تونس ومصر نموذجا .. آفاق المجال السياسي في دول الثورات العربية

الناشر: الشبكة العربية العالمية: 

بقلم:  عياد احمد البطنيجي

تاريخ النشر: الخميس, 14 مارس 2013 13:47

tunisia_demo

بعد رصد موضوع الخطابات السياسية إثر الحراك الثوري العربي، وتصورات كل خطاب تجاه مسارات التطور السياسي، يتبين أن ثمة ثلاثة أصناف من الخطابات السياسية سيطرت على النقاش العام في البلدان التي نجح فيها الفعل الثوري كما هو الحال في تونس ومصر،

وهي: خطاب الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وخطاب الدولة الدينية، وخطاب الدولة المدنية.

تكشف المتابعة الحثيثة لموضوع الخطابات السياسية أن خطاب الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية والمتمثل في جماعة الإخوان المسلين في مصر، وحركة النهضة في تونس، من أكثر الخطابات السياسية استفادةً من بنية الفرص السياسية التي تفتحت مع الحراك الثوري العربي، ثم يليه خطاب الدولة الدينية.

هذا هو المتغير السياسي الجديد الذي يشكل أحد أهم مدخلات التطور السياسي إثر الربيع العربي.  ومن هنا ستدخل البلاد التي نجح فيها الفعل الثوري وقد سيطرت النخبة الإسلاموية على السلطة التي فككت الثورات العربية أقفالها.

وهكذا، فإن تقصي كافة مناحي التغيير التي سوف تمس الدولة والمجتمع في ظل الحراك الثوري العربي، والآثار المتوقعة على تحديد وجهة التطور السياسي مشروطاً بفهم هذا المتغير السياسي الجديد. الأمر الذي يعنى ولوج الإيديولوجية الإسلاموية إلى الدولة والتوظيف الكفاحي في رسم مسارات التطور السياسي.

 وفي ضوء هذه التوطئة من المتوقع ارتكاس منهج هوياتي فئوي على الممارسة الإسلاموية للسياسة بحكم منطق اشتغالها الطائفي بطبيعته، وبالتالي اندراج لغة مذهبية فئوية داخل الحقل السياسي مما يعمل على توتيره ويضعف بنيته واستقلاليته. وبدلاً من استكمال صيرورة تحرير المجال السياسي العربي فإن صيرورة السلطة إلى النخبة الإسلاموية صائرة إلى إغلاقه، بعد انفتاحه النسبي إثر الربيع العربي، من خلال هيمنة منهج هوياتي فئوي، الأمر الذي سيولد رد فعل معاكس من خلال دخول المجتمع السياسي في عملية كفاح ضد هذا المنهج الهوياتي الفئوي. وهكذا فإن السيطرة الإسلاموية سوف تولد نقائضها.

هذا الاستنتاج يُبصر الوعي السياسي بصيرورة الحراك الشعبي العربي في البلدان التي نجح فيها الفعل الثوري في إسقاط رأس النظام، وفق ما تفرضه هذه التفاعلات في الواقع على الظاهرة النظامية أي مبناها الدستوري والقانوني والمؤسسي، وتحديد الإطار المرجعي الناظم لحركة الفعل السياسي.

ما برح الخطاب السلفي يعيش صراعاً بنيوياً مع مفهوم الدولة الحديثة باعتبارها دولة غير شرعية، ويغلب المثال الإسلامي المتخيل على حساب الواقع واللحظة التاريخية الراهنة، وباندراج هذا الخطاب في الحقل السياسي في إطار "الدولة الحديثة"، سيترك أثره على هوية الدولة، كما سوف يتأثر الخطاب السلفي نفسه بهذا التحول، وسيترك أثره على الأطروحة السلفية نفسها. وبالفعل لقد بدأت ارهاصات ذلك بالتجلي من خلال الانقسامات داخل الأطروحة السلفية التي ظهرت بعد ولوجهم العمل السياسي. يفرض هذا المتحول الجديد منطقه لجهة اجتراح مقاربة مختلفة.

من النافل القول إن تراجع الخطاب المدني أمام سيطرة خطاب الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية على الدولة والمجتمع، والانتقال من الدعوة إلى الدولة، سوف يترك آثاره على مسار التطور السياسي، الذي يُخشى أن يفضي إلى إغلاق الحقل السياسي بعد تحريره إثر الثورات الشعبية.

ومع تعدد التشكيلات والمتغيرات المؤثرة في جماعة الأخوان في مصر: الجماعة وأداتها الدعوة، وحزب العدالة والحرية كأداة للدولة. فهذه العلائق سوف تطبع مصير الجماعة في المرحلة المقبلة.

كما أن المتغير السياسي الجديد المتمثل في سيطرة الإسلاموية على الدولة سوف يدخل جماعة الإخوان في ديناميكيات داخلية غير مسبوقة. ويبقى السؤال من سوف يدفع الآخر إلى منطقة وحقله ؟ هل ديناميكيات التشكيلات الأربع (الجماعة، الدعوة، الحزب، الدولة) ستكون لجهة الاتساق أم لجهة التوتر؟ وهل الجماعة ستفرض منهجها على الدولة، وبالتالي شل حركة المجتمع السياسية منعاً للتغيير أم ستسحب الدولة الجماعة إلى منطق اشتغالها الذاتي، وبالتالي توسيع الحيز العام؟ هذا ما سيتكشف مع المستقبل الأتي.

على أي حال من المؤكد أنه إذا كان اندراج  النخبة الإسلاموية في المجال السياسي سوف يترك أثره البالغ على هوية الدولة فإن هذا الاندراج نفسه سوف يعود ويؤثر بدوره على الأطروحة الإسلاموية نفسها.

لذا يمكن القول إن توقع مسار التطور السياسي بعد الثورات الشعبية، يستلزم أولاً تحديد المتغير الرئيس الجديد الذي ظهر بعد الربيع العربي، وثانياً أثر هذا المتغير على مسار التطور السياسي تجاه مسألة السلطة ودولة ما بعد الربيع العربي، وبالتالي أي مستقبل للدولة العربية في إطار هذا المتحول الجديد؟

 لعل قراءة الحراك الثوري العربي تبين أن المتغير الرئيس هو سيطرة الخطاب الإسلاموي بشقيه المدني- الإسلامي، والديني- السلفي، ومن ثم اندراج الإسلاموية في المسرح السياسي الرسمي في أكثر من بلد عربي، وأخذ الصدارة في الحكم.

وهكذا ستتميز المرحلة القادمة في بلادنا بوجود النخبة الإسلاموية في السلطة التي حطّمت الثورات العربية أقفالها. هذا هو المتغير السياسي الجديد الذي لا سبيل إلى الإعراض عن رؤيته بكل اليقظة الفكرية المطلوبة، وينبغي التشديد على هذا التحول الكبير لاتّصاله بالهندسة الاجتماعية والسياسية وفق مفاهيم وتصورات النخبة الجديدة التي جاءت بها حركات الاحتجاج العربي، محاولة فرض رؤيتها للكون السياسي والاجتماعي، واستدخالها في بطن الدولة والمجتمع، بما تدعيه من امتلاك نظرية كاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية حسب المقولة الشائعة: "الإسلام دين ودنيا ودولة". وبالتالي باتت الإشكالية مع هذا التحول السياسي الكبير، لا تتعلق بمدى شرعية النخبة الإسلاميوية في العمل السياسي من عدمه، أو إدماجها في المجال السياسي، بل بالكيفية التي سوف يديرون من خلالها الشأن العام.

إذن إن فهم كافة مناح التغيير التي ستمس الدولة والسلطة، والآثار المتوقعة على تحديد وجهة التطور السياسي مشروطاً بفهم هذا المتغير. وهذا ما يدفعنا إلى كشف منطق الصيرورة لدى كل من خطاب الإسلاموي وخطاب الدولة المدنية؛ لأنه يكشف عن الثابت والجوهري لديهما الذي لا يقبل التعديل والتحويل، أي ما يشكل "أفكار مفتاحية".

إذ يكشف التحليل السابق أن الخطاب الإسلاموي صيرورةٌ فكريةٌ وتاريخيةٌ نحو منطق هوياتي فئوي حيث القيمة العليا للمبادئ والتعاليم الدينية – المذهبية حسب تأويله الخاص، وهي قيم تعطي قيمة ثابتة وأبدية من أجل بناء دولة منتظمة حول تأويلهم للشريعة، وبالتالي ممارسات ماهوية (من هوية) تنشد فرض نفسها كانتماء أولوي والحلول محل انتماء المواطنة وإعلاء تصور جمعوي في مواجهة الثقافات والإيديولوجيات الأخرى على قاعدة نحن وهم.

أما صيرورة خطاب الدولة المدنية فهي صيرورةٌ تاريخيةٌ وفكريةٌ نحو بناء مجتمع سياسي قائم على الأمة المواطنية من خلال بناء حيز عام مستقل متحرر من مصادر السلطة التقليدية القائمة على بنية انثروبولوجية (قبلية، طائفة، دينية، عرقية، جهوية)، وبناء الفرد حامل لمبدأ المسؤولية والمشاركة الوطنية.

 هذه هي الصيرورة التي ستندرج فيها كل القوى السياسية في المرحلة المقبلة، والتي تختلف درجتها حسب مستوى تطور المجتمع.

وبناءً عليه من المتوقع ارتكاس منهج هوياتي فئوي على الممارسة الإسلاموية للسياسية. فمن المعروف أن التشكيل العضوي لأي تنظيم سياسي حركي، من حيث سمات أعضائه، ومن حيث علاقات تبادل الخبرات والذاكرة الجمعية وأساليب اتخاذ القرار، يصير هو ذاته التشكيل الذي تُبنى به الدولة التي سيطر عليها هذا التنظيم. ومع نجاح مرشح الأخوان في الرئاسة وتبوأ حركة النهضة السلطة في تونس، وحصول السلفيين على نسبة معتبرة في البرلمان، كل ذلك يجعل الخطاب الإسلاموي أقوى من كل الخطابات الأخرى. الأمر الذي يعنى ولوج الإيديولوجية الإسلاموية إلى الدولة والتوظيف الكفاحي في رسم مسار التطور السياسي. كما ستدخل كل القوى المتمثلة للخطابات المدروسة نوع من الكفاح سوف يتولد عنه نوع من التطور السياسي.

على أي حال إن اندراج لغة مذهبية فئوية داخل الحقل السياسي يؤدي إلى حدوث اختلالات داخل الحقل السياسي، مما يضعف هويته المميزة والمستقلة عن الترتيبات الاجتماعية الأخرى. وبدلاً من استكمال صيرورة تحرير الحقل السياسي العربي فإن صيرورة سلطة الدولة إلى النخبة الإسلاموية صائرة إلى إغلاقه، بعد انفتاحه النسبي إثر الربيع العربي؛ بسبب هيمنة منهج هوياتي فئوي، الأمر الذي سيولد رد فعل معاكس من خلال دخول المجتمع السياسي في عملية كفاح ضد هذا المنهج، بحكم طبيعة الوجود الاجتماعي العربي المتنوع مذهبياً وطائفياً واثنياً وثقافياً واقتصادياً من خلال ما يسوده من تمفصل في أنماط إنتاجه. وهو ما يغيب الفعالية الذاتية للمجال السياسي واستقلاليته عن مصالح الفاعلين المكونين له، مما يجعل المجال السياسي قابلاً لإعادة التشكيل وفق كل نخبة جديدة تهيمن عليه، الأمر الذي يساهم في إضعاف تشكل تقاليد سياسية وقواعد عامة مجردة لها ذاتيتها الخاصة، ويضعف من تشكل انضباطات ذاتية وتلقائية  للفاعلين داخل الحقل السياسي. إن الخبرات التي يشكلها الفاعلون خلال علاقتهم بالمجال السياسي، تشكل منظومة استعدادات تتولد بسبب تماثل ظروف الوجود، ويستبطنها الفاعلون وتنتج تماثلاً وانتظاماً في السلوك، تصير ذاتها فعالة ومحدثة أثرها على الممارسة التي تنضبط وفق هذه المنظومة. ففي ظل النظم السياسية المستقرة لا يترك المجال السياسي لإرادة الذوات أن تخرج على تقاليده وقواعده والمبادئ المنظمة لصيرورته، فالفاعلون داخله واجب عليهم احترام هذه القواعد واتباعها والعمل بمقتضاها والالتزام بها. بينما في الحالة العربية نرى صيرورة معاكسة إذ يتمتع الفاعل السياسي بقدرات أكبر من قدرة المجال مما يجعل الأخير قابل للتشكل وفق كل نخبة جدية آتية وهذا يحول دون تراكم تقاليد سياسية وتشكل منظومة معيارية مستقلة ومتميزة. 

  وما يدلل على توقع ارتكاس منهج هوياتي فئوي داخل المجال السياسي حركة التعيينات التي قام بها الرئيس المصري باختيار عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين لمنصب المحافظ، والتشكيل الجديد للمجلس الأعلى للصحافة، وكذلك المجلس القومي لحقوق الإنسان، والفريق الرئاسي المساعد لرئيس المصري الجديد، وحكومة الدكتور قنديل( غلبة التيار الإسلامي، وغياب التيارات ذات الطابع المدني) ليثير مجدداً اتهامات من بعض القوى السياسية للجماعة بالسعي إلى "أخونة الدولة". وكذلك الأمر مع "حركة النهضة" الإسلامية التي تحكم  المجتمع في تونس، حيث تحول الحكم في عهدها إلى "توزيع مغانم الحكومة على الأقرباء والأحباب" حسب قول المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي، الذي استاء من السلوك السياسي لـ"حركة النهضة" كما تجلى في نهاية المطاف كونه ليس "مشروعاً حضارياً" بقدر ما هو مجرد "تهافت على المغانم الشخصية وتولية الأقارب والمقربين دون التزام معايير الكفاءة والتخصص" وهو ما كان سبباً في استقالة المرزوقي من الحكومة التي تترأسها "حركة النهضة" ومن المجلس التأسيسي الذي دخله على قائمة الحركة. فضلاً عما تم تسريبه عن راشد الغنوشي عبر المواقع الالكترونية، من خلال شريط مسجل له، حول نيته أسلمة المجتمع، وتطبيق الشريعة بعد التمكن من دواليب الدولة ومفاصلها. وفي نفس الشريط المسجل، قال الغنوش عن مجلة الأحوال الشخصية التي تتعارض بعض فصولها مع الشريعة: إن القانون يفسره القوي فيمكن أن نفسر نحن هذا القانون فنأخذ منه أشياء ونضع أشياء. وهذا يناقض ما قاله الغنوشي أثناء الحملات الانتخابية في تونس، حول إيمانه بالديمقراطية، وأنه لن يمنع الخمور والنساء من لبس البكيني على الشواطئ. وهو ما يبين ازدواجية خطاب حركة النهضة التونسية، والمنطق الهوياتي الفئوي الكامن وراءه. وما يزيد هذا التوقع فعالية الأمثلة التاريخية في العالم العربي للتجارب الذي تولى الإسلاميون فيها الحكم، والتي لم تقدم نماذج يمكن الافتخار بها أو الدفاع عنها. هكذا ستمر دولة ما بعد الثورة بالعديد من التحولات في المستقبل المنظور خاصة أن الدولة في بلادنا لم تتحول بعد إلى فكرة، ولم تستقر في المخيال الجمعي العربي عبر التاريخ، وبالتالي وجود استعدادات كامنة لنكوص الدولة والعودة إلى أنماط قديمة - مجتمع ما قبل الدولة- أو باتجاه كيانات صغرى.

 وهكذا، فإن سيطرة النخبة الإسلاموية على المجال العام يؤدي إلى أن يصبح الخاص أكثر فأكثر قابلاً للتعميم، والعام قابلاً للتخصيص، باختصار ستعمد هذه النخبة إلى تخصيص المجال السياسي، وتعميم مجالها الخاص.

 

عياد البطنيجي

باحث فلسطيني في العلوم السياسية والقانون العام

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية