافسة والرغبة فى التهميش والإقصاء، والذى يؤدى إلى سيطرة التوتر والعدائية فى العلاقات بين النخب السياسية الرسمية وغير الرسمية، وكافة مفردات النظام السياسى هذه الوضعية تسهم بشكل كبير فى زيادة ظاهرة العنف وعدم الاستقرار السياسى وتفكك النظام إن ظاهرة الصراع بين القوى السياسية على القيادة السياسية والتحكم بالقرار الفلسطينى، هى انعكاس لأزمة نخبوية، سواء أكانت داخل السلطة أم بينها وبين المعارضة كما يعيق غياب الوحدة وضعف المؤسسة على مستوى القيادة السياسية من بناء النظام السياسى على أسس ديمقراطية، ويفقد النظام السياسى أهم عنصر من عناصره، وهو وجود قيادة ذات سلطة إكراهية تمارس سيادتها على كافة شرائح المجتمع وعليه، فأزمة النخبة السياسية الفلسطينية هى المتغير الرئيسى فى تفسير أزمة النظام السياسى الفلسطينى، لأنه لو كانت هناك نخب سياسية بالمعنى الحقيقى للمفهوم لحلت كافة المعضلات، أو معظمها على الأقل ولو كانت هناك نخب فلسطينية متماسكة حول القضايا الوطنية، الاستراتيجية والتكتيكية، لضعف تأثير العوامل الخارجية، ولما وصل الداخل الفلسطينى إلى ما هو عليه من انشطار النخب وفوضى وصراعات أهلية، وغياب القيادة القادرة على توحيد مفردات النظام واللافت للنظر، أنه فى الوقت الذى تتقوض فيه أركان المشروع الوطنى (الهوية والاستقلال والدولة) وانشطار الوطن إلى سلطتين، سلطة فى رام الله وأخرى فى غزة، لا تبدى بعض النخب الفلسطينية قلقا كبيرا، بل تتعاطى مع تلك الأزمة وذلك الانشطار تعاطيا قدريا وسلبيا خامسا ـ مأزق النخب الفلسطينية: وتبرز فى هذا الإطار أسئلة حول أسباب عجز القيادات الفلسطينية عن إدارة الشأن السياسى والحياة اليومية، وسنستعرض هنا بعضها:

1 ـ غياب التوافق والانسجام: حيث يصعب الحديث عن مشروع وطنى فلسطينى فى ظل انشطار النخب ضمن أهداف متناقضة واستراتيجيات عمل متناقضة، الأمر الذى يسمح لأطراف خارجية بالتدخل وتعميق الأزمة الفلسطينية لغياب المناعة أو الحصانة الذاتية، وبالتالى استباحة النظام السياسى، كما هو حاصل اليوم ويمكن قياس عدم التجانس وحالة التشظى بين النخب السياسية الفلسطينية من خلال المؤشرات التالية: أ ـ المؤشر الأول: الممارسة البرلمانية: عند تشخيص وتحليل سلوك النخب فى أثناء الممارسة البرلمانية، اتضح تغيب بعض النواب عن الجلسات المقررة، وحدة الخلافات التى كانت تنتاب جلسات المجلس التشريعى، وتكرر مقاطعة جلسات المجلس التشريعى لعشرات المرات، وكانت النتيجة شللا تاما فى الحياة البرلمانية الفلسطينية وبعد الاعتقالات التى قامت بها قوات الاحتلال الإسرائيلى لنواب حماس فى المجلس التشريعى، رفضت حماس حضور الجلسات البرلمانية بحجة أن كتلة فتح البرلمانية يمكن لها أن تستغل غياب النواب عن كتلة حماس فى إقرار تشريعات تخدم مصالحها وهذا يعكس عدم الثقة بين النخب السياسية ويعد هذا مؤشرا مهما لقياس غياب التجانس والإجماع والتوافق وغياب الثقة بين النخب السياسية وعليه، وقع المجلس التشريعى، الذى يعكس كافة ألوان الطيف السياسى الفلسطينى، فى فخ التجاذبات السياسية، خلافا للتقاليد والأعراف الدستورية الراسخة، هذا بالإضافة إلى انه افتقر إلى روح الفريق، وحاولت الكتل الرئيسية فى المجلس، خاصة كتلة حماس وكتلة فتح، إنجاز أجندتيهما الخاصتين على حساب الأجندة الوطنية وقواعد التعاون الداخلى لإنجاز المهام المنوطة به هذا فضلا عن حالة التوتر والمناكفة التى حكمت العلاقة بين المجلس التشريعى والرئاسة (15) ب ـ المؤشر الثانى: غياب اللغة المشتركة، أى غياب الأهداف المشتركة والطموحات التى تسعى إليها النخب، ويظهر ذلك من خلال تعدد الاستراتيجيات، فهى بعدد الفصائل الفلسطينية وكل واحدة منها تلغى الأخرى ج ـ المؤشر الثالث: غياب التفاعل الشخصى، بمعنى أن شبكات الاتصالات والصداقة والتأثير، ودرجة الاتفاق بين النخب على الأهداف والسياسات، والإحساس المتبادل بالثقة بين أعضاء النخبة، كل ذلك غائب عن النخب الفلسطينية التى هى مرتبطة بعلاقات مع الخارج أكثر من الارتباطات الداخلية فيما بينهما د ـ المؤشر الرابع: تباين الثقافة السياسية للنخب، بين ثقافة سياسية وطنية تفصل السياسة عن الدين، وثقافة سياسية تدمج بين الدين والسياسة، بل وتسيس الدين من خلال إسقاط أو تنزيل بعض النصوص الدينية على سلوكها السياسى وقد وصل الأمر بالبعض إلى تقديس سلوكه السياسى، وإسقاط بعض النصوص على سلوك الآخرين لإظهاره بعدم التوافق مع الدين وبالتالى تكفيره هذا التناقض خلق صراعا بين النخب السياسية، على شرعية من يمثل الفلسطينيين، وانعكس على غياب الأهداف المشتركة، وجعل هناك تعددا فى مراكز صنع القرار، مما أفقد النظام السياسى القيادة الواحدة لقد ترتب على ذلك فقدان النظام السياسى للسلطة الإكراهية التى بدونها يفقد قدرته على الاستمرار والمحافظة على بقائه وهذا كان عاملا وسببا أساسيا فى تفجير العنف السياسى الفلسطينى.

2 ـ فى تفسيره لأزمة النخب فى المشرق العربى، ذهب المستشرق والمؤرخ الأمريكى بيتر مانسفيلد، إلى ـ أن دول الشرق الأوسط عموما شهدت فى القرون الأخيرة نمطا متكررا من نسف التراكم الاقتصادى والثقافى والسياسى مع كل تغيير، ولذا فإن التقدم بالمعنى الحقيقى لا يكتمل ولا يطرد، فكلما جاءت نخبة لعنت أختها، وأبادت ما أنجزه السابقون ـ (16) فالنخب السياسية فى الشرق العربى تكونت نتيجة إقصاء ورفض وإلغاء الآخر، وهى على استعداد للانقضاض عليه والقضاء على كل ما يمثله من مؤسسات وأبنية ورموز وقيم، عندما تتوافر الظروف المناسبة ولأن كل نخبة تريد أن تلعن وتلغى تجربة سابقتها ليبدأ المجتمع من جديد من الصفر، فإن ذلك يفقد العملية التراكمية التى بدونها لا يمكن إحداث تطور فى الواقع ونحن نرى أن ابن خلدون،عالم الاجتماع والمؤرخ العربى الشهير، سبق مانسفيلد فى تحليله هذا، حيث عزا ابن خلدون ـ فى مقدمته الشهيرة وذائعة الصيت ـ أزمة الحضارة الإسلامية والعربية، وبالتالى أزمة النخب العربية بالتبعية، إلى غياب عملية التراكم الحضارى التى بدونها لا تقوم ولا تكتمل الحضارات والمؤسسات الإنسانية وبالتطبيق على أزمة النخب الفلسطينية، نطرح التساؤل الرئيسى التالى: هل أزمة النخبة الفلسطينية هى تكرار التأزم السياسى للحضارة العربية الإسلامية؟ بمعنى آخر: هل الأزمة الراهنة من الصراع النخبوى الفلسطينى القائم فى هذه الأثناء، وخصوصا بعد وصول حركة حماس وتبوئها النظام السياسى بعد الانتخابات التشريعية الثانية، تهدف إلى إلغاء مرحلة متشكلة والبدء بمرحلة جديدة، وهو ما يعنى البدء من نقطة الصفر بدلا من نقد المراحل السابقة من تاريخه السياسى وخصوصا تجربة الحكم الذاتى، حتى يمكن تصويبها والإضافة عليها بدلا من إلغائها والبدء بمرحلة جديدة؟ يعد تشكل النظام السياسى الفلسطينى على جزء من الأراضى الفلسطينية مرحلة تاريخية مهمة فى تاريخ القضية الفلسطينية ـ حيث أصبحت هناك سلطة فلسطينية وطنية تمارس سيادتها على جزء من الوطن ـ بعدما كان النظام السياسى نظام حركة تحرر وطنى يناضل من الخارج هذا التحول ألقى بظلاله على كافة مناحى الحياة الفلسطينية وعلى البنية السياسية بشكل خاص، كما شكل اختبارا قاسيا على مدى قدرة الفلسطينيين على إدارة أمورهم بأنفسهم أمام هذا التطور التاريخى، كان هناك رهان خارجى وداخلى على إفشال تلك التجربة التاريخية إسرائيل كانت تراهن على فشل هذه التجربة، وبذلت كل ما فى وسعها لإفشالها وتقويضها حتى تثبت للعالم أن الفلسطينيين أعجز من أن يقودوا أنفسهم، وبالتالى لا بديل عن الاحتلال أو أى طرف خارجى يقودهم كما هدفت إسرائيل من وراء إفشال تلك التجربة إلى أن هذا الفشل يعطيها مبررا لكى تتملص من استحقاق أوسلو الذى يطالبها بالتنازل للفلسطينيين، وبالتالى تصبح لهم دولة مستقلة مجاورة لدولة إسرائيل قد تهددها فى المستقبل أما الطرف الداخلى الذى سعى دون كلل أو ملل لإفشال تجربة السلطة وتقويضها تمهيدا لقيادة الشارع الفلسطينى، وبالتالى تشكيل السلطة والمجتمع وفق مبادئه وأيديولوجيته، والاستفراد بكافة مناحى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وإخلاء الساحة أمامه، فهذا الطرف الداخلى المتمثل بالنخب والقيادات السياسية لا يستطيع أن يعمل ويتعايش مع الآخرين، بل لديه أصلا مشكلة مع الآخر، بل هذا الآخر أصبح هو العدو فيما بعد وأصبح يتساوى ويتماثل مع العدو الحقيقى ألا وهو إسرائيل فهذه العلاقات بين النخب والقيادات السياسية هى إذن علاقة إقصاء وإلغاء وهى سمة تلف معظم النخب السياسية وعليه، فقد صيغت البرامج ووضعت المخططات لإنهاء التجربة، وذلك قبل أن تتجسد على أرض الواقع، وبالتالى الحكم عليها من خلال ممارساتها ونقدها وتقويمها وتصويبها، بدلا من الحكم المسبق عليها كما فعلت النخب السياسية وقوى المعارضة لهذه التجربة بشكل عام وحركة حماس بشكل خاص كيف لا وقد أعطته السلطة الفلسطينية كل المبررات لكى يعمل هذا الطرف على تقويضها ومنها: ممارسات السلطة من فساد واستبداد واستفراد وعدم الالتزام بالمبادئ القانونية ـ وهنا لا ننكر الدور المشرف لبعض قيادات السلطة فى مجال العمل الوطنى الفلسطينى ـ وعجز السلطة عن تحقيق ما وعدت به شعبها من رخاء وتحقيق بناء الدولة، وعدم قدرة النظام السياسى الفلسطينى المتشكل للتو على أداء وظائفه وعليه، أصبحت هناك أزمة تعانى منها السلطة وهى متمثلة بأزمة شرعية الإنجاز، وهى النتيجة الحتمية لكل ما سبق، وهى تتمثل بعدم قدرة السلطة الفلسطينية على إنجاز ما وعدت به بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين، فلا هى استطاعت أن تكبح العدوان الإسرائيلى على الشعب الفلسطينى، ولا هى استطاعت تحويل الموارد المادية والبشرية، سواء على المستوى المحلى أو الدولى لدفع العملية السلمية وكسب تأييد دولى للقضية الفلسطينية التى هى فى تراجع الآن وحتى لا نحملها ـ السلطة ـ فوق طاقتها، فإننا نؤمن بأن هذا العمل ليس من السهل تحقيقه فى ظل اختلال موازين القوى الدولية والإقليمية لصالح إسرائيل، فهو يحتاج لجهد كبير وعمل مضن وأن يكون ضمن استراتيجية عمل وطنى تجمع عليها كافة القوى الفاعلة فى الحقل السياسى الفلسطينى هذا العجز، وأزمة شرعية الإنجاز وفرا غطاء شرعيا استغلته النخب السياسية المعارضة للانقضاض على النظام السياسى القائم بهدف تقويضه تمهيدا لتشكيله وفق برنامجها وأيديولوجيتها، وبالتالى إنهاء التجربة التاريخية، وإسقاط الفلسطينيين فى هذا الاختبار التاريخى القاسى، والبدء بتجربة تاريخية جديدة تبدأ من الصفر لا أحد يعلم كيف ستنتهى ولكن ما أشبه اليوم بالبارحة، فإن معضلة الحضارة العربية الإسلامية، وبالتالى أزمة النخب السياسية نتيجة لذلك، حسبما يعلله ابن خلدون، هى الانقطاع التاريخى والجغرافى للحضارة العربية والإسلامية بسبب موجات التصحر والغزوات البربرية والبدوية وعليه، فقدت الحضارة العربية والإسلامية عمليات التراكم التى بدونها لا تقوم ولا تكتمل الحضارات والمؤسسات الإنسانية، والنتيجة انقطاع تاريخى (زمانى) ـ وجغرافى يؤدى إلى غياب التراكمات الحضارية وتقويضها وبذلك، فكل بنية اجتماعية أو حضارية على مدى التاريخ العربى والإسلامى تجد نفسها تبدأ من الصفر، نظرا لغياب تجارب سابقة عليها، لأنه تم تقويضها، وبالتالى تحتاج لفترات طويلة ـ بدلا من اختزال الزمن ـ حتى تتشكل وتتبلور ملامحها وعندما تكتمل وتنجز شيئا، يعاد هدمها من جديد للأسباب ذاتها وهو ما يتكرر اليوم فى الحقل السياسى الفلسطينى بفعل العملية الهادفة إلى القضاء على مرحلة تاريخية بكاملها بهدف البدء بمرحلة جديدة بدلا من عملية تراكم للإنجازات وتصويب الأخطاء، وهو ما يعنى الدوران فى الحلقات السياسية المفرغة وتكرار عملية البناء ثم الهدم والبدء من الصفر، وهو ما يفقد عملية التراكم، والتى بدونها لا يمكن إحداث طفرة حضارية فى كافة المجالات وذلك أيضا ما عبر عنه ابن خلدون بمقولته: "فى الأوطان الكثيرة، القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة"، والسبب فى ذلك ـ اختلاف الآراء والمذاهب والأهواء، وأن وراء كل رأى منها هوى وعصبية تمانع دونها فيكثر الانقضاض على الدولة والخروج عليها فى كل وقت، لأن كل عصبية تظن فى نفسها منعة وقوة ـ وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أنه فى ظل اشتداد الوضع الفلسطينى حلكة وصعوبة، ارتفعت فى الآونة الأخيرة الأصوات من قبل بعض النخب السياسية والمثقفة تطالب بحل السلطة الفلسطينية للخروج من المأزق الراهن، والعودة بالصراع مع الاحتلال إلى جذره الأصلى كصراع بين سلطة احتلال وشعب خاضع لها وقد أخذت هذه الدعوة تجرف إليها أعدادا متزايدة من المناضلين والمثقفين الفلسطينيين واللافت للنظر أنه فى الوقت الذى تطالب فيه هذه النخبة بحل السلطة الفلسطينية، تتأسس سلطة جديدة فى غزة بقيادة حركة حماس، هذا من ناحية أما من ناحية أخرى، فإن المطالبين بهذه الخطوة لا يقدمون مبررات مقنعة لذلك على اعتبار أن تلك الخطوة، أى حل السلطة، ستكون هى الحل الأفضل للمأزق الحالى وهناك أيضا رؤية أخر

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية