عتبة السلطة عند ميشيل فوكو

 

 



يتمثل درس السلطة  الفكر السياسي الحديث (ميكيافلي، هوبز، لوك، روسو، هيجل) بسمات واضحة يمكن رصدها ومتابعتها ودراستها: متمركزة، منفصلة/متعالية، غير شخصية، لا مرئية، جوهرية، تمارس من قبل ذات واعية، ومتمحورة حول نمطين: الإكراه- الإقناع.

بينما درس السلطة الذي يقدمه ميشيل فوكو فقد قلب هذه السمات إلى نقائضها على النحو الأتي : محايثة وليست متمركز، علاقة وليست جوهرية، واعية ولكن بدون ذات، ليست مفردة بل من سماتها الجوهرية أنها ترتبط بقوى أخرى. إنها ليست محصورة في نمطي الإكراه- الإقناع فقط بل مفتوحة على أفق غير متناهي من الأنماط والعمليات والإزاحات والتسويات والمفارقات والقطيعات. ليست ذات أو مؤسسة بل هي إستراتيجية، إنها علاقة قوى تتعدى العنف ولا تنحصر فيه أو تتحد به. 

يقول جيل دولوز في قراءته لفوكو: بالإمكان إذن تصور قائمة مفتوحة بطبيعة الأمر، بمتغيرات تعبر عن علاقة قوى أو سلطة كالتحريض، الإثارة، الحث، التوسيع، التصنيف، الزيادة، النقصان في الاحتمال. تلك هي مقولات السلطة. حيث تظهر الأخيرة كعلاقة بين قوتين، وهي علاقة سجال وصراع وتدافع أو تأثير وتأثر، ما دامت القوة تتحدد هي نفسها بقوتها على التأثير في قوى أخرى، وبقابليتها للتأثير بقوى أخرى. فالتحريض والإثارة والحث والضرورة الإنتاج ولإنتاج الأثر النافع فهي مؤثرات استجابية ولكن ليس هذا الوصف هو مجرد رد فعل أو " الضد المنفعل" أو "الوجه السلبي" للمؤثرات الفاعلية بل على الأصح "المقابل الذي لا سبيل إلى اختزاله" خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن القوة المتأثرة لا تفقد كلية القدرة على المقاومة. 

إن القدرة على التأثر، هي بمثابة مادة القوة، بينما القدرة على التأثير، هي بمثابة دالة القوة. لكنها دالة تظل مجردة لا تتقمص أي شكل ولا تتجسم في هيئة، تدرك بمعزل عن الأشكال الواقعية التي تتقمصها، وبمعزل عن الأهداف التي تسعى إليها والوسائل التي تستعملها. 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية