النرجسية الإسرائيلية وقرار المحكمة الجنائية الدولية

شاط غضب إسرائيل بعد قرار المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية، واستنفرت استعدادا لمواجهة القضاء الدولي؛ بسبب "فتح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية دراسة أولية للحالة في فلسطين". وإسرائيل في هذه الأثناء تشن حملة دولية ضد قرار المدعية العامة. 
طيب المسألة ما تزال في بدايتها، إذ ليس هناك سوى "دراسة أولية للحالة في فلسطين" كما أعلنت المدعية العامة. وهناك فرق كبير بين البدء بالدراسة وإعلان نتائجها. وليس بالضرورة أن تكون النتائج لصالح الفلسطينيين، وإدانة للطرف الإسرائيلي. هذا من ناحية فنية بحتة بصرف النظر عن القناعة الشخصية كفلسطينيين. 
إذاً، لماذا إسرائيل مستفزة من قرار المحكمة: هل مصدر هذا الاستفزاز يعود لإحساسها بأنها ارتكبت جرائم حرب لا يمكن التستر عليها، وأن أي تحقيق سوف يفضي إلى نتائج تدينها حتما، وبالتالي تؤكد اقترافها لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة؟ 
ربما، ولكن أغلب الظن أنه ليس هذا ما يقلق إسرائيل بشكل أساسي، إذ يكمن مصدر غضبها في أمرين وهما: 
أولهما: أنها لا تريد لطرف ثالث أن يتدخل بينها والفلسطينيين. وهذا هو المبدأ الأساسي الذي تعودت عليه إسرائيل في تعاملها مع المشكلة الفلسطينية. حيث كانت إسرائيل منذ البدء تعمل على تحييد واستبعاد الطرف الثالث باستثناء حليفها المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية. من وجهة نظر إسرائيلية، فالصراع ينبغي أن يبقى ثنائيا في الأساس. لذلك جاء رد إسرائيل على المدعية العامة على لسان الإدارة الأمريكية: "أن طريق المفاوضات هي السبيل الوحيد لحل الخلافات بين الطرفين وليس عبر خطوات أحادية الجانب يقوم بها أي طرف". 
كما يأتي ذلك في سياق الحرب النفسية التي تمارسها إسرائيل على المحكمة الجنائية الدولية، في إطار ممارسة الضغط عليها للتأثير على مجريات وقرارات ومسيرة المحكمة في ما بعد تجاه كل ما يخص إسرائيل، وهي رسالة تريد إسرائيل إيصالها: أنها ليست لقمة سهلة، وليست كغيرها من الدول الضعيفة تتقبل لطمها على خدها، بل إن لحمها مرا، لا تسكت على من تسوس له نفسه في التأثير على السمعة الأخلاقية لدولة إسرائيل. 
ثانيهما: إن إسرائيل تجيد فن تشكيل وصياغة ما يمكن تسميته بـ"رؤية العالم" ، مضمونها أن إسرائيل تعمل على تحقيق نوع من الصلاحية الكونية العامة لسلوكها ومنظورها لذاتها وللآخر. وحين ترى المحكمة الجنائية الدولية أن إسرائيل قد تكون متهمة بجرائم حرب، فإن ذلك وحده كافٍ كي يستفز إسرائيل التي تعتقد في قريرتها بصدق ما تقول، وينبغي للعالم التسليم به دون تشكيك. فإسرائيل لا يجوز تكذيبها، وهذا جرح كبير لنرجسيتها، ولذاتها المتضخمة.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية