لا تراهنوا كثيراً على الدور التركي

 

 

 

بقلم : عيّاد البطنيجي 

الناشر: مجلة  مدارات إستراتيجية- دورية تصدر كل شهرين عن مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية.

 

تاريخ النشر: السنة الأولى، العددان الرابع والخامس، يوليو/أكتوبر 2010 

تجدر الملاحظة أن عنوان المقال من وضع مركز سبأ وليس من وضع الكاتب.

 

 

alt

 

 

أمسى السجال العربي تجاه الدور التركي مادة دسمة للتداول في عالمنا العربي، إذ لا تكاد تخلو صحيفة أو موقع الكتروني من خبر أو مقال عن تركيا. فارتفع سقف توقعات العرب وازداد آمالهم، وهي توقعات أسيرة أوهام أكثر مما هي تعبير عن الواقع  الفعلي لقدرات تركيا. ونحن لا ندعي ذلك افتراءً، فيكفي إلقاء الضوء على التعبيرات المستخدمة في وصفهم للدور التركي حتى يتبن  ذلك (يمكن مراجعة مقالنا: خطاب المثقفين العرب تجاه الصعود التركي، منبر الحرية،  7 يونيو /حزيران 2010 ).

 

 صناعة الوهم

أمتلك الدور التركي بالفعل بعض النجاحات الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، ومع ذلك يرتكب المراقبون أخطاءً في فهم  هذا الدور،  ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب، أبرزها:

أولاً: تعمل تركيا، كما هي إيران، على استمالة بعض الكتاب العرب؛ للترويج لدورها، وتسويقه إلى الجمهور العربي، عن طريق المال أو بدعوتهم إلى تركيا والاحتفاء بهم. وهكذا، يصبح المطلوب من العرب القبول المطلق بتركيا، وتسهيل مهمتها، هكذا بدون شروط.  وأكثر من ذلك، يدعو البعض إلى الاستثمار العربي في الدور التركي؛ لأننا كعرب ضعفاء غير قادرين على حماية أنفسنا من إسرائيل وإيران، فليس لنا إلا تركيا المخلّص النهائي لجميع أزماتنا؛ إذ ستدفع إسرائيل إلى قبول عملية السلام مع العرب، وستروّض التمدد الإيراني وتحتويه.  أمام هذا التصور، ما هي نتيجة الوساطة التركية بين إسرائيل وسورية ؟ هل حققت شيئا ؟ لماذا لم تستطع تركيا أن تضغط على إسرائيل، ودفعها إلى القبول بعملية السلام، ليس مع العرب جميعاً كما يذهب صاحبنا، وإنما يكفي مع سورية فقط ؟! ولماذا افترض صاحبنا المبهور بالدور التركي أن الأخيرة ستعمل على احتواء التمدد الإيراني؟ ما هو المُضمر هنا ؟ أليس من المحتمل أن تتفق تركيا وإيران على تقسيم النفوذ بينهما في ظل غياب الدور العربي ؟! أليس احتواء تركيا للتمدد الإيراني يؤدي إلى توتير العلاقة التركية – الإيرانية، وهذا يخالف مبدأ الموازنة وتصفير المشكلات، التي يراهن عليها صاحبنا كثيرا في تقويمه للدور التركي ! لماذا تم السكوت عن هذه الخيارات ؟ وقبل ذلك، هل يقبل حزب العدالة والتنمية [الحاكم في تركيا] أن يلعب دورا في سياساته من هذا النوع؟ فتركيا لن تكون جزءا من موقف عربي له طابع مذهبي ضد النفوذ الإيراني. هكذا تقتضي مصلحة تركيا.

ثانياً:  يتحكم منظور عقدي أو أيديولوجي عند المحللين للدور التركي، فلا يقرؤونه إلا من خلال إيديولوجياتهم الخاصة. هذا النوع من المحللين لا يرون حتى أنفسهم إلا كاللون الذي وضعوه علي أعينهم، فينظرون إلى الدور التركي  باللون الذي يحب أن يروه به. وهكذا ينعزل هؤلاء في مغارة شخصية، وأحكامهم المتسرعة. ومن هنا، يصبح الدور التركي يرمي إلى" الدفاع عن أهل السنة ضد الأحلام الصفوية الشيعية"، ويردون السبب في التغيير الذي لحق السياسة الخارجية إلى "صحوة ضمير المسئولين الأتراك". وهكذا، يُثبِت الشعب التركي بأنه "شعبٌ من أفضل شعوب المسلمين"؛ لأنه " شعب يتميز بحميَّة إسلامية عالية، وبرُوح إيمانية رائعة"،  وبعودة تركيا "تعود الخلافة". لا نريد أن نفند هذا الأسطورة التي تصور تركيا كـ" قبضاي إقليمي"،  وكدور صلاح الدين الأيوبي في التاريخ الإسلامي، وباعثة الروح الإسلامية من جديد، وأمل للخلافة الضائعة؛  لأن الخطل واضح بشكل جلي للقارئ النبيه.

  ورغم أن ملامح السياسة التركية ما زالت قيد التشكل، وقسمات المشروع التركي لم تتبلور بعد، بيد أن هؤلاء أصدروا أحكاما قطعية ويقينية، في الوقت التي تبين القراءة الهادئة لسياسة تركيا الخارجية، أنها كانت دائما حذرة نسبيا، ومترددة، وممزقة بين الشرق والغرب، وبين العزلة والاندماج. وعليه يصبح مشروعا، والحالة هذه، أن نتشكك في استمرارية وثبات سياستها تجاه المنطقة العربية .

ثالثاً: يقرأ البعض الدور التركي بأثر رجعي، إن جاز القول. فبمجرد أن طرحت تركيا نفسها على الساحة الإقليمية، بدأوا بقراءة القدرات التركية الاقتصادية، والجيوسياسية…إلخ، وتكييفها بما يتناسب مع طرح مشروعها، وبما ينسجم مع توجهاتهم الخاصّة. بعبارة أخرى، فبدلا من قياس حقيقي لقوة تركيا؛ لمعرفة هل تتناسب هذه القوة مع المشروع التركي أم لا ؟ نقول بدلا من ذلك، يذهب المنبهرون بالمشروع التركي، إلى تكييف قدراتها وقوتها مع رغباتهم وأهوائهم. وهكذا، تصبح تركيا تملك من القدرات ما يؤهلها لإنفاذ مشروعها. هكذا بكل بساطة، دون أن يتحدث أحد عن الكيفية التي تؤثر فيها هذه المحددات على الدور التركي؟  فمثلا، كيف يؤثر المحدد الجغرافي أو السكاني على الدور التركي؟ وأين هي العلاقة بين الجغرافيا  أو السكان والدور التركي ؟ وكيف تؤثر الكتلة السكانية  أو الموقع الجغرافي على سياسة تركيا الخارجية ؟  وهكذا مع باقي المحددات .

   فضلا عن ذلك، فإن وجه الخطأ في تحليل القوة التركية يتجلى في أمرين: الأول، أن القوة، كظاهرة إنسانية وسياسية بشكل خاص، تخص الكيف وليس الكم فحسب. ومن هنا، ما هو نوع القوة التي تملكها تركيا ؟ خُذ على سبيل المثال لا الحصر  نوعية القوة التي تحوزها إسرائيل، فهي تتمتع بقدرات نوعية في مجال المعلومات، والتكنولوجيا، والتقنية العسكرية، والصناعة والزراعة، وتقدم في هذه المجالات للعالم ما لا تستطيع تركيا من تقديم جزء منه، وحتى تركيا تعتمد على إسرائيل في بعض المجالات. فضلا عن قوة اللوبي اليهودي في العالم، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الدعم المادي والمعنوي الغربي لإسرائيلي وتعاطفه معها، وقارن ذلك بتركيا، لندرك أن القوة هي في النوع وليس في الكم فقط.

 

  الأمر الثاني،  أن القوة هي ظاهرة نسبية، وبالتالي فنحن لا نستطيع معرفة حقيقة قوة دولة ما إلا من خلال مقارنتها بدولة أخرى، فمن خلال المقارنة نقيم ونفهم الأشياء، ونعرف حقيقة قوة كل دولة أو اللاعب السياسي، فقوة أو ضعف أي لاعب دولي مرتبط بقوة أو ضعف لاعب دولي آخر. وهكذا نقول: إن القوة ظاهرة نسبية، فقوة أي لاعب هي ضعف للاعب الآخر، وبخاصة إذا كانت العلاقة بينهما صراعية. وعليه فتركيا قوية بالنسبة لمن؟ من المؤكد أن تنامي الدور التركي لن يكن على حساب الدول القوية في المنطقة، بل على حساب الدول الضعيفة، ونقصد هنا الدول العربية

رابعاً: عدم الربط والتمييز بين الشكل والمضمون. فمنذ أن أعلنت تركيا عن مرتكزات سياستها الخارجية، انبرى المحللون في تحليل الدور التركي من خلال هذا المبادئ، دون نقد أو تمحيص علمي لها، ومدى جديّة هذه الشعارات الصاخبة، ودون التساؤل عن أصول هذه المبادئ، ومدى قدرة تركيا على الاستمرار بها. وهكذا شكلت هذه الكليشيهات سلطة استطاعت أن تؤسِر البعض وتقحمهم في تصورات غير واقعية . فضلا عن ذلك، فبمجرد تحـّسن العلاقة التجارية بين تركيا وسورية، ذهب البعض إلى وصف هذه العلاقة  بالعلاقة الإستراتيجية والتحالفية، رغم أن البلدين لم يحلا أيا من المعضلات البنيوية بينهما مثل الحدود والمياه.

سادساً: يغلب التحليل المجتزأ والانتقائي للظاهرة التركية، دون تأمل ترابط الأشياء جميعا، فالشيء يتلو الشيء في نظام مترابط.  وهكذا، فإن التحول التركي ما هو إلا "صحوة ضمير المسئولين الأتراك"، أو بسبب التوجه الإسلامي لحزب العدالة والتنمية، أو بسبب فشل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، دون أن يتم الربط بين تأثير المتغيرات الداخلية والخارجية على هذا التحول. فضلا عن ذلك، ثمة افتقار إلى المعرفة الكاملة للنظام السياسي التركي ومراحل تطوره. فمثلا يشاع خطأ أن مبدأي "الموازنة" و"المسالك المتعددة" هما من اجتراح [وزير الخارجية الحالي] أحمد داود أوغلو، هكذا دون سابق إنذار، رغم أن هذه المبادئ هي امتداد طبيعي، وتأكيد لدور من قبله من السياسيين الأتراك أمثال سليمان ديميريل مثلا، الرئيس التاسع لتركيا، الذي أعلن في العام 1976 أن " بلاده تفضل إتباع سياسة متعددة الجوانب بدلا من أن تكون معتمدة على العلاقات مع دولة واحدة"، إضافة إلى بروتوكول 1982، إذ نص على أن تركيا " لن تنتهج سياسة ذات حد واحد أبدا" . ويكرر اليوم أوغلو  مرة أخرى هذه المبادئ. وهذا ما يلفت بشكل واضح إلى أنه ليس من السهل تحقيق هذه المبادئ، إذ بقيت السياسة الخارجية التركية "وحيدة البعد" أو "وحيدة الاتجاه" ومنحازة نحو الغرب. ولكن من الملاحظ أن في الفترة الأخيرة حدث تغيير على ذلك، بيد أن تركيا تواجه تعقيدات تجاه إنفاذها. فهل ينجح أوغلو ؟! وهذا يشي بأن ثمة عوائق موضوعية تقف حجر عثرة أمام إنفاذها .

الدور التركي المكبل

إنفاذ الدور التركي منوط بامتلاك مقومات القيام به، والقبول به داخليا وخارجيا.  يثار جدل حول أسباب "التحول الاستراتيجي" لتركيا. المشكلة هنا أن الباحثين يذكرون متغيرات عديدة، أو يركزون على متغير وحيد يفسرون من خلاله هذا "التحول"، دون ترتيب أهمية المتغيرات حسب وزنها النسبي، حتى يمكن تحديد المؤثرات والأسباب للوصول إلى فهم واضح، ونتيجة تعي تلك المتغيرات المختلفة وراء هذا "التحول" .

هناك العديد من العوامل التي كانت وراء "التحول" التركي، وكلها مهمة ولابد أن تأخذ حقها في البحث والدراسة، ولكن لاحظنا أن ثمة عاملا حاسما وراء هذا التحول، وهو ثمرة للأحوال المكانية، أي تحت ضغط الجغرافيا السياسية لتركيا، معطوفاً على اعتراف دولي بهذا التحول. ولاحظنا أيضا أن هذا العامل الحاسم يشكل في بعض الأحيان عامل إعاقة للدور التركي. ويعتبر البناء الجغرافي لتركيا ملتبسا، فجزء منه واقع في أوروبا والثاني في أسيا، وبالتالي فهو غير محدد  بطريقة نهائية، وإن شئنا الدقة  فهو بناءٌ تائهٌ بين أسيا وأورويا. وتحيط بها مجموعة من الدول العلاقة معها تتراوح بين التعاون والصراع. ويتميز البناء الاجتماعي التركي بتكوين عرقي وديني ولغوي متعدد، تلعب العوامل الإقليمية في كثير من الأحيان بإثارة مشكلات تجاه التكوين الاجتماعي المتنوع. ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تبدلت الجغرافيا السياسية لتركيا، فترك الأثر الكبير على تبدل سياستها الخارجية، بغية تكيفيها مع المتغيرات الجيوسياسية الجديدة. وهكذا فعقد التسعينات يعتبر المقدمات الضرورية لهذا "التحول الاستراتيجي".

وكان من نتائج هذه التحولات، أن فقدت تركيا أهميتها الإستراتيجية، كقلة أطلسية، في مواجهة التهديد السوفيتي. وبالتالي يظهر مجددا هاجس الخوف من تهميش الدور التركي. إضافة إلى بروز خمس جمهوريات سوفيتية مسلمة استقلت، هي ذات أصول عرقية تركية، وضعت تحديات كبرى أمام السياسة التركية تجاه أسيا الوسطى التي تمثل مركزا أسيويا ذا تأثير متوقع في السياسة العالمية للدول الكبرى، فضلا عن تنافس دول عديدة على النفوذ في طليعتها إيران وروسيا وإسرائيل وأمريكا وباكستان، بالإضافة إلى الأطراف البعيدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وهكذا أصبحت أسيا الوسطى، دائرة جيوبوليتكية في غاية الأهمية، وساحة مفتوحة للتجاذب الإقليمي والدولي. فالإمكانيات المتفوقة التي تملكها هذه الدول قد تكون عامل إعاقة أمام السياسة التركية للاكتساب النفوذ، إذ قد تعجز فالإمكانيات الذاتية لتركيا على منافسة هذه الدول. وبالتالي فإن نجاح سياستها في هذه المنطقة مرهون بعدم استفزاز الدول التي لها مصالح هناك.

وعليه، يتبين لنا أن الموقع الجغرافي المتميز لتركيا، والذي يتغنى به المراقبون، رغم أنه يشكل رافعة لتركيا ما يجعل لها مكانة جيوستراتيجية، بيد أنه في الوقت ذاته  فرض عليها قيوداً. والأهم من كل ذلك، هو بزوغ الروح الروسية من جديد، وعودتها كقوة دولية  ذات نفوذ، ما يُعرّض سياسة تركيا الخارجية تجاه أسيا الوسطى والقوقاز للعرقلة والتحدي الروسي، وهذا يذكر الأتراك حقبة الخطر السوفيتي، ويحول دون تفرد سياسة تركيا تجاه دائرة أسيا الوسطى والقوقاز. فروسيا قادرة على كبح التوسع التركي في حال امتلكت إيديولوجيا توسعية أو إذا تعاطت بمنظور إيديولوجي إسلامي أو قوموي، أو عرضت مصالح روسيا لتحدي ما.  وبالتالي، فإن تحقيق مصالح تركيا وتلبية احتياجاتها من الطاقة قد تتعرض لتحديات، وبخاصة أن تركيا إحدى الدول المستوردة للنفط والغاز، وهي لا تملك إلا القليل من الوسائل الخاصة اللازمة لتحقيق مصالحها تجاه أسيا الوسطى وبحر قزوين؛ فنجاح سياستها هنا يتوقف في المقام الأول على الدعم السياسي من قبل واشنطن، وعدم استفزاز السياسة الروسية، الحفاظ على سياسة متوازنة.  يفرض هذا النمط المعقد والمتشابك من علاقات الطاقة عملية موازنة بالغة الدقة من جانب تركيا، وأن لا تأخذ صفة الثنائية، بل صفة التعددية على الأنماط السياسية والاقتصادية في تفاعلاتها مع الدول ذات الصلة بعلاقات الطاقة، ومتسقة مع المصالح السياسية والاقتصادية لحلفائها الأمريكيين، والأوروبيين. وهذا يتطلب القدرة على الالتزام بمبادئ "الموازنة" و"المسالك المتعددة".

 وهكذا نفهم كيف اجترح اوغلو مقاربته تحت تأثير الدور الحاسم للجغرافيا السياسية. فتركيا في موقع  جيوبوليتكي غير مريح، ومثقل بالتناقضات؛ وتحت ضغط جيرانها، لذا تتعدد اتجاهاتها. وعليه، يتضح أن الجوار الإقليمي يلعب دورا بالغا تجاه آمال الأتراك التنموية، مما يتطلب الانفتاح السياسي والاقتصادي على هذا الجوار الضاغط، الذي يمثل مجالاً حيوياً لنمو علاقاتها الاقتصادية، وبخاصة تجاه المنطقة العربية وإيران وأسيا الوسطى.

 ومن هنا  يتبين مدى صعوبة وضع الأتراك الجغرافي، فتركيا واقعة بين سندان أسيا الوسطى ومطرقة الشرق الأوسط، والرغبة في الاندماج بالغرب، مما يخلق شعوراً بوجود قدر كبير من المخاطر لديها يفاقم الإحساس العام بالضيق وعدم الاطمئنان، يدفعها إلى الاستمرار بالروابط الدفاعية مع واشنطن وحلفائها الغربيين من خلال حلف الناتو؛ لأنه كلما تعرضت تركيا لتحديات أمنية زاد من ارتباطها بواشنطن والاستمرار في التحالف الغربي والعكس صحيح. وبالتالي، فإن العلاقات التركية- الأمريكية "كانت تتوسع كلما وجد الطرفان ضرورة لتوسع مفهوم الأمن ليشمل قضايا السياسة والاقتصاد والثقافة". فأسيا الوسطى والشرق الأوسط يُشكلان مناطق جيوسياسية، لا يسمح عمالقة القوة بالعبث بها. يدرك الأتراك أن معالجة المشكلات الاقتصادية تتطلب مساعدة الدول الكبرى، وبخاصة أمريكا، ومن خلال المؤسسات المالية الدولية.

وبخصوص الدائرة الجغرافية الأخرى والمهمة لتركيا، أي الشرق الأوسط، فالأخير يتميز بالاستقرار، ويعد منطقة مهمة استراتيجيا واقتصاديا، وجاذبة للدول الكبرى التي ترتبط مصالحها الحيوية بهذه المنطقة وتتعدد مصالحها، والدور التركي هنا مرتبط بعدم استفزاز مصالح هذه الدول. فمن الملاحظ مثلا  أن تركيا تؤكد في كل تحركاتها على أن دورها لن يكون على حساب أحد، بمعنى أن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وتكالب مصالح الدول الكبرى على المنطقة، فضلا عن وجود إسرائيل القلعة الغربية واللاعب الرئيس؛ كل ذلك يُكبُِل من حرية الحركة التركية، ويكبح من  الذهاب بعيدا عن سياسة الدول الكبرى وبالتحديد واشنطن. فمن الملاحظ مثلاً أن تركيا ظلت حريصة على ألا تمس تداعيات أزمة أسطول الحرية جوهر العلاقات الإسرائيلية –التركية.  فضلا عن الاحتلال الأمريكي للعراق الذي دفع الأتراك بالاهتمام بالشأن العراق لما يتصل ذلك بوضع الأكراد، وأزمة الملف النووي الإيراني. وهكذا يتبين لنا كيف لعبت الجغرافيا السياسية لتركيا دورا في اجتراح المبادئ التي يسير عليها أوغلو في تسيير دفة السياسة الخارجية لبلاده.

  وعليه فإن جيوبوليتك الشرق الأوسط يجعل من إمكانية أن تكون تركيا " رأس حربة" في سياسات الشرق أوسطية هو موضع شك، ويحد من قدرتها على أن تلعب دوراً كبيراً في جهود السلام والتوفيق بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو بين سوريا وإسرائيل؛ لأن ذلك يعتمد بالأساس على قبول هذه الدول لدور تركيا أكثر من القدرات الذاتية للأخيرة، وستظل قاصرة عن تغيير مسار الجيوبوليتيك سواء على صعيد الشرق الأوسط أو أسيا الوسطى. ومع ذلك تبقى تركيا مهمة لأنها الوسيط الوحيد الذي يمتلك علاقات جيدة مع الجميع.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية