تحول النموذج في الفكر السياسي الفلسطيني

ساسة بوست

ثمة جملة تراكمات بطيئة تحدث في الإطار المفهومي أو النموذج الإدراكي للفكر السياسي الفلسطيني. تجد مصدرها فيما بات يُعرف في الأوساط المعنية بنهاية حل الدولتين. فبعد أن قطع الفلسطينيون طريقهم من تحرير كامل التراب الفلسطيني، والعودة إلى الاعتراف بإسرائيل والقبول بدولة فلسطينية على 20%، صُدموا بعد عقدين من التفاوض المباشر مع الحكومات الصهيونية المتعاقبة أن حل الدولتين وصل إلى نهايته قبل أن يتحول إلى واقع، بالرغم من بقائه كافتراض نظري، أما إمكانية تحوله إلى واقع فقد أصبح بحكم المستحيل.

والمفارقة أن لا نموذج حل الدولتين، ولا نهايته يعكسان الإرادة الفلسطينية. فحل الدولتين تبلور في الإطار الدبلوماسي الدولي لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي في إطار التوافق العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة. وفي سياق هذا التحول، أصبح المجتمع الدولي هو من يحدد شروط المقاومة الشرعية، وأسلوب مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

هكذا انتقل الفلسطينيون، أو إن شئنا الدقة بعضهم؛ من المقاومة المطلوبة إلى المقاومة الشرعية، من مقاومة تتسق مع طبيعة الصراع وأُسُسه الكلّيّة الثابتة، إلى مقاومة يتقبلها المجتمع الدولي بصرف النظر عن مدى اتساقها مع حقائق الأمور، من خلال تمثلها “الفعل الناعم” وهو ما تعبر عنه السياسة الرسمية “بالمقاومة الدبلوماسية والقانونية”، وبالتالي استيهام شروط التقدم الكوني. في هذا السياق جاء حل الدولتين كحل مطروح ومتبلور من قبل المجتمع الدولي يُفرض على الإرادة الفلسطينية التي ينبغي تطويعها أو استدخالها داخل هذا المفهوم الجديد للصراع، وأن تتحرك داخل أفق الشرعية الدولية. “وعلى الفلسطينيين أن يقبلوا شاكرين ما يُمنح لهم”.

أما نهاية حل الدولتين جيء على يد ما يسمى “باليمين الصهيوني” الذي اكتشف، وعلى خلاف اليسار الصهيوني، أن جذور الصراع تمتد إلى 1948 وليس إلى 1967. والنتيجة لا يمكن تسوية الصراع مع الفلسطينيين، والمطلوب هو التحول من حل الصراع أو تسويته إلى إدارته.

يعود اليمين الصهيوني إلى جوهر الصراع الذي يحاول الكثيرون طمسه تحت شعارات وهمية كالشراكة والسلام والتسوية وغير ذلك. إذ تحولت إسرائيل من عدو استعماري استيطاني إحلالي إلى شريك وجار وأخ. عادت الصهيونية إلى جذور الصراع – إلى حقائقه الأولى – وعليه أعلنت عن نهاية حل الدولتين، ورفض العودة إلى حدود 67، واللاشريك الفلسطيني، ويهودية الدولة، مع تمسكها بالتسوية كخطاب ممجوج يتسم بعمومية وبضبابية تُوظف في إطار إدارة الصراع ولاحتواء الضغوط الخارجية.

في إطار حل الدولتين ونهايته لم يكن الفلسطينيون سوى طرف مفتعل به، لم يكونوا أصحاب إرادة حقيقة لا في هذا (حل الدولتين)، ولا في ذاك (نهاية حل الدولتين). وعلى الرغم من أن الوقائع على الأرض لا تشير إلى نهاية حل الدولتين فحسب، بل وتشير إلى أن أفق هذا الحل بات شبه منعدم إن لم يكن معدومًا بالكامل. ومع ذلك ما زال البعض يتمسك به ويلجأ إلى المجتمع الدولي؛ لوضعه أمام مسؤولياته متوهمًا أن المجتمع الدولي سوف يصطدم بالإرادة الصهيونية بدلاً منهم. إلا أن ذلك ليس تعبيرًا أيضًا عن إرادة حقيقية بقدر وعيهم أن مشروع الدولتين هو مشروع أوروبي، فمن باب أولى أن تدافع أوروبا عن مشروعها، وبالتالي تحميلها المسؤولية الدولية في إنهاء الاحتلال إدراكا منهم صعوبة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي من خلال فعل فلسطيني.

منذ البداية ثمة من رفض نموذج حل الدولتين انطلاقا من الحقائق التالية:

1. إن نموذج حل الدولتين لا يستجيب للسؤال الفلسطيني الجوهري ألا وهو سؤال النكبة الجرح الفلسطيني الذي لم يندمل قط.

2. إن نموذج حل الدولتين لا يستجيب لأي من المشكلات الجوهرية: مسألة اللجوء والعودة، ولا لمشكلة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ولا لمسألة الأرض، ولا حتى للموارد الطبيعية لفلسطين، الأنهار، والمياه الجوفية، وغيرها من الموارد الطبيعية التي استولت عليها عصابة بني صهيون.

3. إن نموذج حل الدولتين لا يستجيب للمسألة الأخلاقية، أو هو غير مرتكز على جوانب أخلاقية، بل يتموقع داخل بُعد علاقات القوة غير المتكافئة التي تعمل لصالح إسرائيل.

نعم إن حل الدولتين يشكل المخرج الوحيد كي تفلت إسرائيل من ورطتها البنيوية. هذا فضلاً عن كونه حلاً مانعًا لديمومة الصراع. ولكن لهذا السبب يجب علينا كفلسطينيين أن نرفض حل الدولتين لا أن نسعى إليه. نعم هو حلٌ يحل الورطة الصهيونية لكن لا يحل الورطة الفلسطينية. بمعنى أن نموذج حل الدولتين يحل المُشكل اليهودي ولا يحل المُشكل الفلسطيني.

ومن المستهجن معرفة ذلك والتمسك بحل الدولتين؛ فهل المطلوب أن نحافظ على إسرائيل بتحويلها إلى كيان ثابت ومستقر ومندمج في المنطقة؟! فالموقف الوطني هو مقاومة ذلك، لذا فالموقف المستقيم هو رفض حل الدولتين. والغريب أن إسرائيل هي من ترفضه بينما ما تزال فئة من الفلسطينيين تتمسك به لا بسبب إمكانية تحققه بعد أن تأكد لها أنه من غير الممكن إنفاذه، وإنما يستخدم نموذج حل الدولتين من قبل النخبة الرسمية؛ كي تعيد إنتاج نفسها حيث ارتبطت به ارتباطًا عضويًا لكي تبرر وجودها من خلاله.

وحين نضع النموذج المعرفي لمنظمة التحرير داخل دائرة السؤال النقدي، ومعالجته نقديًا عبر مواجهته بأسئلة مشتقة من السياق الفكري للنظام المعرفي للمنظمة، يظهر لنا بشكل جلي عجزه عن تقديم أجوبة حقيقة مقبولة عن الأسئلة المثارة. وهذا بالطبع يساهم في خلخلته والتي نحاول أن نبثها في قلب الخطاب السياسي للمنظمة الذي تشكلت بواكيره منذ أواسط السبعينات، مما يمهد إلى تشكيل نموذج معرفي يوجه الوعي السياسي الفلسطيني ويرسم له أطره وحدوده التي لا ينبغي تجاوزها طالما بقيت حقائق الصراع جاثمة.

إذ تستدعي الضرورة تغيير هذا النظام العرفي للمنظمة المتحكم بالسلوك السياسي الفلسطيني، والانفصال عنه، ولن يكون ذلك إلا بعد التشبع بالشبكة الداخلية للمفاهيم والمقولات الخاصة بالنظام المعرفي للمنظمة التي تنظم الإطار العام للممارسة السياسية.

يقوم هذا النظام المعرفي على ثلاثة مرتكزات متداخلة تعمل كنظام موحد متشابك: المرحلية، العقلانية السياسية وما ينبثق عنها من مفاهيم تركز على الطابع العملي (البرجماتي)، الواقعية السياسية. كما نلاحظ هنا أن هذه المرتكزات أدت في النهاية إلى انزلاق المنظمة وفرعها السلطة الفلسطينية إلى مواقع خطأ منذ البداية، ومن غير الممكن معالجة هذا الخطأ بقرارات جزئية كما تفعل المنظمة قبل معالجة موقعها ودورها داخل المنظومة ككل، أقصد المنظومة الاستعمارية. وذلك بالهرب إلى موقع بديل من خلال المجاهدة لخلق مسار جديد يشكل قطعية جذرية مع هذا الموقع الراهن، لأنه منذ البداية كان موقع السلطة عبئًا على الشعب والكفاح الوطني الفلسطيني.

ويتضح من هذه المرتكزات أنها تتأسس على فكرة الميتافيزيقيا الغربية التي هز قواعدها مفكرو ما بعد الحداثة إذ أطلقوا عليها “ميتافيزيقيا الحضور”، ووجهوا لها ضربات خلخلت بنيانها واتساقها الذاتي والهوية الموحدة المتوهمة التي تدعيها لنفسها. وبالتالي هي مرتكزات لا تتأسس على خصوصية السياق الفلسطيني.

وهذا ما جعل منطق الممارسة السياسية في السياق الاستعماري يعاني من حالة انفصام ذاتي. وبخاصة أنه منطق أدى في نهاية المطاف إلى وضعية متناقضة جذريًا مع غاياته المتمثلة في تحرير كامل التراب الفلسطيني. فهذه المرتكزات أدت في النهاية إلى المصالحة مع الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني. وباتت العقلانية السياسية الفلسطينية تتعارض مع المرحلية التي أمست نهاية في الفكر السياسي الفلسطيني. وباتت البرجماتية السياسية الفلسطينية الرسمية تتعارض مع قوى أخرى تستخدمها لتحقيق غايات أخرى.

وعلى سبيل المثال، فإذا كانت دولة على حدود الرابع من حزيران 1967، هي تجسيد للعقلانية السياسية التي ترى أن التحرير الكامل غير ممكن، وأن الممكن والعملي والعقلاني هو دولة على حدود 1967، فماذا لو تبين – وقد تبين بالفعل – أن هذا الحل غير ممكن وبات مثاليًا يوازي تحرير فلسطين كاملة، وبات ما هو ممكن في هذه الغضون هو الدولة المؤقتة التي ترفضها المنظمة والسلطة، أو دولة في قطاع غزة، فما الفرق بين ذلك وبين المنطق الفكري الذي يرتكز عليه تبرير الدولة في حدود 1967؟! لماذا دولة تشمل الضفة والقطاع هي “أفضل” من دولة في قطاع غزة فقط؟ ألا ترى أيها القارئ الكريم أن مبرر دولة في قطاع غزة يستند إلى نفس مبرر الدولة في حدود 67؟ ما الفرق بين دولة على 7% من فلسطين، ودولة على 20%؟ لماذا هذه وطنية وتلك خيانة وطنية؟!

وهذا ما يؤكد أن خطاب منظمة التحرير عاجزٌ عن تقديم أجوبة عن أسئلة مشتقة من داخل نظامه المعرفي الذي انقلب ضده أو إلى نقيضه، وبات هذا النظام متعارضًا مع فكرة التطابق الذاتي والهوية الموحدة. وهذا يؤكد أن مقاصد ومقولات وأبعاد وغايات النموذج المعرفي للمنظمة وشبكة مفاهيمها الخاصة متعارضة وخادعة؛ بسبب قصورها الذاتي والمنطقي في تبرير منهجها ومسلكها السياسي، ومتعارض بنيويًا مع السياق الفلسطيني الاستعماري.

والمعنى أن الفكر السياسي الفلسطيني لم يبق متمسكًا بمنطلقاته الأولى التي تجسدت في الميثاق الوطني 1967، وتراجع عن تعريفة للصهيونية إذ أخضعه للمساومة، فما يفترض أن يكون ثابتًا في الفكر والممارسة تحول إلى فعل رجراج ومتأرجح يمكن المساومة عليه.

وتحول التناقض الرئيس بين الفلسطيني والصهيوني من تناقض غير قابل للحسم إلا بانتصار أحد الطرفين، إلى تناقض ثانوي يمكن معالجته والتفاهم معه.

فالثابت أن لا مجال للتعايش بين تصورين ومنطقين للجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، مما يعني أن الصراع قد تتبدل أشكاله وأدواته، يمكن لهدنات أن تحصل، ووقف إطلاق النار أن يجري بحذر وبتفهم من قبل الفلسطيني ولكن لا يمكن لسلام موهوم أن يعيش ويبقى مستمرًا لأنه متعارض بنيويًا مع منطق الأشياء.

المعنى أنه لابد من إصلاح المنظمة، ولكن من خلال إجراء مراجعة نقدية لمسارها الذي دخلت فيه. ولا ينبغي أن تكون هذه المراجعة من داخل الوعي السائد، بل لابد أن تشكل قطيعة جذرية مع هذا الوعي، ومع النموذج المعرفي الذي هيمن على المنظمة منذ أواسط السبعينات الذي يوجه هذا الوعي، ويرسم له أطره وحدوده، وعلى ذلك يتم اتخاذ القرارات المصيرية.

أما اتخاذ قرارات مصيرية إن أمكن ذلك، قبل المراجعة النقدية هو كمثل من يضع العربة أمام الحصان، أي غبار من دون أثر على حد قول البعض. وبالتالي من غير الممكن إعادة النظر بطبيعة السلطة وشكلها ووظائفها والتزاماتها، دون نقد المسار المنحرف للمنظمة. ولأن ثمة تناقضات داخلية لا تتسق مع ذات الفكر الراسخ حول التصورات الفلسطينية للصراع، التي تريد تثبيت أوضاع قارة، وبدلاً من ذلك لابد من فتح الأفق أمام المزيد من الاحتمالات، وتوسيع فضاء الفهم والتفسير والوصول إلى مناطق لم تستكشف بعد في مسيرة نضال المنظمة التي أفضت إلى نتائج تتعارض مع غاياتها المفترضة، مثل ما حاولنا استكشافه كقبول دولة على شبر من فلسطين يوازي منطق قبول دولة على حدود 1967 لا فرق بين الاثنين .

لقد بدأ بالفعل عقد ورش عمل ومحاضرات ومؤتمرات، فضلاً عن أبحاث وكتابات فلسطينية معمقة؛ لنقد حل الدولتين وطرح أفق جديد للممارسة السياسية الفلسطينية تستقيم مع طبيعة الصراع والسياق الاستعماري في فلسطين. إذ بدأت بواكير مدرسة فلسطينية جديدة تطرح مفاهيمَ ونماذجَ مختلفة للمشكل الفلسطيني. تعيد استدخال الحقل الفلسطيني في أفقه الصحيح. لأن الإطار المفهومي الذي ساد الحقبة الماضية وبفعل من ظواهر مستجدة غير قادر على فهم أو تقديم تفسير لها، بحيث باتت الضرورة العلمية تستدعي تقديم إطار مفهومي تفسيري جديد؛ كي يمكن فهم المستجدات إذ أصبح البرادايم القديم غير قادر على فهمه، فدخل في أزمة تفتح الطريق للتفكير في البحث عن إطار مفهومي جديد تتحرك الممارسة السياسية الفلسطينية في إطاره.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
التصنيفات
إعلان
التقويم
« يناير 2020 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية