إيران وتركيا: مزيج حرج من التنافس والتعاون

 

بقلم: عياد البطنيجي

 

2009-4-21 |

مجلة العصر


تعتبر إيران وتركيا قطبين رئيسيين في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، وكلا القطبين يقبعان على موقعٍ استراتيجي في غاية الأهمية، ويغص بالثروات الطبيعية. علاوة على ذلك، فإن التغيرات الإقليمية والدولية تجعلهما قوتين مفصليتين في منطقة مستهدفة من قبل قوى خارجية.

فإيران تمتاز بموقع استراتيجي حساس،، فهي متاخمة لشبه القارة الهندية، وتتمتع بموقع حساس آخر على بوابات الخليج العربي، ولديها من الموارد الاقتصادية الكبيرة ومتنوعة: الفحم، الغاز الطبيعي، خام الحديد، الرصاص، النحاس، المنجنيز، الزنك، الكبريت، وقابعة على احتياطات نفطية ضخمة، وتبلغ مساحتها 1.648 مليون كم2، منها 1.636 مليون كم2 يابسة، و12000 كم2 مياه، ويبلغ تعداد سكانها 70 مليون نسمة تقريباً. لذا، فإيران تمتلك من المقومات ما يؤهلها بأن تصبح قطبًا إقليمًا فاعلاً.

وتركيا ترقد في جنوب غرب قارة آسيا (ويتبع الجزء الغربي لمضيق البسفور، قارة أوروبا جغرافيا)، على البحر الأسود بين بلغاريا وجورجيا، وهي تمتد على قارتي آسيا وأوروبا. وتبلغ مساحتها 780.580 كم2، منها 770.760 كم2 يابسة، و 9820 كم2 مياه. وهي تزخر بموارد عديدة للثروات الطبيعية، وتتمتع بموقع إستراتيجي، يتحكم في المضايق التركية (البسفور، بحر مرمرة، الدردنيل)، التي تربط البحر الأسود ببحر ايجة. ويبلغ تعداد سكانها حوالي 72 مليون نسمة، حسب إحصاءات عام 2008م، وهي بموقعها هذا تعتبر وصلةً جغرافيةً بين الشرق والغرب.

وإذا أضفنا "العرب"، القطب الرئيس في النظام الإقليمي الشرق أوسطي، وهو القطب المغيب بكل أسف، تصبح هذه الأقطاب الثلاثة مجتمعين (إيران، تركيا، العرب) قوة لا يستهان بها، لأنها تسيطر على جميع الممرات المائية التي تصل الشرق بالغرب، وهي تتحكم في المجال البري والجوي، كما أنهم يمتلكون من الثروات بجميع أصنافها، ما يجعلهم مجتمعين قادرين على أداء دور في السياسة الدولية يُحسب لها الحساب، ويمتلكون سوقًا واسعًا تتدافع الدول الغربية على اكتسابه ليكون مأوى صادراتها، وإذا أردوا امتلاك القوة العسكرية فلديهم مقوماتها. لكن هل يمكن أن تتوحد هذه الأقطاب أو أن يكون هناك تنسيق في سياساتهما على الأقل، وبالتالي تغدو طرفًا قويًا وفاعلاً في النسق الدولي يحسب له الحساب؟

ما نبغي إليه في هذا السياق هو رصد نقاط التعاون والتنافس في العلاقات الإيرانية- التركية، وذلك من خلال طرح التساؤلات التالية: ما هي نقاط التعاون والتنافس في العلاقات الإيرانية – التركية؟ وهل سيشهد المستقبل تعاونًا أم صراعًا بينهما؟ وهل يمكن إبقاء حقائق الاختلاف في حالة كمون والتركيز على حقائق التعاون؟

* تحول السياسة التركية نحو الشرق:

بعد عقود من الإهمال والسلبية تجاه الشرق الأوسط، عادت تركيا لتكون مجددًا لاعبًا مهمًا في هذه المنطقة، وذلك في تطور لافت سجل قطيعة مع سياستها السابقة القاضية بتجنب الانغماس في شؤون المنطقة.

وعلى سبيل المثال، تبنت أنقرة خلال السنوات الأخيرة، مقاربة أكثر فعالية ونشاطًا إزاء المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية، وأرسلت جنودًا إلى أفغانستان للمشاركة في مهمة تابعة للناتو، وأسهمت مع الأمم المتحدة إزاء القضية اللبنانية، وتبوأت موقعًا قياديًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وحضرت مؤتمرات جامعة الدول العربية، وبنت أنقرة علاقات مع إيران والعراق وسورية، وتدخلت بوساطة بين سورية وإسرائيل، وعرضت وساطتها على طهران وواشنطن، وبين حماس وإسرائيل.

وتتحرك تركيا بحذر وبدقة في ملفات المنطقة المتشابكة والمعقدة. ويبدو أن التوجه التركي الجديد يحوي المزيد من المرونة والتكيف؛ وذلك من خلال إتباع سياسة متوازنة تقوم على جمع الشيء ونقيضه: فهي إسلامية وعلمانية في آن، وتسعى لإقامة تحالفات متناقضة، كسعيها مثلاً إلى إقامة علاقات مع الغرب وأمريكا وإسرائيل من جهة ومع إيران من جهة ثانية، مع حماس وفتح، مع مصر والسعودية وسورية وقطر، وهي تقدم نفسها كجسر بين الشرق والغرب.

ويفسر عمر تشينار، أستاذ دائرة إستراتيجية الأمن القومي في كلية الحرب القومية الأمريكية ومدير برنامج تركيا في مؤسسة بروكينغر، هذا التحول أو الحيوية التركية الجديدة في المنطقة من خلال متغيرين رئيسيين: العثمانية الجديدة والتحدي الكردي.

فالعثمانية الجديدة، تعبير يدل على الانخراط التركي الفعال نحو الشرق، من خلال تعزيز القوة اللينة لتركيا بوصفها دولة محورية متصالحة مع إرثها الإسلامي ومع تعدد الهويات فيها، وتبني رؤيا جغرافية إستراتيجية كبرى تضطلع بموجبها تركيا بدور الطرف الإقليمي الفعال والمؤثر، الذي يعمل على حل المشاكل الإقليمية من خلال استعراض القوة اللينة لتركيا كجسر بين الشرق والغرب، وكأمة إسلامية، ودولة علمانية، ونظام سياسي ديمقراطي، وكقوة اقتصادية رأسمالية، وتحقيق التأثير والنفوذ التركيين في السياسة الخارجية التركية، والمتصالحة بسلام مع ماضيها متعدد الثقافات والإسلامي، وتصحيح بعض التجاوزات المفرطة التي قام بها غلاة الكماليين، وهي واثقة من نفسها، تطل من خلالها تركيا بوصفها قوة كبرى إقليمية مقابل النهج الكمالي الذي يهدف إلى بناء أمة علمانية وقوية تركية من خلال مشروع سياسي قومي وعلماني يهدف إلى بناء أمة وتحديثها وتغريبها والرافض للتعددية الثقافية.

أما بخصوص التحدي الكردي، فهو متغيرٌ أو محددٌ رئيس في السياسة الخارجية التركية، لما يشكله هذا المتغير من خطر أمني وسياسي واستراتيجي على تركيا. والقضية الكردية مرتبطة بدول محورية في المنطقة: سورية وإيران والعراق، حتى إن إيران تستغل هذا المتغير بهدف استدراج تركيا بعيدًا عن توجهها التقليدي إلى الغرب، فهي تتخذ من هوس تركيا بالمسألة الكردية حجة مفيدة تضمن لها عدم انضمام تركيا إلى أي من حظر اقتصادي ضدها وإلى أي تحالف مع الغرب في حال حدوث مواجهة عسكرية بين واشنطن وإيران. "وغالبا ما شدد المسئولون الإيرانيون خلال زيارتهم إلى أنقرة على المتاعب التي يتسبب بها حزب العمال الكردستاني في كلا البلدين"، باختصار، هذان المتغيران يفسران هذا التحول التركي، وتمدده في كافة المجالات نحو المنطقة.

ومن الطبيعي أن يصطدم هذا التمدد التركي نحو الشرق العربي مع قوة بارزة تسعى هي الأخرى لتمدد نفوذها في المنطقة، وتسعى لأن تصبح قطبًا إقليمياً فاعلاً ونشطًا في المنطقة، ألا وهي إيران. ومن هذا المنظور، ستكون المكاسب التركية هي بمثابة خسارة لإيران. فتركيا تنطلق من إرث تاريخي متعلق بإمبراطوريتها العثمانية، وهي فخورة بهذا الإرث، وتسعى لإحياء عهد العثمانيين، وأن تصبح قطبًا إقليمًا فاعلاً.

وإيران هي الأخرى صاحبة إمبراطورية عريقة وتضرب بجذورها في أعماق التاريخ؟. يقول المؤرخ الشهير هيرودوتس، الملقب بأبو التاريخ، بخصوص الفرس: "كانوا دائما ينظرون إلى أنفسهم على أنهم متفوقون كثيرًا بكل شيء عن بقية البشرية. ويعتبرون أن الآخرين يقتربون من الكمال بدرجة اقترابهم هم منه".

لذا، فإيران دولة طموحة وواثقة من نفسها وتتحرك ببطء وبحذر، لتمرير مشروعها الطموح في أن تصبح قطبًا مركزيًا يحسب له ألف حساب، مستغلة الفراغ العربي، والإحباط الشعبي العربي من سياسات واشنطن ودعمها غير المحدود لإسرائيل، وما رتبت له سياسات إدارة بوش إلى حد كبير من تحول إيران إلى لاعب أساسي في العديد من الساحات (أفغانستان، العراق، وقضايا الحد من التسلح، والطاقة والإرهاب، والسلام العربي الإسرائيلي). كل ذلك هيأ لإيران بأن تصبح قوةً فاعلةً في الإقليم. والتساؤل هو هل سيصطدم المشروعان، التركي والإيراني، أم سيتعاونان، أم أنه ستكون سياساتهما مزيجًا من التنافس والتعاون؟

في ضوء الاهتمام التركي نحو الغرب والإيراني نحو الشرق، وضعت كل من تركيا وإيران تنافسهما بخلفيته الدينية والتوسعية جانبًا، لافتراق طريق كل منهما، ولكن مع الثورة الإيرانية 1979، رفضت أنقرة الانجرار وحافظت على سياسة كمالية تقليدية تقضي بعدم المواجهة وعدم التدخل في الشرق الأوسط. ولكن ذلك لم يمنع التخوف التركي من تأثير الثورة الإيرانية على تركيا. لذا، عاود التنافس التاريخي زمن الدولة العثمانية السنية، ومحاربتها الدولة الصفوية الشيعية مرة أخرى إلى الظهور. بيد أن هذه المرة في إطار مواجهة تركيا العلمانية وإيران الإسلامية.

ومع توجه أنقرة نحو الشرق الأوسط، وبخاصة بعد فشلها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتبوء التيار الإسلامي الحكم في تركيا، يُثار التساؤل التالي: ما هو شكل ومستقبل العلاقات التركية-الإيرانية في المرحلة المقبلة؟

أولا، في حقائق التعاون

في ضوء ذلك، تبرز عدة حقائق. الحقيقة الأولى، وهي اشتراك إيران وتركيا بعلاقات أو نقاط مشتركة تعزز التعاون وتدفع العلاقات فيما بينهما قدمًا. فتركيا تسعى بشكل حثيث لتشكيل تحالف مناهض للأكراد مع إيران بالإضافة إلى سورية. ومن هنا، قد شهدت علاقات أنقرة بطهران تحسنًا ملحوظًا منذ غزو العراق، بهدف تشكيل تحالف مشترك لاحتواء الحركة القومية الكردية والحؤول دون قيام دولة كردية مستقلة على حدودها. لذا، فتركيا وإيران ترفضان وبشدة أي حكم ذاتي كردي في شمال العراق.

وفي هذا السياق، لم يكن مفاجئًا أن يتعاون الطرفان على المستوى الأمني في إطار لجنة الأمن العليا التركية-الإيرانية التي تأسست عام 1998. إلا أن هذه الهيئة لم تصبح فعالةً أكثر إلا في السنوات القليلة الماضية، وبخاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق.

بالإضافة إلى بروز حزب الحرية الكردستاني كمنظمة إرهابية شقيقة لحزب العمال الكردستاني في إيران. ومن هنا، زاد التعاون الاستخباراتي بخصوص المسألة الكردية.

والحقيقة الثانية، وهي تتعلق بالتعاون الاقتصادي، فقد وقعت أنقرة أبان حكم اربكان اتفاقية بقيمة 23 مليار دولار لنقل الغاز الطبيعي من إيران. وبخصوص مجال الطاقة يشكل حافزًا آخراً مهمًا في إضفاء الدفء على العلاقات الإيرانية – التركية.

فإيران تأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا في إمداد تركيا بالغاز الطبيعي. وفي فبراير 2007، وافقت تركيا وإيران إبرام اتفاقيتي طاقة جديدتين، يسمح بموجب إحداهما لشركة "بتروليوم كوربوريشن" التركية بالتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في إيران، فيما الثانية بنقل الغاز من تركمنستان إلى تركيا وأوروبا عبر أنابيب نفط تمر بإيران.

واضح من ذلك، أن هناك توسعًا في العلاقات الاقتصادية الإيرانية التركية. فضلا عن ذلك، وهي الحقيقة الرابعة، فقد بلغ التعاون التجاري في العام 2006 بين البلدين 6.7 مليار دولار، وكشفت بيانات اقتصادية تركية أن قيمة التبادل التجاري بين إيران وتركيا بلغت 7.2 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية من العام 2008 مسجلة زيادة بنسبة 42% مقارنة بنفس الفترة من العام 2007م.

فضلا عن ذلك، فإن الطرفين يسعيان إلى زيادة نسبة التبادل التجاري بينهما في المرحلة المقبلة. وقد وقع الطرفان في 20/11/2007 اتفاقًا يقضي بإنشاء خمس محطات لتوليد الكهرباء، وتقوية خطوط شبكات مشتركة بين البلدين. ويبدو أن تحسين العلاقات التجارية والاقتصادية بين تركيا وإيران هو جزء من إستراتيجية حزب العدالة والتنمية لمحاولة تعزيز العلاقات مع العالم الإسلامي. والحقيقة الخامسة أن السياح الإيرانيين والمنتجات التركية المصدَّرة إلى إيران تشكلان من المصادر المهمة لإيرادات الحكومة التركية.

ثانيا، في حقائق التنافس:

يشكل طموح إيران النووي أحد مصادر القلق التركي إزاء إيران. فالحقيقة الأولى، أن تركيا تعتبر حيازة طهران برنامجًا نوويًا قد يشكل عامل عدم استقرار في المنطقة وبخاصة في منطقة الخليج، مما قد يجبر أنقرة على اتخاذ تدابير مضادة لضمان أمنها. لذا، يمكن القول إن استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي قد يضر بالتقارب التركي- الإيراني، إلا أن هذا التهديد في التصور التركي ما يزال افتراضيًا ويعتبر محدودًا مقابل واقع النزعة الانفصالية الكردية، هذه المسألة التي تعتبر بحق الهاجس التركي الحقيقي ولها الأولوية القصوى في السياسية الخارجية التركية.

والحقيقة الثانية تتعلق بالعلاقات التركية-الإسرائيلية. فتركيا كانت السبَّاقة في الاعتراف بإسرائيل، وهي أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل سنة 1949، وانعكاس ذلك على رؤية كلا الطرفين ـ إيران وتركيا ـ ونهجهما إزاء إسرائيل بين معاهدة سلام ونهج دبلوماسي(تركيا) وبين تحرير وجهاد دائم لا ينتهي عبر المقاومة المسلحة(إيران). فتركيا تطرح حلولاً دبلوماسية لمشاكل المنطقة فهي تتدخل للوساطة بين سورية وإسرائيل، وإيران ترى بذلك خطرًا عليها لأنه سيعزل سورية عنها، كما تطرح تركيا وساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لإرجاع الحقوق الفلسطينية، وهذا يخالف النهج الإيراني الذي يرى بالمقاومة خيارًا وحيدًا لإرجاع الحقوق الفلسطينية.

والحقيقة الثالثة، ثمة قلقٌ إيراني من الإثنية الأذرية التي تشكل 25% من عدد السكان في إيران، على اعتبار أن هذه الإثنيَّة تربطها بالأتراك الجذور العرقيَّة نفسها، ومصدر القلق ينبع من خلال تغذية النزعة الانفصاليَّة لديها، إذا ما شابت العلاقات التركية-الإيرانية التوتر والقلق، أو في حال غضت إيران النظر عن نشاط حزب العمال الكردستاني في إيران، أو إذا دعمت إيران حزب الله التركي، الذي أنشأته الاستخبارات التركيَّة أصلاً لمواجهة المدِّ الكردي، لكنه انقلب على الأتراك مطلع التسعينات.

وقد شابت العلاقات بين أنقرة وتركيا توترًا وتبادل الطرفان الاتهامات في هذا الصدد. ومن هنا ، بدأت العلاقات بينهما في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني تشهد أزمةً، على خلفية اغتيالات طاولت بعض الصحافيين الأتراك العلمانيين والمنتقدين للسياسات الدينية، فاتهمت أنقرة طهران بالتورط في تلك الاغتيالات، وبدعم الحزب الكردستاني وحزب الله التركي، وكانت طهران تردُّ بالنفي، واتهام أنقرة بأنها تدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحركة مجاهدي خلق. وبعد انتخاب محمد خاتمي رئيساً لإيران، سعى الجانبان إلى القيام بخطوات ملموسة لتمتين هذه العلاقات وإزالة التشنُّج والفتور الذي كان يكتنفها، فعقد البلدان اتفاقيات أمنيَّة للحدِّ من نشاطات المنظمات المناوئة لهما. إلا أنه تبقى هذه الحقيقة ماثلة لكلا الطرفين في حال توتر العلاقات فيما بينهما.

والحقيقة الرابعة، تتعلق بعلاقة تركيا بالغرب وعضويتها في حلف الناتو، ذلك فإن التقارب التركي- الإيراني يحرج تركيا أمام الغرب، وبخاصة واشنطن ويضعها في مواجهة مع الغرب الذي يشدد حصاره على طهران، لعدم امتثالها للإرادة الدوليَّة، التي تطالبها بوقف برنامجها النووي، لذا تحاول تركيا أن تقدم نفسها باعتبارها دولة معتدلة وتشكل نموذجًا إسلاميًا وسطيًا، وهي بالتالي تزاحم التمدد الإيراني الأصولي أمام عجز العرب عن فعل ذلك، وأن أنقرة تستطيع ترجمة نفوذها الإقليمي في المنطقة إلى نفوذ إضافي للإتحاد الأوروبي وواشنطن ويغازل طموحاتهما ومصالحهما في المنطقة.

وبالرغم من عمق العلاقة التي تربط تركيا بأمريكا وإسرائيل ومتانتها، لم تسعَ إيران بعد الثورة الإسلاميَّة إلى التعاطي مع تركيا، بمثل ما تعاطت مع الشرق الأوسط عبر تصدير الثورة ودعم الحركات الإسلامية. وبرغم من ذلك، إلا أن إيران تعتبر تركيا بمثابة شعرة معاوية يمكن لها أن تنقل وجهة النظر الإيرانية إلى كل من إسرائيل وأمريكا، كلما ساءت علاقة إيران بإسرائيل وأمريكا لمنع وصولها إلى حافة الهاوية.

والحقيقة الخامسة، تتعلق باختلاف طبيعة نظام الحكم والتركيبة الحاكمة في البلدين: فإيران إسلامية-شيعية المذهب نظامًا وحكمًا، وتركيا علمانية نظامًا، وإسلامية-سنية المذهب، ومن هنا ثمة تصادم في منظومة القيم لكليهما، وبالتالي فأيهما أفضل كنموذج للعالم الإسلامي؟. فضلا عن ذلك، إن إيران عدوة لأمريكا وإسرائيل، عكس تركيا التي تربطها تحالفات إستراتيجية مع كليهما. علاوة على ذلك، إن إيران تثير الشكوك والتوجس لدى العرب على عكس تركيا.

والحقيقة السادسة، أن هناك تنافسا إيرانيا وتركيا في أسيا الوسطي التي تشكل امتدادا جغرافيا وثقافيا لكلا البلدين، فأسيا الوسطى ترقد على ثروات نفطية وغازية هائلة، يعتقد المختصون أنها سوف تؤثر في معادلات التوازن بسوق الطاقة العالمية، وما يعنيه ذلك من توزيع جديد لأوراق اللعب الإستراتيجية إقليمياً وعالمياً.

والحقيقة السابعة، أنَّ البلدين كانا وما يزالا يفتقرا إلى إطارٍ مؤسساتي يكون قادرًا على صوغ وتكريس علاقات التعاون وتطويرها والتنسيق فيما بين البلدين، وهذا يعكس حقيقة هشاشة العلاقات التركية-الإيرانية في الوقت الراهن. فمن المعروف أن تدفق العلاقات وتكريسها بين الجماعات والدول يحتاجا إلى إطارٍ مؤسساتي يعكس ذلك التدفق والتعاون، ويحوّل دون تحول التوترات التي تنتاب العلاقات إلى صراع. وفي ضوء ذلك، يبقى الحكم والفيصل في النهاية على تطور العلاقات التركية-الإيرانية في المستقبل هي مدى قدرة الطرفان على تأسيس تلك المؤسسات وبلورتها في الواقع العملي، فالحال يقول إن تركيا ترتبط بتحالفات وإطار مؤسساتي مع الغرب، فهل تستطيع تركيا تأسيس تحالفات ومؤسسات مع إيران كما هو الحال مع الغرب؟

في ضوء هذه الحقائق، يمكن القول، إن تطور العلاقات الإيرانية-التركية في المستقبل المنظور، يبقى رهناً بتصارع هذه الحقائق فيما بينها. ويتصدر هذه الحقائق التناقض في الأفكار المؤسسة لأدوار كل من النظامين السياسيين في طهران وأنقرة، والتنافس التاريخي للبلدين على النفوذ في المنطقة، وتصادم النسق الفلسفي والقيمي لكل منهما، فضلاً عن تناقض التحالفات الدولية التي تشترك فيها كل من إيران وتركيا، وتبقى العلاقات بينهما رهنًا بقدرتهما على لعب دور حاسم في سد الفجوة والتباعد بينهما، وبلورة إطار مؤسسي تعاوني بين الطرفين للنظر في خلافاتهما والحيلولة دون تطورها وخروجها من حيز الكمون إلى حيز الفعل والواقع.

فالحقائق التاريخية والراهنة أيضاً تقول أنَّ الطرفين تعاونا سويًا ولا يزالا متعاونين. وأخيرًا، فالعلاقة بين البلدين تفتقر إلى مؤسسات تربطهما، سوى مؤسسات أمنية فيما يخص المسألة الكردية، أما خارج الإطار الأمني فمن الواضح أن هناك غيابًا لمثل هذه المؤسسات. ويبقى السؤال لصالح من ستكون الغلبة: هل لحقائق التعاون أم لحقائق التنافس؟

 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية