تعليقي على مقترح الدكتور محمد فاضل أستاذ القانون في جامعة تورنتو الكندية.

كتب الدكتور عمرو عثمان مقالةً بعنوان "التحوّل الديمقراطي وتحديات الإصلاح القضائي"، نشرت على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بتاريخ 24 أكتوبر 2013. يقدم فيها الدكتور عثمان مقترحاً للدكتور محمد فاضل، أستاذ القانون بجامعة تورنتو الكندية. وهو مقترح نشر في المجلة الدولية للقانون الدستوري في عددها الأخير. يقترح فيها الدكتور فاضل التالي: " أنّ التحوّل إلى أسلوب القانون العام common law (أو القانون الأنكلو - ساكسوني كما يطلق عليه أيضًا) المطبّق في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأخرى (أغلبها مستعمرات بريطانية سابقة)، بدلًا من نظام القانون المدني civil law الأوروبي المطبّق في أغلب دول العالم الأخرى وكثير من الدول العربية (والمهجّن غالبًا ببعض أحكام الشريعة الإسلامية في الحالة الأخيرة)، يمكن أن يساعد في عملية التحوّل الديمقراطي في مصر وبعض دول الربيع العربي مثل تونس باعتبار هذه الدول تشهد تحوّلًا إلى الديمقراطية".

(عمرو عثمان، التحوّل الديمقراطي وتحديات الإصلاح القضائي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، متاح على الرابط: http://www.dohainstitute.org/release/f9c749ea-05e4-48da-8554-503f78254813: 24 أكتوبر 2013) . 

 

وقد كتبت تعليقاً نقدياً على مقترح الدكتور محمد فاضل، نشره -مشكوراً- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهنا أعرضه على القراء بغية فتح نقاش معرفي حوله.

أظن أن تناول مسألة صعوبات إنفاذ القانون في المجتمع العربي، والتي تجلت بوضوح بيِّن إثر الربيع العربي، لا يمكن حصرها وفق المنطق القانوني الخالص. إذ إن حجاج القانونيين في تعاطيهم مع إشكاليات المجتمع والدولة يتكشف عن ضعف بنيوي متأصل، لأسباب عديدة لا مجال هنا لبسطها. حيث إن الانتقال من نمط القانون المدني إلى نمط القانون العام، وفق فرضية الدكتور محمد فاضل، لا يحل المشكلة على الإطلاق، وليس ذلك سوى أرجاء للمشكلة؛ لأن الانتقال من القانوني المدني إلى القانون العام، يعنى الانتقال من المجتمع إلى الدولة. ولأن القانون المدني المستورد أو المبيء، أظهر طبيعة المجتمع العربي المهجن، أو المبرقش وفق تعبير فالح عبد الجبار، حيث لا يتسق هذا المجتمع على الإطلاق مع فلسفة القانون المدني الأحادية المتمركزة حول مقولة الفرد، في المقابل فإن القانون العام سوف يدخلنا في إشكال آخر وهو إشكالية الدولة التي لا تتلاءم هي الأخرى مع طبيعة مجتمعها التي تحكمه إذ ثمة تعارض بين منطق الدولة ومنطق المجتمع في الحالة العربية، لنفس سبب عدم اتساق فلسفة القانون المدني الأحادية مع تركيبة المجتمع العربي حيث إن الأخير متعدد ومتمركز حول مقولة الجماعة (الطائفة، القبيلة، الجهويات، والتمذهب الديني، والمنطق الهوياتي). أولاً لأن هذا الانتقال سوف يعيد إنتاج أزمة الدولة، ويظهرها كما ظهر القانون المدني معضلته مع المجتمع العربي، وبخاصة مشكلة التأسيس الذي طرحها السيد ولد أباه في مقالته الأخيرة على صفحة الاتحاد الموسومة" المسألة السياسية الجديدة في العالم العربي"، وهي مشكلة غير قانونية بل سياسية تتعلق بالأمر والسيادة. فضلاً عن معضلة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والدين والدولة وغيرها من الإشكاليات المعروفة لدي المتخصصين في مشكلة الدولة العربية. لذا فإن فرضية الدكتور فاضل لا تلامس جوهر المشكلة لتعاطيه إياها من منظور قانوني محض، وهذا مكمن ضعفها القاتل، وكذلك لأنه لا يدخل  في حجاج معرفي حول علاقة القانون بالأخلاق والعرف والدين وهو جدال ضروري بالنسبة للمجتمع العربي الذي يمر بمرحلة انتقالية كما يصفه البعض، حيث يعزل فاضل هذه الموضوعات ويحصر حجاجه فقط في ما هو قانوني محض وهذا تبسيط للمشكلة. لذلك فإن محاججته تنفصل عن السياق، وهي تفصل المفهوم عن موضوعه، والدال عن مدلوله. وعليه لن تكون إضافة جديدة بل ترديد لمقولات متخصصة موضوعها مختلف وسياقها مختلف، لذلك فهي محاججة لا تلامس الإشكالية الحقيقية.   

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية