مساهمة “تيموثي ميتشل” في تقديم درس العلوم السياسية

ساسة بوست

يعتبر ثيموتي ميتشل من أشهر علماء السياسة المعاصرين، وهو غزير الإنتاج تغطي أعماله مجموعة متنوعة من الموضوعات في النظرية السياسية، والاقتصاد السياسي المعاصر للشرق الأوسط، ونظرية الدولة الحديثة، وموضوعات أخرى بخصوص منطق الممارسة السياسية مثل التحول الزراعي، والإصلاح الاقتصادي، وسياسات التنمية، واختراع الفلاح، وتشكيل الدولة المعاصرة، والعلاقة بين القانون والملكية الخاصة والعنف. ويكتب في مشكلات السياسة المعاصرة من جهة العولمة وتطور الرأسمالية، وعلاقة النفط بالديمقراطية وبالسياسة عمومًا.

أهم ما قام به مؤلف كتاب “استعمار مصر” هو سبر غور مفهوم السلطة الحديثة من منظور مغاير، حيث قام بحركة تصحيح وتجديد في نظرية الدولة الحديثة بعد تلميحاته الاحتجاجية على مناهج دراسة السلطة الحديثة. إذ قدم مساهمات نظرية سياسية ومعرفية جديدة تساهم في تعميق الفهم في الكثير من الإشكاليات التي تواجه التنظير حول الدولة القومية، فضلًا عن بناء نظرة متكاملة حول آليات عمل السلطة الحديثة.

يتميز ميتشل في طرائق معالجته للموضوعات التي يشتغل عليها، فصحاب كتاب “حكم الخبراء”، لا يطبق النظريات المهيمنة في حقل اختصاصه على موضوعات اشتغاله الخاص، بل يقوم بتأمل تلك النظريات مضيفًا إليها، معدلًا عليها، متجاوزًا إياها في كثير من الأحيان، وصولًا إلى وضع نظريات تساهم في فهم منطق السلطة والقانون والاقتصاد الحديث. وذاك ليس عبر الكتب والمراجع النظرية فحسب، بل عبر إقامته وسط القرى (المصرية خاصة) التي اشتغل عليها.

وبالتالي فهو لا يتعاطى مع تلك النظريات من منطلق التلقي السلبي، بل يحاكمها ويخضعها للنقد والتمحيص. لذا فهو دائمًا متشكك يثير العديد من الإشكاليات التي تتغافل عنها النظرية الاجتماعية الحديثة، وتحجبها خلف حجاج يبدو منطقيًّا وعقلانيًّا.

لذا فإن ميتشل يفضح هذا التغافل، ويدخل في عمق البنية الكامنة للنظريات والمفاهيم السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية ليحاكمها؛ ليكشف عما تتستر عليه، وصولًا إلى تبيان عجزها وتهافت مرتكزاتها وأسانيدها العلمية المزعومة. لذا فهو باحث من طراز مختلف يحق نعته بالباحث الإشكالي المتمرد.

تأتي أعمال “تيموتي ميتشل” متزامنة مع اللحظة التي يمر بها الحقل المعرفي المعاصر خاصة الحقل العلمي الذي يشهد حالة انتقالية قد تشكل توطئة للحظة تأسيس جديدة، قد تساهم في تحول البراديغم العلمي السائد حسب مصطلحات “توماس كون”، تحول يتجاوز النظم المعرفية للعلم الحديث الذي جيء به محمولًا على أكتاف الحداثة ورؤيتها للعالم.

يمكن موضعة ميتشل في سياق ما تتكشف عنه الحداثة من إشكاليات نظرية تتجلى بوضوح في التنظيرات النقدية المعاصرة التي تتغذى على مثالب الحداثة ذاتها. حيث موضعة كتابات ميتشل على المستوى النظري في سياق ما تثيره ما بعد الحداثة من إشكاليات بخصوص نظم الحداثة ومناهجها وبالكيفية التي تتناول فيها الواقع الاجتماعي.

لذا فهو (أي ميتشل) مفكر مشاكس لا يقبل بما يطرحه خطاب الحداثة من مقولات نظرية مسلمة تبدو كأنها نهائية. مقابل ذلك فهو يعمل على نقل هذا الخطاب المعرفي الحداثوي من حالة اليقين إلى حالة الظن أو ما بات يعرف بـ” نزعة الارتياب” مما يجعل الإبداع ممكنًا.

لا يني صاحب “الديمقراطية والدولة في العالم الثالث” ملتزمًا بمقدماته النظرية يقرأ بحسبها الاقتصاد والسياسية والتاريخ والدولة والسلطة والقانون في الشرق الأوسط، وبخاصة مصر الذي يتردد عليها بشكل دوري مراقبًا وباحثًا ومحاضرًا. وغالبًا ما نقرأ له المقولات النظرية ذاتها مطبقًا إياها على حقول معرفية مختلفة. وتكشف هذه الملاحظة عن تماسك منهجي في ما يتم اجتراحه من مقاربات.

فما دامت المقولات ذاتها تطبق على حقول معرفية متباينة فهذا يعني أن هذه الحقول تشهد حالة تداخل لا قطيعة. وهذا يعني أيضًا أن ثمة وحدة إبستمولوجية للعلوم الاجتماعية، مما يناقض خطاب الحداثة ونظمها المعرفية المستندة إلى مقولة الانفصال إذ ترى الحقول الاجتماعية نظم مقفلة مكتفية بذاتها تأسس نفسها بنفسها.

وبالتالي يمكن قراءة مظاهر تحولات الاقتصاد من خلال مقولات سياسية أو ثقافية، وقراءة تحولات سياسية معينة في ضوء مقولات اقتصادية أو ثقافية، وهكذا نرى التداخل بين القانون والعنف، السياسة والاقتصاد، الخاص والعام. وعليه لا تظهر هنا الحقول بصورة نقية خالصة، فقلما نرى الاقتصاد، مثلًا، يوجد بصورته النقية الخالصة، بل يوجد مغطاة بالعلاقات السياسية والقانونية والأيديولوجية التي تتجسد فيه.

وعليه فطالما أن الحدود بين الحقول مائعة وملتبسة وغير ثابتة فإن النتيجة المترتبة على ذلك هي التداخل وليس الانفصال المزعوم من قبل الحداثة ذاتها. هنا تكمن أهمية ميتشل حيث يجاري التحولات المعرفية التي تدعو إلى وحدة العلوم.
وهو ما يتزامن مع ظهور تيار واسع في الغرب ينادي بالوحدة الإبستيمولوجية للعلوم الطبيعية والاجتماعية، وهذا بالطبع سوف يعيد بناء طبيعة الأسئلة التأسيسية التي تمحورت حولها المرجعية المعرفية الحداثية، تلك الأسئلة المتعلقة عما هو كائن وما يجب أن يكون، ومضمون ما هو كائن ومحتواه وجوهره، أي الواقع الذي يتوجب البدء بتعريفه ومن ثم تحديد ما يناسبه من مفاهيم ومرجعيات، أي على المستوى الإبستيمولوجي.

وهكذا فإن قراءة أعمال صاحب “ديمقراطية الكربون” تساهم في تعميق فهم الباحث في العلوم السياسية بخصوص التحولات السياسية للعالم المعاصر، وتزيد من كُنه النظرية السياسية من خلال استكشاف مواطن الاختلاف بينه، وغيره من المنظرين السياسيين المعاصرين، بهدف معرفة مدى مساهمته في تطوير تقاليد التحليل السياسي المعاصرة. حيث يتصور أنها تشكل أبرز محاولة في التنظير السياسي المعاصر حول الدولة. إن أية مساهمة جديدة للدرس السياسي لا يمكن لها أن تتجاهل مؤلفات الرجل، ولا أريد القول إن أي تطوير في نظرية الدولة لا بد له أن ينطلق من حيث ما انتهى إليه ميتشل، حيث تكمن جوهر مساهمته في انكشاف حقيقة الدولة الحديثة ومنطق عملها كخطاطة.

ومع ذلك فإن كل عمل إنساني يبقى غير مكتملٍ. والمعنى أن هناك مؤاخذاتٍ على طروحات ميتشل. ولأن أعماله قريبة أكثر للمنطق ما بعد الحداثي الذي يتنكر لمسألة الأصول. وعلى سبيل المثال إن ميتشل يبالغ في تصوير العلاقة بين الدولة والمجتمع الذي يصورهما كأنهما كيانان متساويان في القوة والمقدار، كل منهما يعيد تشكيل الآخر بحسبه لما يتمتع به من مقدرة على فرض نفسه على الآخر بصورة متكافئة في إطار كلي يشملهما.

فهذا تصور، وعلى ما ينطوي عليه من جوانب صحيحة، بيد أنه في نهاية الأمر يمثل شيئًا ثانويًّا أو عرضيًّا غير أصيل لا يمت إلى الأصل التأسيسي لمسألة الدولة. فالتركيز على العمليات اليومية وعلى الاستقرار والرتابة كما يفعل ميتشل لا يعطي صورةً حقيقيةً عن أصل الدولة. لماذا يتجاهل ميتشل حالة الاستثناء على سبيل المثال أو أدوات العنف المادي التي تنطوي على دلالات كبرى.
إن الدولة تتأسس على معيار السيادة المحدد لنموذج الدولة القومية الحديثة، ويعني حاكمية السياسة بمفهومها الشامل المهيمن على كل دوائر النشاط الإنساني. لما يتضمنه من مبدأ تحكم إطلاقي. إذ يعتمد نظام الدولة الحديثة على التفكيك، من أجل تمركز الولاء السياسي، ما يعني تفكيك الاجتماعي الذي لا يدين لنظام الدولة مثل العشيرة والقبيلة والطائفة وغيرها من البنيات الاجتماعية التقليدية، حتى تتأقلم مع بناء الدولة الحديثة المتمركزة حول ذاتها كقيمة سيادية مطلقة.

فهي أقوى المؤسسات والمحتكرة للسيادة التي تبسط سقفها على المؤسسات الاجتماعية كافة، لأنها أكبر حائز على رأس المال الاجتماعي والسياسي والرمزي والاقتصادي، وحقها في التدخل في بقية الحقول الاجتماعية، واختراق لكل المساحات الاجتماعية والهيمنة على الأفراد واحتكارها للرشد والحديث باسم الأخلاق، ما يعطيها الفعالية في تشكيل كل المجالات على صورتها.

إن ميتشل قد تغافل عن الأصول التأسيسية للدولة الحديثة، التي تعني في نهاية المطاف أن الفردية هي من إنتاج الدولة الحديثة لتؤمن من خلالها صيرورتها فتحدد بذلك الممارسات الاجتماعية اللاحقة، التي ينبغي أن تنضوي تحت الصفات الأساسية للدولة. أما ظهور الروابط الهوياتية في إطار أبرز إشكاليات الدولة الحديثة تشكل تحديًا جوهريًّا لمنطق التحليل السياسي لدى تيموتي ميتشل إذ قد يصبح المحتوى، في هذه الحالة، لا يتناسب مع الشكل (أي الدولة الحديثة).

يتجاهل ميتشل حقيقة أن الدولة لا يمكن فصل طبيعة وجودها عما تستحوذ عليه من أدوات العنف المادي التي تساهم في أن تعيد تشكيل المضمون الاجتماعي في نهاية الأمر. ويظهر هذا خصوصًا في حالة الاستثناء لا في الحالات العادية التي يركز عليها ميتشل. ويجادل كارل شمث بأن سلطة الدولة في إعلان حالة طوارئ، وأن جوهر الدولة يتكشف في أوقات المحن، وليس من خلال عملياتها اليومية. ويكتب شمث أن قرار السيادة هو البداية المطلقة؛ هذه البداية المطلقة “ليست سوى اتخاذ قرار السيادة” أي دولة تخلق قانونًا ونظامًا.

إن مشكلة نهج ميتشل لا تكمن في تركيزه على “العمليات السياسية التفصيلية” أو العمليات اليومية فحسب، التي يجرى من خلالها إنتاج التمايز، بل الأهم هو أنه يستثني اللحظات التأسيسية (أو الأصول) التي تبدو العمليات اليومية التي يركز عليها تمثيلًا لها. فالدولة كظاهرة تاريخية نشأت كأنموذج لترتيب العلاقات الاجتماعية، وهي فعلت ذلك لا بسبب الشرعية الناعمة (القبول) التي تحوزها، بل أيضًا من خلال ما تحوزه من أبعاد سلطوية تعمل إلى جانب سياسات القبول، وهو ما يفسر ثباتها النسبي.
بيد أن ذلك لا يعني سوى التركيز على ما يتغافل عنه ميتشل وهي الإشكاليات المعقد المتعلقة بالسلطة التأسيسية، أي اللحظة الاجتماعية والسياسية السابقة على الشرعية القانونية، والسياسات الناعمة التي تولد القبول والرضا والطاعة.

هذه السلطة المكوِّنة وهي لحظة سياسية استثنائية تعمل كأصل لما بعدها، فالترتيبات الاجتماعية اللاحقة تتمثل السلطة المكوِّنة باعتبارها فرعًا لهذا الأصل التأسيسي. وبذلك فأهمية ميتشل تأتي فيما بعد، أي في ما يحصل بعلاقة الدولة بالمجتمع بعد تحديد الأصول التأسيسية، والتي لا يمكن أن تتولد بدون قهر أو عنف مما يجعل فكرة الكلي، التي تنبني عليها الدولة، تنبني على العرضي كأصل تأسيسي.

وبعد عملية التأسيس المتصوَّر كنِسابة (أي كأصل) تمسي الدولة الحديثة مجموعة آليات وتقنيات تدبيرية وأمرية محددة قائمة على المعرفة بالواقع مستبطنة الزمن في لحظة تأسيسها كأصل. ومن هنا لا أهمية للأشخاص أو المحتوى مقارنة بالإطار (أو الدولة) التي أسست الكل الاجتماعي الذي تشتغل بداخلة العمليات الاجتماعية اليومية طالما أنها لا تمس مسألة الأصول التأسيسية.

فالحياة الاجتماعية تبقى محكومة بهذا الأصل التأسيسي. الذي تغطيه الدولة من خلال الواجهة الأيديولوجية التي تستخدمها الدولة لتبرير احتكارها لاستخدام القوة في المجتمع ولسيطرتها على العلميات الاقتصادية والفكرية فيه. إن هذا الاحتكار يشكل أصلًا مؤسِسًا للدولة الحديثة لا تسمح بأن يشاركها فيه أحد.

لا يعني “الأصل التأسيسي” الفترة التاريخية لنشأة الدولة بقدر ما يعني هيئتها المخصوصة، أو “صفاتها الأساسية” التي اكتسبتها بصورة تدريجية، حيث تظهر الصفات المميزة التي تبين الملامح الجوهرية لمنظومة الدولة الحديثة وتجعلها واضحة غير مبهمة في علاقتها بالفرد، بحيث لا تتبدل وإن تبدلت فإن تبدلها سيبدل طبيعة الشيء ذاته وسيجعل منه شيئًا مختلفًا. ولهذا ينبغي أن يقصر مفهوم “الأصل التأسيسي”، على تطور الملامح العامة لنظام الدولة الحديثة.

أما التفاصيل أو ما يمكن تسميته بـ”الصفات العرضية” فهي تفاصيل تظهر فيما بعد وتتشكل بحسب الملامح العامة لنظام الدولة كـ”أصل تأسيسي” بعدما اكتسبت كينونتها ومعناها وهويتها التي من خلالها تضبط “الصفات العرضية” أو الحياة اليومية، أو “العمليات السياسية التفصيلية” التي ركز عليها ميتشل وتغافل عن “الصفات الأساسية”، أي أصل الدولة التأسيسي الذي من خلاله تحتوي العلاقات الاجتماعية التي تظهر كلاحقة لهذا الأصل المؤسِس الذي ينبغي أن تنضوي تحته، وإلا يتم مواجهتها بحالة الاستثناء، وموضعتها كعلاقات غير قانونية.

هكذا ترسم الدولة الحديثة، على أرض الواقع، الحدود الاجتماعية، كتشكيلة اجتماعية اقتصادية، وكنظام سياسي يشكل نطاق ولايتها العامة من خلال أنظمة وإجراءات وانضباطات خاصة بها تجعلها تتمظهر بشكل منفصل عن المجتمع، كفرد.

أما عملية التفاعل أو الترابط بين الدولة والمجتمع لا يعني أنهما طرفان متساويان، كما يفعل ميتشل، بينما تجرى عمليات التفاعل، في حقيقة الأمر، على مسرح الأصل التأسيسي للدولة أي تحت مظلة ملامحها العامة وصفاتها الكلية التي تشكل هويتها كفرد. وهي ترسم الاجتماعي تحت زعم أنها تحقق بذلك الحياة الأخلاقية كما يقول هيجل أو يتوهم. بحيث تبدو كل المجالات الاجتماعية الجزئية ليست شيئًا مستقلًا قائمًا بذاته، بل هي من حيث الأصل، تتحدد غاياتها النهائية بغاية الدولة التي تتوهم الكل.

أما بعد ذلك تبقى تفاصيل طالما أن العلميات الاجتماعية تجري بما لا يمس أو يضرب الأصل التأسيسي للدولة كظهور روابط هوياتية أو جماعية تكافلية، على سبيل المثال، عوض الروابط الفردانية كأصل وكمركز للدولة الحديثة، أو تحول في نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نمط آخر.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية