مقاربات الإسلام السياسي بعد سقوط جماعة الإخوان في مصر


على خلفية تصنيف مصر والسعودية الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، بدأت الخلافات بين قيادات الإخوان المسلمين في كل من تركيا وتونس ومصر في الظهور على السطح بشكل علني، وتباينت ردود أفعال فروع الأخوان المسلمين في البلدان العربية، والجماعات الإسلامية الأخرى. يستعرض هذا المقال وصف المقاربات التي تشكلت كردود فعل على ما جرى في المشهد السياسي المصري والمجابهة الإقليمية مع الإخوان.

أولاً: المقاربة الأردنية: بدأت الحركة الإسلامية تعلن موقفها تجاه ما يحصل. إذ لم تستطع أن تخفي حقيقة أمرها أو أن تبقى على الحياد في ظل الضغوط التي تمارس عليها إقليما . فالمسؤول السياسي لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن الشيخ "مراد العضايلة" وضح أن "الحركة الإسلامية جذرها وأصلها هي جزء لا يتجزأ من الحركة الوطنية الأردنية وبالتالي من النسيج الاجتماعي الضارب في أعماق الشعب الأردني"، أي أنه يريد أن ينفي التبعية لحركات إسلامية خارجية، والتأكيد على الطابع المحلي/الوطني للحزب. ومن المعروف أن الحزب يتلقى مساعدات مالية من السعودية والإمارات. ومن المعروف أيضاً أن السعودية والإمارات ومصر يمارسون ضغوطاً على الجماعات والدول لاتخاذ إجراءات مساندة لمواقفها ضد الإخوان.

وبسبب الموقف الرسمي الأردني الذي لم يساند مصر والسعودية والإمارات ضد الإخوان وعدم انسياق عمان وراء خيارات حلفائها في المحيط العربي وراء المواجهة الإقليمية مع الإخوان، فإن هذا الموقف وجد له صدى عند جماعة الإخوان في الإردن. حيث وجه مجلس شورى الجماعة رسالة ترحيب بما سماه رفض عمّان عدم الانصياع للضغوط. كما أن نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين زكي بني إرشيد ذهب إلى حد اعتبار اللحظة الراهنة مناسبة جدا لدخول النظام والمعارضة السياسية ومنها الإخوان في حوار وطني ينهي ما يصفه بـ"الاحتقان الذي تعيشه البلاد". بالطبع إن الموقف الرسمي الأردني جاء بعد أن خفض الإخوان في الأردن من مستوى تصعيدهم في الشارع عوضا عن تصريحات بعضهم الإيجابية بين الحين والآخر. وعليه فإن انعكاس المشهد المصري ضد الإخوان المسلمين انعكس على المشهد السياسي الأردني لجهة مقاربة مرشحة للانفتاح والحوار بين النظام الأردني والإخوان. 

ثانياً: المقاربة التونسية: اختلفت المقاربة التونسية عن المقاربة الأردنية سواء الرسمية أو الإخوانية. فقد أعلن الشيخ راشد الغنوشي، زعيم "حركة النهضة" الإسلامية في تونس ( التي تحسب على كونها في دائرة "الإخوان المسلمين")، في 9 أبريل، بعد أسابيع قليلة بعد تصنيف السعودية للإخوان "جماعة إرهابية"، أن "النهضة حزب تونسي يعمل ضمن قانون الأحزاب في تونس ويعمل وفق ما تمليه عليه مؤسساته ولا يتبع أحدا خارج البلاد"، وهو رد فعل شبيه لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، حيث التركيز على السمة المحلية والوطنية لحزب النهضة لكي ينفي أي تبعية لأجندات إسلامية خارجية. يقول الغنوشي: أنا رئيس النهضة المنتخَب ولستُ رئيس أي حزب أو تنظيم خارج بلادي، والإخوان في مصر لهم حزبهم وتنظيمهم المستقل عنا. وفي ما يتعلق بإخوان مصر يقول الغنوشي: "أن الإخوان في مصر تصرفوا بطريقة صبيانية أدت إلى فقدهم الحكم"، ووصف "قيادة الإخوان في مصر وسياستهم بـ"المرتبكة والارتجالية والمتمردة والصبيانية"، وقال : "كانت الصدمة الأكبر عندما أخذهم الغرور كثيرا، فأرادوا أن يحكموا سيطرتهم على مفاصل الدولة كلها بأدوات قاصرة وعلى كل الصعد". مثل هذه الأقوال الصريحة والواضحة تعلن عن "فك الارتباط" بين النهضة والإخوان. 

ثالثاً: المقاربة الحمساوية: رد فعل "إخوان حماس" تجاه ما جرى مع إخوانهم في مصر اتخذ موقفا منحازا للجماعة على حساب موقفهم من النظام الحاكم والمؤسسة العسكرية تحديدا. واتهمت حماس بضلوعها في أعمال العنف في مصر والاشتراك بـ"مخطط لزعزعة الاستقرار في مصر تقودها أطراف إقليمية من ضمنها حركة حماس". رفضت حماس هذه الاتهامات بذريعة انها حركة تحرر لا تتدخل في الشأن الداخلي للدول. 

ولكي يتصالح النظام المصري مع حماس يتوجب "إيفاء حركة حماس بجملة من التعهدات للمصالحة مع مصر على رأسها الاعتراف التام بثورة 30 يونيو والانفصال عن جماعة الإخوان المسلمين وتقديم المتهمين في صفوفها بدعم الإرهاب في مصر للحساب والعقاب". 

وبعد شد وجذب اتجهت حركة حماس للمصالحة مع حركة فتح وتشكيل حكومة وحدة وطنية. على إثرها أكد يوسف رزقة المستشار السياسي لرئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية أن العلاقات بين حركة حماس ومصر تشهد تطورًا إيجابيًا خلال الفترة الأخيرة، وأن الإعلام المصري خفف هجومه على حماس وغزة خلال الفترة الأخيرة، ارتبطا بالتطورات الإيجابية التي جرت على ملف المصالحة الداخلية. وعلى إثرها أيضاً بدأت التلميحات بضرورة أن تتحول حركة حماس إلى حزب سياسي، حتى تستطيع الإنفاذ إلى الإقليم والتكيف الايجابي مع تحولاته التي لا تشير إلى عودة الإخوان في مصر بعد فشل حقبة الإسلام السياسي في مصر وسقوطه السريع بعد صعود فاجئ الجميع.

الخلاصة 

فإذا كان صعود الإخوان المسلمين في مصر أثر بالدرجة الأولى على المشهد المصري المحلي، فإن سقوطهم قد تجاوز هذا التأثير الخاص لكي يمس مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة العربية . وبدأت تطرح مشكلات فكرية جديدة تمس مجمل أطروحات تيارات الإسلام السياسي، وأنهت عملياً مشكلات كانت محل سجال طويل بالرغم، حتى اللحظة، لم تأطر معرفياً، حيث بدأ التركيز على الطابع الوطني، في كل المقاربات التي تم بيانها أعلاه، بهدف الخروج من الأزمة التي عصفت بالإسلام السياسي بعد سقوط الأب الروحي في مصر، كأن الوطنية هي المخرج، بما يشي باعتراف الجماعات الإسلامية بالدولة القطرية وتصالحها معها. وبذلك تساهم ممارسات الإسلام السياسي في إعادة إنتاج الدولة القطرية،  وتكتسب الأخيرة قوة دفع من نقيضها باعتبار أن الاسلام السياسي يستند الى مقولة الامة لا الدولة القطرية، وهو ما يكسب ها المرزيد من الشرعية في نهاية الامر. 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية