غسان كنفاني- العذاب إذ يتحول إلى ثورة

غسان كنفاني- العذاب إذ يتحول إلى ثورة

(1)

 يعلمنا غسان كنفاني درسا بليغا في أدب المقاومة: تحويل العذاب، الألم، الاضطهاد إلى فعل سياسي تحرري، إلى حافز ثوري. هكذا يتخلص الفرد، الجماعة، من العذاب ومن علاقات الاضطهاد، إذ تتحول إلى حرية.

 لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟

جاءت هذه العبارة على لسان أبو خيزران قائد الشاحنة التي أودت بحياة الرجال الثلاثة إذ وضعهم أبو الخيزران في داخل الخزان الحديدي المقفل حتى يتسنى تهريبهم من البصرة إلى الكويت.  يمثل  قائد الشاحنة (أبو الخيزران) في رواية "رجال في الشمس" ، القيادة العربية التي قادت شعوبها إلى هزيمة عام 1948م وحملت المسؤولية للشعوب بعدم قرع الخزان. ويجسد الرجال الثلاثة الشعوب العربية، وقد ماتوا داخل الخزان  الحديدي المقفل الملتهب بسبب الشمس الحارقة، وقد ماتوا بداخله، وحين فتح قائد الشاحنة أبو الخيزران وجد الرجال الثلاثة إذ ماتوا. وفجأة قذفت فكرة في رأس أبو الخيزران "لماذا لم تدقوا الجدران؟" .

  دق الجدران هنا دلالة على الفعل الثوري، فالرجال ماتوا من عذاب حرقة الشمس داخل الخزان الحديدي في طريقهم إلى الكويت، لم يحولوا عذابهم إلى فعل ثوري: دق الخزان حتى ينتبه من هم خارجه: قائد الشاحنة، لعله ينتبه لهم . ماتوا بعذابهم، استمرأوا العذاب والعبودية على الثورة والحرية.

(2)

يمكن أن نفترض على سبيل المثال، لماذا لم ينتبه أبو الخيزران للرجال داخل الخزان، علما أن بينه وبينهم تعاقدا مضمونه ألا يتأخر عليهم أكثر من سبع دقائق، وإلا سيكون الموت مآلهم الحتمي، كما تأكد لهم ذلك حسب تجربتهم السابقة عند أول نقطة تفتيش، حينها قالوا له لو تأخرت عنا دقيقة واحدة- عن الست دقائق- لكان الموت مصيرنا المحتوم. نعم كان يمكن لقائد الشاحنة (أبو الخيزران) أن ينتبه لهم دون أن يدقوا الخزان، حين بدأ موظفو التفتيش بالتسويف والمماطلة والإرجاء في ما يخص معاملته، مما أدى إلى تأخره عنهم أكثر من سبع دقائق، وهو يعلم أنهم لن يستطيعوا أن يتحملوا وضعهم في الخزان، ومع ذلك لم ينتبه لهم!. فقد اختار غسان هذه النهاية، في دلالة واضحة على الانفصال بين القيادة والشعوب. وهي علاقة مختلة لا يمكن أن تصحح إلا بثورة، بفعل سياسي نضالي.

-------

 رجال في الشمس والثورة السورية

(3)

هل تضع الثورة السورية رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس" أمام طريق مسدود؟ فها هو الشعب السوري دق الجدران ولم يتنبه له أبو الخيزران ( الأسد الابن) ؟ فهل هذا يعني أن تكثيف الوجود السياسي العربي في مجاز "رجال في الشمس" غير كافٍ في زمننا الحاضر؟. فالمشهد أعقد من تمثيله في مجاز ثنائي، فهناك متغيرات جديدة، إذ لم يعد حصر العلاقة بين أبو الخيزران والرجال الثلاثة، كعلاقة مجازية بين الشعب والسلطة في المجتمع العربي، في علاقة ثنائية فحسب! هل هذه التشبيهات أمست في اللحظة الراهنة غير كافية؟

 

بعبارة أخرى، ماذا لو كان العذاب- الذي يفترض أن يتحول إلى فعل ثوري لتحصيل الحرية- أمسى نفسه هو العذاب؟ بات الاستمرار في الثورة له عواقب وخيمة. ما هو الحل إذاً؟: يجيب كنفاني : الاستمرار في الثورة حتى تحقيق أهدفها وإما الموت. ولكن أليس هذا يضعنا أمام المعادلة المقلوبة: ليس الثورة هي الحرية بل في الموت تكمن الحرية. حريتي هي أن أموت. هذه هي خلاصة الطريق المسدود أمام التغيير الذي تكشف عنه ما يسمى بالربع العربي من أجل العيش في أفق الحرية.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« فبراير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
التغذية الإخبارية