الحركات الاحتجاجية والتحول الديمقراطي

 

بقلم: عياد البطنيجي 

تاريخ النشر: 4/3/2011

 

 

شغل موضوع التحول الديمقراطي حيزا متناميا في العالم العربي، وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبروز موجة التحول من النظم التسلطية إلى النظم الديمقراطية، وهو ما أسماه عالم السياسة الأمريكي "صمويل هنتجتون" " بالموجة الثالثة للتحول الديمقراطي".  وهي الموجة التي توقفت عند أبواب الوطن العربي، الذي مثل "الاستثناء" في سياق عملية التحول العالمي صوب الديمقراطية، بل واستطاعت النظم التسلطية العربية أن تعيد إنتاج نفسها، وأن تحافظ على سيرورتها من خلال بعض الأساليب والإجراءات الديمقراطية الشكلية.

راهن الكثيرون على عملية الإصلاح السياسي كمدخل للانتقال نحو الديمقراطي، بيد أن الحركات الاحتجاجية الثورية التي انتشرت في العالم العربي، أثبتت عقم هذا الرهان؛ فطبيعة الأنساق التسلطية العربية، وانغلاق النسق السياسي وجموده، وحالة القطيعة بينه وبين المجتمع، كل ذلك يؤكد أن هذه الأنساق السياسية لا يجدي معها مدخل الإصلاح السياسي، فهي عصية على التغيير والإصلاح.

   تحطمت هذه الأنساق في مصر وتونس وليبيا، وما سيتلوه بالتأكيد في أماكن أخرى، ليس بالانقلاب أو الإصلاح السياسي، بل من خلال فعل ثوري شعبي أطاح بها واستبدلها بأخرى. فلأول مرة يسقط نظام عربي من خلال فعل جمعي ثوري، في إشارة إلى حجم التصدع الاجتماعي والسياسي، وتضخم الضغوط البنائية، وعقم السياسات القائمة، تلك السياسات التي كانت في حالة قطيعة مع مجتمعها، فضلا عن عجز الأحزاب السياسية في تحقيق المطالب والانتقال إلى سياسات بديلة.  تحطمت هذه الأنساق التسلطية بفعل من خارج الوسائط والهياكل السياسية الكلاسيكية، في إشارة إلى اهتراء هذه الوسائط والهياكل وعقمها. 

  هذا المشهد غير المألوف يجعلنا نطرح العديد من التساؤلات: هل نحن على أعتاب تحولات بنائية في العملية السياسية بفعل الحركات الاجتماعية ؟ هل العالم العربي أمام انبلاج حامل اجتماعي جديد يمكن الرهان عليه في إحداث التغير السياسي والانتقال نحو الديمقراطية ؟ هل نحن على أعتاب الولوج إلى عصر النهوض السياسي ؟  هل نحيا سياقا مجتمعيا وزمنيا ودوليا يتيح فرصا أكبر لنجاح الفعل الاجتماعي الثوري ؟

 

لقد تم تقويض أحد أبرز عوامل  معوقات التحول الديمقراطي في العالم العربي، من خلال التخلص من سيطرة النظم التسلطية  القائمة ثم البدء في بناء نظام سياسي جديد،  والدفع نحو مسارات أخرى بديلة.

ولكن هناك العديد من العقبات تواجه عملية الانتقال إلى الديمقراطية بعد سقوط النظم القائم، منها تخلف القوى السياسية والنخب المعارضة وعجزهما عن قيادة مرحلة ما بعد النظام. وهناك تخوف آخر يتعلق بتركيبة المجتمع: المجتمع الفسيفسائي يؤدي إلى تصعيب عملية الانتقال الديمقراطي؛ لأنه سيتم الربط بين العملية الانتخابية والتوجهات العرقية والدينية والقبلية، مما يجعل المرحلة الانتقالية تؤدي إلى إثارة وتنمية الانقسامات والصراعات السلالية والطائفية.  وتخوف ثالث يتعلق بطبيعة الانقسامات المجتمعية والسياسية ودرجة حدتها: فالمجتمع الذي تحكمه انقسامات واختلافات حول المرجعية والهوية، يصعب ذلك من الوصول إلى توافق على مرجعية وهوية مرحلة ما بعد سقوط النظام، وبالتالي العجز على التوافق حول قيادة وطنية توافقية، مما يؤثر على عملية دعم التحول الديمقراطي. فدستوريا إن نجاح الثورة يُسقط الدستور القائم وكل الهيئات الحكومة، وتتولي حكومة واقعية، من خصائصها:

1-   حكومة تركيز السلطة؛ لأنها تجمع في قبضتها كل السلطات الدستورية، وهي صورة من صور الدكتاتورية.

2-   إنها سلطة مؤقتة حتى يتم وضع دستور جديد.

فالثورة  تسقط الدستور أو بعض مواده، وعليه فالخطوة الأولى  التالية هي وضع دستور جديد من خلال جمعية تأسيسية ومن ثم عرضه في استفتاء شعبي. هنا تبرز العقبات التي تحدثنا عنها آنفا. فالدستور يعني المرجعية  الأولى الحاكمة للممارسات السياسية، فهو يعبر عن هوية وفلسفة الأمة. مشكلة العالم العربي أنه منقسم ومختلف على الهوية والمرجعية العليا الحاكمة للممارسات. وهذا قد يؤدي إلى إطالة الفترة الانتقالية  واستمرار الحكومة الواقعية، وسيطرة العسكريين على الحياة السياسية، مما يفرض قيودا على عملية الانتقال نحو الديمقراطية، ويمثل مصدرا لتهديدها.

هذه العقبات لا تقلل من قيمة التحولات التي تجري في العالم العربي بفعل التحركات الشعبية والثورية، فهي تشي عن تحولات بنائية. المهم أن يبقى هذا الفعل مستمرا ولا يخبو حتى تتحول هذه النظم إلى  الديمقراطية. في هذا الإطار فإن عملية دعم  التحول الديمقراطي لا تتحقق إلا في ظل ضغط شعبي على الحكومة الانتقالية، وإصلاح النظام الحزبي والقوى السياسية المنقسمة التي تؤثر على عملية التطور الديمقراطي. فهذه الحركات الاجتماعية تكشف عن ظاهرة مفادها تغير الآراء السياسية بشأن ضرورة وكفاية المؤسسات السياسية الراهنة في تحقيق المطالب: الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وبالفعل فإن الحركات الاجتماعية  أنتجت مفاعيلها على النظم الحزبية القائمة. فسقوط الأنظمة السياسية التسلطية على أيدي الحركة الاجتماعية، وليس بفعل القوى السياسية والحزبية والمؤسسات السياسية الكلاسيكية، كشف عقم هذه المؤسسات، مما أدخل الأحزاب السياسية في سجال داخلي يتعلق بتطوير أدائها ونظامها الحزبي وإعادة الثقة مع المجتمع، كما هو حاصل الآن في مصر.

إن قدرة الحركات الاجتماعية على إسقاط النظم القائمة، وتأثيرها على القوى والأحزاب السياسية، يؤكد أنها أحد الحوامل الاجتماعية المسببة أو الدافعة إلى التغير السياسي، فهي تشكل المولدَ الحركي للتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية في المرحلة المقبلة.  هذا المولدَ الحركي الجديد هو نتيجة الفراغ الذي تسعى الحركات الاجتماعية إلى ملئه، هذا الفراغ الناجم عن الإحساس بفشل المؤسسات السياسية الكلاسيكية، وبالتالي فهي تُدخل الأخيرة في تغيرات بنائية في سياستها وأفكارها  وإلا سقطت في معركة البقاء للأفضل. فأمام النظم التسلطية والاستبدادية، وفقر الأحزاب السياسية، فإن للحركات الاجتماعية دورا فائق الأهمية في المرحلة المقبلة في انجاز الانتقال نحو الديمقراطية. وعليه فإما أن تكون بديلا عن الأحزاب وإبقاء الأخيرة كمؤسسات صورية أو إضافة لها.

 العنصر الحاسم هنا هو التأكيد  على استمرار هذه الروح الثورية وعلى هذه التعبئة الشعبية الواسعة، فهي تؤلف قوة سياسية مادية تفرض على النظام أن يتعامل معها ويحسب حسابها. كما أن هذا الضغط الشعبي يسهم في إثارة انقسامات داخل صف النخبة الحاكمة أو الحكومة المؤقتة إذا آثرت البقاء والاستمرار في الحكم، بحجة ضعف وانقسام وتفكك القوى السياسية والأحزاب وعدم اتفاقها على هوية الدستور الجديد. كما أن عملية التعبئة غير كافية لوحدها، فتوحيد المطالب والاتفاق على قيادة توافقية والتوجه نحو هدف معين مسألة ضرورية في المرحلة الانتقالية. وهنا يأتي دور الأحزاب السياسية واتحادات العمال والمجتمع المدني. وبالتالي إن بقاء الضغوط الشعبية قوية على النظام أو الحكومة المؤقتة من أجل أخذ مطالبها بعين الاعتبار كلما كان الانتقال أسرع  إلى الديمقراطية. وكلما استطاع المجتمع السياسي توحيد صفوفه، وتجاوز حالة التفكك والانقسام، واحتلال موقعٍ قيادي، وكلما نشطت قوى المجتمع المدني وتحولها قوة ضاغطة وفاعلة  في المرحلة الانتقالية، كلما تم تسريع الانتقال الديمقراطي. على أساس كل ذلك وفي ضوئه تتهيأ فرص سيرورة الانتقال الديمقراطي. من المؤكد أن المرحلة الانتقالية ستكون مشحونة بالمصاعب والعراقيل من القوى التي ستتضرر مصالحها.

وأخيرا إن المشهد العربي أمام صعود فاعل جديد، فاعل يتشكل من جيل الشباب، متحرر من إسار الايديولوجيا المتصلبة، ولا ينتمي إلى حركات جهادية متطرفة، يعتمد على وسائل الإعلام والميديا ووسائل الاتصال الحديثة، جيل منفتح على العصر والعولمة  يساهم في تخليق وعي كوني مضاد للاستبداد والقهر. يبدو أن هذه الفاعل الجديد سوف يحرك المياه العربية الآسنة، وحالة الجمود في الحياة السياسية، سوف تطال مفاعيله النظم الحاكمة وكافة القوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية